Follow us on Facebook Follow us on Twitter Watch us on YouTube
 
صفحة 8 من 21 الأولىالأولى ... 45678910111218 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 71 إلى 80 من 206
  1. #71
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    مثل الذّئب والغراب وابن آوى مع الجمل والأسد

    كان أسد في الغابة مُجاورًا لأحد الطّرق المسلوكة. وكان له أصحاب ثلاثة: ذئب وغراب وابن آوى. ومرّ رعاة بذلك الطّريق ومعهم جِمال. فتأخّر منها جمل ودخل الغابة حتّى وصل إلى الأسد. فقال له الأسد: مِن أين جئتَ؟ فأخبره. قال: فيما حاجتك؟ قال: ما يأمرني به الملك. قال: تقيم عندنا في السعة والأمن والخصب. فبقي عنده زمنًا طويلاً.

    مضى الأسد في أحد الأيّام لطلب الصّيد، فلقي فيلاً عظيمًا، فقاتله قتالاً شديدًا وأفلت منه وقد أوهنته الجراح وأضعفته. ولم يكد يصل إلى مكانه حتّى جلس لا يستطيع حراكًا، وحُرِمَ طلب الصّيد.
    بقي الذّئب والغراب وابن آوى أيّامًا لا يجدون طعامًا لأنهم كانوا يأكلون من فضلات الأسد. فجاعوا وأصابهم الهزال. وقال لهم الأسد: لقد جعتم وصرتم بحاجةٍ إلى ما تأكلون.
    فقالوا له: لا تهمّنا أنفسنا لكننا نرى الملك على هذه الحال، ونتمنّى أن يجد ما يأكله.
    خرج الذّئب والغراب وابن آوى من عند الأسد وائتمروا في ما بينهم، وقالوا: ما لنا ولآكل العشب هذا الذي ليس شأنه من شأننا، ولا رأيه من رأينا! ألا نُزيّن للأسد أمره فيأكله ويطعمنا من لحمه؟
    قال ابن آوى: لا نستطيع أن نذكر هذا للأسد.. لأنه قد أمّن الجمل على نفسه.
    قال الغراب: أنّا أكفيكم الأسد.
    ودخل على الأسد، فسأله: هل اصطدتُم شيئًا؟ قال الغراب: إنّما يصطاد مَن يسعى ويبصر. ونحن لا سعي لنا ولا بصر من الجوع. لكن قد وُفّقنا لرأيٍ اجتمعنا عليه، فإنّ وافقنا الملك فنحن له مُجيبون.
    قال الأسد: وما ذاك؟
    قال الغراب: هذا الجمل آكل العشب الذي يعيش بيننا من غير منفعةٍ لنا منه، ولا عمل له تعود علينا منه مصلحة..

    فلمّا سمع الأسد ذلك غضب وقال: ما أبعدك عن الوفاء والرّحمة! لم يكن يصحّ منك أن تقول هذا مع أنّك تعلم أنّي أمّنت الجمل وجعلت له من ذمّتي، ولن أغدر به!
    قال الغراب: إنّي أعرف ما يقول الملك. ولكن النّفس الواحدة يُفتدى بها أهل البيت. وأهل البيت يفتدى بهم القبيلة. والقبيلة يفتدى بها أهل المصر. وأهل المصر فدى الملك. وقد نَزِلَت بالملك حاجة، وأنا أجعل له من ذمّته مخرجًا.. فنحن سنحتال على الجمل بحيلةٍ، لنا وللملك فيها صلاح وظفر. فسكت الأسد عن جواب الغراب عند هذا الخطاب.
    فلمّا عرف الغراب إقرار الأسد أتى صاحبيه، فقال لهما: قد كلّمت الأسد في أكل الجمل، على أن نجتمع نحن والجمل لدى حضرته. فنذكر ما أصابه ونتوجّع له اهتمامًا منّا بأمره، ويعرض كلّ واحد منا نفسه، فيردّه الآخران، ويُسفّهُ كلّ منهما رأيه، ويبين الضّرر في أكله. فإذا فعلنا ذلك سَلِمنا ورضي الأسد عنّا.
    ففعلوا ذلك، وتقدّموا إلى الأسد، فقال الغُراب: قد احتجتَ أيها الملك إلى ما يُقويّك، ونحن أحقّ أن نهب أنفسنا لك، فإنا لك نعيش. فإذا هلكت فليس لأحدٍ بقاء بعدك، ولا لنا في الحياة من خيرةٍ. فليأكلني الملك، فأنا راض بذلك! فأجابه الذّئب وابن آوى: أسكت، فليس خير للملك في أكلك، وليس فيك شبع. قال ابن آوى: لكن أنا أشبع الملك. فليأكلني، فأنا راضٍ بذلك! فردّ عليه الذّئب والغراب بقولهما: إنّك منتن قذرٌ.
    قال الذّئب: أنا لستُ كذلك، فليأكلني الملك، فأنا راضٍ، مُخلص النّية والضمير. فاعترضه الغراب وابن آوى وقالا: قد قالت الأطباء: مَن أراد أن يقتل نفسه فليأكل لحم ذئب.
    فظن الجمل أنّه إذا عرض نفسه على الأكل، التمسوا له عذرًا كما التمس بعضهم لبعضٍ، فيسلم، ويرضى الأسد عنه.
    فقال: لكن أنا فيّ للملك شبع وريّ، ولحمي طيّب هنيّ، وبطني نظيف، فليأكلني الملك ويطعم أصحابه وحشمه. فقد رضيتُ بهذا عن طيب خاطر.
    فقال الذئب والغراب وابن آوى: لقد صدق الجمل وتكرّم، وقال ما درى!
    ثم إنّهم وَثَبوا عليه ومزّقوه.

  2. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  3. #72
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    ابن آوى المُحتـال

    التقى ابن آوى بجملٍ فقال له: صباح الخير يا جَمَلي العزيز!

    أهلاً وسهلاً، صباح الخير يا ابن آوى.
    ماذا تفعل يا جَملي العزيز اليوم؟
    أبحثُ عن طعامي.
    أنّها فكرة. أنا أحبّ الأصداف والسّراطين وهي كثيرةٌ على الضّفة الأخرى من النهر... ما رأيك يا جَمَل؟
    رأيي في ماذا؟
    على الضّفة الثانية من النّهر زرعٌ كثيرٌ. لماذا لا نذهب إلى هناك فتأكل أنتَ وتشبع وآكل أنا من الأصداف والسّراطين؟
    أذهب؟ لماذا لا تذهب أنتَ؟
    أنا لا يهمّني ذلك. إنّ طعامي وافر. ولكنّ هناك قصب السّكر اللّذيذ. بإمكانك أن تأكله وتهنأ بطعمه اللّذيذ.
    صحيح؟ أتقول الحقيقة يا إبن آوى؟
    طبعًا، طبعًا يا جَملي الطّيب. ألم تذهب من قبل إلى هناك؟
    لا.. للحقيقة لم أذهب.
    ماذا تنتظر إذن؟ هيّا اذهب. اقطع النهر، الماء ضحل فتصل إلى الضفة الأخرى.
    تعال معي يا إبن آوى، دلّني على مكان القصب.
    أنا؟ أنا لا أستطيع أن أجتاز النهر. إنه عميق! اسمع! أنا لا أحسن السّباحة.
    لا بأس.. لا بأس.. إذن اعتَلِ ظهري وأنا أجتاز بك النهر.
    إذا كان الأمر كذلك، فلا بأس عندي، أجاب إبن آوى.
    هيّا اقفز على ظهري، ولنمضِ.

    حين وصل الإثنان ضفّة النّهر الثانية قفز ابن آوى إلى الأرض، وسأله الجَمل: أين القصب؟ أين قصب السكر يا أبن آوى؟

    إنّه هناك في ذلك الحقل. إذهب إليه.
    حسنًا.. حسنًا.. سأذهب إليه. ولكن قُل لي: إلى أين ستذهب أنتَ؟
    أنا سألعب على ضفّة النهر وأتسلّى، وأصطاد بعض الأصداف والسّراطين.
    هه.. لا بأس. لا بأس عندي، قال الجمل.

    ذهب الجمل إلى حقل قصب السكر، ولم يكد يمضغ ثلاثة أعوادٍ من القصب حتى كان أبن آوى قد شبع من أكل الأصداف والسّراطين، وصاح: لقد انتهيت من الطعام ويجب أن أعود. فكيف العمل إذن؟ فالجمل يأكل من الحقل، وهو سيبقى وقتًا طويلاً. يجب أن أجعله يترك الحقل ويرجع إلى الضفة الأولى.

    سمع إبن آوى صوت عصفورٍ فبدأ يعوي. فقال الجمل لنفسه: لماذا يعوي ابن آوى؟ ما سبب عوائه؟ غريب أمره. إنّه يطوف بالحقل في كلّ جوانبه ويعوي. ثم نادى إبن آوى: هيه! هيه! أنتَ ابن آوى! لماذا تعوي؟ اخفض صوتك لئلا يسمعك أصحاب الحقل، فيتنبّهون إلى وجودي هنا، فيُهاجمونني.
    سمع أهل القرية صوت ابن آوى، فقال أحدهم: في حقل قصب السّكر أحد بنات آوى. إنّه سوف يحفر الأرض ويلحق بالمحصول ضررًا بالغًا، فلا بُدّ لنا من صيده.
    سمع الجمل صوت القادمين من القرية، فقال: يبدو أنّ أهل القرية قادمون إلى الحقل بهراواتهم وعصيّهم وحجارتهم... وها هم قد بدأوا بمُهاجمتي.. إنّهم يقذفونني بالحجارة. آه يا أبن آوى!
    وصاح بهم: أرجوكم أتركوني.. آه.. أكاد أموت.. آه.. سأموت من كثرة ضربكم!
    ثم سمع أحد سكّان القرية يقول: إنّه يموت... بعد قليلٍ سيلفظ أنفاسه!
    فقال الجمل لنفسه: آه.. آه.. يا للمصيبة! ضربوني.. ضربوني.. كادوا يقتلونني!
    أقبل ابن آوى وسأل الجمل: ما بك جالس هنا؟ هيّا بنا.. آن لنا أن ننصرف.
    كل ذلك بسببك. حسنًا سنذهب الآن، الآن عرفتك عن كُثُبٍ.
    كيف وجدتَني؟
    أوه! أنتَ نِعمَ الرّفيق (مُتهكّمًا)! هل لك أن تخبرني ما الذي دعاك إلى العواء والقفز حول الحقل على هذا النّحو؟
    يضحك ابن آوى وهو يقول: للحقيقة لستُ أدري يا صديقي. إنّما عادتي أن أُغنّي بعد الطعام. وغنائي كما تعلم، عواء.
    فأجاب الجمل: مِن عادتك أن تغنّي بعد الطّعام!؟
    نعم... نعم. يا جَملي العزيز! هيا بنا نرجع.
    صحيح... صحيح... سنرجع.. سنرجع. إذن هكذا فعلتَ، لأن من عادتك الغناء بعد الطعام.
    نعم، وذلك حتّى أسهّل عملية الهضم.
    حسنًا، حسنًا، لنعد الآن إلى مكاننا حيث كُنّا على الضفة الأخرى.
    هذا ما أنتظره، قال إبن آوى.
    حسنًا، هيّا اقفز فوق ظهري، ولنمض. هيا بنا.
    ها قد قفزتُ. هيا. انطلق. ثم سأل آبن آوى الجمل: كيف وجدتَ الرّحلة؟
    لا بأس.
    أكلتَ جيّدًا؟

    نعم.
    هنيئًا مريئًا يا جَمل. ما بالك توقّفت عن السّير؟
    الجمل: ألتقط أنفاسي (يضحكان). يا ابن آوى، هل تعلم؟
    ماذا؟
    تراودني فكرة يا صديقي. تراودني رغبة مُلحّة يا صديقي.
    ما هي أيّها الجمل؟
    يضحك الجمل ويقول: رغبةٌ ملحّةٌ (يضحك) لأتقلب في الماء!
    خاف ابن آوى وصاح: إيّاك أن تفعل يا أخي لئلا تتسبّب في إغراقي. ماذا دعاك إلى هذه الفكرة؟ لماذا تريد أن تتقلّب؟
    لستُ أدري! ولكن من عادتي أن أتقلّب بعد الطعام.
    ماذا؟
    صاح الجمل: نعم.. أنتَ من عادتك يا أيّها الأناني العابث أن تُغنّي بعد الطعام، وتسبَّبتَ في ضربي وطردي لكي تعود بسرعةٍ بعد أن أكلتَ وشبعتَ. والآن (يضحك) أقول لك، أنا، من عادتي أن أتقلّب بعد الطعام!
    صاح ابن آوى (خائفًا): لا.. أرجوك.. أرجوك.. أرجوك..
    فضحك الجمل طويلاً وقال: هذا جزاء العابث يا ابن آوى. ثم تقلّب في الماء، فغرق ابن آوى.

  4. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  5. #73
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    البطلان: قنفـذ وخلـد

    قالت الرّاوية: حكاية اليوم تتناول مشكلةً قامت بين بطلين، هُما قنفذ وخلد.

    كان القنفذ يتنزّه في الحقل حين شاهد أكوامًا صغيرةً من التّراب النّاعم الأملس.
    قال القُنفذ: غريب! ما هذا التّراب؟ أسمع حفيفًا واهيًا قريبًا منّي. هه! مَن هذا الحيوان الصّغير الذي يحفر الأرض ويدفع التّراب بقوائمه ويقيم كومةً من التّراب جديدة؟
    وجاء صوت الخلد: سه، سه، سه!
    فصرخ القنفذ: مَن أنتَ يا مُسَأسِئ؟
    أجاب الخلد: قُل لي مَن أنتَ أوّلاً لأقول لك من أنا ثانيًا؟
    حسنًا. أنا القُنفذ، وأنتَ؟
    وأنا الخلد، اسمي الخلد. ألَم تسمع بالخلد من قبل يا حضرة القُنفذ؟
    فقال القنفذ: كم أنتَ رقيق وممتاز. أنا نادمٌ لأنّي لم أتعلّم أن أحفر بنفسي في التراب مثلك. والحقيقةُ أنّي لم أشاهد في حياتي كلّها خلدًا.
    قال الخلدُ ضاحكًا: شكرًا لك على ثَنائك. والآن بعد أن شاهَدتَني أصبحتَ تعرف الخلد؟
    نعم، وليَ الشّرف بذلك.
    صاح الخلد: أخجَلَك تواضعي!
    قال القنفذ: سأجلس هنا بالقرب من أوكارك وأرى كيف تقوم بالحفر وقلب التراب وتكديسه في أكوامٍ صغيرةٍ.
    أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً. تفضّل، تفضّل. هل لك يا صاحبي القُنفذ أن تشرب فنجانًا من القهوة؟
    لا شكرًا، بالأفراح.
    ما بالك يا صاحبي الخلد؟
    خطَرَت على بالي فكرة.
    فكرة ؟ أيّة فكرة؟
    ما رأيك أيها الصديق العزيز؟
    رأيي؟ بماذا؟
    أن نكونَ شريكَين معًا في زراعة القمح؟
    شريكَين في زراعة القمح؟
    بالضبط يا رفيقي. فأنا أملك حقلاً واسعًا، ولكنّي لا أجيد الحفر والحراثة وقلب التربة مثلك.
    هه. هه، بدأت أفهم.
    مُمتاز إذن. أنت يا عزيزي الخلد تحرث الأرض وأنا أبذرها وأتعهّدها بالسقاية والعناية. وسيكون عندنا بعد ذلك إنتاج وفير نتقاسمه بالتّساوي.
    هاه...

    هه! ماذا؟ لم تبد لي رأيك؟
    موافق، موافق. هات يدك يا صديقي القنفذ نتصافح عربونًا للإخلاص والمحبّة والوفاء.
    شدّ علي يديّ كما أشدّ على يدك.
    يا صديقي أنا أعاهدك.
    وأنا أعاهدك.
    حرثَ الخلد الأرض بدقةٍ واهتمامٍ. وبعد أن بذر القنفذ القمح، أعاد الخلد حراثة الأرض مُجدَدًا حتّى تمكّن من طمر جميع البذور في التراب. وراح الإثنان ينتظران.
    سأل الخلد: والآن أيها القنفذ العزيز، ماذا ستفعل؟
    فأجابه القنفذ: سأهتمّ بالمزرعة، وأعتني بسقايتها وتعشيبها وحمايتها من فئران الحقول.
    حسناً تفعل، وأنا أساعدك أيضًا.
    طبعًا. فغدًا سينمو القمح، وستكون سنابله كثيرة وغنية بالحبوب.
    وعندها سيكون نصيبُ كلّ منّا وفيرًا.
    طبعًا، طبعًا.
    كان الموسم وافرًا. وتعهّد القنفذ حصاده وجمعه أكداسًا كبيرةً، ثم درس القمح وذرّاه فصار كحبّات اللّؤلؤ. وحان أوان اقتسام المحصول.
    قال الخلد: أرأيت ما أوفر الموسم؟
    فأجابه القنفذ: طبعًا، طبعًا؟
    هيا، هيا نقتسم الغلّة.
    حاضر، حاضر.
    ماذا تنتظر؟ هيا نقتسم، نصف الغلّة لي، ونصفها لك.
    دعها للغد، وإن غدًا لناظره قريبٌ.
    إذًا صباحًا نقتسم الغلّة.
    ألم تسمع ما قلتُ؟
    قلتَ غدًا.
    وقلت أيضًا إنّ غدًا لناظره قريبٌ.

    فكّرَ الخلد: إن غدًا لناظره قريب؟ ماذا يعني؟

    قال القنفذ لنفسه: لِمَ يكون الخلد شريكي؟ ألم أعمل أكثر منه؟ إنّه لا يستحقّ نصف المحصول. أنا تعبتُ أكثر منه. يجب أن آخذ حصةً أكبر. وماذا يستطيع الخلد أن يفعل إن أخذتُ أكثر؟ فأنا عندي أشواك كثيرة حادّة تلفّ جسمي، أستطيع أن أقذفه بها وأحمي نفسي منه إن أراد أن يقاتلني. فلأذهب إلى الحقل وآخذ نصيبي.
    وفي الحقل كان الخلد ينتظر من قَبل الفجر.

    أراك جئتَ مبكرًا يا صديقي القنفذ؟

    فكّر القنفذ لنفسه: ما به سبقني إلى الحقل؟ - ثم قال بصوتٍ عاديٍّ: جئتُ للإقتسام.
    هيّا! باشر.
    لماذا نتعب أنفسنا يا خلدي الجميل؟ سأعطيك حصّتك الآن، هذه حصّتك.
    ماذا؟ حصّتي؟ حصتي؟ هذه حصتي؟ أراك أعطيتني كومةً صغيرةً وأبقيتً كلّ الغلّة لكَ.
    طبعًا. فأنا اعتنيت بالموسم من أوّله إلى آخره.
    وأنا حفرتُ الأرض وساعدتُك.
    هذه حصّتك يا خلد وكفى!
    ولكنّنا اشتركنا معًا على أساس أن يكون النّصف لي والنصف الآخر لك.
    هذه حصّتك، وافعل ما تشاء!
    أنا لا أقبل بهذا! لا، لا، لا أقبل.
    لا تقبل؟ أنت حُر. هذا ما لك عندي. خذه وامش.
    ما هذا الكلام يا قنفذ؟
    هذا الكلام لكَ.
    أنت لصّ خسيس ودنيء.
    اسكت يا خلد وإلاّ لن تعرف ما يحلّ بك!
    ماذا يحلّ بي؟
    صاح القُنفذ: أقذفك بشوكي.
    فأجابه الخلد: اسمع يا صاحبي. لم النّزاع؟ نرفع قضيتنا إلى الثعلب. فهو قد أقام مَحكمةً للنّظر في قضايا المظلومين، وما يقول نعمل به.
    حسنًا. فلنذهب إلى الثّعلب.

    ضحك الثعلب طويلاً، وقال: نعم، نعم، فهمتُ. هل لأيٍّ منكما أن يقول شيئًا آخر؟

    قال الخلد: أريد حصّتي كاملةً.
    وقال القنفذ: أنا تعبتُ وأريد نصيبي.
    حسنًا، قال الثّعلب، دعاني أفكّر بالأمر، كي أصل بكما إلى حلٍ عادلٍ يرضيكما معًا. اذهبا الآن . غدًا في مثل هذا الوقت، نلتقي معًا في الحقل.

    وجاء حكم الثعلب في الغد، فقال للقنفذ: أيّها القنفذ المسكين! لقد تعبتَ كثيرًا وبذلتَ مجهودًا كبيرًا تستحقّ المكافأة عليه. وحقٌ لك أن تستريح من عناء العمل الشّاق. فقد حصلتَ من جرّاء دراسة القمح وتذريته على قشٍ وتبنٍ كثير، تستفيد منه في بناء أكثر من بيتٍ لك، وفي صنع فرش عديدة تحميك شر البرد، وتوفّر لك الرّاحة والنّعيم الدائم. فكُلّ القش والتبن لك وحدك، لا يحقّ للخلد مشاركتك فيهما.

    وقال للخلد: أمّا أنتَ أيّها الخلد الطّيب، فإنّك لستَ بحاجة إلى شيءٍ من القش والتبن. إنك بحاجةٍ إلى غذاءٍ يحميك من الجوع، تختزنه في بيتك لوقت الحاجة. خُذ هذه حفنة من حبّات القمح أمانًا لك من الجوع والفقر.
    وأضاف الثعلب: أمّا أنا فسأكتفي بما تبقى من حبّات القمح هنا كأجرٍ لأتعابي في إحلال السّلام بينكما.
    تساءل الخلد: يعني... لن يصيبنا شيء من قمحنا؟
    وقال القنفذ: وتَعَبنا؟
    فأجابهما الثعلب: هذا هو حكم الثعلب.
    نظر الخلد إلى صديقه القنفذ وقال له: أرأيتَ؟ أرأيتَ ما حلّ بنا بسبب طَمعك؟
    فأجاب القنفذ: أنتَ لم تقبل بما اخترتُ أنا.
    ضحك الخلد وقال: ما أحلى ظلم القنفذ! إنّه خيرٌ ألف مرّةٍ من حكم الثعلب!
    بينما تحسّر القنفذ على ما خسِر وقال: آه! ما ضَرّني لو لم أطمع وأستولي على حصّتي وحصّة شريكي!!

  6. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  7. #74
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    مطحنة الملـح

    كيف أصبحت مياه البحار والمحيطات مالحةً؟

    هذا ما ترويه الجدّات لأحفادهنّ:
    كان يعيش في قريةٍ صغيرةٍ أخوان، أحدهما إسمه "كريم" وهو رجلٌ صادقٌ يُحسن معاملة جيرانه ويساعد الفقراء كلّما منحه الله رزقًا، لكنّه لم يكن غنيًا. وكان يعيش مع زوجته وأولاده.
    والثّاني اسمه "وحيد" وكان غنيًا يعيش في منزلٍ فخمٍ. لكنّه لم يكن محبوبًا. فهو بخيلٌ لا يساعد أحدًا.
    عاد كريم ذات يومٍ إلى بيته عند العصر، فوجد زوجته حزينةً مهمومةً. ولمّا سألها عمّا بها، قالت: "لم نتناول طعام الغداء بعد، وليس لدينا نقود نشتري بها طعام العشاء. الأولاد جيّاع، ويجب أن نتدبّر الأمر".
    حزن كريم عندما سمع كلام زوجته. فهو لم يوفّق يومها في عمله، ولم يجنِ إلاّ القليل من المال. وفي طريق العودة إلى منزله صادف رجلاً فقيرًا، فأعطاه ما كان معه، ولم يكن يعلم أنّ ما مع زوجته من نقودٍ قد نفذ أيضًا.
    وقع كريم في حيرةٍ من أمره، وأخيرًا قرّر طلب المساعدة من أخيه وحيد. ووعد زوجته بأن يأتيها بالطّعام قبل أن ينام الأولاد.
    لمّا دخل بيت أخيه، وَصلت إليه رائحة الطّعام الشّهي. ولما قابل أخاه، حكى له ما حصل معه، وطلب إليه أن يساعده. فأجابه وحيد: "أنتَ تُنفق أموالك ثم تأتي لتطلب المساعدة مني؟ هذه المرّة سأعطيك بعض الطعام، لكن إيّاك أن تكرّر طلبك هذا".
    خرج كريم من منزل أخيه كسير الفؤاد حزينًا، وقال في نفسه: "سامحك الله يا أخي. أتلومني إذا أعطيتُ بضعة دراهمٍ لرجلٍ مسكينٍ؟"
    في طريق عودته، رأى شيخًا جليلاً، أبيض الشّعر واللّحية، تبدو الطّيبة في وجهه. بادره الشّيخ قائلاً: "مساء الخير يا بُنيّ. ماذا تحمل في يدك؟"
    -"بعض الطّعام للعشاء، إن شئتَ أعطيتك شيئًا منه".
    -"شكرًا يا بُنيّ. إنّ مَن كان مثلك في الكَرَم وحُسن الخُلق لا ينساه الله. خُذ هذه المطحنة العجيبة. تستطيع أن تطلبَ منها ما شئتَ من ألوان الطّعام وسوف تستجيب لطلبك في الحال. ما عليك إلاّ أن تصفّق بيديك، ثم تقول لها: <<إطحني، أعطني كذا>>. وإذا أردتها أن تتوقّف عن العمل، صفّق بيديك مرةً أخرى".
    دهشَ كريم عندما سمع هذا الكلام، وأخذ المطحنة بين يديه ليتفحّصها. وعندما رفع رأسه ليشكر الشيخ على هديته، لم يجده أمامه.
    تابع كريم سيره وهو يشكر الله على هذه النّعمة، إذ بفضل المطحنة العجيبة لن يشعر أولاده بالجوع أبدًا.
    ولما دخل المنزل، وجد زوجته وأولاده مُجتمعين ينتظرون الطعام. فقالت له زوجته: "لقد تأخّرتَ، وجاع الأولاد كثيرًا".
    وضع كريم المطحنة على الطاولة، وصفّق بيديه وقال: "إطحني وأعطينا طعام العشاء".
    وكَم دهش الجميع حين رأوا المائدة وقد حفلت بأصناف الطّعام.
    ومنذ ذلك اليوم صار كريم يدعو إلى مائدته أهل القرية، ويوزّع الطعام على المُحتاجين والفقراء..
    وذات يومٍ، كان أخوه "وحيد" بين المدعوين. ولمّا رأى ما صارت إليه حال أخيه من خيرٍ وفيرٍ، ورآه بين الحين والآخر يدخل المطبخ، ثم يعود محمّلاً بما لذّ وطاب من الطعام، أخذه العجب والحسد، وقال له: "أخبرني، لقد كنتَ قبل أيّامٍ لا تملك ثمن رغيفٍ واحدٍ، فمن أين هَبَطت عليك النّعمة؟"
    فأجابه كريم: "إن كلّ نعمةٍ هي من عند الله، فالحمد لله والشّكر".
    لم يستطع وحيد أن يقاوم الحسد والطمع، فاختبأ في زاويةٍ مُظلمةٍ من زوايا المطبخ، وانتظر...
    بعد قليلٍ، دخل كريم ليطلب إلى المطحنة مزيدًا من الحساء للضّيوف،‎ فعرف الأخ الجشع من أين يأتي أخوه بكلّ هذا الطعام. وما إن خرج كريم لِلَحظةٍ من المطبخ، حتّى كان وحيد قد حمل المطحنة بيديه، وهي ما تزال تعمل، وفرّ بها مسرعًا من منزل أخيه، يتبعه سيلٌ من الحساء أينما اتّجه.
    ما إن وصل وحيد إلى منزله، حتى أسرع يبحث عن آنيةٍ ليضع فيها الحساء المُنسكب. وبقيت المطحنة تعمل، ووحيد يحاول أن يوقفها من دون جدوى. وسال الحساء على الطاولة ثم على أرض المنزل، حتّى كاد يغرقه، ووحيد ينطق بكلّ الكلمات التي تخطر على باله، لكنّ المطحنة لم تتوقف عن العمل. فما كان منه إلاّ أن حملها وركض عائدًا إلى منزل أخيه. ودهش مَن رآه على الطريق، وهو يجري، ويجري خلفه سيل الحساء وكأنّه الطوفان.
    دخل وحيد منزل أخيه مسرعًا، وقال لأخيه: "إذا لم تُوقف هذه المطحنة فورًا فإنّها سوف تغرق القرية كلّها. لقد تعلّمتُ درسًا لن أنساه أبدًا. إنّ نتيجة الطمع والحسد وخيمةٌ. خُذ مطحنتك ولا أريد أن أراها بعد اليوم.
    صفّق كريم بيديه فتوقّفت المطحنة عن العمل في الحال.
    ذاع نبأ المطحنة العجيبة بين الناس، فكانوا يأتون من كلّ مكانٍ ليشاهدوها. وكان كريم لا يبخل على أحدٍ ويعطي الجميع.
    وذات يومٍ، طرق بابه رجلٌ يرتدي ملابس غريبة، وكأنّه أتى من مكانٍ بعيدٍ جدًا، فاستقبله كريم بلطفٍ، وسأله عن طلبه، فقال: "أنا ربّان سفينةٍ كبيرةٍ، جئتُ من مكانٍ بعيدٍ إلى قريتكم، بعد أن سمعتُ عن مطحنتك العجيبة. وقد جئتُ أسألك: هل تُعطي مطحنتك ملحًا؟"
    "طبعًا أجاب كريم. إنّها تعطيك كلّ ما تريد من ألوان الطّعام".
    "لقد قضيتُ سنين طويلة من حياتي أقود سفينتي، وأنتقل من بلدٍ إلى آخر بحثًا عن الملح لأتاجر به. فهل تقرضني مطحنتك لأملأ سفينتي ملحًا، فتوفّر عليّ عناء السّفر؟"
    وافق كريم على طلب الرّبان، وأخذ يشرح له ما يجب أن يفعل حتى تبدأ المطحنة بالعمل. لكنّ الرجل خاف أن يُغيّر كريم رأيه ويرجع عن وعده، فحمل المطحنة وخرج مُسرعًا قبل أن يشرح له كريم كيف يُوقف المطحنة عن العمل. تعجّب كريم للأمر وقال في نفسه: "إن هذا الرجل على عجلةٍ من أمره، ألا يعرف أنّ في العجلة النّدامة؟"
    لما وصل الربان إلى السفينة، رفع الأشرعة، وأبحر بها. ثم وضع المطحنة على الطّاولة وصفّق بيديه وقال: "اطحني وأعطيني ملحًا".
    بدأت المطحنة العمل، وتدفّق الملح على الطاولة، ثم فاض على أرضية السّفينة، وأخذ يرتفع شيئًا فشيئًا حتّى امتلأت السفينة، وصعد الملح على السّطح. عندها حاول الرّبان أن يوقف المطحنة، لكنّه لم يستطع، وظلّت تطحنُ وتطحن، والملح يرتفع ويعلو، حتّى خاف الربان أن تغرق السّفينة. فشقّ طريقه بين أكداس الملح، حاملا المطحنة ثم رماها في البحر، فغرقت في القاع، وهي ما تزال تطحن وتعطي الملح فتجعل مياه البحر مالحةً.
    ويقول بعض الناس إنّها ما زالت هناك حتّى اليوم، تُجدّد ملح البحر باستمرارٍ.
    هل عرفتم الآن أيّها الصّغار، كيف يروي الناس لبعضهم سبب ملوحة مياه البحار والمُحيطات؟
    لكن هل تصدقون أنّ هذا هو السبب الحقيقي لملوحة هذه المياه؟
    لا طبعا... فالنّاس يروون هذه الحكاية للتسلية والعبرة والموعظة. وقد تَخَيّلوها لأنهم كانوا في الماضي يجهلون السّبب الحقيقي لوجود الملح في البحر. أمّا اليوم فقد أصبحوا يعرفون جيدًا أنّ كل نهرٍ على سطح الأرض يصبّ في البحر أو في المحيط، وخلال سيره ، يجرف النّهر معه التراب ومواد أخرى، منها الملح. وعندما يصبّ النهر في البحر يجلب معه الملح. وخلال آلاف السّنين تراكم هذا الملح وكثر في البحار حتى صار طعم ماء البحر مالحًا...!
    إذن... الأنهار هي التي تقوم بمُهمّة المطحنة العجيبة التي عرفناها من الحكاية.

  8. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  9. #75
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    البئر العجيبة

    يحكى أنه كان لامرأة بنتان، أحداهما دائمة العمل والابتسام، واسمها " أمينة "، والثانية دائمة الغضب والصياح، اسمها " جميلة ". وكانت أمينة المبتسمة النشيطة تساعد أمها دائماً في كل عمل. أما جميلة العابسة، فكانت كسولة تتهرب من أي عمل.

    كانت أمينة تحلب الأبقار وتنظف البيت وتصنع الزبدة والجبن وتخبز الخبز وتغزل الصوف. أما جميلة فلم تكن تحلب أو تنظف أو تغزل أو تقوم بأي عمل. وإذا ذهبت أمينة إلى السوق أو إلى المدينة المجاورة لشراء بعض حاجات المنزل من طعام أو أدوات، كانت جميلة تترك البيت من غير تنظيف، ووعاء الخبز فارغاً.

    وذات صباح، توجهت أمينة المبتسمة إلى البئر لإحضار ماء بالدلو وركعت على حافة البئر، ومالت بجسمها فوق فتحتها لتسحب الدلو إلى خارجها، لكنها مالت بجسمها أكثر مما يجب ففقدت توازنها، وسقطت في البئر. وأخذت تسقط وتسقط إلى أسفل وأسفل. فقدت المسكينة وعيها. فلما أفاقت وجدت نفسها راقدة فوق حشائش خضراء يانعة في حديقة واسعة، تغمرها أشعة الشمس المشرقة، وتمتلئ بآلاف الورود الحمراء. وكم دهشت أمينة عندما وجدت دلو الماء ممتلئا بجوارها.

    وقفت الفتاة ونفضت العشب عن ثيابها، فشاهدت ممراً وسط الورود والحشائش. وقبل أن تخطو خطوة باتجاه الممر، سمعت الورد الأحمر يناديها ويقول: " انتظري... العطش يقتلنا والماء بجوارك... امنحينا الحياة برش الماء علينا."


    تلفتت أمينة حولها، فوجدت الحديقة تمتلئ بآلاف الورود الحمراء، ومع ذلك لم تتردد في أن تستجيب لدعوة الورد الظمآن. رفعت الفتاة الدلو وأخذت تملأ كفيها بالماء وترشه على الزهور الحمراء. وتنتقل مبتسمة من مكان إلى مكان تروي ذلك العدد الهائل من الورد الأحمر.

    وأخيرا فرغ الدلو من الماء، لكنها كانت قد منحت الماء لكل أزهار الحديقة. وعادت تتابع السير في الممر الذي كانت قد رأته، فسمعت الورد الأحمر يضحك ويقول: "ليجعل الله لوني الأحمر في وجنتيك ولا يجعله في عينيك!!"

    سألت أمينة نفسها في حيرة: " إلى أين سيؤدي بي السير في هذا الطريق؟ " وفجأة رأت فرناً تشتعل النار في أسفله، وفي أعلاه عدد كبير من أرغفة الخبز الناضجة. ودهشت الفتاة إذ لم تجد أحدا بجوار الفرن ... وزادت دهشتها عندما نادتها الأرغفة من داخل الفرن في رجاء: " نرجوك ... أخرجينا من هنا، وإلاّ احترقنا تماماً... لقد نضجنا من زمن طويل."

    عندئذ تقدمت الفتاة المبتسمة من الفرن وأمسكت بقضيب من الحديد وجدته بجواره، وأخرجت الخبز رغيفا بعد رغيف. ثم استأنفت سيرها.

    عندئذ همس الفرن:" ليجعل الله لون قلب الخبز الأبيض في بشرتك ولا يجعله في شعرك. "

    واصلت الفتاة سيرها، إلى أن مرت بشجرة برتقال امتلأت أغصانها بالبرتقال الأصفر الكبير. ودهشت الفتاة لهذا العدد الكبير من البرتقال الناضج، وزادت دهشتها عندما نادتها شجرة البرتقال قائلة : " أرجوك ... هزّيني .. هزّي أغصاني من فضلك.. لقد نضج برتقالي من زمن طويل، وسيفسد إذا ظل فوق أغصاني.. "

    لم تتردد الفتاة المبتسمة، وهزت الشجرة، فتساقط البرتقال كالسيل. ثم استأنفت سيرها والشجرة تهمس : " ليجعل الله لون برتقالي الأصفر في شعرك ولا يجعله في بشرتك."

    استأنفت الأخت المبتسمة سيرها، إلى أن وصلت إلى منزل صغير غريب الشكل تغطّي جُدُرَه مربعاتٌ بيضاء وسوداء، وقد أطلّت من إحدى نوافذه امرأة عجوز قبيحة الشكل. وعندما تطلعت أمينة إلى أعلى ورأت المرأة العجوز، ملأ الخوف قلبها، وأخذت تجري. لكن العجوز نادتها بصوت لطيف: " لا تخافي يا ابنتي العزيزة. أدخلي منزلي، وتعالي نتحدث معا."

    ورغم القبح الذي كان عليه وجه العجوز، فقد بدت ملامحها بشوشة وصوتها يفيض طيبة ورقة، فزال خوف الفتاة، ودخلت المنزل. وعرضت العجوز على أمينة المبتسمة أن تعيش معها في منزلها وقالت لها: " يمكنك أن تساعديني في أعمال البيت، واذا وجدت منك المعونة الصادقة، سأعاملك كأنك ابنتي الحقيقية."

    وافقت الأخت المبتسمة على أن تبقى في منزل السيدة العجوز.

    قالت السيدة العجوز: " يمكنك أن تقومي بكل أعمال المنزل. فإذا قمت بها بطريقة ترضيني فستجدين عندي كل ما تحتاجين إليه. وأهمّ ما أوصيك به أن تعتني بفراشي عناية خاصة. إن عظامي هشة رقيقة، وإذا لم يكن الفراش ليّنا مستوياً، فسيؤلمني جسمي ولن أستطيع النوم."

    أقبلت أمينة على العمل بأمانة وإخلاص بعد أن أحست بعطف السيدة العجوز وطيبتها وحلاوة حديثها. وأدّت الفتاة كل أعمال المنزل برضا وإتقان، خاصة تسوية سرير السيدة العجوز.

    أعجبت السيدة العجوز بالطريقة التي كانت تسوّي بها الفتاة المبتسمة سريرها، كما أعجبتها طريقة الفتاة في القيام بكل أعمال المنزل, فعاملتها بكل حب وحنان، وأعطتها كل ما تريد.

    هكذا عاشت أمينة أياماً سعيدة، ولم تسمع خلالها كلمة قاسية. ولكن بعد فترة من هذه الحياة الهانئة، أحست الفتاة بحنين إلى أسرتها وبيتها، فشعرت بالحزن والاكتئاب.

    ورغم الفارق الكبير بين الحياة المريحة التي منحتها كل أسباب السعادة في بيت العجوز، وبين الحياة القاسية في بيت أمها، فقد ذهبت إلى السيدة العجوز وقالت لها: " لقد لقيت منك كل معاملة طيبة أثناء إقامتي هنا. لقد عاملتني كأنني ابنتك، لكنني أشعر بحنين شديد إلى أمي وأختي، لذلك أرجوك أن تسمحي لي بالعودة إلى أهلي."

    قالت السيدة العجوز: " يسرني أنك ترغبين في العودة إلى أهلك يا أمينة! أيتها الفتاة المبتسمة . إن هذا وفاء منك لهم. وما أجمل الوفاء للأهل والأصدقاء. كما كنت وفية لي وأمينة على خدمتي... هيا تعالي معي."

    أمسكت العجوز بيد أمينة وقادتها إلى المكان الذي وجدت فيه الفتاة نفسها بعد أن سقطت في البئر. والتفتت العجوز ناحية البئر وقالت: " يا بئر ... يا بئر .. اجعليها تلبس الذهب الكثير. يا بئر... يا بئر... اجعليها تلبس الحرير الكثير."

    وما إن قالت العجوز هذه الكلمات حتى وجدت الفتاة نفسها ترتدي ملابس فاخرة من الحرير الغالي، وانهمر فوقها سيل من قطع النقود الذهبية، التصقت بكل أجزاء الملابس الحريرية الفاخرة حتى غطّى الذهب الفتاة من قمة رأسها حتى أطراف قدميها.

    قالت السيدة العجوز: " هذا الذهب كله لك، خذيه معك. فهو المكافأة التي تستحقينها مقابل عملك معي ومساعدتك لي."

    وفجأة اختفت العجوز، ووجدت أمينة نفسها في الطريق بالقرب من دار أهلها. وما إن بلغت فناء البيت حتى رأت الديك يقف على السور. وعندما رأى الفتاة المبتسمة يغطيها الذهب، وقد أحمرّ خدّاها وابيضت بشرتها وأصفرّ شعر رأسها، صفّق بجناحيه وصاح : " كوكو ... كوكو .. لقد عادت إلينا فتاتنا الذهبية."

    دخلت أمينة إلى أمها وأختها وأخذت تحكي لهما ما حدث لها، وقالت: " لقد عشت في بيت سيدة عجوز، عاملتني بكل حب وحنان. لقد اعتبرتني كابنتها. إن كل هذه القطع الذهبية هي مكافأتي على الخدمات التي قدمتها إليها. خذي يا أمي كل هذا الذهب وسنعيش به سعداء معاً.

    عندما سمعت جميلة، الأخت العابسة قصة أختها، ورأت الثروة العظيمة التي عادت بها، أرادت أن يكون لها مثلها، وشجعتها الأم قائلة :" اذهبي أنت أيضا يا جميلة لتعودي بالذهب."

    انطلقت جميلة العابسة، وجرت إلى حافة البئر، ثم قفزت داخلها وحدث لجميلة ما حدث لأمينة. فعندما فتحت جميلة عينيها، وجدت نفسها فوق حشائش الحديقة الواسعة وسط الورد الأحمر وبجوارها دلو الماء. وكانت تريد أن تصل بأقصى سرعة إلى منزل السيدة العجوز، لكنها مع ذلك سمعت الورد الأحمر يطلب منها أن ترشه بالماء. وتلفتت جميلة حولها وعبست ثم قالت :" كيف أستطيع أن أروي كل هذا العدد الضخم من الورد؟ هذا عمل شاق يستغرق مني وقتا طويلا، وأنا أريد أن أصل بسرعة إلى بيت السيدة العجوز." وتركت الماء في الدلو وتركت الورد الأحمر يعاني العطش والذبول، وهرولت في الطريق إلى منزل السيدة العجوز. فهمس الورد الأحمر خلفها قائلا :" ليجعل الله لوني الأحمر في عينيك ولا يجعله في وجنتيك."

    وصلت جميلة إلى الفرن، وسمعت الخبز يناديها راجياً إياها أن تخرجه قبل أن يحترق، ولكن جميلة قالت في عبوس: " أخاف أن تحترق أصابعي أو تتسخ ملابسي." وتركت الخبز يحترق في الفرن . فهمس الفرن خلفها: "ليجعل الله قلب الخبز الأبيض في شعرك ولا يجعله في بشرتك" .

    وعندما قابلت شجرة البرتقال وسمعتها تقول: "من فضلك هزّيني." استمرت جميلة في سيرها وهي تقول عابسة: " سوف يقع البرتقال فوق رأسي ويؤلمني". وتركت البرتقال يفسد فوق الشجرة. وهمست الشجرة خلفها:" ليجعل الله لون برتقالي الأصفر في بشرتك ولا يجعله في شعرك".

    وصلت جميلة العابسة إلى بيت السيدة العجوز، لكنها لم تشعر بأي خوف عندما وجدتها تطل من النافذة. فدعت العجوز جميلة العابسة أن تعيش معها وتساعدها، ووعدت الفتاة بأن تساعد العجوز، لكن أفكارها كانت منصرفة إلى قطع الذهب التي ستنالها في مقابل عملها.

    أطلعت العجوز جميلة على كل ما يجب أن تعمله في المنزل. وفي اليوم الأول استجابت جميلة لطلبات السيدة العجوز، مدفوعة بأمل الحصول على الذهب الكثير، وقامت بتسوية الفراش كما يجب.

    لكن في اليوم التالي، أخذت تتكاسل وتهمل في واجباتها، وتتظاهر بأنها تقوم بإعداد الفراش من غير أن تفعل شيئاً حقيقياً.

    وفي اليوم الثالث، لم تعد تتظاهر بالعمل، بل استيقظت متأخرة، ثم بحثت عن مكان تختفي فيه عن بصر السيدة العجوز لتفكر في الذهب، ونسيت العمل. فنادتها السيدة العجوز وسألتها عن سبب امتناعها عن العمل، فعبست جميلة وقالت: " لماذا تطلبين مني أن أعمل؟ إن فراشك ليّن ومريح، فما الداعي لأن أقوم بتسويته كل يوم؟ والبيت لا تظهر فيه القذارة، فلماذا أنظفه؟ سأستريح اليوم من العمل.. "

    وعندما ذهبت السيدة العجوز إلى غرفة جميلة، وجدتها مستلقية في كسل على فراشها، فقالت لها: " انهضي أيتها الفتاة، اليوم تعودين إلى منزلك".

    لم تكن جميلة تريد أن تسمع إلا هذه العبارة، فقالت في نفسها: " سأحصل الآن على الذهب".

    أمسكت العجوز بيد الفتاة العابسة، وقادتها إلى جوار البئر وقالت: " يا بئر... يا بئر... اجعليها تلبس الحبر الكثير ... يا بئر ... يا بئر ... اجعليها تلبس الخيش الكثير."

    وما إن قالت العجوز هذه الكلمات حتى وجدت نفسها ترتدي ملابس خشنة من الخيش القاتم، وقد انهمر فوقها سيل من صبغة سوداء التصقت بشعرها وكل جسمها وملابسها.

    وقالت السيدة العجوز: " هذه الصبغة السوداء هي المكافأة التي تستحقينها مقابل عملك معي ومساعدتك لي". وفجأة اختفت العجوز، ووجدت الفتاة نفسها في الطريق بالقرب من دارها. وعلى سور فناء البيت شاهد الديك الفتاة العابسة حمراء العينين، بيضاء الشعر، صفراء الوجه، تغطّيها الصبغة السوداء. فصفق بجناحيه وصاح: كو كو. لقد عادت إلينا فتاتنا السوداء."

    وظلت البقع السوداء عالقة بالفتاة العابسة الكسولة إلى أن تعلمت كيف تتخلى عن الكسل والعبوس. لكنها لم تتعلم إلا بعد سنوات طويلة....

  10. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  11. #76
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    الحصان الطّائر

    كان ذلك الصّباح المُشرق من أيّام الربيع الجميلة، يوم عيد ميلاد الأمير فيروز، ابن حاكم البلاد وسلطانها.

    جلس السلطان ياقوت، والد الأمير، في قاعة القصر، لإستقبال وفود المُهنّئين القادمين من كلّ أنحاء مملكته. ووقف عن يساره ابنه الأمير فيروز وجلست ابنته الأميرة زُمرّدة عن يمينه. وكان أركان الدّولة وأغنياؤها وكبار التّجار يجلسون في القاعة وهم يرتدون أجمل الثياب، ورائحة العطور الزّكية تفوح في الجو، بعد أن ارتفعت الزينات وأقواس الزهور فوق الأبواب وفي مختلف أرجاء القصر وحدائقه.
    كانت وفود المُهنّئين تتوافد من البلاد والقرى إلى القصر لتهنّئه بهذه المناسبة السعيدة. وكان كل وفدٍ يحمل هديةً ثمينةً ليقدمها إلى سيّد القصر ياقوت، وابنه الأمير الشاب فيروز. فهذا تاجر يحمل بعض الجواهر الغالية، وذلك مُزارع يقدّم أطيب أنواع الفاكهة والثمار، وثالثٌ يجرّ فَرَسه الأصيلة لتكون في عداد خيل السلطان، ورابع يبدو عليه أنّه فقير يحمل صُرّةً تحتوي على هديةٍ متواضعةٍ.
    وكان كلّ قادمٍ يدخل القاعة فيلقي التّحية على السّلطان ثم على الحاضرين، ويجلس في جانبٍ من القاعة. وكان السّلطان يردّ التحية مُبتسمًا ويسأل كلّ شخصٍ عن أحواله وأحوال قريته وأقربائه.
    وبعد قليلٍ، دخل القاعة شيخٌ عجوزٌ مُقوّس الظّهر ذو هيئةٍ غريبةٍ وثيابٍ مُزركشة الألوان، دعت الجميع إلى الإلتفاف إليه. فإذا هو يجرّ وراءه حصانًا أسود اللّون فاحمًا، أصفر العرف والذّيل، يتحرّك تحرّكًا آليًا، ويقفز قفزاتٍ غريبةً. وكان رأسه يتحرّك إلى أعلى حينًا وإلى أسفل حينًا آخر، ويفتح فمه ويغلقه على شكلٍ غير معروفٍ لدى سائر الخيل.
    انحنى الشّيخ بأدبٍ بين يديّ السّلطان الذي ما لبث أن توقّف عن تدخين نارجيلته، وحدّق في هذا القادم الغريب.
    قال الشيخ: أيّها الحاكم العادل! لقد فكّرتُ كثيرًا في اختيار هديةٍ ثمينةٍ أقدّمها إلى الأمير فيروز في عيد ميلاده، فوَجَدتُ أنّ عظماء البلاد قد قدّموا أغلى الجواهر وأثمن الهدايا، وأن سائر الناس قدّموا أحسن ما عندهم من ثيابٍ أو ثمارٍ أو طيورٍ أو غزلان، فلم أجد خيرًا من أن أقدّم لمولاي السّلطان هذا الحصان العجيب. إنّه ليس كسائر الأحصنة. فهو يستطيع أن يسابق الرّيح وأن يرتفع في الجو ويطير في الهواء، فوق السهول والجبال والأنهار والبحار. إنّه لا يأكل ولا يشرب، ومع ذلك فهو قويّ لا يتعب ولا يضعف أبدًا.
    ولهذا الحصان، أيّها السّلطان العظيم، سرّ لا يعرفه أحد. وستعمّ شهرتك الآفاق، بين الملوك، عندما أكشف لك عن هذا السر. وليس لي عندك إلاّ طلب واحد، هو أن توافق يا سيّدي السّلطان على أن أعمل في خدمتك في هذا القصر، فأكون وزيرًا لشؤون هذا الحصان.
    وما إن سمع ابن السلطان، الأمير فيروز، هذا الكلام حتّى قفز بسرعةٍ إلى ظهر الحصان الذي انطلق فورًا إلى الخارج ثم إلى أعلى. وطار بالأمير فوق القصر واتّجه إلى الفضاء. وكان عباءة الأمير الحمراء الفضفاضة كأنّها مظلةٌ جميلةٌ فوقهما.
    أخذ الأمير ينظر حوله وتحته فيرى الجبال والسهول، والأودية تمرّ تباعًا. وكان كلّ منظرٍ أجمل من سابقه. فهُنا نهرٌ تجري مياهه بسرعةٍ وتتلاطم أمواجه تحت أشعّة الشمس البرّاقة. وهناك أشجار ومزارع بألوانها الخضراء الزاهية، وهناك بيوت متفرّقة وقصور فخمة تظهر وتغيب تحت السّحاب المتحرّك.
    وبعد قليلٍ انقلب سرور الأمير إلى تفكيرٍ ثمّ إلى اضطرابٍ، وتساءل في نفسه: كيف أستطيع العودة إلى الأرض؟ إنّ العجوز لم يطلعني على سرّ الحصان، وكيف يمكنني أن آمره بالهبوط.
    أخذ الأمير يجسّ جسم الحصان، فيمرّ يديه على ظهره وعنقه، وشعره وكتفيه، من دون أن يظهر له شيءٌ، ومن دون أن يتغيّر اتّجاه الحصان وسرعته. وأخذ قَلَق الأمير يتزايد ويتعاظم: هل يظلّ في الجو وقتًا طويلاً من دون توقف، ومن دون طعامٍ وشراب؟
    وكاد يتحوّل قلقه إلى غضبٍ شديدٍ، وكان يلعن السّاعة التي قبل فيها هدية العجوز.. ولكن يده لمست شيئًا بارزًا بين أذنيّ الحصان. إنّه أشبه بالمسمار الصّغير المغروس في رأس الحصان. فعبث الأمير بالمسمار وحرّكه. وما أعجبَ ما حدث! فقد عثر الأمير على الشّيء الذّي كان يبحث عنه. أخذ الحصان بالتّمهل في الفضاء، وبعد قليلٍ هبط شيئًا فشيئًا، حتى استقرّ على أرضٍ قريبةٍ من قصرٍ جميلٍ له قباب كثيرة، يدلّ على أنّ أصحابه من الأمراء أو كبار الأغنياء.

    كان القصر الفخم لوالي المدينة، وكانت ابنةُ الوالي الأميرة بدُوُر، تنظر من نافذة غرفتها عندما وقع بصرها على منظرٍ عجيبٍ لم تر في حياتها مثله. رأت حصانًا أسود يطيرُ في الجوّ، وعلى ظهره فارس غريب ويهبط في مكانٍ قريبٍ من غرفتها. ففزعت وصرخت بأعلى صوتها: "النّجدة.. النّجدة.. النّجدة..!"

    لم تستطع أن تقول شيئًا آخر. فقد انعقد لسانها من الخوف.. ولكنّ رجال حرس القصر كانوا قد سمعوا استغاثة الأميرة، فأسرعوا إلى نجدتها ورأوا الفارس الغريب وحصانه الأسود في حديقة القصر. عندئذٍ أسرعوا إلى أسلحتهم فحمل كلّ منهم سيفه أو رمحه، وامتطوا خيولهم واتّجهوا نحو الفارس الغريب.
    شعر الأمير بالخطر، فقفز إلى ظهر حصانه وأسرع بالخروج من حديقة القصر. فتبعه رجال الحرس على خيولهم وهم يطلبون إليه الوقوف والإستسلام.
    ولكنّ الأمير ظلّ يجري بحصانه من دون أن يردّ عليهم، كما ظلّ رجال الحرس يلاحقونه حتّى تجاوزوا أسوار المدينة وأصبحوا خارجها.
    عندئذٍ اطمأنّ الأمير فيروز أنّ جميع الحرس أصبحوا بعيدين عن القصر، وأنّ الفتاة التي استغاثَت بالحرس أصبحت وحيدةً في غرفتها من غير حراسةٍ. فأسرع عائدًا إلى القصر على ظهر حصانه الذّي ارتفع في الجو، وما لبث أن حطّ على سطح الغرفة التي انطلق منها صوت الفتاة.
    قال الأمير فيروز في نفسه: لا بُدّ أن تكون هذه الفتاة ذات مكانةٍ كبيرةٍ لكي يحرسها عددٌ كبيرٌ من الفرسان الأشدّاء ويحافظون عليها في هذا القصر الكبير.
    نزل الأمير فيروز عن حصانه ودخل غرفة الأميرة بدُوُر التي فوجئت وحاولت أن تصرخ.
    ولكنّ الأمير فيروز أسرع وخاطبها بأدبٍ وتهذيبٍ، وعرّفها بنفسه: إنّه فيروز، ابن سلطان البلاد. وروى لها قصّته كاملةً، وكيف أن عجوزًا أهداه في عيد ميلاده حصانًا عجيبًا يطيرُ في الجو، كما يجري على الأرض. وحدّثها كيف أعجبه صوتها عندما استغاثت برجال الحرس، وعزم على أن يعود إليها ليعرف مَن هي صاحبة ذلك الصّوت الجميل.
    اطمأنّت الأميرة بدُوُر إلى الأمير فيروز، وأُعجِبَت بقصّته الخارقة. وأحبّت صدقه وأدبه وشجاعته. وأسرعت إلى أبيها الوالي، الذي كان في جناحٍ آخرٍ من القصر، وقالت له: سيّدي الوالد، أُقدّم إليك الأمير فيروز، ابن سلطان البلاد.
    رحّب الوالي بالأمير وأحسَنَ استقباله، ورغب إليه أن يظلّ في ضيافته عدّة أيّامٍ.
    وعندما عَلِم أبناء المدينة بوجود الأمير فيروز في ضيافة الوالي، أقبلوا من كلّ مكانٍ يرحّبون به، وأقاموا الزينات على الأبواب، وعلى مداخل الطّرق. وتجمّعوا حلقاتٍ حلقاتٍ يرقصون ويغنّون الأغاني الشعبية التي ترحّب بالضيف. وأقام الوالي مأدبةً كبيرةً على شرف الأمير الشّاب، حضرها تجار المدينة وشبانها. وكانوا كلّهم يتحدّثون عن شجاعة الأمير وحصانه العجيب.

    وفي هذه الأيّام التي قضاها الأمير فيروز في ضيافة الوالي، ازدادت معرفته بالأميرة بدُوُر، وبأخلاقها الرّفيعة وحديثها الرقيق، وازداد إعجابه بها وأحبّها حُبًا شديدًا، وطلب إلى والدها أن يوافق على زواجها منه. فرحّب الوالي بذلك مسرورًا مُبتهجًا.

    وبعد حفلة الزفاف الرائعة، تهيّأ العروسان للسّفر، واستأذنا الوالي الذي وقف يودّعهما وهما يمتطيان الحصان الأسود. وما هي إلاّ دقائق حتى ارتفع الحصان في الجو، متمهّلاً أوّل الأمر ثم انطلق مسرعًا بين دهشة الناس واستغرابهم. وما لبث أن غاب الحصان والعروسان عن الأنظار.
    وبعد أن اجتاز الأميران العروسان الجبال والسهول، وحلّقا فوق القرى والأنهار، هبطا في حديقة قصر السلطان ياقوت، والد الأمير فيروز. ولمّا علم السّلطان بعودة ابنه مع عروسه أقيمت الأفراح والحفلات في عاصمة البلاد. وأقبل الناس يهنّئون السلطان ياقوت والأمير فيروز، ويستمعون إلى قصّة حصانه الطائر، وكيف تعرّف إلى عروسه الأميرة بدور.

    كان كلّ النّاس فرحين بعودة الأمير وبزفافه، ما عدا واحدًا. لم يشارك في فرح العاصمة وأبنائها.. ذلك هو العجوز صاحب الحصان الطائر. وكان قد قضى أيّامه طوال مدّة غياب الأمير فيروز عن القصر في ظلمة السجن.
    كان السلطان ياقوت قد غضب غضبًا شديدًا عندما رأى ابنه الأمير يقفز على ظهر الحصان ويطير به ويغيب عن الأنظار. فطلب السلطان إلى العجوز أن يعيد الحصان والأمير إلى الأرض. ولكن العجوز قال إنّ سرّ قيادة الحصان موجود في مسمار بين أذنيه، ولا يمكنه أن يفعل شيئًا ما دام الحصان بعيدًا في الجو. فلم يكن من السّلطان إلا أن أمر بحبس العجوز إلى أن يعود الأمير سالمًا. وهدّده بالموت إذا أصيب الأمير بمكروهٍ.
    دخل العجوز السجن حزينًا غاضبًا من أمرين: من السّجن الذي وُضِعَ فيه، ومن السّر الذي لا بُدّ أن يكون الأمير قد اهتدى إليه. وهو يريد أن يحتفظ به لنفسه، لكي يبقى وزيرًا في القصر لشؤون الطّائر!!
    ولمّا عاد الأمير فيروز، ابتهج السلطان بعودة ابنه الحبيب مع عروسه وأفرج عن العجوز وأكرمه، وهنّأه على حصانه الأعجوبة. ولكن العجوز لم يكن راضيًا بعد أن عرف غيره سرّ الحصان. كما إنّه لم يكن يستطيع أن ينسى أيّام السّجن المُظلمة وآلامه الطويلة فيه. إنه كان يتوقّع أن يصبح وزيرًا مُكرّمًا، فأصبح سجينًا مُعذّبًا. لذلك عزم على أن يتخلّص من الحصان الذي سبّب له هذا العذاب.
    أخذ العجوز يجمع أكوامًا من القش والعيدان اليابسة، ويضعها في وسط حديقة القصر، وأشعل فيها النار. ثم أخذ يتلو كلامًا غير مفهومٍ ويردّده مرةً بعد مرةٍ... فاستغرب الذين شاهدوا النّار تشتعل وتساءلوا ماذا يريد العجوز أن يفعل، بينما كان الحصان يتّجه لوحده نحو النّار ويدخل فيها، ويشتعل معها. وما لبث أن غاب الحصان في النّار ثم أصبح رمادًا بعد أن خمدت. وهنا هرب العجوز واختفى عن الأنظار. وحزن الجميع لإحتراق الحصان العجيب.
    أمّا الأمير فيروز، فقد التفت إلى زوجته الأميرة بدور، وقال: إنني لن أحزن.. فقد أدّى الحصان مهمّته، وجعلني أعثر على أجمل كنزٍ رأيته في حياتي، هو زوجتي بدور. ولستُ في حاجةٍ إليه بعد الآن. فَسُرَّت الأميرة بدُوُر بكلام أميرها وأجابته بدلالٍ: نعم، إنّك لستَ بحاجةٍ إليه، لئلا تأتي بزوجةٍ أخرى!

  12. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  13. #77
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    الخروف روفو


    صوت روفو: ماء ماء! أمي. ما هذا الذي يقوله الرجل لزوجته؟

    وما لك ولهذه الأشياء؟ هذه الأمور لا تعنيك ولا تعنيني، يا روفو.
    ماء! ماء! أنت دائما تخذلينني... أنا أريد أن أعرف.
    لا أعتقد انه من اللائق أن تعرف كل ما يقوله الناس وما يتحدثون به. هذه عادة سيئة ولا يصح أن تقع فيها يا بنيّ.
    ولكنني أريد أن أعرف ..
    للحقيقة يا بني، إني لا أعرف، فكيف يمكنني أن أخبرك؟ ثم إنه لا يهمني ولا يهمك ما يقول الناس, فلنهتمّ بشوؤننا.
    أمي! أمي!! هل سمعت؟
    ماذا؟
    قالوا إن السماء ستمطر قططاً وأرانب.
    من قال ذلك؟
    سمعت ذلك في الدرب بينما كنت أسير صباحاً. سمعت شخصاً يتحدث إلى آخر ويقول ذلك.
    لا أعتقد يا بني. ثم ليس كل شيء تسمعه صحيحاً، أتفهمني يا بني؟
    لا أدري. أنا هكذا سمعت.
    أنت يا روفو مشكلة المشاكل. فمتى نضع حدا لهذه المشاكل يا صغيري؟

    واستمرت أم الخروف روفو تفكر في حالة ابنها. إنه مخلوق فضولي حشري، يريد أن يتدخل في كل شيء، سواء كان الأمر يعنيه أم لا. وفوق هذا، فهو يصدق كل ما يسمع وكل ما يقال. ابنك يا أبا روفو يجب أن نحل مشكلته. يجب أن نجد طريقة تجعله لا يتدخل في أمور سواه، وفي الوقت ذاته تجعله لا يصدق كل ما يسمعه.

    ماء! أنا نبهته كثيراً ولم يمتثل، قال الأب.

    التنبيه لا يكفي.
    ماذا نفعل إذن؟
    لست أدري. سأحاول أن أعالجه بطريقة أو بأخرى. المؤسف أنه بسيط لكن قلبه طيّب.

    هذه حسنات الإنسان، ولكن يخشى أنه إذا كان على بساطة كبيرة أن يصبح أبله!

    ابني أبله؟! لا لا . أنت مخطئة.

    إذن دعه يكف عن التدخل في ما لا يعنيه واجعله لا يصدق كل ما يقال, بل يشغّل عقله.

    الدنيا تعلّم يا زوجتي العزيزة.

    لا، لا يجب أن نعالجه نحن!

    كيف ؟

    أعتقد أننا إذا حكينا له الحكايات المناسبة، استطعنا أن نجعله يدرك ويفهم ويعي.
    إذا كان الأمر كذلك فهاتي ما عندك!

    نادت الأم: روفو روفو .

    نعم يا أمي!

    يا خروفي الحبيب! قالت ضاحكة.

    ماذا يضحكك يا أمي؟

    سمعت الآن قصة أضحكتني وأريد أن أرويها لك!

    قصة؟ .. عجّلي، عجّلي يا أمي، أنا أحب سماع القصص.

    قالت: وصل مسافر في المساء مع حصانه إلى إحدى القرى في وقت كان البرد فيه قارصاً لا يحتمل.

    نعم يا أمي .

    دخل المسافر إلى مطعم القرية حيث تشتعل نار في الموقد، ولكنه لم يجد مكاناً له، وهو بحاجة ماسة إلى دفء النار، فقد جلس عدد من المزارعين حول الموقد، وراحوا يتبادلون الأحاديث في أجواء دافئة. حدّق المسافر إلى الحاضرين وقال في نفسه: لا أحد يتحرك أو يفسح لي مكاناً قرب النار. أنا بردان! أكاد أسقط من بردي. ثم قال لأحدهم: اسمع يا سيد! أين صاحب المطعم؟

    نعم ماذا تريد؟ أنا صاحب المطعم.

    مرحبا يا عم!

    أهلاً,أهلاً وسهلاً! أهلا وسهلا!

    هل لديك ما يؤكل يا معلم؟

    آه... عندي.... طبخة فاصوليا، أنزلتها الآن عن النار، إنها من أشهى المآكل يا أخ.

    حسنا. هل لك إذا سمحت يا صاحبي أن تسكب صحنا من الفاصوليا وتقدمه إلى حصاني المنتظر في الخارج؟ إنه جائع جدا.

    ماذا تقول؟ ماذا تقول يا سيد؟

    ألم تسمعني يا رجل؟

    لم أفهم ما تقول.

    قلت: هل لك إن سمحت يا صاحبي أن تصبّ لي صحنا ساخناً من الفاصوليا وتحمله إلى حصاني المنتظر في الخارج، فهو جائع جدا.

    ضحك صاحب المطعم وقال: وهل يأكل الحصان فاصوليا؟

    حصاني يأكلها. خذ الصحن سريعاً.

    دع المزاح جانباً أيها المسافر الكريم، فلسنا بسطاء إلى هذا الحد.

    قلت لك بوضوح إن حصاني يأكل الفاصوليا المطبوخة، ويأكل كل الأطعمة التي يأكلها الإنسان. قل لي كم تريد ثمن صحن الفاصوليا لأدفع لك الآن؟

    ليس دفع الثمن هو ما يثيرني يا سيد، إنني أكرر سؤالي: أيأكل الحصان الفاصوليا؟ أم م...

    خذ له الصحن وسترى إن كان سيأكله أم لا.

    ملأ صاحب المطعم صحناً من الفاصولياً وحمله إلى الحصان، فنهض المزارعون ليروا كيف يأكل الحصان الفاصوليا.

    فرح المسافر وضحك قائلاً: ما أسخف عقولهم!! الآن خلا لي الجو، وبالإمكان الآن أن آخذ مقعداً لي قرب النار وأدفأ.

    ضحكت أم روفو وقالت: عاد صاحب المطعم بعد قليل والصحن بين يديه وهو يقول: يا سيد يا سيد. قضم الحصان الفاصوليا ولم يأكل شيئا.

    إنه تصرف غريب، قد يكون حصاني متضايقا من أمر ما. وبما أنه لم يأكل الفاصوليا فهاتها لآكلها وأنا جالس هنا قرب النار.

    ضحك روفو وقال: ما أسخف عقولهم! هل صدّقوه؟

    أرأيت يا روفو؟ ما كل ما تسمعه يصدّق.

  14. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  15. #78
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    الدب دبدوب

    أنا دب صغير، بني اللون. أنا دبدوب: بطل؟ بطل؟! أنا بطل.. يعيش البطل! يعيش! يعيش! يعيش!

    وفجأة سمع صوت أمه تناديه: دبدوب! يا دبدوب! أين أنت يا حبيبي يا دبدوب؟

    أوه! هذه أمي! أنا واثق أن عندها مطلباً! يا ألله! كيف أستطيع أن أتهرب من تنفيذ مطلبها؟!
    عادت الأم تناديه: تعال يا دبدوب! تعال حالاً ساعدني في حمل السلّم! إنه يكاد يسقط من يدي!
    سلّم؟ وهل أنا متفرغ لمثل هذه الأعمال (لنفسه)؟، ثم لأمه: ماذا تريدين يا أمي؟
    قول أسرع! عجل! يكاد السلم يفلت من يدي ويحطم كل شيء..
    حسنا! أنا قادم.. قال دبدوب.
    أسرع! أسرع يا دبدوب!
    قلت لك أنا قادم يا أماه.
    (وقع السلم، يسمع صوت وقوعه).
    ما هذا؟ ماذا حدث يا أمي؟
    ماذا حدث؟ سقط السلم وحطم كل شيء! أنا حين أناديك يا دبدوب أكون بحاجة ماسة جداً إليك! أتسمع ما أقول؟
    ن..ن.. نعم يا أمي.. أنا أسمع..
    ولماذا لم تأت حالا؟
    اعتقدت أنك تطلبين مني عملاً أستطيع أن أنجزه بعد حين!
    قال الأم بغضب: دبدوب! تصرفاتك لا تعجبني أبداً.
    أنا آسف يا أمي!
    أنا آسف يا أمي؟ أليس عندك عبارة أخرى غير أنا آسف يا أمي؟ لقد سمعت هذه العبارة أكثر من مليون مرة. وبحياتك كلها لم تتعلم أن تلبي ندائي بسرعة!
    أنا آسف يا أمي!
    أرجوك لا تقل أنا آسف. قم وساعدني في جمع ما تحطم!
    حالا: حالا وسريعا يا أمي!

    قام دبدوب بمساعدة أمه وهو يعتذر ويعدها أنه سيلبي طلباتها في الحال، ولن يكون دباً مهملاً بعد الآن..

    قال دبدوب لأمه: هذا وعد شرف يا أمي!

    ضحكت الأم وقالت: ذكرتني يا دبدوب بقصة الدجاجة النشيطة.
    ماذا فعلت الدجاجة يا أمي؟..
    لماذا أحكيها لك أنا؟ دع الراوية تحكيها لك، وأنا أمثل معها الأدوار المطلوبة.
    حسنا! أنا سامع..

    حكيت الأم: عاشت دجاجة صغيرة مع بطة وإوزة. وكانت كل من البطة والإوزة مضرب مثلٍ في الكسل.

    قالت الإوزة: لا، أنا لا يمكن أن ألبي طلبات الدجاجة دائما.. فهي تطلب إلي أن أقوم بأعمال وأعمال.. هذا كثير!

    قالت البطة: وأنا أيضا.. لا أستطيع أن ألبي طلباتها! إنها كثيرة الطلبات!
    وقالت الدجاجة: هه! ماذا سأعمل؟ أنا مضطرة أن أعمل كل شيء في المنزل! أمري للهَ!

    وفي أحد الأيام سألت الدجاجة: من منكما تشعل لي النار؟

    قالت البطة: نشعل النار؟ الحقيقة أنا البطة لا أقدر.
    وقالت الإوزة: الصراحة.. أنا الإوزة.. لا أستطيع. أنا مشغولة.. هل أنا متفرغة لطلباتك؟
    أجابتهما الدجاجة: كما تريدان، أنا أقوم بنفسي بإشعال النار.
    (تنفخ).. ها قد أشعلت النار، والآن.. من منكما ستحضر الكعكة للفطور؟
    أوه.. أنا البطة لن أحضر شيئا، فأنا مشغولة.
    وأنا الإوزة لن أحضر شيئا، فأنا أيضا مشغولة.
    أه.. لا بأس.. أنا أحضر الطعام.

    وفعلاً، قامت الدجاجة بتحضير كعكة صغيرة للفطور. وحين كانت تخبز الكعكة سألت الدجاجة: والآن.. من يعد المائدة منكما؟

    أنا البطة أعتذر، لا يمكنني أن أعد المائدة، فأنا تعبة جداً، رأسي يؤلمني.
    وأنا الإوزة لا أستطيع أن أعد المائدة، فأنا تعبة ورأسي يؤلمني.
    لا بأس قالت الدجاجة.. أنا أقوم بإعداد المائدة بنفسي.

    أعدت الدجاجة المائدة، وأنزلت الكعكة، ووضعتها في طبق، وحملتها إلى المائدة، ورتبت كل شيء، وسألت: والآن يا بطة، ويا إوزة، من يأكل هذه الكعكة؟

    قالت البطة أنا آكل الكعكة!

    قالت الإوزة آكل الكعكة.. آكلها كلها!
    قالت الدجاجة: إنكما لن تأكلا منها شيئا!
    قالت البطة والإوزة معا: إلى أين تأخذين الكعكة؟
    أجابت الدجاجة: هذا أمر لا يعنيكما، لم تساعدني أي منكما فكيف أطعمكما؟

    حملت الدجاجة الكعكة وذهبت بها إلى مكان بعيد وجلست لتأكلها. ولكن رائحة الكعكة كانت شهية للغاية، فشمها الثعلب كما شم رائحة الدجاجة، فأمسك بالدجاجة، فأخذت تصيح: أتركني، أتركني يا ثعلب! أرجوك!

    وضعها الثعلب في كيس وحملها على ظهره وأخذها إلى البيت ليطعمها لأولاده. وراحت الدجاجة تفكر وهي في الكيس: أه، سأعطس.. هه! أين منديلي؟ كان في جيبي! (عطست)..

    ضحك الثعلب وقال: إنها سمينة.. لكنني تعبت.. فلأسترح قليلا هنا قرب الحجارة..

    أنزل الكيس ووضعه على الحجارة واستراح قليلا، فيما كانت الدجاجة تقول: حين مددت يدي إلى جيبي لأبحث عن المنديل، وجدت المقص الذي أستعمله في الخياطة. إذن سأقص الكيس وأخرج منه وأضع مكاني حجرا. وهكذا فعلت.

    حمل الثعلب الكيس إلى بيته ولم يعرف حقيقة ما جرى إلى حين فتح الكيس ووجد فيه حجراً بدلاً من الدجاجة!

    في تلك الأثناء، كانت الدجاجة قد عادت إلى بيتها، وراحت تقول لرفيقتيها البطة والإوزة: أهكذا فعلتما؟ لم تساعداني، فأخذت طعامي بعيدا عنكما، وكاد يأكلني الثعلب لو لم أكن متيقظة!

    قالت البطة: أنا آسفة يا صديقتي الدجاجة! من الآن فصاعداً سأفعل ما تطلبينه حالا، وسأساعدك لكي تبقي معنا.
    وقالت الإوزة: أعذرينا! لن نكون خاملتين بعد الآن. سنعاونك دائما كي تبقي معنا.

    دبدوب يضحك ويقول لأمه: كانت البطة والإوزة تفعلان كما أفعل أنا. صدقيني يا أمي، من الآن فصاعداً لن أتهامل، وسأحضر كل ما تطلبين مني لكي تبقي معي وأبقى أنا معك.

    فرحت الأم وقالت: عافاك يا دبدوب يا أحلى وأطيب دب.

  16. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  17. #79
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    العلجوم والسرطان

    زعموا أن علجوماً عشّش في أجمة كثيرة السمك، فعاش بها ما عاش، ثم هرم، فلم يستطع صيدا، فأصابه جوع وتعب شديد. فجلس حزينا يلتمس الحيلة في أمره، فمرّ به سرطان، فرأى حالته وما هو عليه من الكآبة والحزن، فدنا منه، وقال: " ما لي أراك أيها الطائر هكذا حزينا كئيبا؟ "

    قال العلجوم: وكيف لا أحزن وقد كنت أعيش مما أصطاد من السمك وإني قد رأيت اليوم صيادين قد مرّا بهذا المكان، فقال أحدهما لصاحبه: إن ها هنا سمكا كثيرا، أفلا نصيده أولا؟ فقال الآخر: إني قد رأيت في مكان آخر سمكا أكثر من هذا السمك، فلنبدأ بذلك، فإذا فرغنا منه جئنا إلى هذا المكان.
    انطلق السرطان من ساعته إلى جماعة السمك فأخبرهن بذلك. فأقبلن إلى العلجوم فاستشرنه، وقلن له: إنّا أتيناك لتشير علينا، فإن ذا العقل لا يدع مشاورة عدوه.
    قال العلجوم: أمّا مكابرة الصيادين فلا طاقة لي بها، ولا أعلم حيلة إلا المسير إلى غدير قريب من هنا، فيه سمك ومياه عظيمة وقصب. فإن استطعتن الانتقال إليه كان فيه صلاحكن وخلاصكن.
    فقلن له: لا يساعدنا بذلك غيرك.
    فجعل العلجوم يحمل في كل يوم سمكتين حتى ينتهي بهما إلى بعض التلال فيأكلهما.
    حتى إذا كان ذات يوم جاء ليأخذ السمكتين فجاءه السرطان، فقال له: إني أيضا أريد أن أترك هذا المكان، فاذهب بي إلى ذلك الغدير. فحمله وطار به، حتى إذا دنا من التل الذي كان يأكل السمك فيه، نظر السرطان فرأى عظام السمك مجموعة هناك، فعلم أن العلجوم هو صاحبها، وأنه يريد أن يأكله أيضا. فقال في نفسه: إذا لقي الرجل عدوّه في الأماكن التي يعلم أنه فيها هالك، سواء قاتل أم لم يقاتل، يحق له أن يقاتل عن نفسه حفاظا عليها، ثم أطبق فكّيه على عنق العلجوم فعصره ، فمات . وعاد السرطان إلى جماعة السمك فأخبرهن بذلك.

  18. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

  19. #80
    مشرف ديوان حلحول الأدبي الصورة الرمزية بلال نعيم
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    8,591
    شكراً
    4,085
    شكر 1,263 مرات في 1,094 مشاركات
    مقالات المدونة
    177

    افتراضي

    الفلاح الغبي

    حكايتنا اليوم تنقلنا إلى إحدى المزارع حيث يعيش فلاح غبي طمّاع متسرّع، لا يشغّل عقله أبداً. كل همه أن يصبح غنيا وبسرعة.

    عندها سمعوا صوت إوزة: كواك، كواك، كواك.

    هذه إوزة جاءت إلى المزرعة من حيث لا يدري الفلاح.

    فقال الفلاح: كيف جاءتني هذه الإوزة الجميلة؟ ومن أين جاءت ؟ كيف دخلت مزرعتي؟ هل طارت فوق السياج وحطت عندي؟ أم هبطت على من السماء؟

    الحقيقة أنه لا يعرف كيف جاءت الإوزة إليه، ولكنه في صباح اليوم التالي سمعها تقوقئ، فتوجه إليها.

    - كواك، كواك، كواك...
    - ما بك يا إوزتي الحلوة اليوم؟ لماذا هذه القوقأة؟ هل وضعت لي بيضة.
    - كواك، كواك، كواك. لقد بضت لك بيضة ذهبية اليوم يا صاحبي.
    - ماذا تقولين؟
    - أقول إني وضعت لك بيضة ذهبية.
    - ذهبية؟
    - نعم ذهبية!
    - هذا أمر لا يصدق! إوزة وتبيض بيضة ذهبية؟
    - إذا كنت لا تصدق تعال وانظر!

    ونهضت الإوزة عن بيضها فإذا تحتها بيضة ذهبية. وكاد الفلاح أن يفقد عقله، وراح يصيح: بيضة ذهبية؟ هذه ثروة هبطت علي من السماء.

    لكنه تمالك، فهو لا يريد أن يكشف سر هذه الظاهرة الفريدة وقرر أن يخفي الأمر عن الناس جميعاً خوفاً من أن يسرقوا الإوزة منه.

    مضت بضعة أيام والإوزة تستمر في وضع بيضة ذهبية كل يوم. وذات يوم خاطب الفلاح نفسه قائلاً: إوزتي تبيض بيضة واحدة كل يوم، فلماذا لا تبيض البيض كله في يوم واحد فأصبح أغنى أغنياء العالم دفعة واحدة بين ليلة وضحاها؟

    - كواك، كواك, كواك.
    - يا لك من إوزة عظيمة! إنك لو فعلت ذلك لجعلتني من أغنى أغنياء الدنيا على الإطلاق!
    - كواك، كواك، كواك.
    - بيضي، بيضي يا إوزة، بيضي يا إوزة. بيضي الآن، أرجوك! هيا..
    - كواك، كواك، كل يوم لك بيضة. هذا رزقك فاقنع به.
    - لا، لا. أرجوك يا إوزة، بيضي أكثر! اجعليني أغنى أغنياء العالم!
    - كواك، كواك، كواك، كواك.

    لم يقتنع الفلاح بنصيبه. كان يفكر كل الوقت كيف يمكنه أن يحصل على كل البيض الذي في بطن الإوزة دفعة واحدة. فقال في نفسه: لا بد أن أذبح هذه الإوزة لآخذ ما في بطنها فأبيعه ويتم لي ما أبتغي.

    وهكذا في صباح أحد الأيام بعدما أمضى الفلاح ليلته وهو يفكر في الموضوع، أحضر الجاهل سكيناً حادة ونادى الإوزة:

    - تعالي، تعالي يا إوزتي. يجب أن يتم ما قررته بشأنك.

    - ماذا تريد يا فلاحي الذي أعماه الطمع، ماذا تريد؟

    - ماذا أريد؟ كم مرة قلت لك ضعي بيضك كله مرة واحدة فلم تقبلي؟

    - المال الذي يأتيك يوما بعد يوم أيها الفلاح الجاهل هو خير من المال الذي يأتيك دفعة واحدة وينقطع عنك.

    - اسمعوا يا ناس!( يضحك ساخرا)، إوزة تريد أن تعلمني الحكمة! وتتفلسف علي! أسكتي. سأذبحك الآن والسكين بيدي.

    - حرام عليك يا صاحبي! أتركني أعيش لأبيض لك كل يوم بيضة.

    - لا، لا، لا يا إوزة! هذا لا يكفي! أريد أن أستولي على كل ما في بطنك من بيض ذهبي!

    - اسمع مني، إنك إذا ذبحتني فلن تجد في جوفي بيضاً ذهبياً.

    - ماذا أجد إذن؟

    - البيضة لا تنمو ولا تكبر إلا يوماً بعد يوم. وفي كل يوم أضعها لك حين تكبر.

    - أنت لا تفهمين شيئا.

    - أنا أفهم أكثر منك يا فلاحي القاسي القلب.

    - لا تتكلمي أيتها الإوزة الفيلسوفة، لا بد من ذبحك!

    - فكّر! فكّر! فكر يا صاحبي الكريم في عاقبة عملك! فإن البيض الذهبي يأتي كل يوم، وليس في بطني كنز من البيض.

    - أنت لا تعرفين شيئاً.

    توسلت الإوزة إليه قائلة: اسمع مني، لا تقدم على عمل قد تندم عليه. أنت اليوم تأخذ بيضة ذهبية كل يوم، وغداً إن قتلتني فلن تأتيك البيضة الذهبية كالمعتاد.

    - ولكني سأجد كل البيض في داخلك يا إوزة. يكفي، يكفي، لن أتراجع عن قراري.

    وأخذ الفلاح السكين يريد أن يقربها من الإوزة، فانتفضت بين يديه وهربت، ثم خفقت جناحيها وطارت.

    - إلى أين ستذهبين؟ لا يمكنك أن تطيري، سأمسك بك وأقضي عليك!

    - كواك، كواك، كواك.

    - انتهى الأمر! سأستولي على كل البيض الذي في داخلك.

    - كواك، كواك، كواك.

    - أنت لن تفلتي من يدي، أمسكت بك يا خبيثة!

    - كواك، كواك، كواك.. ( تكاد تبكي ) صدقني. لا تقتلني! لن تجد فيّ شيئا!

    - الفلاح (يضحك): لا تحاولي أن تقنعيني. انتهى كل شيء، الآن ستكون نهايتك.

    - كواك، كواك، كواك. ستندم! ستندم يا فلاح، كواك، كواك، كواك.

    وبلمحة عين قبض عليها بيديه وقضى عليها. وحين فتح بطنها لم يجد إلا بيضة واحدة صغيرة جداً. فوقف الفلاح حزينا يائسا يقول: يا لغبائي! ذبحت إوزتي المسكينة بيدي! ولم أجد فيها بيضا. أين البيض الذهبي الذي وعدت نفسي به لأبيعه وأصبح غنيا؟

    بكى طويلاً وهو يقول: ما أغباني! لقد عدت كما كنت فقيراً. ليتني صدقت كلامها ولم أقض عليها.

    ابك! ابك! ابك. فما فات مات أيها الأحمق الجشع المتسرع!!..

  20. هذا العضو قال شكراً لك يا بلال نعيم على المشاركة الرائعة:

    !! ضحكة وطن !! (16-03-2012)

 

 
صفحة 8 من 21 الأولىالأولى ... 45678910111218 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. قصيدة مترجمة @@
    بواسطة سوار الماس في المنتدى قسم اللغات الأجنبية
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 27-09-2009, 10:59 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •