المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصص عربية ومترجمة للأطفال



بلال نعيم
21-09-2008, 03:23 AM
حالة مستعصية من الخطوط المقلمة

a bad case of stripes


قصة مترجمة
للكاتب الأمريكي ديفيد شانون
الفئة العمرية : 4-8 سنوات
كاميلا كريم تحب حبوب الفاصولياء .لكنها لم تأكلها مطلقا فكل أصدقائها يكرهون حبوب الفاصولياء و قد أرادت أن تتشبه بهم. كانت كاميلا مهتمة دائما بما يعتقده الآخرون عنها.
اليوم ، كانت أكثر قلقا من المعتاد .
إنه أول أيام العام الدراسي الجديد و لم تستطع أن تقرر ماذا سترتدي، فهناك الكثير من الزملاء الذين تحرص على إثارة إعجابهم.
جربت اثنين و أربعين زيا و لم تجد أيا منها مناسبا. عندما وضعت فستانها الأحمر الجميل ، نظرت إلى نفسها في المرآة ثم صرخت !
جاءت أمها مسرعة إلى الغرفة و صرخت هي الأخرى : " يا إلهي ! أنت مخططة ".
كان ذلك مؤكدا فقد أضحت كاميلا مغطاة بالخطوط من رأسها حتى قدميها و بدت ملونة كقوس قزح !
مسدت أمها جبينها و سألتها " هل تشعرين بوعكة ؟"، أجابتها كاميلا ،" أنا بخير، لكن انظري إلي".
" اذهبي إلى سريرك فورا " ، أمرتها أمها ، " فلن تذهبي اليوم إلى المدرسة. "
تنفست كاميلا الصعداء رغم أنها لا تحب أن تتغيب عن مدرستها لكنها خافت مما سيقوله الزملاء، و لم تكن لديها أية فكرة عن الزي الملائم لهذه الخطوط العجيبة.
حضر الطبيب (بمبل) بعد الظهر لفحص كاميلا .
" حالة استثنائية " ، فسر قائلا ، " لم أر ما يشبهها من قبل !" ، ثم سألها " هل تشتكين من سعال، عطاس، أوجاع، آلام ، هبات ساخنة، دوخان، رجفة، خلجات لا إرادية ؟ "
" لا ، أشعر أني بخير"، أجابت كاميلا.
التفت الطبيب (بمبل) إلى أمها و خاطبها ، " حسنا، لا أجد سببا يمنعها من الذهاب إلى المدرسة غدا، هذا المرهم سيساعدها على التخلص من هذه الخطوط في غضون أيام.
و إن لم تنجل خطوطها، هاتفيني ."
اليوم الثاني كان كارثيا ، ضحك الأولاد كلهم من منظر كاميلا ، و لقبوها بكاميلا ألوان الشمع
و بحلوى المصاص.
حاولت جهدها أن تتصرف و كأن كل شيء يبدو عاديا ، لكن ما إن أنشد الفصل نشيد العلم حتى تغير لون خطوطها إلى ألوان العلم و انتشرعلى جسدها طفح جلدي على شكل نجوم صغيرة !!
انبهر الأطفال من منظر كاميلا و اعتقد بعضهم أن هذا كان رائعا!!
هتف أحدهم ، " أريدها مرقطة ببقع بنفسجية " و سرعان ما تغير لون كاميلا إلى بقع بنفسجية !
تعالت هتافات الأولاد بأشكال و ألوان مختلفة و أخذ جلد كاميلا يتغير و يتقلب سريعا كما تتقلب قنوات التلفاز.
في ذلك المساء ، هاتف مدير المدرسة السيد هارمز والد كاميلا ، " آسف سيد كريم ، لن أسمح لكاميلا بالحضور إلى المدرسة، فقد صارت ملفتة جدا و وجودها يثير فوضى بين الأولاد ، كما أنني تلقيت مكالمات عديدة من الأهالي ،أبدوا فيها خوفهم من عدوى هذه الخطوط و خطر انتقالها إلى أبنائهم. "
شعرت كاميلا بحرج شديد . قبل يومين كان الجميع يحبها ، أما الآن فلا أحد يريد أن يجتمع بها في غرفه واحدة .
حاول والدها أن يطيب خاطرها ، سألها ، " هل تريدين مني أن أجلب لك أي شيء يا حبيبتي؟ ".
"لا" ، أجابت كاميلا . لكنها في حقيقة الأمر كانت تتمنى أن تأكل صحنا مليئا بحبوب الفاصولياء ، إلا أنها شعرت بأنها قد نالت من السخرية ما يكفيها في يوم واحد.
" أوه، حسنا ، حسنا " قال الطبيب (بمبل) للسيد كريم على الهاتف ، " من الأفضل أن أحضر معي المختصين! ".
بعد ساعة، حضر الطبيب (بمبل) و معه مجموعة من الأطباء بمعاطف بيضاء .
عرفهم بعائلة كريم ، "هذا الطبيب ( جراب ) ، (سبونج)، ( كريكيت) ، (يونغ)."
قام الأطباء بفحص كاميلا ، و قرع مفاصلها و دغدغتها ، لم يكن الأمر مريحا.
أجمعوا على أن الخطوط لا تبدو كالنكاف ، أو الحصبة ، أو الجدري، أو الحروق الناتجة عن التعرض للشمس.
ناولها كل منهم زجاجة دواء و طلبوا منها أن تتناول الحبوب الملونة قبل النوم ، ثم انصرفوا جميعا.
تناولت كاميلا حبوب الدواء الملونة ، و حين استيقظت في الصباح شعرت بأنها مختلفة. عندما ارتدت ملابسها لاحظت أنها ضاقت عليها و حين نظرت في المرآة وجدت حبة دواء عملاقة و ملونة تحدق بها و تحمل تقاسيم وجهها !
هرع الطبيب (بمبل) إلى منزل عائلة كريم بعد مكالمة تليفونية مع السيدة كريم، و في هذه المرة أحضر معه الخبراء !!
حضر د.چورد و السيد ميلون، أعظم عالمين على وجه الأرض.
مرة أخرى ، قاما بفحصها و وخزها . كتبا كثيرا من الأرقام ، ثم قال د.چورد ، " يبدو أنه فيروس " . ظهرت كرات فيروسية على جلد كاميلا سريعا.
علق السيد ميلون ، " ربما بكتيريا " ، و بسرعة ظهرت أذناب بكتيرية من جلد كاميلا.
" ربما فطر "، علق د.چورد , و ما إن أنهى جملته حتى ظهرت طفح فطرية.
نظر كل منهما إلى الآخر ثم نظرا إلى كاميلا و قالا إنهما بحاجة لإجراء المزيد من الدراسات و الأرقام ، " سنهاتفكم إن خرجنا بنتيجة. "
انصرف الخبراء و هم يجهلون علة كاميلا.

ذاع صيت كاميلا و تحدثت عنها أجهزة الإعلام و التلفزة و الجرائد و صارت الفتاة ذات المظهر الغريب محط أنظار الجميع.
احتار أهل كاميلا في علتها و لم يبق سيكولوجي، خبير تغذية، طبيب حساسية ، طبيب أورام، طبيب باطني ، خبير أعشاب ، و حتى طبيب بيطري إلا و أقر بصعوبة علتها ، و صار من الصعب تمييز شكل كاميلا بعد ما حدث لها من تغيرات. فقد صار لها جذور ، أغصان، ريش، و ذنب !
في يوم ما ، ادعت امرأة تطلق على نفسها لقب (معالجة بيئية ) ، قدرتها على علاج كاميلا.
خاطبتها ،" أغلقي عينيك، خذي نفسا عميقا ، توحدي مع حجرتك! "
"أتمنى لو أنها لم تقل ذلك. " ، امتعضت كاميلا !
فجأة بدأت كاميلا بالانصهار و التوحد مع جدران الغرفة ، صارت عيناها صورتين، و أصبح فمها سريرا ، و أنفها خزانة ملابس.
فزعت المعالجة حين رأت ذلك و هربت من المنزل.
بكت أم كاميلا و قالت ، " ماذا سنفعل ، حالها يتحول من سيء إلى أسوأ. " ، و أخذت تنتحب.
لكن طرقا على الباب استرعى انتباه السيد كريم ، و عندما فتحه وجد عجوزا طيبة.
قالت العجوز بلطف ، "اسمحا لي ، أعتقد أني أستطيع المساعدة. "
حين دخلت العجوز إلى غرفة كاميلا ، قالت " يا إلهي ، إنها حالة سيئة من الخطوط ، إنها أسوأ حالة رأيتها ."
ثم أخرجت إناء يحتوي حبوب الفاصولياء و أشارت إليه ، " هذا ما تحتاجه. "
سألت السيدة كريم ،" هل هذه حبوب فاصولياء سحرية ؟ "
" طبعا لا، لا توجد فاصولياء سحرية. إنها حبوب فاصولياء عادية."، أجابت العجوز.
ثم خاطبت كاميلا " هيا تناولي بعضا منها. "
كانت كاميلا تتوق إلى صحن مليء بحبات الفاصولياء، إلا أنها لم ترد أن تقر بذلك أبدا .
أجابت كاميلا ، " ييييخ ، لا أريد. لا أحد يحب حبوب الفاصولياء و خصوصا أنا ! "
"أوه ، يا عزيزتي ! "، قالت العجوز ، " اعتقدت خطأ أنها يمكن أن تساعدك ."
تناولت العجوز حبوبها و همت بالمغادرة.
أخذت كاميلا تراقب العجوز و هي تغادر ، ثم تدبرت الأمر في نفسها فماذا سيحدث لها أسوأ مما حدث ، ما هي فيه الآن أسوأ بكثير.
نادت كاميلا العجوز قائلة ، " أنا أحب حبوب الفاصولياء ، أريد أن آكلها ، لا تغادري أرجوك.."
حين تناولت كاميلا حبوب الفاصولياء، حدث شيء غريب ، بدأت الأغصان بالاختفاء و لم يبق ريش أو ذيل أو نتوءات ثم تبدلت أحوال الغرفة و عادت ملامح كاميلا تظهر من جديد. ربتت العجوز على رأس كاميلا و قالت إنها عثرت على فتاة جديدة في أعماقها.
عادت كاميلا كما كانت إلى المدرسة لكنها كانت مختلفة تماما . لم تهتم لما يقوله البقية عنها و رغم أن بعضهم نعتها بأنها غريبة الأطوار ، إلا أنها استمرت في أكل حبوب الفاصولياء التي تحبها و بالمقدار الذي تريده، و من يومها لم تعاودها تلك الخطوط ثانية !!


http://g-ecx.images-amazon.com/images/G/01/ciu/b1/17/eb3eb2c008a0eaae64a0b010.L.jpg

بلال نعيم
21-09-2008, 03:46 AM
المقص المسحور

كان هناك ثلاثة من الإخوة الأشقاء شادو ومادو ورادو الثلاثة من أسرة واحدة وأبناءً لأب
واحد قد توقي منذ عدة أسابيع والثلاثة لا مصدر لهم من الرزق كان أبوهم رجلا بسيطا
وفقيرا وكان يكد ويعمل من أجل أن يأتي لهم بالطعام والرزق 00 أما أمهم فهي مريضة
وطريحة الفراش وتحتاج إلي دواء ورعاية ومن أين لهم بهذه الأموال ولا عمل لهم وهم
ما زالوا في مراحل التعليم المختلفة00 اجتمع الثلاثة ذات يوم وهم يفكرون ماذا نصنع
وكيف نتصرف في هذا الموقف العصيب ؟ قال مادو لا بد لنا من حل 00 لا بد أن نفكر
سويا في وسيلة لإنقاذنا من الجوع إننا نريد أن نكمل تعليمنا إننا متفوقون 0
قال شادو : ليس لنا حل فالحل عند الله الخالق الرازق وليس لنا حيلة 000ظل الثلاثة في
حالة من الصمت قال رادو : إنه لا يوجد معنا حتى مبلغ بسيط من المال لكي نحلق به
شعرنا 00 قال مادو : تذكرت شيئا ما سوف أذهب لإحضار المقص الجديد الذي كان قد
أحضره والدي لنا ووضعه في الصندوق الموجود في حجرتنا للضرورة حتي لا يصدأ
إن وقع عليه الماء 00 وحينما قام مادو إلي المقص لإحضاره وبينما هو يمسك به تحرك
المقص في يده فخاف مادو وخرج مهرولا إلي إخوته قال المقص لا تخف يا بني فأنا
أحبكم كلكم وأخاف عليكم من الفقر وسوف أساعدكم علي التخلص من حالة الفقر التي
تعانون منها
قال شادو في لهفة هل ستعطي لنا أموالا كثيرة ؟
قال المقص المسحور: لا و لكن سوف أصبح حلاقا لكم وما عليكم إلا وضع المقص
علي الرأس ثم أقوم أنا بإكمال الباقي ولكي أريكم مهارتي في الحلاقة سوف أقوم بحلق

شعركم أنتم الثلاثة فأنا أعلم أنه لا يوجد أي مال معكم لحلق رؤوسكم وانطلق المقص
ليحلق لهم شعرهم وكان كل واحد منهم مرآة أخيه وتأكدوا أن هذا المقص مقصا مسحورا
وأن الله عوضهم خيرا بعد وفاة والدهم قاموا بعمل إعلان في القرية عن فتح محل حلاقة 0
وضحك أهل القرية عليهم وقالوا متي تعلمتم الحلاقة هل دفعكم الفقر إلي خداع الناس
00 وقال لهم أصدقاؤهم في المدرسة ألم تجدوا عملا طيبا غير الحلاقة إنها مهنة رديئة
ولم يعبأ الإخوة الثلاثة بأي من هذه الأقوال وجربوا وتأكد الناس من جودة حلاقتهم ومن
مهارتهم وفضلوهم علي غيرهم من الحلاقين وزاد الطلب عليهم فأصبح لهم محل راقي
في البلدة وتحسنت الأحوال المادية فاشتروا منزلا كبيرا لهم وشفيت أمهم تماما من
المرض الذي كانت تعالج منه00
واشتروا محلا ثانيا ولكنهم كانوا قد تعلموا الحلاقة الحقيقية وبدلا من أن يعتمدوا علي
المقص اعتمدوا أيضا علي مهارتهم الشخصية ولم يترك الثلاثة العلم ولا المدرسة فكان
كل واحد منهم يبذل قصاري جهده في تحصيل العلم وتفوقوا أيضا في دراستهم ,
أصبحت أسرة الثلاثة الأشقاء من أغني الأسر داخل القرية وأصبح عندهم مال وفير
ورزق كبير وبعد أن أتقن الثلاثة الأشقاء المهنة جاء المقص ذات يوم وقال لهم إنني الآن
قد أديت دوري معكم وأنقذتكم من الضياع وما علي إلا أن أغادر المكان معكم وأذهب إلي
آخرين يحتاجون إلي مساعدة 00 قالوا له نعم أنت أديت دورا عظيما لنا ولكن إن ذهبت
إلي حلاقين آخرين لتساعدهم فسوف نخسر نحن لأنهم سيكونون أمهر منا 00قال لا
تخافوا سوف أذهب إلي آخرين في بلدة غير بلدتكم ولكن لن أذهب إلا إلي أفراد
مخلصين ويحتاجون إلي المساعدة وتركهم المقص المسحور وهم في غاية الامتنان له
والشكر علي ما قدم لهم من خدمة لا تنسي 00 ومرت الأيام وكبر الأولاد الثلاثة الأشقاء

وهم يمارسون العمل ويدرسون ولا يفرطون في دراستهم وأصبح الثلاثة علماء ناجحين
ومتميزين في مجالات مختلفة أفادت العلم والوطن أما الأول شادو فقد أصبح عالما في
الطبيعة 00 والثاني رادو فقد أصبح طبيبا ناجحا والثالث مادو فقد أصبح عالما في
الهندسة الوراثية 000




الكهف المهجور

كان ميدو تلميذاً متفوق من أسرة فقيرة جدا وكان بيته صغيرا وله أخوة كثيرون وكانوا
أصغر منه في مراحل التعليم فكانوا يقومون بعمل ضوضاء كثيرة فكان لا يستطيع
المذاكرة ولا التحصيل وسط هذه الضوضاء كما أن صوت الجيران كان أيضا مرتفعا
ولكن ما الحيلة ؟ لم يجد ميدو إلا أن يذهب إلي أعلي الجبل الذي يوجد بجوار منزله
حيث كان منزلهم في آخر القرية الصحراوية ولكنه كان يصطحب بعض الأصدقاء معه
فهو يخاف أن يذهب وحده
حذره بعض الأصدقاء من الذهاب إلي أعلي الجبل ولكنه
قال ماذا أصنع إنني احتاج إلي الهدوء والبعد عن الناس والضوضاء حتي أستطيع
المذاكرة وكما قال الشاعر:

فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
يجب أن أكد وأتعب حتى أشعر بطعم النجاح وحتى أخرج من الدائرة التي أنا فيها وإلا
سأصبح فيها إلي الأبد
وذات يوم بينما كان يذاكر ميدو وحده ولم يجد أحدا من
أصدقائه يذاكر معه وكان بجوار كهف مهجور أمطرت السماء مطرا شديدا وهنا لم يجد
ميدو بدا من أن يدخل الكهف حتي يزول المطر وكان الجو في داخل الكهف شبه مظلم
إلا أن ميدو كان يقف علي باب الكهف من الداخل ولما نظر إلي الكهف وجد الكهف
مضيئا إضاءة تامة لم يفكر في ما حدث ولم يشعر بشئ إلا أنه فتح الكتاب وبدأ في
المذاكرة من جديد فقد كان عنده امتحان أعمال السنة في اليوم التالي وكان يجب أن يستعد
له استعدادا تاما

جلس علي الأرض وانهمك في القراءة بينما الزوابع والأمطار الغزيرة خارج الكهف
ومر الوقت ولا يشعر ميدو بما حدث أما صديقاه فقد جاءا إليه ليطمئنا عليه خاصة في
هذا الجو الشديد المطر وجاءا له بمعطفه الجلدي الواقي من المطر وبعض السندوتشات

خاصة وأنه لم يتناول طعام الغداء كما يجب فقد تناول نصفه وانصرف ليذاكر وأرسلت
له والدته ذلك مع أصدقائه
وظلوا يبحثون عن ميدو ولما لم يجدوه صعدوا إلي الكهف لعلهم يجدوه ونظروا إلي
الكهف فوجدوا شيئا عجيبا
ميدو يقرأ والجو مضئ لم يصدق أحد ما رأي حتي دخل
الكهف بنفسه وأمسك بالكتاب وظل يقرأ هو الآخر وسألوا ميدو من أين أتت هذه الإضاءة
؟ ولكن ميدو لم يكن يدري بذلك ولم يكن يهتم بها والغريب أنه بدأ يتنبه مثلهم لذلك
ثم سألهما هو من الذي دلكما علي هذا المكان ؟ قالا له المطر الشديد 00 خفنا عليك فجئنا
للبحث عنك 0تناول ميدو السندوتش الذي أرسلته إليه والدته ثم سأل نفسه من أين أتت
هذه الإضاءة التي تملأ الحجرة ؟ ولكن لعل السبب هو هذا المصباح القديم الموجود في
ركن الحجرة واتجه صديقه ديدو علي الفور للإمساك بالمصباح وبمجرد أن أمسك به
انطلق صوت غريب لم يروا مصدره قائلا أنا المصباح الغريب أنا المصباح العجيب
ذهل الجميع وكادوا أن يهربوا من شدة الخوف
وفعلا استعدوا للهروب ولكن المتكلم قال لهم : لا تهربوا وإلا سببت لكم جميعا الأذى فأنا
لا أؤذي غير الجبناء
وهنا تشجع شادو الثالث قائلا من أنت ؟ قال أنا عفريت من الجن
حبسني أحد السحرة القساة القلب انتقاما مني لأنني لم أنفذ تعاليمه في إيذاء الناس
00 ولهذا فأنا أتعذب بحبسي في هذا المكان الصغير منذ ألف سنة حتي أنقذني الله وكنتم
أنتم السبب في خروجي منه بمجرد أن حرك أحدكم المصباح00 وأنا مدين لكم جميعا
بهذا الجميل وأنا الذي أضأت الكهف لميدو حتى يذاكر وكنت أتمني أن يتقدم لتحريك هذا
المصباح من مكانه ولكنني أعذره فهو لا يعلم سر هذا المصباح , وسوف أضيء لكم
الكهف دائما في أي وقت تأتون فيه إليه 0 وذلك بأن أترك لكم هذه الجوهرة المشعة , هذه
الجوهرة تضيء طول العمر ولكن دون أن تتحرك من مكانها وحين تخرجون ضعوا
عليها غطاءً حتي لا يتسرب ضوءها 00 ثم تركهم وانصرف وقال أنا مدين لكم بإنقاذي
من الحبس وسوف أخرج لأستمتع بالحياة 00

وفرح الثلاثة بالجوهرة الجميلة التي حصلوا عليها ولم يصدقوا ما هم فيه 0 وما حدث
لهم وأصبحوا كل يوم يأتون للمذاكرة في هذا الكهف الذي لم يصبح مهجورا ففد أصبح
معمورا بهم وأصبح الثلاثة محبين أكثر لهذا المكان الغريب والذي لم يطلع أحد من
الزملاء علي سره وانتهي العام الدراسي وأصبح ميدو الأول وديدو الثاني وشادو هو
الثالث وقامت المدرسة بتكريمهم الثلاثة وقالت عليهم الثلاثة الأصدقاء وذات يوم جاء
الثلاثة إلي الكهف ليلعبوا مع أحد الأصدقاء الذي أراد أن يعرف سر هذا الكهف الذي
يذاكرون فيه كل يوم ولما وجد الجوهرة المنيرة أراد سرقتها وهنا حركها من مكانها ولم
يكن يدري بسرها وبالتالي انكشف سره إلي الأصدقاء وضاع مفعول الجوهرة السحرية
وهنا أخذها ميدو عنده في المنزل وقال لصديقيه ديدو وشادو الذين كانا شركاءه في
الكهف سوف أبدلكما بشئ أعظم منها وستبقي هذه الجوهرة نيشانا وتذكارا عندي للأبد
وبمجرد أن وضعها علي مكتبه تحولت هذه الجوهرة إلي قطعة أثرية من الذهب وكانت
تضيء له في الظلام حينما يأتي للمذاكرة وتنطفيء حينما يذهب إلي النوم 00وأصبحت
هذه الجوهرة تذكره بأيام الكفاح والنجاح التي كان يعاني فيها أيام طفولته

~ النهر والشجرة والعصافير~


سال النهر صديقته الشجرة:
- لماذا أنت حزينة؟
http://www.lakii.net/images/Dec05/kids_g28dGg.jpg
أجابت الشجرة:
- أوه، كيف عرفت؟
قال النهر:
- عندما مرت الريح، قبل قليل، لم ترقص أوراقك وأغصانك رقصتها الجميلة، أخبريني لماذا أنت حزينة؟ ألست صديقك؟ والصديق لا يخفي عن صديقه أي شيء!
اهتزت أوراق الشجرة، ومال غصن حتى كاد يلامس صفحة النهر قالت:
- كل الأشياء تتحرك، أنت تمضي من مكان إلى مكان، ترى الدنيا وتشاهد الناس، والحيوانات… ولك.. كل شيء، أما أنا فجذري مغروس في الأرض، ثابتة في مكاني، لا أتحرك، أنا حزينة أيها النهر، حزينة لأنني بدأت أحس بالملل والضجر.
استمع النهر إلى صديقته الشجرة بانتباه، ومودة وقال لها: سأحاول أن أساعدك، فلا تحزني، عليّ الآن أن أواصل مسيري في مجراي حتى أصل إلى الوادي الكبير ثم إلى البحر، يجب أن لا أتاخر، فالكثيرون في انتظار وصولي! وداعا.
http://www.lakii.net/images/Dec05/kids_river.jpg
منذ ذلك اليوم، امتنعت الشجرة عن امتصاص المياه والطعام، فبدأ الشحوب والاصفرار على الشجرة، ولم تظهر براعم جديدة لأية زهرة. وهذا ما لم يحدث من قبل للشجرة.
http://www.lakii.net/images/Dec05/kids_gqeYzv.jpg
حزن النهر كثيرا على صديقته، التي كان يراها تزداد اصفرارا يوما بعد يوم، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا في البداية، فقد كان عليه أن ينحدر إلى الوديان، ويسير بين القرى لسقي الأرض، ويعطي المياه للكائنات.
فيما كانت حياة النهر تهدر ببطء من إحدى الصخور، وقف عصفور على قمة صخرة، وصاح:
- ما بالك أيها النهر تبدو حزينا على غير عادتك؟ أين سرعتك؟ وأين صوت خريرك الجميل؟
دعني أصغي إليك، فلقد تعلمت منك لحنا جميلاً، أحبه زملائي العصافير في الغابة، فلماذا لا تسمعني خريرك الجميل؟
صمت النهر قليلا.
ثم أصدر صوتا جميلا مليئا بالحزن، وأخبره بحكاية صديقته الشجرة.
هز العصفور جناحيه ورفع رأسه وزقزق طويلا، وقال:
- لدى فكرة أيها النهر الصديق!
http://www.lakii.net/images/Dec05/kids_XOp0BG.jpg
ثم طار وهو يقول : ” ستعرف غدا كل شيء”
وفي اليوم التالي، اصطحب العصفور كروان مجموعة من العصافير: حساسين وبلابل وكناري، وحطوا جميعا على الشجرة.
http://www.lakii.net/images/Dec05/kids_SdFKcN.jpg
قال العصفور كروان صديق النهر:
- أيتها الشجرة جئنا إليك من كل الغابات، ومن أعالي الجبال، فالنهر قد أخبرنا وهو صديق كل الطيور، وأنت أيتها الشجرة جميلة، مليئة بالأغصان، ولا نريد أن تحمل أغصان أية أوراق صفراء فهل تقبلينا أصدقاء لك؟
فرحت الشجرة بأسراب العصافير والطيور وهتفت:
- أجل، فكيف أكون صديقة لكم؟
قال العصفور كروان، بينما كان الجميع يزقزقون، وينشدون بفرح:
” نحن نسكن بلادا بعيدة، وقد جاء الشتاء وستساقط الثلوج، ويشتد البرد، فهل تسمحين لنا بالإقامة بين أغصانك لتعطينا دفئك الجميل ولنضع البيض في أعشاشنا؟
أضاف الكناري الصغير:
- ونربي صغارنا- أفراخنا بين أغصانك.
أكمل السنونو:
- وكلما طرنا، وعدنا، وسنروي لك ما نشاهده في الدنيا، سنغني لك ونشدو، ونغرد ونزقزق، ونحكي لك كل شيء عن الدنيا.
فرحت الشجرة كثيراً، وضمت أغصانها في حنان على أصدقائها العصافير وقالت:
- سأحميكم من الرياح، ومن أشعة الشمس حين تشتد حرارتها.
http://www.lakii.net/images/Dec05/kids_birdsontree2.jpg
http://www.lakii.net/images/Dec05/kids_t1tzaK.jpg
فرحت الشجرة، فرح النهر، خرجت العصافير، وبدأت تشدو وتغرد وعاد النهر يواصل خريره الجميل، ويواصل سيره إلى الوديان والحقول، والقرى، ويسقي من مياهه الأشجار والكائنات.

بلال نعيم
21-09-2008, 05:10 AM
قصة دينا المدللة - قصص اطفال مصوره



دينــــا المدلّلة
http://www.lakii.net/images/Dec06/kids_dina.gif
كلما سارت دينا في الشارع المؤدي لمنزلها، سمعت كلمات يقولها بعض الجيران عنها: “ها هي الفتاة المزعجة ذاهبة.” دينا عمرها 6 سنوات، هي الوحيدة لوالديها ولهذا فهم يدللاها كثيراً وينفذان كل ما تطلبه حتى اعتادت على هذا. منذ مولدها لم يرفض لها أحد طلبها مهما كان. وكانت تدرك هذا، فكانت دائماً تطلب وهي متأكدة من أن طلباتها ستكون مجابة.
في يوم من الأيام تنبهت أمها إلى أن ابنتها أنانية لا تشرك أحداً في شيء، سواء كانت لعبة، أم كان كتاباً أو طعاماً. واكتشفت أيضاً أن أكثر الأطفال لا يحبون اللعب مع ابنتها لأنها - حسب قولهم – تأمرهم وتطلب أن تطاع، وأحياناً تبكيهم.
http://www.lakii.net/images/Dec06/kids_yelling.gif
فهمت الأم أن تصرف ابنتها مسؤوليتها وخطأ منها ومن والدها، فلولا دلالهما المفرط ومنحها كل ما تطلب، لكانت أفضل ولكان لديها صديقات تشاركهن اللعب. حالياً بدأت المدرسة ودخلت دينا عامها الدراسي الأول في فصل به مدرسة جادة، والمدرسة كانت قوية تعلم الأطفال كيفية التصرف والتعامل بأخلاق حميدة.
http://www.lakii.net/images/Dec06/kids_book.gif
كل من في الفصل لاحظ أن دينا ذكية جداً، ولكن لم تتمكن من الحصول على صديقات حتى دخلت ريتا الفصل. ريتا كانت جديدة في المدينة وخجولة جداً ولم تكن تجرؤ على الكلام مع أحد، ولهذا فقد تمكنت دينا من التقرب منها، فريتا ضعيفة ووجدت دينا أنها قادرة على جعلها تؤدي لها بعض المهمات وتأمرها كما تشاء، وطبعاً وجدت من تلعب معها.
http://www.lakii.net/images/Dec06/kids_class.gif
في يوم ما، أنبت المعلمة ريتا لأنها لم تفكر قبل أن تحل مسائل الجمع، فأجابتها كلها خطأ.
http://www.lakii.net/images/Dec06/kids_confused.gif
بكت ريتا بمرارة عندما ضحك عليها الأطفال. فالمعلمة قد قامت بالشرح بشكل وافي، ولكن لم تفهم ريتا ولم تسأل المعلمة.
http://www.lakii.net/images/Dec06/kids_crying.gif
أخبرت دينا أمها عن صديقتها ريتا وبكائها في الفصل. اقترحت أمها: “لمَ لا تحاولين مساعدتها وشرح الدرس لها ببساطة؟ فهي تحبك وأعتقد أنها ستفهم شرحك أكثر لأنه أبسط.”
فقالت دينا: “يا أمي، ليس لدي وقت أضيعه، ماذا أفعل لها إن كان عقلها لا يستوعب؟”
قالت أمها: “ولكن ريتا صديقتك، وإن لم تساعديها، فمن سيفعل؟”
ثم قررت أمها أن تخبرها بقصة النملة والحمامة: “حدث في يوم أن سقطت نملة في نبع ماء وبدأت بيأس تحاول إنقاذ نفسها. رأتها حمامة فقطعت ورقة شجرة ورمتها بقربها فصعدت النملة عليها وتمكنت من الوصول إلى الدفة. بعد مدة، جاء صياد يصطاد الطيور ووقفت تحت الشجرة ليصطاد الحمامة النائمة. النملة رأتها وتنبهت لما ينوي فعله، فقرصته بساقه. صرخ الصياد متألماً فاستيقظت الحمامة على صوته وعرفت ما يجري، فطارت هاربة.”
أكملت الأم: “هل فهمت المغزى من القصة يا دينا؟ القصة تعني أنك إن قمتِ بعمل خير سيعود الخير عليكِ.”
قالت دينا: “هذه مجرد قصة وهي للأطفال الصغار وأنا كبيرة.”
وهنا وجدت الأم نفسها مضطرة لأن تكون أكثر جدية مع ابنتها، فقالت: “إن لم تساعديها، سأحرمك من مشاهدة برامج الأطفال لمدة أسبوع.”
هنا وجدت دينا نفسها مرغمة على عمل ما قالته أمها على مضض. قامت دينا بمساعدة ريتا، وبكل بساطة فهمت ريتا الدرس.
http://www.lakii.net/images/Dec06/kids_teaching.gif
وعندما سألتها المعلمة، أجابت ريتا بالإجابة الصحيحة. مدحتها المعلمة أمام الفصل فشعرت ريتا بالفخر والسعادة وأخبرت الجميع أن معلمتها كانت دينا، وكيف أن دينا صديقة مخلصة. ولكن دينا كانت ترغب بنسيان هذا الموقف لأنها أجبرت عليه وهي لم تعتد على أن يجبرها أحد على شيء.
http://www.lakii.net/images/Dec06/kids_girl-proud.gif
في هذه الفترة كانت ريتا تحاول إيجاد أي سبيل لرد المعروف لدينا، وحانت الفرصة بسرعة.
في أحد الأيام، غضبت دينا فقامت بشتم طالبة في المدرسة أصغر منها، وهذه الألفاظ ممنوعة تماماً في المدرسة. كما أنها قامت بدفع فتاة أخرى، سقطت الفتاة وجرحت ركبتها.
عرفت مديرة المدرسة بالأمر فأنبت دينا أمام الطلاب خلال اللقاء الصباحي. كما أنها عاقبتها بأن تبقيها بعد انتهاء دوام المدرسة حتى تنظف كل الفصول من الأوراق. تحطم قلب دينا، كانت متكبرة جداً ولم يهنها أحد هكذا من قبل. كانت تتمنى في هذه اللحظة أن تبتلعها الأرض حتى لا تضطر للنظر في وجه أي أحد.
بعد الانتهاء من المدرسة في هذا اليوم، تركت دينا وحدها في المدرسة لتنظيف الفصول، فقامت بعمل ما شعرت به طوال النهار، بكت ثم بكت وبكت حتى جفت دموعها.
وعندها حضرت صديقتها ريتا لتجدها تبكي بمرارة وندم. فبقيت معها وساعدتها حتى أنهت العمل الموكل إليها. وعندها تذكرت دينا القصة التي قصتها عليها أمها. ومن هذا اليوم تغيرت دينا وأصبحت فتاة طيبة، كما أصبحت هي وريتا أفضل صديقتين.

بلال نعيم
21-09-2008, 05:13 AM
القصة الاولى

القلم والممحاة





كان داخل المقلمة، ممحاة صغيرة، وقلمُ رصاصٍ جميل..‏ قال الممحاة:‏كيف حالك يا صديقي؟‏.
أجاب القلم بعصبية: لست صديقك!‏ اندهشت الممحاة وقالت: لماذا؟‏..
http://www.sanaco.info/new/uploads/K1b.jpg


فرد القلم: لأنني أكرهك.‏



http://www.sanaco.info/new/uploads/K1a.jpg



قالت الممحاة بحزن :ولم تكرهني؟‏. أجابها القلم:‏ لأنكِ تمحين ما أكتب.‏ فردت الممحاة: أنا لا أمحو إلا الأخطاء .‏
انزعج القلم وقال لها: وما شأنكِ أنت؟!‏. فأجابته بلطف: أنا ممحاة، وهذا عملي. فرد القلم: هذا ليس عملاً!‏.
التفتت الممحاة وقالت له: عملي نافع، مثل عملك. ولكن القلم ازداد انزعاجاً وقال لها: أنت مخطئة ومغرورة .‏


فاندهشت الممحاة وقالت: لماذا؟!. أجابها القلم: لأن من يكتب أفضل ممن يمحو
قالت الممحاة:‏ إزالةُ الخطأ تعادل كتابةَ الصواب. أطرق القلم لحظة، ثم رفع رأسه، وقال:‏ صدقت يا عزيزتي!‏
فرحت الممحاة وقالت له: أما زلت تكرهني؟‏. أجابها القلم وقد أحس




http://www.sanaco.info/new/uploads/K1d.jpg



بالندم: لن أكره من يمحو أخطائي.
http://www.sanaco.info/new/uploads/K1c.jpg



فردت الممحاة: وأنا لن أمحو ما كان صواباً. قال القلم:‏ ولكنني أراك تصغرين يوماً بعد يوم!‏.
فأجابت الممحاة: لأنني أضحي بشيءٍ من جسمي كلما محوت خطأ. قال القلم محزوناً:‏ وأنا أحس أنني أقصر مما كنت!‏
قالت الممحاة تواسيه:‏ لا نستطيع إفادة الآخرين، إلا إذا قدمنا تضحية من أجلهم.‏ قال القلم مسروراً:‏ ما أعظمك يا صديقتي،
وما أجمل كلامك!‏.فرحت الممحاة، وفرح القلم، وعاشا صديقين حميمين، لا يفترقانِ ولا يختلفان..







القصة الثانية

السمكات الثلاث


في إحدى البحيرات كانت هناك سمكة كبيرة ومعها ثلاث سمكات صغيرات أطلتإحداهن من تحت الماء برأسها، وصعدت عالياً رأتها الطيور المحلقة فوق الماء.. فاختطفها واحد منها!!




http://www.sanaco.info/new/uploads/story4a.jpg



والتقمها..وتغذى بها!! لم يبق مع الأم إلا سمكتان !
قالت إحداهما : أين نذهب يا أختي؟
قالت الأخرى: ليس أمامنا إلا قاع البحيرة...
علينا أن نغوص في الماء إلى أن نصل إلى القاع!


وغاصت السمكتان إلى قاع البحيرة ...
وفي الطريق إلى القاع ...
وجدتا أسراباً من السمك الكبير ..المفترس!





http://www.sanaco.info/new/uploads/story4b.jpg




أسرعت سمكة كبيرة إلى إحدى السمكتين الصغيرتين
فالتهمتها وابتلعتها وفرت السمكة الباقية.


إن الخطر يهددها في أعلى البحيرة وفي أسفلها!
في أعلاها تلتهمها الطيور المحلقة ....
وفي أسفلها يأكل السمك الكبير السمك الصغير!
فأين تذهب؟ ولا حياة لها إلا في الماء !!
فيه ولدت! وبه نشأت !!
أسرعت إلىأمها خائفة مذعورة‍وقالت لها:
ماذا أفعل ياأمي ؟إذا صعدت اختطفني الطير‍‍‍‍‍‍‍‍‍!
وإذا غصت ابتلعني السمك الكبير !
قالت الأم : ياابنتي إذا أردت نصيحتي ... " فخير الأمور الوسط"


http://www.sanaco.info/new/uploads/story4c.jpg


القصة الثالثة

حمار الرجل الصالح




في يوم من الأيام ...منذ قديم الزمان وقبل الإسلام كان رجل صالح راكباً حماره فمر بقرية، قد دمرت وفنى أهلها


http://www.sanaco.info/new/uploads/story3a.jpg



فشرد بذهنه وأخذ يفكر في حال هذه القرية
ثم سأل نفسه متعجباً و مندهشاً. هؤلاء أموات كيف يخلقون من جديد؟..كيف؟..وهذه العظام البالية كيف تعود صلبة؟وكيف تكتسي من جديد وتعود إليها الروح وتبعث إليها الحياة!؟


http://www.sanaco.info/new/uploads/story3b.jpg


ورويداً...رويداً. راح النوم يداعب عيني الرجل الصالح وما هي إلا لحظات قصيرة حتى غاب عن الوعي, وراح في نوم عميق دام مائة عام كاملة. قرن من الزمان والرجل الصالح في رقدته هذا ميت بين الأموات وكذلك حماره .




بعد مضي مائة عام من موت الرجل الصالح أذن الله له أن يبعث من جديد فجمع عظامه وسوى خلقه ونفخ فيه من روحه. فإذا هو قائم مكتمل الخلق كأنه منتبه من نومه. فأخذ



http://www.sanaco.info/new/uploads/story3c.jpg


يبحث عن حماره ويفتش عن طعامه وشرابه
.
ثم جاء ملك سأله: كم لبثت في رقدتك؟ فأجاب الرجل: لبثت يوماً أو بعض يوم.



فقال الملك: بل لبثت مائة عام، ومع هذه السنين الطويلة، والأزمان المتعاقبة فإن طعامك مازال سليماً وشرابك لم يتغير طعمه. فقال الرجل: عجباًهذا صحيح!
فقال الملك: انظر إنه حمارك، لقد صار كومة من العظام ...انظر ...إلى عظام حمارك فالله عز وجل سيريك قدرته على بعث الموتى.



http://www.sanaco.info/new/uploads/story3d.jpg


نظر الرجل الصالح إلى عظام حماره فرآها وهي تتحرك فتعود كل عظمة في مكانها حتى اكتملت ثم كساها الله لحما ًفإذا بحماره قائم بين يديه على قوائمه الأربع .
حينئذ اطمأنت نفسه وازداد إيمانه بالبعث فقال الرجل الصالح: أعلم أن الله على كل شيء قدير.



--------------
القصة الرابعة

الخشبة العجيبة



كان فيمن كان قبلنا رجل, أراد أن يقترض من رجل آخر ألف دينار, لمدة شهر ليتجر فيها . فقال الرجل : ائتني بكفيل.


http://www.sanaco.info/new/uploads/story2aa.gif


قال : كفى بالله كفيلاً. فرضي وقال صدقت ... كفى بالله كفيلاً ... ودفع إليه الألف دينار .
خرج الرجل بتجارته، فركب في البحر، وباع فربح أصنافاً كثيرة. لما حل الأجل صرًّ ألف دينار، و جاء ليركب في البحر ليوفي القرض، فلم يجد سفينة .... انتظر أياماً فلم تأت سفينة .!




http://www.sanaco.info/new/uploads/story2c.gif


حزن لذلك كثيراً ... وجاء بخشبة فنقرها، وفرَّغ داخلها، ووضع فيه الألف دينار ومعها ورقة كتب عليها:
( اللهم إنك تعلم أني اقترضت من فلان ألف دينار لشهر وقد حل الأجل, و لم أجد سفينة.




http://www.sanaco.info/new/uploads/story2b.gif


وأنه كان قد طلب مني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك كفيلاً، فأوصلها إليه بلطفك يارب ) وسدَّ عليها بالزفت ثم رماها في البحر.
تقاذفتها الأمواج حتى أوصلتها إلى بلد المقرض, وكان قد خرج إلى الساحل ينتظر مجيء الرجل لوفاء دينه، فرأى هذه الخشبة.



http://www.sanaco.info/new/uploads/story2d.gif


قال في نفسه: آخذها حطباً للبيت ننتفع به، فلما كسرها وجد فيها الألف دينار!
ثم إن الرجل المقترض وجد السفينة، فركبها و معه ألف دينار يظن أن الخشبة قد ضاعت, فلما وصل قدَّم إلى صاحبه القرض، و اعتذر عن تأخيره بعدم تيسر سفينة تحمله حتى هذا اليوم .


قال المقرض : قد قضى الله عنك. وقص عليه قصة الخشبة التي أخذها حطباً لبيته ، فلما كسرها وجد الدنانير و معها



http://www.sanaco.info/new/uploads/story2e.gif


البطاقة.
هكذا من أخذ أموال الناس يريد أداءها، يسر الله له و أدَّاها عنه، و من أخذ يريد إتلافها، أتلفه الله عز وجل .!



-------------
القصة الخامسة

المهر الصغير




http://www.sanaco.info/new/uploads/story20c.jpg


كان في قديم الزمان مهر صغير وأمه يعيشان في مزرعة جميلة حياة هادئة وهانئة، يتسابقان تارة ويرعيان تارة أخرى ، لا تفارقه ولا يفارقها ، وعندما يحل الظلام يذهب كل منهما إلى الحظيرة ليناما في أمان وسلام.




http://www.sanaco.info/new/uploads/story20b.jpg


وفجأة وفي يوم ما ضاقت الحياة بالمهر الصغير ، وأخذ يحس بالممل ويشعر أنه لميعد يطيق الحياة في مزرعتهم الجميلة ، وأراد أن يبحث عن مكان آخر. قالت لهالأم حزينة : إلى أين نذهب ؟ ولمن نترك المزرعة ؟, إنها أرض آبائنا وأجدادنا .



http://www.sanaco.info/new/uploads/story20a.jpg


ولكنه صمم على رأيه وقرر الرحيل ، فودع أمه ولكنها لم تتركه يرحل وحده ، ذهبتمعه وعينيها تفيض بالدموع .
وأخذا يسيران في أراضي الله الواسعة ، وكلما مرا علىأرض وجدا غيرهما من الحيوانات يقيم فيها ولا يسمح لهما بالبقاء...



وأقبل الليل عليهما ولم يجدا مكاناً يأويا فيه ، فباتا في العراء حتى الصباح،جائعين قلقين ، وبعد هذه التجربة المريرة


http://www.sanaco.info/new/uploads/story20d.jpg


قرر المهر الصغير أن يعود إلى مزرعتهلأنها أرض آبائه وأجداده ، ففيها الأكل الكثير والأمن الوفير ،فمن ترك أرضه عاش غريباً .

بلال نعيم
21-09-2008, 05:19 AM
أنا النمر
بقلم الدكتور أسد محمد
للفئة العمرية : ٧- ١٢سنة

http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_rabbit-family.gif

خَرَجَ الأرنَبُ الصغيرُ لأولِ مرةٍ باحِثاً عَنْ طَعَامٍ و شَرابٍ له ، بعْدَ أنْ استأذنَ منْ أمِّهِ، وأثناءَ الطَّرِيقِ قالَ في نفْسِهِ: لنْ أنسَى وصيةَ أُمِّي أبداً : ” أن آخذَ حَاجَتي فقط وألا أعْتدي على أحدٍ “. قطَعَ مَسافةً قَصيرةً في الغَابةِ ، أعْجَبتهُ الأشجَارَ والأزْهارَ الجميلَةَ ، فتابَعَ سَيْرَهُ يَتَفَرجُ على الْمَنَاظِرِ الْخلابَةِ ، شَعَرَ بالأمَانِ فقطَعَ مسافةً أطولَ ..

بالقربِ مِنَ الصُّخُورِ العَاليةِ صَادَفَ مَجْمُوعةَ ثعَالبٍ تَلْعبُ و تَمْرحُ ، اقتَربَ منها بهدوءٍ ، فسألَه رئيسُها:

http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_foxes.gif

مَنْ أنتَ أيُّها القادمُ؟ أجَابَ الأرنبُ الصَّغيرُ مستغرباً: ألا تَعْرفُني ؟!

ردَّ رئيسُ الثعالبِ : كيفَ أعرفُكَ دونَ أنْ أراكَ مِنْ قبلُ ؟!
أجابَ الأرنبُ بثقةٍ : أنا النَّمِرُ.

http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_fox-rabbit.gif

حَدّقَ فيه رئيسُ الثَّعالبِ بحذرٍ، ثم ابْتعدَ عنْه قليلاً ، فكّرَ في نفسِهِ ، وقالَ :
لو لمْ يَكنْ بالفعلِ النمرُ الشجاعُ لما تَجرَأََ وحضَرَ إلى مَجْمُوعتِنا الكَبيرةِ متحدِياً قُوتنا .

اقترَبَ رئيسُ الثعالبِ من البَقيةِ ، و أخبَرَهم بالخطرِ المحدقِ بهم ، وطَلبَ منْهم الهروبَ مباشرةً و النجاةَ بأنفسِهم مِنْ هَذا الوحشِِ الذي سمعُوا عَنْ قُوتهِ كثيراً ، ففرُوا هَاربينَ ، ليبقى الأرنبُ وحيداً .

http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_FoxPeeking.gif

لَعِبَ الأرنَبُ الصَّغيرُ قَلِيلاً ، وتَناوَلَ حاجتَهُ مِنَ الخُضَارِ الْمَوجودِ في الْمَكانِ ، ومضَى في الغابةِ يستمتعُ بجمالِها.

http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_rabbit.gif

بَعْدَ أنْ قَطَعَ مَسَافةً قَصِيرةً ، صَادَفَ مَجمُوعةَ غزْلانٍ تستريحُ بالْقربِ مِنَ الْبُحيرةِ ، اقتَربَ منْها بهدوءٍ وشجاعةٍ، تفاجأتْ به ، فهَبَّ رَئِيسُهم وسألَهُ : مَنْ أنتَ أيها القادمُ إلى وَاحةِ الغُزلانِ ؟

أجَابَ الأرنبُ بثقةٍ: أنا النمرُ.

http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_deer.gif

خَافَ الرَّئيسُ ، ابتَعدَ عنْه ، وأخْبرَ الْبقيةَ بأمرِ هذا الوحشِِ الكاسرِ ، وطلبَ منْهم النجاةَ بأنفسِهم، فهربوا ، ليجدَ الأرنبُ الصغيرُ نفسَهُ مرَّةً أخْرَى وحيداً، استراحَ قليلاً في الْواحةِ ، ومضَى.

صَادفَ في طريقِ عَودتِهِ إلى مَنزلِه وحشاً كبيراً ، مَرَّ بجَانبِهِ ، سلّمَ عليه بهدُوءٍ واطمئنان ٍ, وتابعَ سَيْرَهُ ، استَغربَ الوحشُ تصرفَهُ ، وعدمَ الخوفِ منه، وقالَ في نفسِهِ: لمَاذا لمْ يخفْ منِي ؟!

أسْرعَ الْوَحشُ ولَحِقَ بهِ ، استَعَدَ لضربِهِ مباشرةً، لكنهُ انتظرَ ، وفَكرَ : أريدُ معرفةَ سِرَّ شجاعتهِ. اقتَربَ منهُ ، وطَلَبَ أن يتَوقْفَ ، فوقَفَ ، ونَظَرَ إلى الْوحشِ الكاسِرِ باحتِرامٍ ، وسألَهُ ماذا يُرِيدُ منه ، ولماذا لَحِقَ بهِ ، لم يُجبْهُ الْوحشُ الْكَاسِرُ، وسألهُ غاضباً: مَنْ أنتَ أيُّها المسكينُ؟

نَظرَ إليه الأرنبُ الْصَّغِيرُ باعتزازٍ ، معتقداً أنه سيهربُ منه كما هربتْ الثعالبُ و الْغزلانُ دونَ أنْ يُفكرَ بالسََّببِ ، وأجابَ: أنا النمرُ. ضَحِكَ الوحّشُ سَاخِراً ، وسَألَ منْ جَدِيد: هلْ تَعرفُنيْ أيُّها الصغيرُ؟

لا أعرفُ أحداً في هذه الغابةِ. سألَ الوحشُ: ألا تعرِفُ مَن ْ هو النَّمِرُ؟

ردَّ الأرنبُ الصَّغِيرُ بثقةٍ: أنا ، أنا النمرُ . استغربَ الوحشُ ثِقتَه الزَّائدةِ ، وسألَهُ: مَنْ قالَ لكَ ذلكَ؟

http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_tiger.gif

أجابَ الأرنبُ الصَّغِيرُ: أُمِّي، أُمِّي هي التي قالتْ لِي، وطلَبتْ مني أنْ أحترمَ الآخرين.

هزَّ الْوحشُ رأسَهُ ، وقالَ: هيّا معي إلى أُمِّكَ.

ذهَبا إلى بيتِ الأرنبِ ، وعندمَا وصََلا ارتعبَتْ الأُمُّ، وقالتْ في نفسِها: لقد جَلَبَ لي ابني معَه الهلاكَ.

اقتَربَ الابنُ ، وأشارَ إلى أُمِّهِ ببراءةٍ: هذه هي أمِّي .

سألَها النَّمِرُ: لماذا أسميْتهِ بهذا الاسمِ؟ ارتبكَتْ ، ثم بكَتْ ، استغربَ ابنُها سببَ بكائِها، كررَ النمرُ السُؤالَ، فأجابتْ:
حباً بك أيُّها النمرُ الطَّيبُ، لم أجدْ اسماً أجْملَ مِنْ اسمِكَ أُسمِي به ابني الغالِي .

حَكَى الأرْنبُ الصَّغيرُ لَهما ما جَرَى معه بالتفصِيلِ ، وفهمَ منْ أمَِّهِ ، لماذا هَرِبتْ منْه الثّعالبُ والغزلانُ ، ارتَاحَ النَّمرُ للحِكايةِ ، وقَبِلَ بتبرِيرِ الأمِّ الذَّكِيَةِ ، ثم شَكرا النَّمِرَ على قبولِه بأنْ يكونَ صَدِيقاً دائماً لهما.

قالتْ الأُمُّ : لولا اسمُك الجميلُ الذي أوحَى لهم بقوتِك لقتلوا ابني . فَهِمَ النَّمِرُ حكايةَ الأُمِّ التي تحبُّ ابنَها كثيراً ، وتحترمَ قوتَه ، وقَالَ: أحسنتِ أيُّها الأُمُّ، وأنا مستعدٌ دائماً لمساعدتِكما.

فَرِحَتْ بكلامِهِ، شكَرتْه مرَّةً أخرى ، ضمَّتْ ابنها ، وهي تُراقِبُ النَّمِرَ الذي رَاحَ يَبتعِدُ عنْ مَنزلِها
راضِياً .

بلال نعيم
21-09-2008, 05:21 AM
حسن، الجمل العطشان

بينما ارتفعت الشمس خلف المسجد الكبير في وسط مدينة الحجر البيضاء، كان أمير يضع آخر ما تبقى من الأكياس المحاكة والمصنوعة من صوف الغنم على سنام جمله حسن. كانت السماء تشتعل من الحرارة بألوان حمراء، زهرية وبنفسجية وبرتقالية. نظر الجمل حسن إلى السماء ليرى جمال ألوانها صباحاً، ونظر إلى سنامه المحمل بالأكياس. كل كيس مليء بالبهارات والزيوت العطرية والحجار الثمينة. كلها سيحملها مع صاحبه إلى القرية البعيدة خلف الصحراء الحارقة.
http://www.lakii.net/images/Jan07/kids_desert-colored.gif
بدأ صاحبه بربط قوارير الجلد المليئة بالماء البارد ثم صعد ليجلس. ركل جمله ليبدأ السير، وبدأت الرحلة باتجاه الصحراء الملونة التراب تاركان أشجار النخيل التي تملأ الواحة. تمنى حينها الجمل حسن لو أنه شرب المزيد من الماء قبل ترك المكان* فقد كان يشعر بالعطش.
http://www.lakii.net/images/Jan07/kids_pyramids.gif
كانت شمس هذا الصيف حارقة مسلطة عليهما، خلال هذا الوقت تناول أمير الماء العذب المنعش ليشرب عدة مرات. عادة لا يحتاج الجمل للشرب بشكل متكرر، ولكن حسن لم يكن كغيره من الجمال، كان دائم العطش. وفي كل مرة يشرب فيها أمير، تمنى الجمل حسن لو أنه يتمكن من الحصول على بعض هذا الماء البارد. كانت الشمس تسطع على كل جوانبه فيشعر بحر شديد، ولهذا فقد كان ينتظر اللحظة التي يبتعد فيها نظر أمير فيتناول حسن الماء بلا أن ينتبه صاحبه.
http://www.lakii.net/images/Jan07/kids_deserthot.gif
بعد أن سارا لساعات متعددة، أصبح حسن في حالة شديدة من العطش حتى لم يعد يقوى على التحمل، فهو يحتاج إلى الشرب بشكل ملحّ. ولشدة تفكيره بكيفية الحصول على الماء من غير أن ينتبه رفيقه، لم ينتبه للحجر الكبير الذي اعترض طريقه، فتعثر فيه وسقط فوقه على ركبه فسقط أمير عن ظهره بقوة. بقي أمير مدة كافية ووجهه في التراب، فتمكن حسن من تناول الماء والشرب وإعادته بسرعة قبل أن ينتبه صاحبه.
http://www.lakii.net/images/Jan07/kids_camel_hot.gif
http://www.lakii.net/images/Jan07/kids_camel-drinking.gif
وقف أمير ونظف ملابسه ووجهه وشعره من التراب وتوجه إلى جمله حسن، انتبه إلى وجود الحجر وعرف أن جمله تعثر، هز رأسه ثم صعد مرة أخرى على ظهر حسن.
http://www.lakii.net/images/Jan07/kids_camel-sitting.gif
تبسم حسن ابتسامة يعرفها الجمال ومضى في سيره باتجاه القرية. كانت الشمس عالية في السماء والحرارة لا تطاق، فكان أمير يبرد الهواء حول وجهه بمروحة ورقية، ولكن المسكين حسن لم يشعر إلا بحرارة أكبر وعطش أعظم. كان ينظر إلى أمير ولعابه يسيل وهو يراه يتناول الماء العذب من قارورة الجلد. أغلق عينيه وأكمل سيره وهو يتخيل وسط ماء بارد يخفف حرارته ويرطب فمه. عندما فتح عينيه ونظر إلى أمام قدميه، توقف فجأة وصرخ بصوت يثقب الآذان وطار صاحبه عن ظهره مرة أخرى، تراجع حسن للخلف، فقد كان أمامه ثعبان كبير يتلوى ويسير وسط الرمال، حسن يكره الثعابين بشدة ويخافها.
تنبه حسن إلى صاحبه المغطى بالرمال، وهروب الثعبان، فأسرع بأخذ الماء والشرب منه حتى ارتوى ثم أعاد القارورة مكانها قبل أن يقف صاحبه مرة أخرى وهو يشتاط غضباً. نظر أمير حوله ليرى إن كان هناك حجراً آخراً، ولكنه رأى الثعبان، فعذر صاحبه الجمل، نظف نفسه وعاد ليجلس على ظهر حسن وإكمال المسير.
http://www.lakii.net/images/Jan07/kids_camel_water.gif
مرت ساعات أخرى والشمس لا تزال بحرارة لا ترحم. من بعيد، رأى حسن القرية، شعر بالسعادة فالماء قريب. بدأ بتخيل نفسه وسط ماء بارد منعش يبرد جسده ويرويه من عطشه، سيشرب الكثير من جالونات الماء. وبينما هو سارح في خياله، وجد نفسه يضرب رأسه بقوة بنخلة مما سبب له ورما في رأسه، وليطير على إثرها صاحبه للمرة الثالثة عن ظهره. أخذ حسن القارورة مرة أخرى ليشرب ما تبقى بها ثم إعادتها مرة أخرى. أمير كان في منتهى الغضب حينها* وقف أمام حسن مشككاً بنواياه، ثم انتبه إلى النخلة أمامه. هز رأسه وصعد على ظهر حسن وأكمل المسير. تناول الماء ليجده فارغاً تماماً. ابتسم حسن ابتسامة الجمال وأكمل سيره.
أخيراً وصلا إلى القرية في وسط واحدة مليئة بأشجار التمر اللذيذ، والأعشاب الطيبة، وأشجار الفاكهة والورود العطرة. رأى حسن البحيرة الصغيرة في وسط القرية، شعر حينها بعطش كبير. أنزل أمير أحماله من البهارات والزيوت والأحجار الثمينة عن ظهر الجمل حسن وأخذها إلى السوق ليبيعها.
http://www.lakii.net/images/Jan07/kids_oasis.gif
سار حسن مهرولاً إلى الماء ودخله وبدأ بالقفز داخله، كان في منتهى السعادة، لم يعد حسن، الجمل العطشان. كان يشعر ببرودة منعشة ونظافة. ثم تذكر أنه سيعود إلى المدينة عابراً الصحراء الحارقة، فشرب وشرب، ثم شرب وشرب حتى لم يعد هناك أي مكان لقطرة أخرى في معدته.
عاد أمير يبحث عنه، تناول لجامه ثم عادا يعبران الصحراء، ولكن حسن لم يعد يشعر بأي عطش ولم يشعر بأي تعب.

بلال نعيم
21-09-2008, 05:24 AM
منى تكره الحشرات

كتبتها: margo fallis
ترجمتها: إيمان علي
كانت الشمس دافئة في يوم من أيام الخريف. منى كانت تراقب دودة قز كبيرة برتقالية اللون تصعد إلى أعلى غصن وردة في حديقة الزهور لدى جدها. كان الجد يقلِّم الورود.
http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_RosePruning.gif
قالت منى: “أنظر يا جدي إلى هذه الدودة المقرفة المنظر. هل ترى النقاط السوداء تغطيها؟”
اقترب جدها ونظر إلى الحشرة وقال: “أرى أنها جميلة. انظري إلى لونها البرتقالي الزاهي. قريباً ستتحول إلى فراشة ولن تبقى على هذه الوردة طويلاً بعدها.”
http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_caterpillar.gif
“إلى أين ستذهب يا جدي؟” قالت منى.
تطير الفراشات دوماً باتجاه الجنوب، الجو بارد هنا في هذا الفصل من السنة، تعتبر هذه الفراشة متأخرة في رحلتها.” قال الجد.
http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_butterflies.jpg
قالت منى: “أعتقد أن كل الحشرات بشعة يا جدي. لا أحبهم أبداً، وأكره العناكب جداً.”
تجاهل الجد الجملة الأخيرة واستمر في تقليم الورود. بضع وردات صفراء كانت لا تزال على أغصانها تملأ المكان برائحة زكية. اقتربت منى من حجر في وسط التراب ورفعته فوجدت تحته الحشرات التي تتحول إلى كرات صغيرة، فنادت جدها بحماس.
http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_pillbug.gif
اقترب الجد وقال لها: “لم لا تلتقطي واحدة منها؟ فهي تدغدغ.”
ردت منى: “لا يا جدي، لا أحب الحشرات. ماذا لو قرصتني؟”
انحنى الجد والتقط حشرة سارعت في التكور في راحة يده.
قال جدها: “هل ترين يا منى؟ هي خائفة مني ولهذا فقد تكورت ولن تفتح نفسها مرة أخرى حتى تشعر بالأمان.”
راقبت منى الحشرة. بدأت الحشرة تفتح نفسها وتمشي على يد جدها. ضحك الجد لدغدغاتها وسأل منى مرة أخرى إن كانت تريد أن تحملها ووعدها أنها لن تقرصها أبداً.
بتردد فتحت منى كفها ووضع جدها الحشرة في يدها. بدأت الحشرة تمشي على أصابع منى مدغدغة إياها، فضحكت وتركتها تمشي على كل يدها. أكمل الجد تقليم الورود.
لعبت منى مع الحشرة لدقائق ثم وجدت مجموعة أخرى من تلك الحشرات تحت أحجار الحديقة، فالتقطتها فأصبح لديها خمسة منها تسير على يديها وذراعيها. ضحكت منى لشعورها بالدغدغة.
عندما انتهت من اللعب معها وضعتهم في التراب مرة أخرى ووضعت الحجر فوقهم كما كان. قالت لجدها: “لقد استمتعت جداً.”
قال الجد: “هل ترين يا منى؟ ليست كل الحشرات سيئة.”
في هذه اللحظة مرت نحلة كبيرة بقربهما وحطت على وردة قرب الجد. صرخت منى وهي تتراجع للخلف: “اهرب يا جدي، نحلة على الوردة.”
http://www.lakii.net/images/Mar07/kids_bumblebee.gif
قال الجد: “لا يا حلوتي، لا أحتاج للركض، هذه النحلة لن تؤذيني فهي تجمع الرحيق لتصنع العسل، هي تدرك أني لن أؤذيها. اقتربي ودعينا نراقبها معاً.”
اقتربت منى بهدوء ووقفت بجانب الوردة وشاهدت النحلة تعمل. كانت سوداء اللون وتصدر صوتاً.
“انظر يا جدي إلى أرجلها يغطيها لون أصفر، ما هذا؟” سألت منى جدها.
“هذا رحيق.” أجاب الجد.
وقفا وشاهدا النحلة تتنقل من وردة إلى أخرى. سألته منى: “إن قمت بقص كل الورود يا جدي فكيف ستحصل النحلة على الرحيق؟”
أجاب الجد: “لن أقطع كل الورود، سأترك الورود المنتعشة وغير الميتة.”
قالت منى: “حسن تفعل، فأنا أريد النحلة أن تحصل على الكثير من الرحيق حتى تصنع العسل، أحب العسل جداً.”
فكرت للحظات وقالت: “لأ أظنني بعد أكره الحشرات يا جدي. ليست كل الحشرات سيئة. فدودة القز تتحول إلى فراشة جميلة، والنحل يصنع لنا العسل والحشرات المكوّرة تدغدغ.” ثم عبست وأضافت: “ولكني لا زلت أكره العناكب.”
ضحك الجد واحتضن حفيدته ثم سارا معاً إلى البيت وأكلا سندويشات بالعسل وشربا كوبي حليب.

بلال نعيم
21-09-2008, 05:29 AM
الحلم والمستقبل

لينا كيلاني

قصص للأطفال - منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

عامر وماهر أخوان يحب أحدهما الآخر حباً كبيراً... وهما مثل صديقين متفاهمين منسجمين... لايتشاجران... ولايتخاصمان.‏

ماهر الأول في صفه دائماً... وكذلك عامر. وهما لايفترقان إلا قليلاً عندما ينصرف أحدهما إلى هوايته الخاصة.‏

هواية عامر أن يتطلع إلى السماء ويتعرف إلى النجوم وأسمائها، ومواقعها، وأبراجها...‏

ويحلم أن يكون في المستقبل رائد فضاء.. بينما يبحث ماهر في الأرض وينقب عن حجر فضي مشع سمع عنه، وقالوا إن فيه معدنا نادراً، وهو يأمل في المستقبل أن يصبح من العلماء.‏

وبما أن الطفلين يعيشان منذ ولادتهما في منطقة اكتشاف وتنقيب عن البترول، وضمن مدينة عملية صناعية حيث يتوفر لها المناخ الطبيعي والعلمي فقد تعلق كل منهما بهوايته بتشجيع من الأبوين، وأصدقاء الأسرة من العلماء والخبراء.‏

وفي ليلة ربيعية، والسماء مشحونة بغيوم سوداء، والعاصفة توشك أن تهب رجع الطفلان من المدرسة متعبين، قال ماهر لعامر:‏

ـ أنت لاتنظر نحو السماء ياعامر... طبعاً لن ترى نجومك وأبراجك من وراء الغيوم.‏

قال عامر:‏

ـ وأنت أيضاً تتعجل في مشيتك كأنك لاتهتم بما يصادفك من أحجار.‏

وضحك الاثنان معاً لأنهما يعرفان جيداً أن هذا ليس وقت الهوايات فالامتحان قريب، وعليهما أن ينصرفا للدراسة، ثم إن جو اليوم لايساعدهما على ذلك.‏

وبعد أن انتهيا من دراستهما وذهبا إلى النوم كانت العاصفة قد انفجرت، فهطلت الأمطار بغزارة، وقصف الرعد، ولمع البرق، وحملت الريح الشديدة ذرات التراب الذي يهبط أحياناً على مثل هذه المناطق في الصحراء فيغطيها بطبقة كثيفة كأنها رداء من (الطمي) الأحمر. قفز ماهر وهو الأصغر إلى فراش عامر الذي كان يتابع ظهور البرق واختفائه، فضحك منه قائلاً:‏

ـ هل تخاف ياعامر من العاصفة؟ .. أنا لاأعرفك جباناً.‏

ارتبك عامر وأجاب:‏

ـ لا ... ولكنني أشعر بالبرد.‏

فقال ماهر:‏

ـ لماذا لانتحدث قليلاً قبل أن ننام؟‏

قال عامر:‏

ـ حسناً... أحدثك عن نجمي الذي رأيته مرة واحدة في الصيف الماضي ثم اختفى عني.‏

هل تتذكر تلك الليلة التي ذهبنا فيها مع بعض العلماء إلى الصحراء؟‏

أجاب ماهر:‏

ـ نعم أتذكر... وهل نسيت أنت ذلك الحجر المشع الذي لمحته في أعماق تلك البئر البترولية المهجورة؟‏

وظل الإثنان يتحدثان... حتى وجد عامر نفسه رغم العاصفة في قلب الصحراء.‏

المطر يبلله... والهواء يقذفه كالكرة من جانب إلى آخر، والرعد يدوي بينما البرق يضيء له مكان نجمه الضائع فيصفق فرحاً وسروراً.‏

وكذلك وجد ماهر نفسه وقد تدلى بحبل متين إلى أعماق البئر، وقبض بيديه الاثنتين على الحجر الفضي، وهو يهتف: وجدته... وجدته... انه لي.‏

ورغم التراب الذي كان يتساقط فوقه وقلة الهواء فقد كان يحاول الخروج بعد أن حصل على حجره الثمين وهو مصرّ على ألا يفقده من بين يديه.‏

وهكذا ناما طوال الليل... وعندما استيقظا وأخذ كل منهما يحكي للآخر ماذا رأى في الحلم، كان الأب يدخل غرفة طفليه ليطمئن عليهما. وعندما وجدهما صامتين حزينين تعجب مما بهما.‏

سأل عامر:‏

ـ هل تتحقق الأحلام ياأبي؟‏

وسأل ماهر:‏

ـ ألا يمكن العثور على أحجار فضية ثمينة ومشعة؟‏

ولأن الأب كان يعرف هواية طفليه فقد أجاب:‏

ـ إذا سعى أحدنا وراء أحلامه فلابد أن تتحقق... ثم أن الطبيعة غنية جداً بعناصرها، ومعادنها، والإنسان يكتشف كنوزها كل يوم.‏

وهنا دخلت (سلمى) الصغيرة وراء أمها وهي تعانق دميتها وتقول:‏

ـ أنا لم أفهم شيئاً يابابا مما قلت... ماذا قلت؟‏

أجاب الأب وهو يضحك:‏

ـ ستفهمين يوماً ما كل شيء... كل شيء.
http://www.aluae.net/vb/attachment.php?attachmentid=12639&stc=1&d=1193584601

بلال نعيم
21-09-2008, 05:35 AM
حكاية البنات الثلاث
لينا كيلاني


تلك الليلة كانت عاصفة، والبنات الثلاث الصغيرات في أسرتهن. الهواء يصفر كعواء كلاب جائعة، وأغصان الشجر تصفق مهتاجة وكأنها تتقصف. لم يكن يشعرن بالبرد، فالغرفة دافئة والأغطية صوفية ناعمة.‏


الأم التي يحلو لها في مثل هذه الليلة أن تستعيد حكايات جدتها تقول:‏


ـ كان ياما كان... في قديم الزمان..‏


تقاطعها الكبرى:‏


ـ عرفنا الحكاية.. كان هناك ثلاث بنات يغزلن... حتى يأكلن.‏


ترد الأم وهي تتنهد:‏


ـ لا... لم تحزري.. ليست هذه هي الحكاية.‏


تنبر الوسطى:‏


ـ ثلاث بنات خياطات... يشتغلن في قصر السلطان... والصغيرة اسمها (حب الرمان)..‏


وهي التي أضاعت (الكشتبان).‏


تضحك الأم وتقول:‏


ـ بل الوسطى التي اسمها حب الرمان... وهي التي عن قصد وعمد رمت في الماء الكشتبان.‏


تكمل الصغرى:‏


ـ ذلك لأنها كسولة... وملولة. لاتحب الإبرة والخيطان... وتتلهى مع أولاد الجيران.‏




الكبرى تسأل:‏


ـ وما اسم البنت الأولى إذن؟‏


تقول الأم:‏


ـ قمر الزمان...‏


ـ والثالثة؟ /تسأل الصغرى/‏


تجيب الأم:‏


ـ اسمها نيسان.‏


وبينما الأم ترد الأغطية فوق البنات صرخن محتجات:‏


ـ نريد حلماً... لاحكاية. نريد حلماً.. حلم... حلم.‏


ـ حسناً../تقول الأم/ ـ أغلقن النوافذ.. وأطفئن النور ولتطلب كل واحدة منكن حلماً لها.. وسأضعه قبل أن أنصرف تحت مخدتها.‏


قالت الكبرى:‏


- أنت اعطينا ياأمي .. أنت اعطينا . دائماً أنت تعطيننا أكثر من أحلامنا‏


ـ أعطيك مهراً أشقر جميلاً... بل أبيض.. تكبرين ويكبر معك، وتصبحين فارسة.‏


همست الكبرى لأختيها:‏


ـ وكيف سأتصرف مع الحصان الصغير؟ كيف سأعتني به.. بطعامه وشرابه.. بنومه وصحوه..بلهوه وجريه؟ لا.. لا أريد.. لماذا لاتعطيني أمي سيارة بيضاء ونظيفة أدير محركها في لحظة فتحملني إلى حيث أشاء؟‏


قالت الأم للوسطى:‏


ـ وأنت أعطيك خمسة أرانب بيضاء جميلة... تلك التي في الحديقة. تلاعبينها كالقطط، وتتسلين بمنظرها... بتكاثرها وتوالدها.‏


همست الوسطى لأختيها:‏


ـ ولماذا لاتعطيني فراء هذه الأرانب؟ فأصنع منها قبعة وقفازات، وربما صنعت معطفاً.‏


قالت لها الكبرى وهي تضحك:‏


ـ والخياطات الثلاث سيساعدنك في ذلك.‏


أكملت الوسطى:‏


ـ بل هما اثنتان.. لأن الصغرى عاقبوها فطردوها من العمل.. وأنزلوها إلى المطبخ لتقشر الثوم والبصل.‏


وقبل أن تعطي الأم للصغرى أي شيء بادرتها هذه قائلة:‏


ـ أما أنا فأريد فراشة ملونة... أجنحتها زرقاء ووردية... لابل صفراء وبنفسجية.. تنتقل بين الزهور بلطف وحبور... تنشر الأحلام وتطويها. أليست أميرة الطبيعة في جبالها وبساتينها وبراريها؟‏


وقبل أن تتم كلامها كانت قد استغرقت في النوم.‏


عند الفجر اشتدت العاصفة أكثر وأكثر.. حطمت النوافذ والأبواب.. اقتلعت الخزانات.. كسرت المرايا... بعثرت الثياب.. وأطارت كل شيء. وأفاق الجميع خائفين مذعورين.‏


وقفت الأم مع بناتها الثلاث.. حائرات واجمات.. فلا بيت يأوين إليه.. ولاسيارة يركبنها.. وهن يرتجفن من البرد.‏


صهل حصان صغير عن بعد كأنما هو يعلن عن نفسه.‏


قالت الكبرى:‏


ـ هذا حصاني.. ماكان أغباني ظننت أن الحلم لن يتحقق.‏


وقالت الوسطى وهي تمد يديها الباردتين إلى قفص الأرانب:‏


ـ ما أجملها.. ما أدفأها.. ماأنعمها... عددها أكثر من خمسة... سبعة... عشرة، لاأدري ، كنت أحبها ولاأدري. تحتاج صغارها من يرعاها... وأنا سأرعاها.‏


أما الصغرى فقد نظرت حولها ولم تكن هناك فراشة واحدة بعد العاصفة فقد جرفتها كلها، قالت:‏


ـ لكنني أنا دوماً معي حلمي... فراشتي هنا في قلبي.. لا هنا في رأسي... لا هنا في عيني...‏


ودمعت عيناها وهي ترى أجنحة الفراش تتطاير في الهواء، وظلت تردد:‏


ـ آه... ما أجملها فراشة... فراشتي.


http://www.butterflypictures.net/images/butterfly21.jpg

بلال نعيم
21-09-2008, 06:14 AM
الثعلب فرفر


في غابة بعيدة .. عاشت مجموعة من الثعالب قرب نبع ماء بارد ..
الثعالب تحرس النبع تمنع حيوانات الغابة من الاقتراب منه ..
الحيوانات تبحث عن الماء في الغابات المجاورة ..
الحيوانات الضعيفة كانت تخاف من الثعالب الشرسة ..
الحيوانات المسكينة تسير مسافة طويلة لتحصل على الماء ..
الثعلب فرفر قال في نفسه :
لماذا تفعل الثعالب هذا ؟؟
الماء يجب أن يكون للجميع ..إنها أنانية الثعالب ..
الماء كثير .. معظمه لا تستفيد منه الثعالب فيذهب هدرا ..
لماذا نمنع الحيوانات المسكينة ما دام النبع يكفينا كلنا طوال العام ..
الثعلب فرفر استشار رفاقه الثعالب الصغار ..
قالوا : عادة سيئة موروثة .. يجب تغييرها ..
توجهت الثعالب يتقدمها فرفر إلى كبير الثعالب ..
فرفر طلب منه الغاء هذه العادة السيئة ..
كبير الثعالب رفض .. صاح بالثعالب الصغيرة ..
فرفر أصر على رأيه وقال : سنعلن العصيان والتمرد
تمردت الثعالب الصغيرة ..
أعلنت العصيان ..
قررت الامتناع عن شرب الماء وحراسة النبع ..
أمام إصرار الثعالب الصغيرة قرر كبير الثعالب بعد استشارة معاونيه السماح لحيوانات الغابة بالشرب من هذا النبع ..
حيوانات الغابة شكرت فرفر وأصدقاءه
وعاش الجميع بسلام ووئام…
http://gotpetsonline.com/pictures-gallery/exotic-pictures-breeders-babies/red-fox-pictures-breeders-babies/pictures/red-fox-0002.jpg (http://www.gotpetsonline.com/pictures/gallery/exotic-animals/canines/red-foxs)
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،


الديك الشجاع


خرج الديك مع أولاده الكتاكيت الصغار للبحث عن طعام ...
فرح الصغار بالنزهة الجميلة بصحبة الديك .
الديك شكله جميل يلفت النظر ..
الحيوانات تحبه لأنه مسالم …
الذئب شرشر تتبع الديك والكتاكيت ..
يترقب فرصة لخطف كتكوت صغير ..
الذئب شرشر يخاف الديك ..
قال الديك :
يا أولادي … لا تذهبوا بعيدا عني حتى لا تتعرضوا للخطر ..
الكتكوت فوفو لم يسمع كلام أبيه ..
ذهب بعيدا ولم ينتبه الديك …
الذئب شرشر انتهز الفرصة .. انقض على الكتكوت ليأكله ..
الديك شعر بأن خطرا يداهم ابنه ..
بحث عنه .. وجده بين يدي الذئب ..
الديك لم يتكلم .. هجم على الذئب .. استخدم منقاره ومخالبه ..
الذئب شرشر خاف وهرب ..
عاد الكتكوت فوفو إلى اخوته فخورا بأبيه الديك ..
الديك حذر ابنه من الابتعاد مرة ثانية ..
الكتكوت خجل من نفسه ..
الكتكوت وعد بأن يسمع كلام أبيه ..
الذئب علم بوعد الكتكوت لأبيه .. قرر ألا يهاجمه مرة أخرى ..
الكتاكيت الصغيرة عندما تخرج لا تبعد عن بعضها ..
الذئب شرشر كان حزينا جدا ..
علم أن وحدة الكتاكيت ستمنعها منه ..
قرر مغادرة الغابة للبحث عن كتاكيت جديدة لا تسمع كلمة أبيها ..



http://farm1.static.flickr.com/30/53799040_d98136a79d.jpg?v=0



،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،


الزرافة زوزو


زوزو زرافة رقبتها طويلة ..
الحيوانات الصغيرة تخاف منها .. مع أنها لطيفة … لطيفة …
عندما تراها صغار الحيوانات تسير تخاف من رقبتها التي تتمايل ..تظن أنها قد تقع عليها …
أحيانا لا ترى الزرافة أرنبا صغيرا أو سلحفاة لأنها تنظر إلى البعيد ..
وربما مرت في بستان جميل وداست الزهور ..
عندها تغضب الفراش و النحل ..
الحيوانات الصغيرة شعرت بالضيق من الزرافة ..
الزرافة طيبة القلب .. حزنت عندما علمت بذلك ..
صارت الزرافة تبكي لأنها تحب الحيوانات جميعا ..
لكن الحيوانات لم تصدقها …
رأت الزرافة عاصفة رملية تقترب بسرعة من المكان ..
الحيوانات لا تستطيع رؤية العاصفة لأنها أقصر من الأشجار..
صاحت الزرافة محذرة الحيوانات ..
هربت الحيوانات تختبئ في بيوتها وفي الكهوف وفي تجاويف الأشجار ..
لحظات وهبت عاصفة عنيفة دمرت كل شيء …
بعد العاصفة شعرت الحيوانات أنها كانت مخطئة في حق الزرافة فصارت تعتذر منها ..
كانت الزرافة زوزو سعيدة جدا لأنها تحبهم جميعا …
http://www.probertencyclopaedia.com/j/Giraffe.jpg (http://rds.yahoo.com/_ylt=A0WTeffxvNVIG0QAodWjzbkF/SIG=1254ifpfi/EXP=1222053489/**http%3A//www.probertencyclopaedia.com/browse/BG.HTM)


،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،


العصفوران الصغيران


التقى عصفوران صغيران على غصن شجرة زيتون كبيرة في السن ، كان الزمان شتاء ..
الشجرة ضخمة ضعيفة تكاد لا تقوى على مجابهة الريح .
هز العصفور الأول ذنبه وقال :
مللت الانتقال من مكان إلى آخر … يئست من العثور على مستقر دافئ .. ما أن نعتاد على مسكن وديار حتى يدهمنا البرد و الشتاء فنضطر للرحيل مرة جديدة بحثا عن مقر جديد و بيت جديد ..
ضحك العصفور الثاني .. قال بسخرية : ما أكثر ما تشكو منه وتتذمر .. نحن هكذا معشر الطيور * خلقنا للارتحال الدائم ، كل أوطاننا مؤقتة .
قال الأول :أحرام علي أن أحلم بوطن وهوية .. لكم وددت أن يكون لي منزل دائم و عنوان لا يتغير ..
سكت قليلا قبل أن يتابع كلامه : تأمل هذه الشجرة * أعتقد أن عمرها أكثر من مائة عام .. جذورها راسخة كأنها جزء من المكان ، ربما لو نقلت إلى مكان آخر لماتت قهرا على الفور لأنها تعشق أرضها ..
قال العصفور الثاني : عجبا لتفكيرك ...أتقارن العصفور بالشجرة ‍؟ أنت تعرف أن لكل مخلوق من مخلوقات الله طبيعة خاصة تميزه عن غيره * هل تريد تغيير قوانين الحياة والكون ؟ نحن – معشر الطيور – منذ أن خلقنا الله نطير و نتنقل عبر الغابات و البحار و الجبال والوديان والأنهار ..
عمرنا ما عرفنا القيود إلا إذا حبسنا الإنسان في قفص …وطننا هذا الفضاء الكبير ، الكون كله لنا .. الكون بالنسبة لنا خفقة جناح ..
رد الأول : أفهم .. أفهم * أوتظنني صغيرا إلى هذا الحد ؟؟
أنا أريد هوية .. عنوانا .. وطنا ، أظنك لن تفهم ما أريد …
تلفت العصفور الثاني فرأى سحابة سوداء تقترب بسرعة نحوهما فصاح محذرا:
هيا .. هيا .. لننطلق قبل أن تدركنا العواصف والأمطار .. أضعنا من الوقت ما فيه الكفاية .
قال الأول ببرود : اسمعني * ما رأيك لو نستقر في هذه الشجرة …تبدو قوية صلبة لا تتزعزع أمام العواصف ؟
رد الثاني بحزم : يكفي أحلاما لا معنى لها ... سوف انطلق وأتركك …
بدأ العصفوران يتشاجران ..
شعرت الشجرة بالضيق منهما ..
هزت الشجرة أغصانها بقوة فهدرت مثل العاصفة ..
خاف العصفوران خوفا شديدا ..
بسط كل واحد منهما جناحيه ..
انطلقا مثل السهم مذعورين ليلحقا بسربهما …
http://l.yimg.com/g/images/spaceball.gif


http://static.flickr.com/154/362569676_a501e7ea58.jpg (http://rds.yahoo.com/_ylt=A0WTefhZvdVImVgB2DijzbkF/SIG=124esorar/EXP=1222053593/**http%3A//www.flickr.com/photos/melissaa/362569676/)


،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،


الجمل الأعرج


سمع الجمل الأعرج بسباق للجمال .. قرر المشاركة رغم عرجته ..
تقدم طالبا تسجيل اسمه .. استغربت لجنة التسجيل .
قال : ما سبب الغرابة ؟ أنا سريع العدو قوي البنية ..
خافت اللجنة أن يتعرض لسوء أثناء السباق .. فدخل السباق على مسؤوليته ..
تجمعت الجمال في نقطة الانطلاق .. سخرت الجمال من عرجة الجمل الأعرج ..
قال : سنرى في نهاية السباق من هو الأقوى والأسرع ..
انطلقت الجمال كالسهام .. كان الجمل الأعرج في آخر المتسابقين ..
صبر الجمل على عرجته .. سببت له الألم عند ركضه السريع ..
كان على الجمال أن تتسلق الجبل ثم تعود ..
الجبل عال ووعر والطريق طويلة ..
الجمال الفتية حاولت الصعود بسرعة فأصابها الإنهاك ..
بعضها سقط من التعب وبعضها قرر العودة ..
الجمل الأعرج كان يسير ببطء وقوة ..
أكثر الجمال تراجعت قبل وصولها إلى القمة ..
الجمال التي وصلت القمة قليلة جدا .. كانت متعبة فاستلقت ترتاح ..
الجمل الأعرج سار بإصرار .. حتى وصل القمة ..
لم يكن يشعر بالتعب .. عاد مهرولا بعرجته ..
الجمال المستريحة لم تنتبه إلا بعد وصوله إلى أسفل المنحدر ..
حاولت الجمال اللحاق به فلم تستطع ..
كان أول الواصلين إلى نهاية السباق ..
نال كأس البطولة وكان فخورا فخورا بعرجته ..
http://www.animalpicturesarchive.com/ArchOLD-6/1167017285.jpg (http://www.animalpicturesarchive.com/ArchOLD-6/1167017285.jpg)
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،


السلحفاة سوسو


في غابة صغيرة عاشت مجموعات كثيرة من السلاحف حياة سعيدة لعشرات السنين ..
الغابة هادئة جدا فالسلاحف تتحرك ببطء شديد دون ضجة .
السلحفاة الصغيرة سوسو كانت تحب الخروج من الغابة والتنزه بالوديان المجاورة ..
رأت مرة أرنبا صغيرا يقفز و ينط بحرية ورشاقة ..
تحسرت سوسو على نفسها ..
قالت : ليتني أستطيع التحرك مثله .. إن بيتي الثقيل هو السبب .. آه لو أستطيع التخلص منه ..
قالت سوسو لأمها أنها تريد نزع بيتها عن جسمها ..
قالت الأم : هذه فكرة سخيفة لا يمكن أن نحيا دون بيوت على ظهورنا ! نحن السلاحف نعيش هكذا منذ أن خلقنا الله .. فهي تحمينا من البرودة والحرارة والأخطار ..
قالت سوسو : لكنني بغير بيت ثقيل لكنت رشيقة مثل الأرنب ولعشت حياة عادية ..
قالت : أنت مخطئة هذه هي حياتنا الطبيعية ولا يمكننا أن نبدلها ..
سارت سوسو دون أن تقتنع بكلام أمها ..
قررت نزع البيت عن جسمها ولو بالقوة ..
بعد محاولات متكررة .. وبعد أن حشرت نفسها بين شجرتين متقاربتين نزعت بيتها عن جسمها فانكشف ظهرها الرقيق الناعم …
أحست السلحفاة بالخفة ..
حاولت تقليد الأرنب الرشيق لكنها كانت تشعر بالألم كلما سارت أو قفزت..
حاولت سوسو أن تقفز قفزة طويلة فوقعت على الأرض ولم تستطع القيام ..
بعد قليل بدأت الحشرات تقترب منها و تقف على جسمها الرقيق …
شعرت سوسو بألم شديد بسبب الحشرات …
تذكرت نصيحة أمها ولكن بعد فوات الأوان …
http://homepages.rya-online.net/broach/images/lizard.jpg

بلال نعيم
21-09-2008, 06:27 AM
السمكة والحرية


كان الإناء الذي وضعت فيه السمكة صغيرا جدا .. كانت قبل فترة قصيرة في البحر الواسع الشاسع الذي لا يحد ، ووجدت نفسها فجأة في مكان لا يكاد يتسع لحركتها ، ولسوء حظها فقد نسيها الصبي هكذا على الشاطئ ومضى مع أهله .. كانت السمكة حزينة مهمومة تبحث عن أي طريقة للعودة إلى البحر فلا تجد .. حاولت القفز ففشلت ، دارت بسرعة وحاولت الخروج ، فارتطمت بطرف الإناء الصلب ..
كان البلبل يرقبها ولا يعرف لماذا تدور وتقفز هكذا ، اقترب من الإناء وقال :
- ما بك أيتها السمكة ، أما تعبت من كل هذا الدوران والقفز ؟؟..
قالت بألم :
- ألا ترى المصيبة التي أصابتني ؟؟..
قال البلبل دون أن يفهم شيئا :
- مصيبة !! أي مصيبة .. أنت تلعبين وتقولين مصيبة ؟؟..
- سامحك الله ألعب وأنا في هذه الحال ، ألعب وأنا بعيدة عن البحر ، ألعب وقد تركني الصبي في هذا الإناء ومضى هكذا دون أن يشعر بعذابي .. !!.. كيف ألعب وأنا دون طعام ؟؟.. كيف ألعب وأنا سأموت بعد حين إذا بقيت بعيدة عن البحر ..
قال البلبل :
- أنا آسف.. فعلا لم أنتبه .. رأيت إناء جميلا وسمكة تتحرك وتدور، فظننت أنك ترقصين فرحا ..
- نعم .. كالطير يرقص مذبوحا من الألم !! ..
قال البلبل :
- على كل ماذا نستطيع أن نفعل .. أتمنى أن أستطيع الوصول إليك، لكن كما ترين مدخل الإناء ضيق والماء الذي فيه قليل ،وأنت أكبر حجما مني ، كيف أصل إليك ؟؟ ثم كيف أحملك ؟؟..
قالت السمكة :
- إنني في حيرة من أمري .. لا أدري ماذا أفعل ! أحب الحرية ، أريد أن أعود إلى البحر الحبيب ، هناك سأسبح كما أريد ، أنتقل من مكان إلى مكان كما أشاء ..
قال البلبل :
- سأحاول مساعدتك ، انتظري وسأعود بعد قليل ..
طار البلبل مبتعدا ، حتى التقى بجماعة من الحمام ، طلب البلبل منها الحمام أن تساعده في إنقاذ السمكة المسكينة التي تريد الخلاص من سجنها الضيق الذي وضعها فيه الصبي ورحل .. وافقت جماعة الحمام ، وطارت نحو الإناء وحملته ، ثم تركته يقع في البحر .. كانت فرحة السمكة لا تقدر بثمن وهي تخرج سابحة إلى بحرها الحبيب .. قفزت على وجه الماء وصاحت بسرور :
- شكرا لكم جميعا على ما قمتم به .. شكرا لك أيها البلبل الصديق ..
وغطست في الماء وهي تغني أجمل أغنية للحرية والوطن .. كانت تملك من السعادة بحريتها ما لا يقدر بثمن ..

http://www.discuspro.com/photo/photos/800x600/discus-fish-3-800x600.jpg (http://rds.yahoo.com/_ylt=A0WTefYkv9VIoiQBmgKjzbkF/SIG=12c078m89/EXP=1222054052/**http%3A//www.discuspro.com/photo/discus-fish-photo-1-3.htm)

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

الرسام والعصفور


بدأت أيام العطلة الصيفية ، وأخذ الأطفال يلعبون هنا وهناك فرحين سعداء .. كل واحد منهم أخذ يلعب لعبته المفضلة .. أما ماهر فقد عاد لممارسة هوايته في الرسم .. منذ مدة وماهر ينتظر أن يعود لريشته وألوانه .. كان يحب الرسم ويعتبره الهواية الأجمل في هذه الحياة .. نادته أمه من البعيد :
- ماهر تعال يا ماهر ..
ركض نحوها ، وحين وصل ووقف قربها ، وضعت يدها على رأسه بحنان وقالت :
- هاقد عدت إلى هوايتك المضلة .. يحق لك الآن أن ترسم بكل حرية بعد أن أنهيت سنتك الدراسية بكل جد ونشاط ..أخبرني هل رسمت شيئا ؟؟ ..
- نعم يا أمي رسمت بطة جميلة وزورقا يسبح في النهر ..
قالت الأم:
- وأين هي لوحتك ، أريد أن أراها ، ليتك تريني كل شيء ترسمه..
ذهب ماهر إلى الغرفة وأحضر لوحته الصغيرة .. نظرت الأم إليها مدققة وقالت :
- لا شك أنك رسام ماهر مثل اسمك.. لكن كما تعلم الرسم يحتاج إلى الكثير من الصبر والمران ، راقب كل شيء وارسم بكل هدوء .. التعامل مع الألوان ممتع يا حبيبي .. سيفرح والدك عندما يعود بعد أيام من سفره ليجد أمامه عدة لوحات .. السنة الماضية كانت لوحاتك أقل نضوجا .. لكن هاهي لوحتك الأولى لهذا العام تبشر بالكثير .. ارسم كل شيء تراه في الطبيعة .. ليس هناك أجمل من الطبيعة .. والآن سأقدم لك هديتي ...
ضحك ماهر وقال :
- وما هي يا أمي ؟؟..
قالت الأم :
- ماذا ترى هناك على المنضدة ؟؟
نظر ماهر وصاح بفرح :
- علبة ألوان ... كم أنا بحاجة إليها .. شكرا لك يا أمي ..
ركض نحو المنضدة وأخذ علبة الألوان بفرح .. قالت الأم :
- وقد وعد والدك أن يحضر معه الكثير من أدوات الرسم ..
قال ماهر :
- شكرا لكما يا أمي ..
خرج ماهر إلى الحديقة المجاورة ، جلس على أحد المقاعد وأخذ يتلفت قائلا :
- ماذا سأرسم ؟؟ يجب أن أرسم شيئا جميلا .
سمعه عصفور ملون فقال :
- ارسمني يا ماهر .. انظر إلى ريشي ما أجمل ألوانه ..
قال ماهر :
- وهل تستطيع أن تبقى واقفا هكذا على الغصن حتى أنتهي من الرسم .. ؟؟..
أجاب العصفور :
- أجل سأقف .. لكن هل سيكون الرسم جميلا ؟؟..
قال ماهر :
- سنرى ..
وضع ماهر قطعة الورق المقوى على خشبة مربعة كان قد أحضرها معه.. أخرج الأقلام الملونة .. وبدأ يرسم بكل هدوء العصفور الذي وقف ساكنا إلى فترة تحرك بعدها وقال :
- ماهر لقد تعبت ..
كان ماهر مستغرقا برسمه ، فلم يسمعه .. طار العصفور ووقف قرب ماهر قال :
- تعبت يا ماهر .. تعبت ..!!..
ضحك ماهر وقال :
-لا بأس سأتركك لترتاح قليلا ..
زقزق العصفور فرحا ، طار إلى الغصن وعاد ، وقف قريبا من اللوحة وأخذ ينظر ، قال بدهشة :
- هل هذا الرأس رأسي يا ماهر ؟؟..
قال ماهر :
- أكيد ..إنه رأسك الجميل أيها العصفور ..
قال العصفور :
- رسمك رائع يا ماهر .. سأقف على الغصن حتى تكمل الرسم ..
أخذ ماهر يرسم العصفور بهدوء .. وكان العصفور بين الحين والحين يترك الغصن ويأتي لينظر إلى صورته في اللوحة .. وبعد قليل من الوقت انتهى ماهر تماما من رسم العصفور وقال :
- الآن تعال وانظر أيها العصفور ..
وقف العصفور أمام اللوحة ، زقزق سعيدا وقال :
- هل هذه الصورة تشبهني حقا ؟؟ . كم هو جميل رسمك ..
ضحك ماهر وقال :
- رسمي جميل لأنك جميل أيها العصفور الغالي ..
زقزق العصفور بفرح وطار بعيدا ليخبر أصدقاءه الطيور عن تلك الصورة الجميلة التي رسمها ماهر ، بينما حمل ماهر أدواته وعاد مسرورا مليئا بالسعادة إلى البيت ...

http://www.wildlife-art-paintings.co.uk/bird-picture-birds-pictures/british-birds/swallows9_540.jpg
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،


هيفاء وضوء القمر

ضحك القمر وألقى التحية على هيفاء التي كانت تجلس قرب والدها، تقرأ وتدرس بعض الدروس .. لذلك لم تنتبه ولم تلتفت لتجيب القمر الذي استغرب تجاهل هيفاء له ..
قال الوالد :
- ما بك يا هيفاء ؟؟.. هاهو القمر بكل جماله وبهائه يمد يده ليصافحك .. يا الله ما أجمل القمر .. انظري إليه يا هيفاء .. ردي السلام يا حبيبتي .. سيحزن القمر حين تهملين رد السلام عليه ..
ابتسمت هيفاء وقالت :
- لا شك أن القمر جميل يا والدي .. لكن أريد أن أسألك ما الفائدة منه الآن ؟؟..
قال الوالد مستغربا :
-القمر يا ابنتي عنوان الليل .. عنوان الجمال والبهجة ، انظري كيف ينير السماء فتضحك النجوم وترقص حوله مزغردة .. هل هناك أجمل من القمر .. يا الله ما أحلاه ..
قالت هيفاء :
- لكن مع وجود الكهرباء لم نعد بحاجة إليه . هذه هي الحقيقة يا والدي ولن تتغير هذه الحقيقة لأن العلم في تطور مستمر ..
نظر الوالد إلى ابنته عاتبا مستاء .. أراد أن يقول لها أشياء كثيرة عن القمر وفوائده .. لكن قبل أن يفتح فمه كان القمر قد انسحب بهدوء آخذا نوره الفتان الجميل ، فأظلمت السماء ، وحزنت النجوم ، واصبح الجو مليئا بالكآبة .. ارتعشت هيفاء خوفا ورمت نفسها في حضن أبيها وقالت بصوت مليء بالخوف :
- ماذا جرى يا والدي ، أصبح الجو مخيفا ، كل شيء محاط بالظلمة.. قبل قليل كان كل شيء رائع الجمال فماذا جرى ؟؟..
ربت الوالد على كتف ابنته وقال :
- هل عرفت الآن قيمة القمر ؟؟!!..
قالت هيفاء :
- نعم يا والدي عرفت .. بالله عليك عد أيها القمر الحبيب .. أعترف أنني كنت مخطئة ، وأطلب أن تسامحني ..
قال الوالد :
- يبدو أن حزنه كبير لذلك لن يعود هذا المساء ..
قالت هيفاء :
- لكن القمر يحب الأطفال يا والدي .. وقد اعترفت بخطئي .. ألا تسمعني يا قمري الغالي ، بالله عليك عد ..
عندما سمع القمر صوت هيفاء ، وعرف أنها حزينة لغيابه ، عاد لينير كبد السماء من جديد ، وعادت النجوم لترقص وتغني بفرح ، قالت هيفاء :
- كم أنت جميل ورائع يا قمري العزيز ..
خاطبها القمر قائلا :
- اسمعي يا هيفاء ، كل شيء في الدنيا له فائدة ، الله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئا إلا وله وظيفة يؤديها .. وأنا القمر يا هيفاء أما سمعت كم تغنى الشعراء بي ؟؟..
قالت هيفاء :
- أنت صديق رائع وجميل ومفيد .. سامحني يا صديقي ..
قال القمر :
- أنت صديقتي يا هيفاء ، وقد سامحتك منذ البداية .. وثقي أننا سنبقى أصدقاء أوفياء ..
ضحكت هيفاء وعادت لدروسها سعيدة مسرورة ..


http://www2.istockphoto.com/file_thumbview_approve/64215/2/istockphoto_64215-blue-moon.jpg

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

طالع الشجرة / نضال والعزيمة

كان نضال فتى وسيما ،عاش طفولته مع اسرته في احدى قرى الجليل . وكان بكر هذه الاسره
القروية .... واعتاد ان يذهب الى الكروم والحقول مع رفاقه ، والى الغابة القريبه فوق جبل السنديان ،
حيث يتسلقون الاشجار ويتأرجحون على اغصانها الغليظة ....
وكان نضال بينهم القائد الصغير المبادر لكل عمل ولهو ، حتى نال حب واعجاب رفاقه ... لقد
كان يكثر الخروج الى الطبيعة والتمتع بجمالها ويصعد على الاشجار حتى يصل الى القمة ....
وذات يوم ، انطلق مع رفاقه الى احدى الغابات ، وكان في الغابة شجرة جميز عالية ومتفرعه ،
فعزم على الوصول الى قمتها ، وقد حذره رفاقه من خطر السقوط ، الا انه لم يسمع نصيحتهم ، ولم
يعبأ بتحذيرهم ...
خلع نضال حذائه وثيابه العلويه ، وتسلق على الجذع الضخم وبسرعة وصل مجمع الفروع
العديدة ، ومن ثم صعد على الفرع في وسط الشجرة المرتفع الى اعلى بزاوية قائمة تقريبا .... ارتفع
نضال وارتفع ، وكان الرفاق من تحته على الارض ما بين مشجع ومحذر ولم يدر كيف ان قدمه
انزلقت ، ولم تساعده يده على الامساك باحد الفروع ، واختل توازنه ، وفجأة هوى الى الاسفل ،
مخترقا الاغصان الطرية تارة ومصطدما بالقاسية الاخرى ... واخيرا سقط على الارض ، فدقت ساقه
اليمنى .....
قضى نضال طيلة شهرين في الفراش ، والجبص يلف الساق كلها وجبر الكسر وعاد الى الحياة ،
يلهو ويلعب ويخرج الى الغابة ويصعد على الاشجار ....
لم تكن حادثة كسر ساقه قد ردعته عن شيء ، فعزم ان يصعد على الجميزة ويصل الى قمتها .
لقد كان يراوده ذلك الامر وهو لا يزال نائما في السرير ، يقينا منه ان لا شيء مستحيل ....
ذهب نضال كعادته مع بعض رفاقه الى نفس الغابة والى شجرة الجميز حيث دقت ساقه ، وما
ان وصل حتى اسرع بخلع حذائه وثوبه ، وبالتسلق على الشجرة ، وتناسى ان رجله قد دقت في هذا
المكان ، وانه سوف يعرض ساقه لنفس المصير الاول ، او ساقيه معا .... الا انه كان قد عرف مواطن
الخطر ايضا ، وعرف الخطا الذي ارتكبه عندما سقط انذاك ....
صعد نضال الى اعلى ، ولم يصل اكثر مما وصله في المرة الاولى ، وسقط على الارض هذه المرة
ايضا ، كادت ساقه اليسرى ان تدق ، نهض متألما يتحسس رجله واعاد الكرة ثانية وثالثة ورابعة ...
وكان في كل مرة يسقط الى الارض ! كان الرفاق يحاولون منعه قائلين له : كفى ! الا تخاف ان
تكسر رجلك مرة اخرى ! وتنام في السرير شهرين كاملين ! لكن ذلك لم يثنه عن عزمه , بل استمر
وتمكّن ان يتجنب كل مرّة الاخطاء التي تسببت في سقوطه ...
وكان في كل مرة يحاول بها يرتفع قليلا حتى انه وصل اخيرا الى قمة الشجرة . واعاد الكرّة الى القمة
ثانية وثالثة ورابعه...
وارتفع صوت رفاقة بالغناء في كل مرة يصل فيها الى القمة قائلين :

" يا طالع الشجرة هات لي معك بقرة

تحلب لي وتسقيني بالملعقة الصيني .."

وهكذا كان نضال لا ينثني عزمه عن انجاز عمل حتى يحقق ما يراه ممكنا !
مرت الايام وكبر نضال واحب ركوب الخيل وتمرن على ذلك في حقول القرية الواسعه ,
وصارت هوايته المحببه الوحيدة التي يمارسها يوميا على حصانه الابيض ..
وركب الحصان ذات يوم, كي يعبر به فوق الحواجز لاول مرة فما ان قفز الحصان الا ونضال
يهوي الى الارض. وفي الكرة الثانيه هوى عن حصانه الابيض وهو يجتاز الحاجز , لكنه استطاع ان
يقف على رجليه بسرعة ويعود الى صهوة الجواد . وفي الثالثة والرابعة استطاع ان يسقط واقفا...
وواظب على التمرين والمحاولة ولم يسقط, واستطاع ان يثبت فوق الجواد الابيض ...
وذات يوم صار نضال يشارك في سباق الخيول , في تخطي الحواجز على اختلاف ارتفاعاتها..
واستطاع ان يفوز اكثر من مرة بالمرتبة الثالثة فثم الثانية , حتى انه فاز اخيرا بالمرتبة الاولى !! وكان
دائما يقول : "بالعزيمة والصبر والمثابره يتحقق كل شيء...

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

موسيقى الطبيعه

غابت الشمس، فلبست الطبيعة، رداءها الأسود الجميل.‏
أطل معن برأسه، من نافذة غرفة المزرعة وصاح:‏
- جدّي... جدّي!!‏
- نعم يا صغيري، ماذا تريد؟‏
- لقد حلّ الظلام، وحان موعد ذهابنا إلى النهر، لنسهر على ضوء القمر، ألم تعدني بذلك؟.‏
- أجل.. ولكن بعد أن تضع إبريق الشاي والكؤوس في كيس.‏
ثم حمل الجد عكازه، ومضيا صوب النهر.‏
جلس الجدّ على حافة النهر، وقال:‏
- ألا ترغب بشرب الشاي، يا صغيري؟‏
- بلى.. الشاي لذيذ.‏
جمع الجدّ من حوله أعواداً يابسة، وأشعلها، ثم وضع ثلاثة أحجار، وركز الإبريق فوقها.‏
كانت النار ترسم على وجهيهما، وهجاً أحمر كذاك الذي ترسمه الشمس على وجه البحر، لحظة غيابها.‏
غلى الشاي، نصبّ الجد كأسين، إحداهما ملأى والأخرى نصفها.‏
نظر معن إلى كأسه، وقال ممتعضاً:‏
- لماذا صببت لي نصف الكأس، لقد صرت كبيراً، أما قتلت اليوم جرادتين؟‏
ضحك الجدّ وقال:‏
- الشاي ساخن، وأخشى أن يحرق فمك، هيّا ضع ملعقة سكر في كل كأس.‏
غرَفَ معن السكّر بالملعقة، وبدأ يحرك، بغتة انتبه إلى أمر.‏
كان صوت الملعقة في أثناء التحريك، مختلفاً بين الكأسين.‏
نقر بخفّة على حافّة كوبه، فصدر رنين حاد ثم نقر على حافّة كوب جدّه، فصدر رنين غليظ.‏
نظر إلى جدّه باستغراب قائلاً:‏
- هل سمعت يا جدّي، الملعقة تصدر موسيقا؟!.‏
ابتسم الجدّ، حكّ لحيته بأصابعه الخشنة، وقال:‏
- الموسيقى موجودة حولنا، وما علينا سوى سماعها؟‏
تلفت معن في كلّ الإتجاهات، سار نحو النهر غمس قدميه بمياهه، تناثر رذاذ ناعم، وعلا صوت خريره.‏
ركض صوب شجرة صفصاف، فسمع تسبيح أوراقها، وابتهال أغصانها. تطلّع نحو أعواد القصب، المغروسة كالرماح على ضفاف النهر فعلم أن صوت الصفير المبحوح، يخرج من أفواهها، كلما دخلت الريح إليها.‏
كانت الأصوات، تتداخل في أذنيه الصغيرتين فطرب لها، وتمايل، ثمّ بدأ يغنّي: "ورقات تطفر بالدرب‏
والغيمة شقراء الهدب‏
والريح أناشيد‏
والنهر تجاعيد‏
يا غيمة يا....."‏
توقف أحمد عن الغناء، أدهشه منظر القمر على حافة غيمة رمادية، ماسكاً بإحدى يديه عصا صغيرة، يحرّكها بعفوية، كأنّه قائد فرقة موسيقية بينما راحت الطبيعة، تعزف موسيقاها الأزليّة.‏
http://www.indianholiday.com/india-photo-gallery/images/kerala/images/kerala23.jpg

بلال نعيم
21-09-2008, 07:03 AM
~ وفاء صبي ~

كان ولد صغير اسمه إبراهيم يلعب مع مجموعة أولاد بعمره.
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_Mi6y8n.jpg
عندما رأى كرة ملونة وسط الحشائش، فأسرع ليلتقطها، لكنها انطلقت مبتعدة وكأن أحد جذبها بقوة بخيط لا يرى، وتوقف متعجباً، ثم لما رأى الكرة تتوقف ثانية جرى إليها، وجرت الكرة أمامه، صارت الكرة تجري بسرعة والولد إبراهيم يجري بسرعة أكبر ليلحق بها ويمسكها.
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_lostball.jpg
وفجأة .. سقط الولد إبراهيم في بئر عميقة ولم يستطع الخروج منها.
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_t7qSYy.jpg
أخذ إبراهيم يصيح لعل أحداً يسمعه ويخرجه غير أن الوقت مر وحل الليل وإبراهيم وحده في البئر حاول الصعود على جدرانها لكنها كانت ملساء وعالية ومبتلة، وحاول أن يحفر بأظافره في جدرانها ولم يقدر على شيء .. فترك نفسه يتكوم داخل البئر ويبكي ..
في هذه الأثناء كان رجل يمر وهو راكب على حصانه، حينما سمع صوت البكاء فاقترب قليلاً قليلاً، واستمع، ونظر، لكنه لم ير أحداً .
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_manonhorse.jpg
دهش الرجل وحار كثيراً فيما يفعل، البكاء يأتي من باطن الأرض، فهل هو جني يبكي؟ نعم لعله جني حقاً، وهتف الرجل هل يوجد أحد هنا؟
وبسرعة صرخ إبراهيم من داخل البئر .. أنا .. نعم .. أنا .. هنا وسأله الرجل هل أنت إنسان أم جني؟
أسرع إبراهيم يجيب صائحاً: أنا إنسان .. ولد .. ولد .. أرجوك أنقذني.. هنا .. هنا .. أنا في بئر هنا ..
وانطلق يبكي .. فنزل الرجل عن حصانه، ودنا ببطئ وهدوء، وهو يتلمس الأرض بيديه ويبحث بين الحشائش، وكان يتحدث مع الولد لكي يتبع صوته حتى عثرت أصابعه بحافة البئر وبسرعة رفع قامته ليأتي بحبل من ظهر الحصان، فهتف الولد: أرجوك يا عمي لا تتركني .. أنقذني أرجوك.
وأجابه الرجل، لا تخف سأجلب حبلاً به أسحبك إلى فوق..
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_rope.jpg
وهكذا جلب الحبل ورماه إلى الولد الذي تمسك به بقوة، فسحبه الرجل وصعد به إلى الأرض، وبعد أن استراح الولد قليلاً أركبه الرجل لكي يوصله إلى أهله، الذين شكروه كثيراً على حسن صنيعه.
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_climb.jpg
ومضت الأيام والأسابيع والشهور والسنين، ونسى إبراهيم ذلك اليوم المخيف في حياته، وقد كبر إبراهيم كثيراً حتى صار شاباً قوياً وسيماً، وأخذ يعمل بالتجارة، فيقطع المسافات الطويلة.
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_merchant.jpg
وفي إحدى سفراته الطويلة، كان مع أفراد قافلته قد ناموا في استراحة بعد يوم سفر طويل، لكن حين استيقظ وجد نفسه وحيداً، وقد تحركت قافلته، ولم ير أي أثر لها، فتعجب، وتساءل: أيمكن أن يكونوا قد تعمدوا تركه؟؟ وهكذا مضى سائراً على قدميه سيراً حثيثاً، محاولاً السير في طريق قافلته، غير أنه وجد نفسه تائهاً في صحراء لا نهاية لرمالها…
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_forest.jpg
أخذ يسير ويسير، وقد بقى لديه قليل من ماء وطعام عندما رأي غير بعيد عنه شيئاً مكوماً، فرفع سيفه وتقدم إليه، وهو يتساءل بينه وبين نفسه ( هل سمعت صوتاً ينادي؟) وتقدم أكثر إليه، وعندئذ سمع صوتاً يصيح ( النجدة .. أنقذوا عجوزاً يموت .. ) وتعجب إبراهيم، فمن جاء بهذا العجوز إلى هذا المكان؟ .
حين وصل إليه، وجده وهو يكاد يموت، فأسرع ينزل قربته من كتفه ويقربها من فم العجوز المرتجف ويقول له:
خذ يا عم .. اشرب .. فليس في قربتي غير هذا القليل من الماء فرد العجوز بصوته المرتجف بعد أن شرب واستراح:
بارك الله فيك يا .. ولدي.. وأخرج له بقايا خبز لديه، وقال له: كل يا عم .. كل هذا الخبز القليل لتقوي به..
فتناوله العجوز ودفعه إلى فمه وقال: جزاك الله خيراً .. أيها الشاب الطيب ..
وسأل إبراهيم: ولكن كيف وصلت إلى هذا المكان، المقفر في هذه الصحراء القاحلة وأنت في هذه الحال؟
رد العجوز :
حظي الذي أوصلني إلى هذا المكان، وحظي الذي جعلني في هذه الحال. حين سمع الشاب إبراهيم الرجل، أخذ يفكر أنه يتذكر هذا الصوت.. إنه يعرفه .. وردد: أنا أعرفه.. لابد أني أعرفه.. وكان العجوز ما زال يتكلم:
لقد تلفت ساقاي في حريق شبّ في بيوت القرية، وبيت أهلي منها منذ زمن .. وصرت أتنقل على ظهر فرسي البيضاء.. وكنت الآن في طريق إلى أهلي وبيتي، لكن قطاع الطرق أخذوا فرسي ورموني للموت هنا..
وسأل متعجباً: ولم يرقوا لحالك ويعطفوا عليك؟
فأجابه العجوز: لا تعمر الرحمة قلوب الجميع يا ولدي..
فجأة سطعت الذكرى في رأسه، وتذكر الرجل الذي أنقذه من البئر، يوم كان صبياً صغيراً، هكذا انزاح الضباب وظهر وجه الرجل.. وهتف في نفسه: ( هو .. هو .. إنه هو .. ) وسأله العجوز: ما لك يا ولدي ؟
فأجابه الشاب إبراهيم بسرعة :
إنه أنت .. نعم أنت هو .. حمداً لله وشكراً .. هذه غاية عطاء الله لي..
وسأله العجوز : ماذا حدث لك يا ولدي ؟
وسأله إبراهيم : هل تذكر يا عم . أنك قبل سنين كثيرة أنقذت ولداً صغيراً ساقطاً في بئر؟
في البداية لم يتذكر الرجل، لكنه سرعان ما تذكر هو الآخر تحت وصف وإلحاح الشاب إبراهيم.. وقال له إبراهيم:
الحمد لله إنك تذكرت .. أنا هو يا عم .. أنا إبراهيم الذي أنقذته..
الشاب إبراهيم حمل الرجل العجوز على كتفيه وهو عطش وجائع وانطلق يسير به ويسير وهو يقول:
سأسير بك ما دمت قادراً على السير حتى أوصلك إلى بيتك أو أموت وحين وصلوا إلى قرية العجوز، تجمع الناس حولهما مكبرين العمل الذي قام به إبراهيم ورأوا فيه كل معاني الإنسانية والوفاء…
http://www.lakii.net/images/Sep05/kids_carryoldman.gif

بلال نعيم
21-09-2008, 07:06 AM
~~ الدب دبدوب ~~

أنا دب صغير، بني اللون. أنا دبدوب: بطل؟ بطل؟! أنا بطل.. يعيش البطل! يعيش! يعيش! يعيش!
وفجأة سمع صوت أمه تناديه: دبدوب! يا دبدوب! أين أنت يا حبيبي يا دبدوب؟
أوه! هذه أمي! أنا واثق أن عندها مطلباً! يا ألله! كيف أستطيع أن أتهرب من تنفيذ مطلبها؟!
عادت الأم تناديه: تعال يا دبدوب! تعال حالاً ساعدني في حمل السلّم! إنه يكاد يسقط من يدي!
سلّم؟ وهل أنا متفرغ لمثل هذه الأعمال (لنفسه)؟، ثم لأمه: ماذا تريدين يا أمي؟
قلت أسرع! عجل! يكاد السلم يفلت من يدي ويحطم كل شيء..
http://www.lakii.net/images/Jun05/kids_pic1.gif
دبدوب: حسنا! أنا قادم.. قال دبدوب.
الأم: أسرع! أسرع يا دبدوب!
دبدوب: قلت لك أنا قادم يا أماه.
وقع السلم، يسمع صوت وقوعه!
دبدوب: ما هذا؟ ماذا حدث يا أمي؟
الأم: ماذا حدث؟ سقط السلم وحطم كل شيء! أنا حين أناديك يا دبدوب أكون بحاجة ماسة جداً إليك! أتسمع ما أقول؟
دبدوب: ن..ن.. نعم يا أمي.. أنا أسمع..
الأم: ولماذا لم تأت حالا؟
دبدوب: اعتقدت أنك تطلبين مني عملاً أستطيع أن أنجزه بعد حين!
قالت الأم بغضب: دبدوب! تصرفاتك لا تعجبني أبداً.
دبدوب: أنا آسف يا أمي!
الأم: أنا آسف يا أمي؟ أليس عندك عبارة أخرى غير أنا آسف يا أمي؟ لقد سمعت هذه العبارة أكثر من مليون مرة. وبحياتك كلها لم تتعلم أن تلبي ندائي بسرعة!
دبدوب: أنا آسف يا أمي!
الأم: أرجوك لا تقل أنا آسف. قم وساعدني في جمع ما تحطم!
دبدوب: حالاً.. حالاً وسريعاً يا أمي!
قام دبدوب بمساعدة أمه وهو يعتذر ويعدها أنه سيلبي طلباتها في الحال، ولن يكون دباً مهملاً بعد الآن..
قال دبدوب لأمه: هذا وعد شرف يا أمي!
ضحكت الأم وقالت: ذكرتني يا دبدوب بقصة الدجاجة النشيطة.
دبدوب: ماذا فعلت الدجاجة يا أمي؟..
الأم: لماذا أحكيها لك أنا؟ دع الراوية تحكيها لك، وأنا أمثل معها الأدوار المطلوبة.
دبدوب: حسنا! أنا سامع..
حكيت الأم: عاشت دجاجة صغيرة مع بطة وإوزة. وكانت كل من البطة والإوزة مضرب مثلٍ في الكسل.
قالت الإوزة: لا، أنا لا يمكن أن ألبي طلبات الدجاجة دائماً.. فهي تطلب مني أن أقوم بأعمال وأعمال.. هذا كثير!
قالت البطة: وأنا أيضا.. لا أستطيع أن ألبي طلباتها! إنها كثيرة الطلبات!
وقالت الدجاجة: هه! ماذا سأعمل؟ أنا مضطرة أن أعمل كل شيء في المنزل! أمري للهَ!
وفي أحد الأيام سألت الدجاجة: من منكما تشعل لي النار؟
قالت البطة: نشعل النار؟ الحقيقة أنا البطة لا أقدر.
وقالت الإوزة: الصراحة.. أنا الإوزة.. لا أستطيع. أنا مشغولة.. هل أنا متفرغة لطلباتك؟
أجابتهما الدجاجة: كما تريدان، أنا أقوم بنفسي بإشعال النار.
(تنفخ).. ها قد أشعلت النار، والآن.. من منكما ستحضر الكعكة للفطور؟
أوه.. أنا البطة لن أحضر شيئا، فأنا مشغولة.
وأنا الإوزة لن أحضر شيئا، فأنا أيضا مشغولة.
أه.. لا بأس.. أنا أحضر الطعام.
وفعلاً، قامت الدجاجة بتحضير كعكة صغيرة للفطور.
http://www.lakii.net/images/Jun05/kids_bread.gif
وحين كانت تخبز الكعكة سألت الدجاجة: والآن.. من يعد المائدة منكما؟
أنا البطة أعتذر، لا يمكنني أن أعد المائدة، فأنا تعبة جداً، رأسي يؤلمني.
وأنا الإوزة لا أستطيع أن أعد المائدة، فأنا تعبة ورأسي يؤلمني.
لا بأس قالت الدجاجة.. أنا أقوم بإعداد المائدة بنفسي.
أعدت الدجاجة المائدة، وأنزلت الكعكة، ووضعتها في طبق، وحملتها إلى المائدة، ورتبت كل شيء، وسألت: والآن يا بطة، ويا إوزة، من يأكل هذه الكعكة؟
قالت البطة أنا آكل الكعكة!
قالت الإوزة آكل الكعكة.. آكلها كلها!
قالت الدجاجة: إنكما لن تأكلا منها شيئا!
http://www.lakii.net/images/Jun05/kids_hen-goose.gif
قالت البطة والإوزة معا: إلى أين تأخذين الكعكة؟
أجابت الدجاجة: هذا أمر لا يعنيكما، لم تساعدني أي منكما فكيف أطعمكما؟
حملت الدجاجة الكعكة وذهبت بها إلى مكان بعيد وجلست لتأكلها. ولكن رائحة الكعكة كانت شهية للغاية، فشمها الثعلب كما شم رائحة الدجاجة، فأمسك بالدجاجة، فأخذت تصيح: أتركني، أتركني يا ثعلب! أرجوك!
http://www.lakii.net/images/Jun05/kids_fox-hen.gif
وضعها الثعلب في كيس وحملها على ظهره وأخذها إلى البيت ليطعمها لأولاده. وراحت الدجاجة تفكر وهي في الكيس: أه، سأعطس.. هه! أين منديلي؟ كان في جيبي! (عطست)
ضحك الثعلب وقال: إنها سمينة.. لكنني تعبت.. فلأسترح قليلا هنا قرب الحجارة..
أنزل الكيس ووضعه على الحجارة واستراح قليلا، فيما كانت الدجاجة تقول: حين مددت يدي إلى جيبي لأبحث عن المنديل، وجدت المقص الذي أستعمله في الخياطة. إذن سأقص الكيس وأخرج منه وأضع مكاني حجرا. وهكذا فعلت.
حمل الثعلب الكيس إلى بيته ولم يعرف حقيقة ما جرى إلى حين فتح الكيس ووجد فيه حجراً بدلاً من الدجاجة!
في تلك الأثناء، كانت الدجاجة قد عادت إلى بيتها، وراحت تقول لرفيقتيها البطة والإوزة: أهكذا فعلتما؟ لم تساعداني، فأخذت طعامي بعيدا عنكما، وكاد يأكلني الثعلب لو لم أكن متيقظة!
قالت البطة: أنا آسفة يا صديقتي الدجاجة! من الآن فصاعداً سأفعل ما تطلبينه حالا، وسأساعدك لكي تبقي معنا.
وقالت الإوزة: أعذرينا! لن نكون خاملتين بعد الآن. سنعاونك دائما كي تبقي معنا.
دبدوب يضحك ويقول لأمه: كانت البطة والإوزة تفعلان كما أفعل أنا. صدقيني يا أمي، من الآن فصاعداً لن أتهامل، وسأحضر كل ما تطلبين مني لكي تبقي معي وأبقى أنا معك.
فرحت الأم وقالت: عافاك يا دبدوب يا أحلى وأطيب دب

بلال نعيم
21-09-2008, 07:08 AM
قصة الخطيب الصغير للاطفال - قصة قرآنية

حكايات قرآنية معاصرة (http://al-wlid.com/vb/f72.html)
تأليف: عبد التواب يوسف
* الخطيب الصغير *
هل فكرت يوماً في أن تصبح خطيباً عظمياً؟ لم يخطر ذلك أبداً على بال حسين، فقد كان كل همه أن يتمكن من أن يتحدث إلى الناس في بساطة، ولم يكن ذلك سهلاً ولا يسيراً. كان المسكين في أزمة كبيرة، ويواجه مشكلة لا يجد لها حلاً. لكن الله يدخر دائماً للمؤمنين طريقاً واضحاً، تهديهم إليه، وما إن يسيروا فيه حتى يجدوا أنفسهم قد وصلوا إلى ما يبغون وما يريدون. بل إنهم أحياناً يحققون أكثر مما كانوا يتمنون ويرجون..
كان الصغير (حسين) يحب التحدث إلى الناس، والكلام معهم، وهو يجد في ذلك متعة كبيرة. كان يسره أن يتلقى الأسئلة من الآخرين ويجيب عما يعرف. وكان يريد أن يعرف، فيلقي عليهم أسئلته من أجل أن يضيفوا إليه جديداً. لكن بعضاً من الكبار لم يكونوا راضين عن ذلك، بل صحت أذنه يوماً كلمة (ثرثار)، على الرغم من أنه لم يكن يطيل في الكلام، كما كان يجيد الاستماع بقدر ما يجيد الحديث. كما أنه كان يحسن اختيار الموضوعات التي يسال عنها أو يتحدث فيها.
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page5.gif
وقد قرأ (حسين) الكثير عن أطفال العرب والمسلمين، الذين كانوا في سنه، وتناقل الناس كلماتهم الحلوة الطيبة.
- داركم أم دار الخليفة أفضل؟
- دارنا ما دام الخليفة فيها.
و
- هل رأيت أثمن من هذا الخاتم؟
- نعم، الإصبع الذي هو فيه.
و
- أيسرك أن يكون لديك مال كثير، ولو أنك أحمق؟
- أخشى أن يذهب حمقي بمالي، ويبقى لي الحمق.
و
ذلك الذي قال له الخليفة: اسكت ليتكلم من هو أكبر منك! ورد الصبي أن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه.
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page7.gif
وكثيراً ما قيلت هذه الكلمات إلى حسين:
- (لا تتكلم) .. (اسكت) .. بل، وأحياناً (اخرس)!
ويتأذى المسكين، ولا يتكلم، ولا ينطق، بل بدأ يكف عن الحديث إلى الآخرين، وباعد ما بينه وبينهم، وأحب الوحده، لأنها تقيه من مثل هذه الكلمات القاسية، واستراح إلى الهمس إلى نفسه، وإذا ما حدث يوماً أن فكر بصوت عال، لم يعدم من يقول له:
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page8.gif
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page9.gif
- مسكين، إنه يكلم نفسه!
واضطر إلى أن يغلق شفتيه ويقفل فمه، وقلّت كلماته رويداً رويداً، حتى إن أحداً لم يعد يسمع صوته. وهو إذا وجد أنه بات من الضروري أن يتكلم نطق بأقل الكلمات، بل بدأ يتلعثم، ويرتج عليه، وإلى درجة شعر فيها بالمرض.
لاحظت أسرته ذلك، كما تنبه إليه معلموه وأساتذته، كما أن زملاءه أشاروا للأمر أكثر من مرة، وحسين لا يود أن يصارح أحداً بالسر، وإنما كتمه لنفسه، وأبقاه بداخله. إلى أن أصبح مشكلة حقيقية، لا يعرف سبيلاً إلى حلها! ولا يجد من يعرضها عليه أو يحدثه عنها، وراح يفكر فيها بنفسه لنفسه.
فكر.. وفكر.. وفكر..
وكان أطرف ما خطر له سؤال يقول: لماذا نتكلم؟! وراح يحاول أن يجيب. بل لقد حاول أن يضع الإجابة على الورق في كلمات موجزة مركزة.
نحن نسأل، نطلب..
نحن نجيب من يسألنا..
ولدينا ما نقوله.. ما نريد أن نعبر به.
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page11.gif
ونتبادل كلمات المجاملة: أهلاً، شكراً، حرماً، سلامتك!
وطالت به قائمة الأسباب وامتدت، وهو يحس أن الكلام ضروري كالطعام. لكن من الطعام ما هو عسر الهضم وثقيل، ومنه ما هو ممتع ولذيذ، وقد لا يكون نظيفاً.. و.. لقد وجد أوجه شبه عديدة، وفارقاً أساسياً: إنك حين تأكل الطعام تأخذ فقط، وحين تتكلم تأخذ وتعطي.. إنه شيء متبادل، يستمتع به طرفان. وسمع يوماً عبارة عن واحد من كتابنا الكبار، كان يغلف الأمر الجاد بكلمات فكهة مرحة.. كان يقول: إننا نحن الكتّاب مثل (عربات الرش)، لا يمكن أن (نرش) إلا غذا امتلأنا.. لقد ضحك للتعبير في البداية، لكنه وجده في النهاية جاداً، وعميقاً، وطريفاً.
وقرر فيما بينه وبين نفسه أن يكون عربة رش..
والسؤال: كيف يملأ هذه العربة؟!
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page13.gif
وعندما فكر طويلاً: كيف يمتلئ بالكلمات الحلوة، لم يجد أمامه خيراً من كتاب الله. وبدأ يتلو الآيات، ويتلو.. ولأول مرة أدرك حلاوة تقسيم القرآن الكريم إلى سور، وأجزاء، وأرباع، وآيات.. وأقبل عليه ينهل منه، ولم يمتلئ بالكلمات فقط، بل بالمعاني والأفكار والمبادئ والقيم.. إنه أمام فيض إليه يغمره.. وهو لا يكتفي بالقراءة، بل هو يتمعن فيما يقرأ. هو يقرؤه أكثر من مرة ويفكر فيه ويتدبره في راسه، وهو لا يجد بأساً من ان يلقي أسئلة عما لا يفهمه، والإجابة تزيد الأمور وضوحاً في رأسه.
- كيف غابت عني فكرة قراءة القرآن مرة ومرة ومرات؟
لماذ نهاب قراءته وتلاوته؟ لماذا لا نيقبل عليه بقلب مفتوح؟ من يقول: إنه ليس من السهل فهمه؟ حتى لو كان هذا صحيحاً فليس أروع من الإحساس به.. وحاجتنا إلى ذلك لا تقل عن حاجتنا لفهمه وإدراك معانيه.. اقرأ القرآن بالحس، تحس به أكثر، تستوعبه، تستمتع به، يرعاك ببركاته، ويجعل منك إنساناً آخر.. بشرط واحد: أن تداوم على القراءة والتلاوة!
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page15.gif
أحب حسين كتاب الله حباً جماً، وفي لحظات كثيرة كان يشعر أنه يستطيع أن يستغني به عن الكلام مع الناس أو الاستماع إليهم. لكن الكلام كالطعام ضرورة.. وعندما بدأ يواجه من يلقي عليه سؤالاً، أو يتحدث إليه في أمر ما درب نفسه على أن يتلو آية قصيرة من كتاب الله بينه وبين نفسه.. يتلوها في صوت هامس، إنه لا يختار، إنما يتلو الآية التي ترد إلى ذهنه.. وبعدها يجد نفسه قادراً على أن يجيب عما يلقى عليه من أسئلة، وعلى أن يحسن اختيار كلماته، إذ اكبر قاموسه واتسع، وتعرف على الكثير الجديد من الكلمات التي يمكنه أن يعبر بها عن نفسه.. وأعطاه ذلك ثقة في نفسه، فعاد يتحدث إلى الناس، يسأل بلا حرج، ويجيب دون أن يتلعثم، كم كان يدعو ربه.
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page17.gif
بسم الله الرحمن الرحيم..
(قال ربّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني ييفقهوا قولي)
لقد أحس بحق أن الله قد شرح له صدره ويسر له أمره وحل عقدة من لسانه، وأن الناس يفقهون قوله.
وعندما اتسعت دائرة قراءة القرآن أصبح حسين قادراً على أن يتلو آية مناسبة لما يحدث أمامه. لم يكن يتباهى بالتلاوة بصوت عال، بل كان يكتفي بقراءتها لنفسه.. وأحسن بعد حين أنه قد أصبح مسموعاً.. لم يعد أحد يقول له: لا تتكلم أو اسكت.. بل أدهشه أن الناس تقبل عليه لتسمعه. غير أنه كان دائماً يتذكر العبارة المرحة التي تقول: إن لنا فماً واحداً وأذنين، وإن علينا أن نسمع ضعف ما نتكلم.. وهو يفرض على نفسه هذا المبدأ، ويحاسبها عليه، ويأبي أن يستأثر بالكلام.. إنه يريد أن يأخذ عن الآخرين، وخاصة هؤلاء الذي يتكلمون عن أفضل ما قرأوه، وما شاهدون، وما سمعوه.. وهو يعرض عن اللغو، وعم يتكلمون عن كل شيء وفي أي شيء..
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page19.gif
والطريف أنه كثيراً ما كان يحدث أن يسعى إليه زملاؤه، بل وبعض الكبار ليسألوه رأيه في أمر ما، ويحاول أن يجيب بقدر ما يعرف، بل لقد طلب إليه أصدقاؤه في مسجد المدرسة أن يلقي كلمة وألقاها وكانت موجزة، فلقيت الاستحسان.. وكثيراً ما دعي إلى الإذاعة المدرسية ليتكلم، وكان أحرص ما يكون على ألا يلقي النصائح* بل هو يحكي، يروي، يتحدث.. ويود أن يترك كلامه هذا انطباعاً طيباً في نفس مستمعيه.. ساعتها يشعر بالارتياح، ويحس أنه قد أحسن الكلام.
وحدث يوماً في المدرسة أن فرضت عليهم الإدارة أمراً لم يرتضوه.. وتجمع الطلاب يريدون أن يحتجوا، وأن يوقفوا هذا الأمر، وقد بلغ بهم الغضب منتهاه. كان حسين معهم في رفض ما فرض، لكنه لم يكن معهم في طريقة مواجهته. وفوجئ بزملائه يتجهون إليه، يسالونه رأيه، ويطلبون إليه أن يتكلم.. كان الموقف حرجاً وعلى وشك الانفجار..
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page21.gif
وعندما وقف حسين ليتكلم ساد الصمت، ووقف الطلاب كأن على رؤوسهم الطير، وارتجل كلمة قصيرة بليغة، أعادت للجميع هدوءهم، وشدت التفات مدير المدرسة والمعلمين، فسألوه أن يلتقي بهم، ودار بينه وبينهم نقاش هادئ، وإذا بإدارة المدرسة تلغي الأمر، وتعم الفرحة الجميع.. ويلقي المدير كلمة يقول فيها: إن المدرسة بهذا الموقف قد كسبت خطيباً عظيماً، ومتحدثاً ملهماً، ومتكلماً مفوهاً.
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page22.gif
وفي هذه اللحظة مر شريط طويل في رأس حسين، بدأ بعدد من الناس يقولون له: لا تتكلم، اسكت، بل اخرس! وتذكر عكوفه على تلاوة القرآن الكريم وكيف قوّم لسانه، وأفاض عليه من خيره وبركاته ما جعله (الخطيب).. ورفع عينيه إلى لاسماء، شاكراً لربه نعمته التي أنعم عليه بها، بعد أن كان يتغثر ويتلعثم حين يتكلم مع شخص واحد، إذا به اليوم قادر على أن يواجه جموعاً غفيرة ليقول لها كلمة طيبة!
http://www.lakii.net/images/Nov04/kids_page23.gif
لقد كانت فكرة الخطابة فوق آماله وأحلامه، وما كان يتصورها، فهو فضلاً على خوفه من التعثر والتلعثم في الكلام مع الآخرين، لم يكن يجد في نفسه الجرأة في مواجهة جماهير الناس، فما بالكم وهذه الجماهير غاضبة ولا تريد إلا أن تفعل ما تريد، مستغلة تجمعها وقوتها.. وإذا بهذا الخطيب الصغير قادر على أن يكبح جماحها ويقودها إلى ما فيه خيرها، وخير الجميع..
جرب أن تكون مثله، ليس ذلك مستحيلاً ولا صعباً، إنه في إمكانك ومقدورك.. عليك فقط أن تصاحب ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه: القرآن الكريم.

بلال نعيم
19-12-2008, 09:53 AM
The Boy & the Apple Tree


A long time ago, there was a huge apple tree.
في قديم الزمان ... كان هناك شجرة تفاح ضخمة


A little boy loved to come and play around it everyday.
و كان هناك طفل صغير يلعب حول هذه الشجرة كل يوم ..


He climbed to the treetop, ate the apples, took a nap under the shadow...


كان يتسلق أغصان الشجرة ويأكل من ثمارها ... ثم يغفو قليلا لينام في ظلها ..


He loved the tree and the tree loved to play with him.
كان يحب الشجرة وكانت الشجرة تحب أن تلعب معه


Time went by...the little boy had grown up,
مر الزمن... وكبر الطفل


And he no longer played around the tree every day.
وأصبح لا يلعب حول الشجرة كل يوم




One day, the boy came back to the tree and he looked sad.
في يوم من الأيام ... رجع الصبي وكان حزينا


"Come and play with me," the tree asked the boy.
فقالت له الشجرة: تعال والعب معي


"I am no longer a kid, I do not play around trees any more"
The boy replied.
فأجابها الولد: لم أعد صغيرا لألعب حولك


"I want toys. I need money to buy them."
أنا أريد بعض اللعب وأحتاج بعض النقود لشرائها


"Sorry, but I do not have money...
فأجابته الشجرة: أنا لا يوجد معي نقود


But you can pick all my apples and sell them.
So, you will have money.
ولكن يمكنك أن تأخذ كل التفاح الذي لدي لتبيعه
ثم تحصل على النقود التي تريدها...


" The boy was so excited.
الولد كان سعيدا للغاية


He grabbed all the apples on the tree and left happily.
فتسلق الشجرة وجمع كل ثمار التفاح التي عليها وغادر سعيدا


The boy never came back after he picked the apples.
لم يعد الولد بعدها


The tree was sad.
فأصبحت الشجرة حزينة


One day, the boy who now turned into a man returned
وذات يوم عاد الولد ولكنه أصبح رجلا


And the tree was excited "Come and play with me" the tree said.


كانت الشجرة في منتهى السعادة لعودته وقالت له: تعال والعب معي



"I do not have time to play. I have to work for my family.
ولكنه أجابها: لا يوجد وقت لدي للعب .. فقد أصبحت رجلا مسئولا عن عائلة



We need a house for shelter.
ونحتاج لبيت يؤوينا


Can you help me?
هل يمكنك مساعدتي ؟


" Sorry",
آسفة


I do not have any house. But you can chop off my branches
To build your house.
فأنا ليس عندي بيت ولكن يمكنك أن تأخذ جميع أغصاني لتبني بها بيتا لك...



" So the man cut all the branches of the tree and left happily.
فأخذ الرجل كل الأغصان وغادر وهو سعيد


The tree was glad to see him happy but the man never came back
since
then.
كانت الشجرة مسرورة لرؤيته سعيدا ... لكن الرجل لم يعد إليها



The tree was again lonely and sad.
فأصبحت الشجرة وحيدة و حزينة مرة أخرى


One hot summer day,
وفي يوم حار من ايام الصيف



The man returned and the tree was delighted.
عاد الرجل .. وكانت الشجرة في منتهى السعادة


"Come and play with me!" the tree said.
فقالت له الشجرة: تعال والعب معي


"I am getting old. I want to go sailing to relax myself.
فقال لها الرجل لقد تقدمت في السن... وأريد أن أبحر لأي مكان لأرتاح



"Can you give me a boat?"
"Said the man".
فقال لها الرجل: هل يمكنك إعطائي مركبا.



"Use my trunk to build your boat.
You can sail far away and be happy.
فأجابته: خذ جذعي لبناء مركب... وبعدها يمكنك أن تبحر به بعيداوتكون سعيدا



" So the man cut the tree trunk to make a boat.
فقطع الرجل جذع الشجرة وصنع مركبا



He went sailing and never showed up for a long time.
فسافر مبحرا ولم يعد لمدة طويلة



Finally, the man returned after many years.
أخيرا عاد الرجل بعد غياب طويل


"Sorry, my boy. But I do not have anything for you anymore.
ولكن الشجرة قالت له : آسفة يا بني .. لم يعد عندي أي شئ أعطيه لك



No more apples for you
" The tree said".
وقالت له:لا يوجد تفاح


"No problem, I do not have any teeth to bite
" The man replied.
قال لها: لا عليك لم يعد عندي أي أسنان لأقضمها بها


"No more trunk
for you to climb on"
لم يعد عندي جذع لتتسلقه


"I am too old for that now" the man said.
فأجابها الرجل لقد أصبحت عجوزا ولا أستطيع القيام بذلك



"I really cannot give you anything
قالت: أنا فعلا لا يوجد لدي ما أعطيه لك



The only thing left is my dying root,"
The tree said with tears.
قالت وهي تبكي .. كل ما تبقى لدي جذور ميتة


"I do not need much now, just a place to rest.
فأجابها: كل ما أحتاجه الآن هو مكان لأستريح فيه



I am tired after all these years" the man replied.
فأنا متعب بعد كل هذه السنين


"Good! Old tree roots are the best place to lean on and rest,
فأجابته: جذور الشجرة العجوز هي أنسب مكان لك للراحة



Come, come sit down with me and rest.
تعال .. تعال واجلس معي لتستريح



" The man sat down and the tree was glad and smiled with tears...
جلس الرجل إليها ... كانت الشجرة سعيدة ... تبسمت والدموع تملأعينيها



This is you and the tree is your parent. !!!!!
هل تعرف من هي هذه الشجرة؟
إنها أبويك !!! ا



Please enlighten all your friends and your families
رجاء أن تقص هذه القصة على أصدقائك وأقاربك


By telling them this story,
"Love your Parents"
"أحبَ والديك



Love your Parents



وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا"





And your Lord has decreed that you worship none but Him. And that you be dutiful to your parents. If one of them or both of them attain old age in your life, say not to them a word of disrespect, nor shout at them






وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا



but address them in terms of honour.


And lower unto them the wing of submission and humility through mercy, and say: "My Lord! Bestow on them Your Mercy as they did bring me up when I was small."


.http://ac4.yt-thm-a04.yimg.com/image/124d95d35766047c (http://rds.yahoo.com/_ylt=A0WTb_0GWEtJHw4AaeqJzbkF;_ylu=X3oDMTBqamdoM3Q 5BHBvcwMxMgRzZWMDc3IEdnRpZAM-/SIG=1goj566bd/EXP=1229760902/**http%3A//images.search.yahoo.com/images/view%3Fback=http%253A%252F%252Fimages.search.yahoo .com%252Fsearch%252Fimages%253F_adv_prop%253Dimage %2526fr%253Dslv8-msgr%2526va%253Dold%252Bpeople%2526sz%253Dall%26w= 699%26h=699%26imgurl=i1.trekearth.com%252Fphotos%2 52F6713%252Fold_people.jpg%26rurl=http%253A%252F%2 52Fwww.trekearth.com%252Fgallery%252Fphoto63880.ht m%26size=179.2kB%26name=old_people.jpg%26p=old%2Bp eople%26type=JPG%26oid=124d95d35766047c%26no=12%26 tt=953,951%26sigr=11fd5aro6%26sigi=11b9a0gvq%26sig b=12uq15ol5)

بلال نعيم
19-12-2008, 07:26 PM
أنا النمر
بقلم الدكتور أسد محمد
للفئة العمرية : ٧- ١٢سنة

خَرَجَ الأرنَبُ الصغيرُ لأولِ مرةٍ باحِثاً عَنْ طَعَامٍ و شَرابٍ له ، بعْدَ أنْ استأذنَ منْ أمِّهِ، وأثناءَ الطَّرِيقِ قالَ في نفْسِهِ: لنْ أنسَى وصيةَ أُمِّي أبداً : ” أن آخذَ حَاجَتي فقط وألا أعْتدي على أحدٍ “. قطَعَ مَسافةً قَصيرةً في الغَابةِ ، أعْجَبتهُ الأشجَارَ والأزْهارَ الجميلَةَ ، فتابَعَ سَيْرَهُ يَتَفَرجُ على الْمَنَاظِرِ الْخلابَةِ ، شَعَرَ بالأمَانِ فقطَعَ مسافةً أطولَ ..
بالقربِ مِنَ الصُّخُورِ العَاليةِ صَادَفَ مَجْمُوعةَ ثعَالبٍ تَلْعبُ و تَمْرحُ ، اقتَربَ منها بهدوءٍ ، فسألَه رئيسُها:
http://ac4.yt-thm-a03.yimg.com/image/399d4925f255a752 (http://rds.yahoo.com/_ylt=A0WTefQw20tJU2ABS9KJzbkF;_ylu=X3oDMTBpaWhqZmN tBHBvcwMzBHNlYwNzcgR2dGlkAw--/SIG=1kcvvvm4n/EXP=1229794480/**http%3A//images.search.yahoo.com/images/view%3Fback=http%253A%252F%252Fimages.search.yahoo .com%252Fsearch%252Fimages%253F_adv_prop%253Dimage %2526fr%253Dslv8-msgr%2526va%253Dtiger%2526sz%253Dall%26w=500%26h=3 03%26imgurl=static.flickr.com%252F12%252F17504688_ 1aefd94d63.jpg%26rurl=http%253A%252F%252Fwww.flick r.com%252Fphotos%252Ffuzzworks%252F17504688%252F%2 6size=37.3kB%26name=Baby%2Btiger%26p=tiger%26type= JPG%26oid=399d4925f255a752%26fusr=Fuzz%2BBandit%26 tit=Baby%2Btiger%26hurl=http%253A%252F%252Fwww.fli ckr.com%252Fphotos%252Ffuzzworks%252F%26no=3%26tt= 5,353,061%26sigr=11g5e0avs%26sigi=11c82e1f1%26sigb =12ptcr323%26sigh=117o6sdqk)
مَنْ أنتَ أيُّها القادمُ؟ أجَابَ الأرنبُ الصَّغيرُ مستغرباً: ألا تَعْرفُني ؟!
ردَّ رئيسُ الثعالبِ : كيفَ أعرفُكَ دونَ أنْ أراكَ مِنْ قبلُ ؟!
أجابَ الأرنبُ بثقةٍ : أنا النَّمِرُ.

حَدّقَ فيه رئيسُ الثَّعالبِ بحذرٍ، ثم ابْتعدَ عنْه قليلاً ، فكّرَ في نفسِهِ ، وقالَ :
لو لمْ يَكنْ بالفعلِ النمرُ الشجاعُ لما تَجرَأََ وحضَرَ إلى مَجْمُوعتِنا الكَبيرةِ متحدِياً قُوتنا .
اقترَبَ رئيسُ الثعالبِ من البَقيةِ ، و أخبَرَهم بالخطرِ المحدقِ بهم ، وطَلبَ منْهم الهروبَ مباشرةً و النجاةَ بأنفسِهم مِنْ هَذا الوحشِِ الذي سمعُوا عَنْ قُوتهِ كثيراً ، ففرُوا هَاربينَ ، ليبقى الأرنبُ وحيداً .

لَعِبَ الأرنَبُ الصَّغيرُ قَلِيلاً ، وتَناوَلَ حاجتَهُ مِنَ الخُضَارِ الْمَوجودِ في الْمَكانِ ، ومضَى في الغابةِ يستمتعُ بجمالِها.
http://ac4.yt-thm-a01.yimg.com/image/b1edf882cf439174 (http://rds.yahoo.com/_ylt=A0WTefNl20tJCHwB7POJzbkF;_ylu=X3oDMTBpdnJhMHU zBHBvcwMxBHNlYwNzcgR2dGlkAw--/SIG=1h8sec42v/EXP=1229794533/**http%3A//images.search.yahoo.com/images/view%3Fback=http%253A%252F%252Fimages.search.yahoo .com%252Fsearch%252Fimages%253F_adv_prop%253Dimage %2526fr%253Dslv8-msgr%2526va%253Drabbit%2526sz%253Dall%26w=866%26h= 1280%26imgurl=sokaisha.hp.infoseek.co.jp%252F01093 0%252Frabbit22.JPG%26rurl=http%253A%252F%252Fforum s.vwvortex.com%252Fzerothread%253Fcmd%253Dprint%25 26amp%253Bid%253D2683353%26size=136.2kB%26name=rab bit22.JPG%26p=rabbit%26type=JPG%26oid=b1edf882cf43 9174%26no=1%26tt=2,744,303%26sigr=11ulveukq%26sigi =11efp475n%26sigb=12qo3ih7j)
بَعْدَ أنْ قَطَعَ مَسَافةً قَصِيرةً ، صَادَفَ مَجمُوعةَ غزْلانٍ تستريحُ بالْقربِ مِنَ الْبُحيرةِ ، اقتَربَ منْها بهدوءٍ وشجاعةٍ، تفاجأتْ به ، فهَبَّ رَئِيسُهم وسألَهُ : مَنْ أنتَ أيها القادمُ إلى وَاحةِ الغُزلانِ ؟
أجَابَ الأرنبُ بثقةٍ: أنا النمرُ.

خَافَ الرَّئيسُ ، ابتَعدَ عنْه ، وأخْبرَ الْبقيةَ بأمرِ هذا الوحشِِ الكاسرِ ، وطلبَ منْهم النجاةَ بأنفسِهم، فهربوا ، ليجدَ الأرنبُ الصغيرُ نفسَهُ مرَّةً أخْرَى وحيداً، استراحَ قليلاً في الْواحةِ ، ومضَى.
صَادفَ في طريقِ عَودتِهِ إلى مَنزلِه وحشاً كبيراً ، مَرَّ بجَانبِهِ ، سلّمَ عليه بهدُوءٍ واطمئنان ٍ, وتابعَ سَيْرَهُ ، استَغربَ الوحشُ تصرفَهُ ، وعدمَ الخوفِ منه، وقالَ في نفسِهِ: لمَاذا لمْ يخفْ منِي ؟!
أسْرعَ الْوَحشُ ولَحِقَ بهِ ، استَعَدَ لضربِهِ مباشرةً، لكنهُ انتظرَ ، وفَكرَ : أريدُ معرفةَ سِرَّ شجاعتهِ. اقتَربَ منهُ ، وطَلَبَ أن يتَوقْفَ ، فوقَفَ ، ونَظَرَ إلى الْوحشِ الكاسِرِ باحتِرامٍ ، وسألَهُ ماذا يُرِيدُ منه ، ولماذا لَحِقَ بهِ ، لم يُجبْهُ الْوحشُ الْكَاسِرُ، وسألهُ غاضباً: مَنْ أنتَ أيُّها المسكينُ؟
نَظرَ إليه الأرنبُ الْصَّغِيرُ باعتزازٍ ، معتقداً أنه سيهربُ منه كما هربتْ الثعالبُ و الْغزلانُ دونَ أنْ يُفكرَ بالسََّببِ ، وأجابَ: أنا النمرُ. ضَحِكَ الوحّشُ سَاخِراً ، وسَألَ منْ جَدِيد: هلْ تَعرفُنيْ أيُّها الصغيرُ؟
لا أعرفُ أحداً في هذه الغابةِ. سألَ الوحشُ: ألا تعرِفُ مَن ْ هو النَّمِرُ؟
ردَّ الأرنبُ الصَّغِيرُ بثقةٍ: أنا ، أنا النمرُ . استغربَ الوحشُ ثِقتَه الزَّائدةِ ، وسألَهُ: مَنْ قالَ لكَ ذلكَ؟
http://ac4.yt-thm-a03.yimg.com/image/3d5906624d53fd26 (http://rds.yahoo.com/_ylt=A0WTefWZ20tJtgIBlHqJzbkF;_ylu=X3oDMTBpaWhqZmN tBHBvcwMzBHNlYwNzcgR2dGlkAw--/SIG=1h50sv1gg/EXP=1229794585/**http%3A//images.search.yahoo.com/images/view%3Fback=http%253A%252F%252Fimages.search.yahoo .com%252Fsearch%252Fimages%253F_adv_prop%253Dimage %2526fr%253Dslv8-msgr%2526va%253Ddeers%2526sz%253Dall%26w=800%26h=6 00%26imgurl=i1.trekearth.com%252Fphotos%252F6473%2 52Ffallow_dears.jpg%26rurl=http%253A%252F%252Fwww. trekearth.com%252Fgallery%252FMiddle_East%252FIsra el%252Fphoto86636.htm%26size=170.4kB%26name=fallow _dears.jpg%26p=deers%26type=JPG%26oid=3d5906624d53 fd26%26no=3%26tt=62,324%26sigr=122sf8rsn%26sigi=11 d1jbqcj%26sigb=12pn02c4d)
أجابَ الأرنبُ الصَّغِيرُ: أُمِّي، أُمِّي هي التي قالتْ لِي، وطلَبتْ مني أنْ أحترمَ الآخرين.
هزَّ الْوحشُ رأسَهُ ، وقالَ: هيّا معي إلى أُمِّكَ.
ذهَبا إلى بيتِ الأرنبِ ، وعندمَا وصََلا ارتعبَتْ الأُمُّ، وقالتْ في نفسِها: لقد جَلَبَ لي ابني معَه الهلاكَ.
اقتَربَ الابنُ ، وأشارَ إلى أُمِّهِ ببراءةٍ: هذه هي أمِّي .
سألَها النَّمِرُ: لماذا أسميْتهِ بهذا الاسمِ؟ ارتبكَتْ ، ثم بكَتْ ، استغربَ ابنُها سببَ بكائِها، كررَ النمرُ السُؤالَ، فأجابتْ:
حباً بك أيُّها النمرُ الطَّيبُ، لم أجدْ اسماً أجْملَ مِنْ اسمِكَ أُسمِي به ابني الغالِي .
حَكَى الأرْنبُ الصَّغيرُ لَهما ما جَرَى معه بالتفصِيلِ ، وفهمَ منْ أمَِّهِ ، لماذا هَرِبتْ منْه الثّعالبُ والغزلانُ ، ارتَاحَ النَّمرُ للحِكايةِ ، وقَبِلَ بتبرِيرِ الأمِّ الذَّكِيَةِ ، ثم شَكرا النَّمِرَ على قبولِه بأنْ يكونَ صَدِيقاً دائماً لهما.
قالتْ الأُمُّ : لولا اسمُك الجميلُ الذي أوحَى لهم بقوتِك لقتلوا ابني . فَهِمَ النَّمِرُ حكايةَ الأُمِّ التي تحبُّ ابنَها كثيراً ، وتحترمَ قوتَه ، وقَالَ: أحسنتِ أيُّها الأُمُّ، وأنا مستعدٌ دائماً لمساعدتِكما.
فَرِحَتْ بكلامِهِ، شكَرتْه مرَّةً أخرى ، ضمَّتْ ابنها ، وهي تُراقِبُ النَّمِرَ الذي رَاحَ يَبتعِدُ عنْ مَنزلِها
راضِياً .

رونقة الورد
19-12-2008, 08:47 PM
مشكور اخي على القصص الروعه والغايه في الافاده

بلال نعيم
22-12-2008, 08:02 PM
النهر الصغير
عارف خطيب، من مجموعته الأميرة والمرآة


كــان النهرُ الصغير، يجري ضاحكاً مسروراً، يزرع في خطواته الخصبَ، ويحمل في راحتيه العطاء.. يركض بين الأعشاب، ويشدو بأغانيه الرِّطاب، فتتناثر حوله فرحاً أخضر..‏
يسقي الأزهار الذابلة، فتضيء ثغورها باسمة. ويروي الأشجار الظامئة، فترقص أغصانها حبوراً ويعانق الأرض الميتة، فتعود إليها الحياة.‏
ويواصل النهر الكريم، رحلةَ الفرحِ والعطاء، لا يمنُّ على أحد، ولا ينتظر جزاء..‏
وكان على جانبه، صخرة صلبة، قاسية القلب، فاغتاظت من كثرة جوده، وخاطبته مؤنّبة:‏
-لماذا تهدرُ مياهَكَ عبثاً؟!‏
-أنا لا أهدر مياهي عبثاً، بل أبعث الحياة والفرح، في الأرض والشجر، و..‏
-وماذا تجني من ذلك؟!‏
-أجني سعادة كبيرة، عندما أنفع الآخرين‏
-لا أرى في ذلك أيِّ سعادة!‏
-لو أعطيْتِ مرّة، لعرفْتِ لذّةَ العطاء .‏
قالت الصخرة:‏
-احتفظْ بمياهك، فهي قليلة، وتنقص باستمرار.‏
-وما نفع مياهي، إذا حبستها على نفسي، وحرمْتُ غيري؟!‏
-حياتكَ في مياهكَ، وإذا نفدَتْ تموت .‏
قال النهر:‏
-في موتي، حياةٌ لغيري .‏
-لا أعلمُ أحداً يموتُ ليحيا غيره!‏
-الإنسانُ يموتُ شهيداً، ليحيا أبناء وطنه.‏
قالت الصخرة ساخرة:‏
-سأُسمّيكَ بعد موتكُ، النهر الشهيد!‏
-هذا الاسم، شرف عظيم.‏
لم تجدِ الصخرةُ فائدة في الحوار، فأمسكَتْ عن الكلام.‏
**‏
اشتدَّتْ حرارةُ الصيف، واشتدّ ظمأُ الأرض والشجر والورد، و..‏
ازداد النهر عطاء، فأخذَتْ مياهه، تنقص وتغيض، يوماً بعد يوم، حتى لم يبقَ في قعره، سوى قدرٍ يسير، لا يقوى على المسير..‏
صار النهر عاجزاً عن العطاء، فانتابه حزن كبير، ونضب في قلبه الفرح، ويبس على شفتيه الغناء.. وبعد بضعة أيام، جفَّ النهر الصغير، فنظرَتْ إليه الصخرةُ، وقالت:‏
-لقد متَّ أيها النهر، ولم تسمع لي نصيحة!‏
قالت الأرض:‏
-النهر لم يمتْ، مياهُهُ مخزونة في صدري.‏
وقالت الأشجار:‏
-النهر لم يمتْ، مياهه تجري في عروقي‏
وقالت الورود:‏
-النهر لم يمت، مياهه ممزوجة بعطري.‏
قالت الصخرة مدهوشة:‏
لقد ظلَّ النهرُ الشهيدُ حياً، في قلوب الذين منحهم الحياة!‏
***‏
وأقبل الشتاء، كثيرَ السيولِ، غزيرَ الأمطار، فامتلأ النهرُ الصغير بالمياه، وعادت إليه الحياة، وعادت رحلةُ الفرح والعطاء، فانطلق النهر الكريم، ضاحكاً مسروراً، يحمل في قلبه الحب، وفي راحتيه العطاء..‏

بلال نعيم
22-12-2008, 08:09 PM
لماذا هربت الحقيبة-
حنان درويش، من مجموعتها حكمة الهدهد

أمضى مازن عطلة صيفيّة ممتعة، فزار البحر برفقة أبويه وأخويه مستمتعاً بالسباحة، وذهب إلى الحدائق والبساتين يلاحق الفراشات والعصافير. أمّا كرته المطاطيّة، فكانت رفيقته إلى الساحات والأندية، وكلّ الأمكنة التي يلعب فيها مع رفاقه وأصدقائه الذين يهوون كرة القدم. فهو يحبُّ الرياضة أكثر من أيّة هواية أخرى... لذلك فقد طلب من والده أن يشتري له عند قدوم العام الدراسي حقيبة مدرسيّة عليها رسوم الرياضيين الذين يراهم في المباريات الرياضية العربيّة والعالميّة.‏
ذهب مازن وأبوه إلى السوق، وبدءا يفتّشان عن الحقيبة المطلوبة. في الدكّان الأول لم يجداها.. في الدّكان الثاني لم يجداها... وكذلك في بقية الحوانيت والمجمعات.. فمازن كان يريد حقيبة ذات ألوان زاهية، ومواصفات معينة.. وأخيراً، وبعد جهد جهيد، وبعد أن مضى نصف النهار في البحث التقى بضالّته المنشودة، ورأى حقيبته عند بائع جوّال.‏
- إنّها هي.. هي من افتشّ عنها.‏
صاح مازن والفرحة ترقص فوق وجهه، متابعاً كلامه:‏
- سأتباهى بها على كلّ زملائي في المدرسة.‏

- المهم أن تحافظ عليها، وعلى جميع أشيائك الأخرى.‏
- لابأس.. لا بأس.‏
اشترى الأب لابنه كلّ ما يلزمه من حاجيات مدرسيّة.. كتب، دفاتر، أقلام تلوين، قلم حبر، قلم رصاص، ممحاة، مبراة، ولم يعد ينقصه شيء أبداً‏
فرحت الحقيبة بأصحابها الجدد.. قالت لهم:‏
- سنبقى أصدقاء طوال العام. ونمضي معاً أياماً جميلة.‏
- إن شاء اللَّه.. إن شاء اللَّه.‏
أجاب قلم الرصاص، ولم يكن يدري عن مصيره المنتظر شيئاً على الإطلاق.. فلم يمض اليوم الأوّل على افتتاح المدرسة، حتى كان مازن قد استهلك قلمه تماماً، من جراء بريه الدائم له.‏
بعد عدة أيام، وبينما التلاميذ يرسمون على دفاترهم شكلاً معيّناً طلبت المعلمة تنفيذه، جلس مازن في مقعده واجماً، شارداً.‏
سألت المعلمة:‏
- لماذا لاترسم يا مازن؟..‏
- لأنني لا أملك دفتر رسم.. لقد مزّقه أخي الصغير.‏
في درس الإملاء ارتبك مازن وبكى، لأنه أضاع ممحاته، ولم يستطع أن يصحّح الكلمات التي أخطأ بكتابتها.‏
مسطرة مازن كُسرت، ولم يعد بمقدوره أن يحدّد الأشكال الهندسية، أو يرسم خطوطاً مستقيمة.. وكذلك المبراة، فتّش عنها كثيراً بلا جدوى.. حتّى الدفاتر اختفت، ثم لحقت بها مجموعة الكتب.‏
حزنت الحقيبة الزاهية ذات الصور والرسوم لفقدان أحبّتها الذين راحوا من بين يديها واحداً بعد الآخر.‏
أخذت تندب وتنوح:‏
- أين أنت أيّتها الأقلام الملّونة؟. فكم أسعدتني ألوانك الصفراء والخضراء والحمراء. أين أنتَ يا دفتر الرسم الجميل؟.. فكم تباهيت بصحبتك. أين أنتَ ياكتاب القراءة؟، فكم راقت لي مواضيعك القيّمة، وقصصك الممتعة، ودروسك ذات الفائدة.‏
أين أنتم يا أصدقائي.. إنني غريبة بدونكم، أعاني الحزن والوحدة.. ليس هذا فقط، وإنما هناك شعور بالخوف يتملّكني.‏

ذات يوم اتّخذت الحقيبة قراراً مهماً، توصّلت إليه بعد تفكير طويل.. فقد صمّمت على الهروب قبل أن يغدو مصيرها كمصير الكتب، والدفاتر، وبقية الحاجيات التي أهملها مازن، ولم يحافظ عليها.‏
http://www.clipartof.com/images/clipart/xsmall2/12715_suitcase_cartoon_character_running.jpg (http://www.clipartof.com/use_policy)

بلال نعيم
27-12-2008, 05:43 AM
قصة ليلى والعصفور السجين


كان القفص معلقا على الجدار .. داخل القفص كان العصفور ذو الريش الحلو الجميل يقف حزينا كئيبا .. بين الحين والحين كانت نظراته ترحل في الفضاء الواسع باحثة عن صديق ، وفي كل مرة كان هناك عصفور يمر معلنا عن فرحه بالانطلاق والحرية .. ولأن العصفور كان حزينا فلم ينتبه لتلك التحيات التي كانت العصافير تلقيها مزقزقة من بعيد .. قال يخاطب نفسه : رحم الله ذلك الزمن الذي كنت فيه حرا طليقا مليئا بالنشاط ، لكن هذا الصياد الذي لن أنسى وجهه ، سامحه الله ، تسبب في وضعي حبيسا هكذا .. ماذا جنى من كل ذلك .. تابع العصفور يحدث نفسه : لكن هذه البنت ليلى، لا أنكر أنها طفلة محبوبة ، إنها تعاملني أحسن معاملة ، ولكن تبقى الحرية هي الأغلى في العالم كله ..

في هذا الوقت تحديدا أتت ليلى ووقفت أمام القفص وقالت :

- كيف حالك يا صديقي العزيز .. أتدري لقد اشتقت إليك ، تصور لا تمر دقائق إلا وأشتاق إليك ، أنت أغلى الأصدقاء أيها العصفور الحبيب .. ما رأيك أن أقص عليك اليوم قصة الملك ديدبان والأميرة شروق ؟؟ ..

كان العصفور في عالم آخر ، لم يجب بحرف واحد .... استغربت ليلى وقالت :

- ماذا جرى أيها العصفور ، كأنك لم تسمع شيئا مما قلت ، أنت الذي طلبت مرات ومرات أن تعرف شيئا عن الأميرة شروق ، تقف الآن ولا تقول أي شيء .. ماذا بك أيها العصفور ، هل أنت مريض أم ماذا ؟؟..

نظر العصفور إليها مهموما حزينا وقال :

- أتدرين يا صديقتي ليلى إنني أكره حياتي السجينة في هذا القفص.. ما هذه الحياة التي لا تخرج عن كونها قفصا صغيرا ضيقا .. أين الأشجار والفضاء والأصدقاء من العصافير .. أين كل ذلك ؟؟ كيف تريدين أن أكون مسرورا ، صحيح أنني أحب سماع قصة الأميرة شروق ، لكن حريتي أجمل من كل القصص ..

قالت ليلى حائرة :

- نعم يا صديقي لا شيء يعادل الحرية .. لكن ماذا أفعل .. أنت تعرف أن الأمر ليس بيدي !!.

قال العصفور غاضبا :

- أعرف يا ليلى ، لكن أريد أن أسألك ماذا يجني أبوك من سجني ؟؟ أنا أحب الحرية يا ليلى ، فلماذا يصر والدك على وضعي في هذا القفص الضيق الخانق؟؟.. إنني أتعذب يا ليلى ..

بكت ليلى ألما وحزنا ، وركضت إلى غرفة والدها .. دخلت الغرفة والدموع ما تزال في عينيها .. قال والدها :

- خير يا ابنتي .. ماذا جرى ؟؟

قالت ليلى :

- أرجوك يا أبى ، لماذا تسجن العصفور في هذا القفص الضيق ؟؟..

قال الوالد متعجبا :

- أسجنه ؟؟ .. ما هذا الكلام يا ليلى ، ومتى كنت سجانا يا ابنتي؟؟..كل ما في الأمر أنني وضعته في القفص حتى تتسلي باللعب معه .. لم أقصد السجن ..

قالت ليلى :

- صحيح أنني أحب العصفور ، وانه صار صديقي ، لكن هذا لا يعني أن أقيد حريته .. أرجوك يا أبي دعه يذهب ..
http://ac4.yt-thm-a03.yimg.com/image/45cb29a8dadad790 (http://rds.yahoo.com/_ylt=A0WTb_2oo1VJqw8AobSJzbkF;_ylu=X3oDMTBqY2pzbGh oBHBvcwMxMQRzZWMDc3IEdnRpZAM-/SIG=1oplr4sm1/EXP=1230435624/**http%3A//images.search.yahoo.com/images/view%3Fback=http%253A%252F%252Fimages.search.yahoo .com%252Fsearch%252Fimages%253F_adv_prop%253Dimage %2526fr%253Dslv8-msgr%2526va%253Dbirds%252Bcage%2526sz%253Dall%26w= 360%26h=270%26imgurl=static.flickr.com%252F200%252 F499814055_950d007104.jpg%26rurl=http%253A%252F%25 2Fwww.flickr.com%252Fphotos%252Fnealj%252F49981405 5%252F%26size=69.6kB%26name=Love%2BBirds%2BWaiting %2Bfor%2Bthere%2Bnew%2Bbigger%2Bcage%2B%2528in%2Ba ...%26p=birds%2Bcage%26type=JPG%26oid=45cb29a8dada d790%26fusr=Neal%2BThe%2BRanger%26tit=Love%2BBirds %2BWaiting%2Bfor%2Bthere%2Bnew%2Bbigger%2Bcage%2B% 2528in%2Ba...%26hurl=http%253A%252F%252Fwww.flickr .com%252Fphotos%252Fnealj%252F%26no=11%26tt=37,685 %26sigr=11d5ifdtq%26sigi=11e7pvbjq%26sigb=12usabpt p%26sigh=113g210ma)
قال الوالد ضاحكا :

- لا بأس يا ابنتي سأترك الأمر لك .. تصرفي كما تشائين .. لا داعي لأن أتهم بأشياء لم أفكر بها.. تصرفي بالعصفور كما تريدين.. لك مطلق الحرية .. أبقيه أو أعطيه حريته .. تصرفي يا ابنتي كما تشائين ..

خرجت ليلى راكضة من الغرفة .. كانت فرحة كل الفرح ، لأن صديقها العصفور سيأخذ حريته .. وصلت وهي تلهث ، قالت:

- اسمع أيها العصفور العزيز . اسمع يا صديقي .. سأخرجك الآن من القفص لتذهب وتطير في فضائك الرحب الواسع .. أنا أحبك ، لكن الحرية عندك هي الأهم ، وهذا حقك ..

أخذ العصفور يقفز في القفص فرحا مسرورا .. قال :

- وأنا أحبك يا ليلى ، صدقيني سأبقى صديقك الوفي ، سأزورك كل يوم ، وسأسمع قصة الأميرة شروق وغيرها من القصص ..

صفقت ليلى وقالت :

- شكرا يا صديقي العصفور .. لك ما تريد .. سأنتظر زيارتك كل يوم .. والآن مع السلامة ..

فتحت باب القفص ، فخرج العصفور سعيدا ، وبعد أن ودع ليلى طار محلقا في الفضاء ..

وكان العصفور يزور ليلى كل صباح وتحكي له هذه القصة أو تلك، ويحكي لها عن المناطق التي زارها وعن الحرية التي أعطته الشعور الرائع بجمال الدنيا ..

بلال نعيم
27-12-2008, 06:12 AM
قصة الصياد


كان هناك للسمك صياد .. في عمله حريص جاد
كان يصيد في اليوم السمكة
فتبقى في بيته .. ما شاء الله أن تبقى
حتى إذا انتهت .. ذهب إلى الشاطئ .. ليصطاد سمكة أخرى.

لا علينا
في ذات يوم .. وبينما زوجة ذلك الصياد . تقطع ما اصطاده زوجها هذا اليوم,
إذ بها ترى أمراً عجبا
رأت .. في داخل بطن تلك السمكة لؤلؤة !
تعجبت
لؤلؤة .. في بطن سمكة .. ؟؟ !!
سبحان الله
* زوجي .. زوجي .. انظر ماذا وجدت ..؟؟
* ماذا ؟؟
* إنها لؤلؤة.
* ما هي ؟؟
* لؤلؤة .. فـ ــفـ ـفـي بــ ـبـ ــ ـبـطن السمـ ـمــ ــــمــكة
* يا لك من زوجة رائعة .. أحضريها .. علنا أن نقتات بها يومنا هذا .. ونأكل شيئا غير السمك.

أخذ الصياد اللؤلؤة .. وذهب بها إلى بائع اللؤلؤ الذي يسكن في المنزل المجاور.
* السلام عليكم.
* وعليكم السلام.
* القصة كذا وكذا .. وهذه هي اللؤلؤة .
* أعطني أنظر إليها .. يااااااااه .. إنها لا تقدر بثمن .. ولو بعت دكاني .. وبيت .. وبيت جاري وجار جاري .. ما أحضرت لك ثمنها .. لكن .. اذهب إلى شيخ الباعة في المدينة المجاورة .. عله يستطيع أن يشتريها منك ..!!! وفقك الله .

أخذ صاحبنا لؤلؤته .. وذهب بها إلى البائع الكبير .. في المدينة المجاورة.
* وهذه هي القصة يا أخي.
* دعني أنظر إليها .. الله.. والله يا أخي.. إن ما تملكه لا يقدر بثمن.. لكني وجدت لك حلاً .. اذهب إلى والي هذه المدينة .. فهو القادر على شراء مثل هذه اللؤلؤة
* أشكرك على مساعدتكـ .

http://picturepost.files.wordpress.com/2007/06/fishermen.jpg (http://www.flickr.com/photos/sahrizvi/485393542/)

وعند باب قصر الوالي .. وقف صاحبنا .. ومعه كنزه الثمين .. ينتظر الإذن له بالدخول عند الوالي.

* سيدي.. هذا ما وجدته في بطنها...

* الله.. إن مثل هذه اللآلئ هو ما أبحث عنه.. لا أعرف كيف أقدر لك ثمنها.. لكن,
سأسمح لك بدخول خزنتي الخاصة .. ستبقى فيها لمدة ست ساعات.. خذ منها ما تشاء .. وهذا هو ثمن هذه اللؤلؤة .
* سيدي.. علك تجعلها ساعتان.. فست ساعات كثير على صياد مثلي.
* فلتكن ست ساعات .. خذ من الخزنة ما تشاء.

دخل صاحبنا خزنة الوالي .. وإذا به يرى منظرا مهولاً.. غرفة كبيرةٌ جداً .. مقسمة إلى ثلاث أقسام .. قسم .. مليء بالجواهر والذهب واللآلئ.. وقسم به فراش وثير .. لو نظر إليه نظرة نام من الراحة.. وقسم به جميع ما يشتهي من الأكل والشرب.

الصياد محدثا نفسه:

* ست ساعات ؟؟
إنها كثيرة فعلا على صياد بسيط الحال مثلي أنا..؟؟
ماذا سأفعل في ست ساعات؟!
حسنا .. سأبدأ بالطعام الموجود في القسم الثالث .. سآكل حتى أملأ بطني.. حتى أستزيد بالطاقة التي تمكنني من جمع أكبر قدر من الذهب.

ذهب صاحبنا إلى القسم الثالث .. وقضى ساعتان من المكافأة .. يأكل ويأكل .. حتى إذا انتهى .. ذهب إلى القسم الأول .. وفي طريقه إلى ذلك القسم .. رأى ذلك الفراش الوثير .. فحدث نفسه:

* الآن .. أكلت حتى شبعت .. فمالي لا أستزيد بالنوم الذي يمنحني الطاقة التي تمكنني من جمع أكبر قدر ممكن.. هي فرصة لن تتكرر.. فأي غباء يجعلني أضيعها.

ذهب الصياد إلى الفراش .. استلقى .. وغط في نوم عميييييييييييييييييييييييييييي ق.
وبعد برهة من الزمن
* قم .. قم أيها الصياد الأحمق.. لقد انتهت المهلة.

* هاه .. ماذا ؟؟ !!
* نعم .. هيا إلى الخارج.

* أرجوكم .. ما أخذت الفرصة الكافية.
* هاه .. هاه .. ست ساعات وأنت في هذه الخزنة.. والآن أفقت من غفلتك .. تريد الاستزادة من الجواهر .. أما كان لك أن تشتغل بجمع كل هذه الجواهر .. حتى تخرج إلى الخارج .. فتشتري لك أفضل الطعام وأجوده.. وتصنع لك أروع الفرش وأنعمها.. لكنك أحمق غافل .. لا تفكر إلا في المحيط الذي أنت فيه.. خذوه إلى الخارج.
* لا .. لا .. أرجوكم .. أرجوكم ... لااااااااااااااااااااااااااااا اااااااااااااا.

انتهت قصتنا لكن العبرة لم تنته
أرأيتم تلك الجوهرة ؟؟
هي روحك أيها المخلوق الضعيف
إنها كنز لا يقدر بثمن.. لكنك لا تعرف قدر ذلك الكنز.
أرأيت تلك الخزنة ..؟؟
إنها الدنيا
أنظر إلى عظمتها
وأنظر إلى استغلالنا لها.
أما عن الجواهر
فهي الأعمال الصالحة.
وأما عن الفراش الوثير
فهو الغفلة.
وأما عن الطعام والشراب
فهي الشهوات.

والآن.. أخي صياد السمك نومك. آن لك أن تستيقظ من نومك..

وتترك الفراش الوثير ..

وتجمع الجواهر الموجودة بين يديك ..

قبل أن تنتهي تلك الست

فتتحسر والجنود يخرجونك من هذه النعمة التي تنعم بها.



فالنعتبر أخوتي قبل فوات الأوان ونبدأ جمع الكنوز

بلال نعيم
08-05-2009, 10:39 AM
الملك الجشع والصيّاد

في قديم الزّمان، كان ملكٌ جشعٌ يعيش في قصرٍ كبيرٍ يطلّ على نهرٍ واسعٍ وتحيط به غاباتٌ كثيفةٌ. وكان هذا القصر يقع وسط حديقةٍ غنّاء، تتفتّح فيها الأزهار أشكالاً وألوانًا.
كان الجميع يعملون لإرضاء هذا المَلك الجبّار والجشع في آنٍ. فالحطّابون يأتونهُ بالحطب، والصّيادون يأتونه بنوادر الحيوان والطّير، والنسّاجون والخيّاطون يُقدّمون له جُلّ خدماتهم، ويصنعون له أجمل الثّياب وأحسن الأزياء، والبنّاؤون يبنون له قصرًا قرب كلّ منظرٍ جميلٍ.
وباختصار، فقد كانت كلّ المملكة مجنّدةً لخدمته، كما هي حال كلّ حاكمٍ مستبدٍّ. والويل الويل لمن يتقاعس عن خدمة الملك وتنفيذ رغباته ونزواته! فالموت هو الجزاء المُحتّم له.
وفي إحدى ضواحي المملكة، كان يعيش صيّادٌ شابٌ، رأى أن يعيش بعيدًا عن قصر الملك ورجال حاشيته ليأمن شرّهم.
وذات يومٍ، خرج الصّياد إلى الغابة يسعى وراء صيده، لكنّ النهار كاد ينقضي من دون أن يحصل على صيدٍ. ولمّا هَمّ بالعودة خشية أن يدركه الظّلام، وهو في وسط الغابة بعيدًا عن كوخه، رأى يمامةً جاثمةً على فرع شجرةٍ، فرماها بسهمٍ وأصابها في جناحها، فسقطت. وركض ليمسك بها، وأراد فصل رأسها عن جسمها ليسهل عليه وضعها في حقيبته، لكنّهُ دهش لسماعه صوتًا يخرج عن اليمامة ويقول له: "على مهلك أيّها الصّياد. إن جسمي صغيرٌ لا يكاد يسدّ جوعك. فإن أخذتني الآن إلى مسكنك وعالجتَ جرحي بين شمعتين، ثمّ ردّدت عبارة: <<أيكاموش... أيكاموش... طرطموش... طرطموش>> ثلاث مرّات، وطلبتَ بعدها أن أرجع إلى صورتي الأولى، ستصيب حظًا سعيدًا ورزقًا وفيرًا".
استغرب الصّياد ما رأى وما سمع. وحمل اليمامة إلى كوخه وعالج جرحها بعد أن أشعل شمعتين على جانبيها، وردّد الكلمات التي قالتها له ثلاث مرّات، وطلب أن تعود اليمامة إلى صورتها الأولى.
وهنا حدث ما زاده استغرابًا ودهشةً! فقد انقلبت اليمامة بقدرة قادرٍ إلى فتاةٍ رائعة الحُسن، وقالت له: "لا تعجب أيّها الصّياد، فأنا منذ الآن زوجتك وصديقتك ورفيقتك وخادمتك، وسوف أبذلُ طاقة جهدي في سبيل سعادتك".
ومضت الأيّام وتوالت الشّهور، والصّياد الشّاب يعيش سعيدًا مع حسنائه، حتّى كان يومٌ قالت له فيه الحسناء: "إنّنا نعيش حياةً بائسةً، فلو وفّرت بعض المال واشتريت به خيوطًا حريريّةً مختلفة الألوان، صنعتُ لكَ منها سجّادةً ثمينةً، وسوف يتنافس التُّجار للحصول عليها".
فعل الصياد ما أشارت به الحسناء زوجته، ولم يمض وقتٌ طويلٌ حتّى وفّر مبلغًا من المال، واشترى خيوطًا حريريّةً وما تحتاج إليه صناعة السّجاد من أدواتٍ، وعاد بها إلى زوجته.
نصبت الحسناء إطارًا خشبيًا كبيرًا وسط الكوخ وشدّت عليه الخيوط الحريريّة، وشرعت تنسجُ من خيالها، وبمهارةٍ ُقل نظيرها سجّادة نادرة الحسن والجمال لروعة رسومها وتناسق ألوانها ودقّة صنعها. وقد ضمّنتها أشكال الطّير وأنواع الحيوان وألوان الأسماك، كما زخرفتها بهيئات النباتات، فكانت آية الحُسن والجمال والدّقة والإبداع.
طوت الحسناء السّجادة وأعطتها للصّياد، وقالت: "خُذها إلى السّوق واعرضها على كبار التُّجار، وإياك أن تُحدّد لها سعرًا".
حمل الصّياد السّجادة إلى السّوق. وكانت المرّة الأولى التي يرى فيها السّوق. فدهش لكثرة ما فيه من البضائع والسّلع. فسأل عن التّجار الكبار، فدلّوه على مكان وجودهم. فعرض عليهم السّجادة البديعة النّادرة أمامهم. تحلّق التّجار، كبارًا وصغارًا حول السّجادة، وعَقَدَت الدّهشة ألسنتهم لحسنها الفائق ومهارة صنعها. وسأل أحدهم عن الثّمن، فقال له: "أنتَ تاجرٌ ولا يُخفى عليك سعر السّجادة".
أطرق التّاجر مُفكّرًا، ولم يتوصّل إلى قرارٍ. وقد كان التّجار في الماضي يتّصفون بضميرٍ حيٍّ وصدق معاملةٍ، ولم يكن للإحتيال مكانٌ بينهم. تداول التّجار الكبار في الأمر فيما بينهم وراحوا يتناقشون في السّعر الذي تستحقه السّجادة. وفي هذه الأثناء، حضر وزير الملك راكبًا فرسه، فدفع النّاس من أمامه، ورأى السّجادة التي سلبته عقله، فهتف قائلا: "لِمَن هذه السّجادة؟".
ردّ الصّياد قائلاً: "هي مِلكي يا سيّدي، أبيعها لِمَن يدفع ثمنها". فأجاب الرّجل الكبير: "هذه السّجادة لا تُباع ولا تُشتَرى! فهي لا تليق إلاّ بالملك مولانا، صاحب الجلالة والسّلطان والصّولجان!". وأشار إلى رجاله بحمل السّجادة إلى القصر. والتفت إلى الصّياد وقال له: "كيف بَلَغَت بكَ الجرأة أن تعرض مثل هذه التّحفة البديعة في سوقٍ عامّةٍ؟ ألا تعلم أنّ كل ما في المملكة هو مِلْك لمولانا وولي نعمتنا، صاحب السّلطان والصّولجان، جلالة الملك؟ سأكون كريمًا معك لأنّك صيّاد جاهل، وأنا لن آمر بسجنك لأعرف مِن أين سرقتها. اغرب عن وجهي قبل أن أبُدّل رأيي".
دار الصّياد على عقبيه وعاد إلى زوجته خائبًا. ومضى الوزير إلى الملك، ونشر السّجادة أمامه، وقال مفاخرًا: "مولاي! تكرّم وألق نظرةً على التّحفة التي حصلتُ عليها، وآملُ أن تلقى إعجابك وترضى عنّي".
راح الملك يتأمّل السّجادة العجيبة، فوقعت في نفسه أحسن موقعٍ، وأمر أن يُعَيَّن وزيره نائبًا للملك، وأن يُجزَل له العطاء مكافأةً لما قدّمه. فسُرّ كثيرًا، وقال في نفسه: "يا لها من تجارةٍ رابحةٍ! غدًا سوف أبحث عن الصّياد وأجبره على أن يأتي بغيرها لترتفع منزلتي لدى الملك وأصبح رئيسًا للوزراء!"
في اليوم التالي، مضى الوزير باكرًا إلى السّوق آملاً أن يلقى الصّياد. لكنّه خاب مسعاه. فسأل عنه التّجار لكنّه لم يجد بينهم مَن يعرف عنه شيئًا، فانهمك في التّحرّي عن الصّياد، وقرّر ألاّ يعود قبل أن يصل إلى غايته.
قضى الوزير نهاره يتنقل من تاجرٍ إلى آخر، ومن حانوتٍ إلى غيره، يُكرّر السّؤال نفسه بحثًا عن الصّياد من دون جدوى. فجلس، وقد أنهكه التّعب، لدى أحد السقّائين، يرتاح، يترطّب بشرابٍ لذيذٍ. وفجأةً، برز أمامه صبيٌّ يلهثُ. تقدّم نحوه وقال: "مولاي! بماذا تُكافئني إذا أعلمتك بمكان الصّياد؟"
نظر الوزير إلى الصّبي ثم رمى إليه قطعةً ذهبيّةً، وقال: "بهذه القطعة الذّهبية أكافئك".
تناول الصّبي القطعة الذّهبية وقال: "لقد تتبّعت الصّياد حتى دخل كوخه في أعماق الغابة، وأردتُ أن أعرف كيف يملك سجادةً نفيسةً وهو فقيرٌ بائسٌ..".
تأهّب الوزير بسرعةٍ وذهب إلى كوخ الصّياد واجتمع به، ثم خاطبه قائلاً: "أيّها الصّياد! عليك أن تحضر لي سجادةً ثانيةً بالرّوعة ذاتها، وإلاّ أنزلتُ بك أشدّ العقاب".
فردّ الصّياد: "مولاي! لستُ سوى صياد فقير! ومن أين لي أن أصنع لك سجادةً غالية التّكاليف؟"
غضب الوزير وعزم على الإنتقام من الصّياد، وخاف أن يفعل ذلك بنفسه خشية أن يعلم الملك سرّه فيفضح أمره. لذلك عمد إلى الحيلة، وتوجّه إلى الملك وهمس في أذنه: "مولاي! إن قصرك العظيم الذي هو في غاية الرّونق والجمال يبدو متألقًا نهارًا، وفي اللّيل كئيبًا مُظلمًا كبطن الكهف. وقد بَلَغني أنّ جذوةً من نار جبل الموت تجعل قصرك مُشعًّا بالأنوار، وتقلب العتمة فيه إلى ضوء نهارٍ مُشرقٍ. وبلغني أيضًا أنّ الذي صنع السّجادة النادرة هو وحده القادر على الحصول على جذوة النّار".
أمر الملك بإحضار الصّياد إليه فورًا، ولمّا مَثُلَ الصّياد بين يديه، أَمَره أن يحضر جذوةً من جبل الموت وإلاّ قتله أشنع قتلةٍ.
ردّ الصّياد الحزين: "لستُ سوى صيّاد فقير لا حول لي ولا قوّة. لم أسمع من قبل عن وجود جبل الموت. فليأمر مولاي فرسانه الشّجعان بمثل هذه المهمّة المُستحيلة".
غضب الملك وصرخ قائلاً: "لديك مهلة لا تتجاوز الشّهر لكي تنفّذ ما أمرتك به، وأرى قصري هذا مُشعًّا بالأنوار".
عاد الصّياد إلى زوجته كئيبًا مكسور القلب، فحاولت أن تدخل السّرور إلى نفسه. وألحّت عليه ليكشف لها سرّ حزنه، فقال: "لقد تسبَّبَت سجّادتك لي بالمصائب، وقد هددّني الملك اليومَ بالموت إن لم أحضر له خلال شهرٍ جذوةً من جبل الموت".
ابتسمت الزّوجة وهدّأت من قلقه وقالت: "لا بأس عليك يا حياتي. أنت ضحية لحسودٍ حاقدٍ، والأمر سهلٌ عندي". وظنّ الصّياد أنّ كلام زوجته هو فقط لتهدئة خاطره، وأنّ حديثها لا يتعدّى حلو الكلام. فمضى إلى فراشه وراح يُحاول عبثًا طرد الأفكار السّوداء لعلّ النوم يريحه. لكنّه بقي مشغول البال.
أخذت الأيّام تتوالى بسرعةٍ، وكلّما اقترب موعد اللّقاء مع الملك ازداد خوف الصّياد، حتى قارب الشّهر على نهايته.
وفي ذات يومٍ، انفردت الحسناء اليمامة في ركنٍ من أركان الكوخ وأشعلت النّار في خصلةٍ من شعرها وتمتَمَت كلامًا سحريًا. فجأةً، شَخُصَ أمامها شابٌ وسيمٌ، فتعانقا بشوقٍ وحرارةٍ وتبادلا الكلام بلهفةٍ. قالت الحسناء للشّاب: "يا أخي أريد منك جذوةً من نار جبل الموت؛ فقد وقع زوجي ومُنقذي ضحية حسودٍ حاقدٍ".
كان الشّاب الأخ الأصغر للحسناء، وكلاهما من أبناء ملك الجان الذّي لا يعرف أحدٌ مكان مملكته. فغاب الشّاب لحظةً وظهر يحمل مشعلاً فيه جذوة من نارٍ عجيبةٍ، ملأت المكان ضياءً باهرًا، وأعطى الشّاب المشعل لأخته، قائلاً: "أنقذي زوجك يا أختي، فللنّار قدرة الخلاص من المُستبدّين من الملوك والمُحتالين والتهامهم. وتذكّري أننّا في المملكة في شوقٍ إليك".
أفاق الصّياد على وهج الضّوء الشّديد، فوجد زوجته تبتسم وتقول: "إليك الجذوة. وهذه المرة ستكون محظوظًا وتحظى بأن تحلّ محل الملك الجشع الذي لا يرحم".
فردّ الصّياد: "وهل يستطيع صيّادًا مثلي أن يصل إلى عرش مملكةٍ؟"
فأجابته: "إنّ مصير كلّ حاكم جائر هو بئس المصير، وإن الحكم لا يستقيم إلاّ بِمَن يتحلّى بالرّحمة والحكمة. وإن مَن شاطر البؤساء حياتهم، أدرى بحالهم وأقَدَرَ على إحلال الأمن والأمان وقيادة البلاد على أحسن صورةٍ".
في مساء اليوم التالي، حمل الصّياد المشعل إلى قصر الملك، فأضاءت الطّرقات التي مرّ فيها، ودهش لذلك سكّان المدينة، وتجمهروا وراءه ودخلوا معه القصر الملكيّ، فسطع الضّوء شديدًا وأُضيء القصر كأن شمسًا سطعت في سقفه.
استغرب الملك الجشع والوزير الحاقد والحاشية الفاسدة هذا النّور السّاطع. وكانت دهشتهم أكبر عندما تطايرت من المشعل جذواتٌ عديدةٌ اتّجهت نحو الملك والوزراء والتهمتهم، وراحت تُطارد أفراد الحاشية الفاسدة وتحرقها واحدًا بعد آخر. عندها صرخت الجماهير المُحتشدة بصوتٍ واحدٍ: "لا ملك بعد اليوم إلاّ الصّياد المُنقذ!"
ثم حضرت الزّوجة الحسناء وانّضمت إلى زوجها الصّياد. فعَلَت الأصوات ترحيبًا، وضجّ المكان بالفرح والسّرور، ورقص النّاس في حلقاتٍ على ضوء نور جبل الموت.
استقرّ المشعل على عمودٍ رخاميٍّ إلى جانب العرش الملكي، وصارت النّار حارسًا أمينًا يلتهم على الفور كلّ داخلٍ للقصر وهو يضمر الشّر للملك.
وعاش النّاس في طمأنينةٍ. وخلال حُكم الصّياد وزوجته، بِنتُ ملك الجان، تبادلا الزّيارات مع ملك الجان، والد الملكة اليمامة، وسط مظاهر البهجة والسّعادة.

بلال نعيم
08-05-2009, 10:40 AM
أسطورة العجوزين

كان – يا ما كان – في ماضي الزمان ، أو في زمان لا تعيه الذاكرة ، عجوزان يعيشان في هذه القرية . الأول يدعى صفر باسم الشهر الذي يلي محرم ويسبق الربيع ، والثاني يدعى مدحت . الأول يعرف باسمه ولقبه : صفر السفرجلي ، والثاني باسمه وكنيته مدحت أبو مديح . وكان الأول هو الذي يقوم بالعمل كله ، فيزرع الفول والقرع والباذنجان والبصل والطماطم في القيراط الذي يملكانه.

وصفر هو الذي يجمع الحطب ليشع الدفء في أرجاء المنزل ، عندما تقسو على المسنين ليالي الشتاء . وهو الذي يذهب إلى السوق ليبيع هذا الحطب أو يبيع أحسنه ، ويحمله – عندئذ – على ظهر حماريهما العجوز نعل الريش ، ويصطحب كلبهما الوفي المدعوّ خمس خمسات ، لأنه يلبس في عنقه عقداً يضم خمس خرزات زرق . http://www.halhul.com/e7ki/mhtml:file://C:\Users\Administrator\Desktop\Al- Hakawati.mht!x-usc:http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/Story1.gif

أما العجوز الآخر مدحت مديح، فكانت طباعه وأخلاقه عجبا من العجب . كثير الغمغمة والتأوه والشكوى من الزمن ، يستلقي على الفراش تارة وعلى الحصير تارات أخرى . ويجلس على المصطبة ، ويتركها إلى الأريكة ، يتربع فوق هذه وتلك . لا يبرح البيت طوال النهار ، وكأنه هو الفصيح الذي صاغ للناس في قديم الزمان مثلهم العجيب القائل بهزء وبتبجح وسخرية: الكسل عسل.

كان يحلو للناس أن يتهكموا على العجوز مدحت من وراء ظهره، ليأمنوا شر غضبه وتهوره ، فقد كان لا يطيق سماع كلمة لا توافق هواه . وعلى العكس تماما ، كان الناس يثنون على صفر وعلى خصاله الكريمة وشمائله الحلوة ، ويشيدون بطيبة قلبه ومثابرته على العمل .

كان السفرجلي يحب مدحت ويوليه الرعاية، ويهتم بشؤونه، فيطبخ له الطعام، ويوقد له الفرن لينعم بالدفء ويأتيه بأحسن الفاكهة وبواكير المواسم من القثاء أو البلح أو قطوف العنب والتين، كلما أمكن .

وكبر الكل : صفر ومدحت، ونعل الريش وخمس خمسات . وأعوزهم الكفاف من الطعام والدفء في بعض الأيام . ونظر صفر إلى أخيه مدحت فوجده يرتعش من البرد وتصطك أسنانه . قال : " سأخرج وأجمع له الحطب من الغابة القريبة".

سار في غبش السحر قبل الفجر ، وقد أخذ معه نعل الريش وخمس خمسات ، وأنهكهم السير جميعا. ودمعت عينا العجوز، وهو يتأمل السماء ذات النجوم ، وكأنها تتساقط أنداء فوق الزرع والشجر. وفجأة، لمح على مسافة منه – لا يدري هل هي قريبة أم بعيدة – صفحة ماء رقراق ، وحملق فيها وهو مشدود إليها . قال : " هذه لا يمكن أن تكون سرابا، ولكنها لم تكن بالأمس موجودة ، ولم أرها في حياتي من قبل ، على كثرة ما جئت هذه الغابة ودخلتها وخرجت منها في كل اتجاه، وذرعتها محتطباً وقناصاً، وقد جمعت بعض فراشاتها وأزهارها" .

فيما هو يحدث نفسه، كانت قدماه أوصلتاه إلى الماء يتبعه صديقاه الوفيان. فإذا بالعين – حقيقة – خيط من الماء ، بالقرب من بعض عيدان الزهور المتفتحة الزاهية كالجدول أو الغدير السلسال. ومال الثلاثة يشربون، والفجر يطلع هادئا ، يشدو بأصوات العصافير .

رفع صفر السفرجلي قامته ووجهه من صفحة الماء فرأى عجباً، رأى نعل الريش بضرب الأرض بحافره الناعم فينطلق منها مثل الشرار ، وهو ينهق نهيقا لا نشاز فيه ولا تنافر. ثم يدور حول نفسه وكأنه يعلو ويطير ، وحوله – أيضا- يدور عاليا وطائرا ، بخطى أوقع من النغم الشجي ، كلب كأنه في عمر الجراء الصغيرة، كان يعرفه منذ هنيهة باسم خمس خمسات. ولا بد أن يكون بالفعل هو خمس خمسات ولكن شدّ ما تغير نعل الريش كذلك ، هما الآن شابان أو طفلان . بل أنا أيضا صفر السفرجلي العجوز الهرم شاب ، فهذه يدي لم تعد عروقها خضراء بارزة ، وهذا شعري أتحسسه فوق رأسي، فأجده كثيفاً غزيراً ملبّدا مثل صوف الغنم ، وهاتان عيناي تريان الأشياء رؤية صحيحة ثابتة، وها هما قدماي تطيران وتعلوان مثل أقدام هذا الحمار الذي أصبح جحشاً، وهذا الكلب الذي عاد جرواً غريراً .

ركب صفر السفرجلي ظهر نعل الريش، فهو أسرع منه قطعاً ليصل إلى المنزل مبكراً ، ويخبر مدحت بالخبر .

قال مدحت: "لا أريد أن يأتي أحد منكم معي، لشرب نصيبي من العين، فيزداد هو شباباً، ويحرمني العودة إلى الشباب، أتركوني أذهب وحيدا".

وتركوه ...

.. مرت ساعة ومرت ساعتان ، ومدحت مديح لم يعد . وساور القلق أصحابنا، فنهضوا جميعا إلى الغابة، ونظروا يمينا وشمالا، فلم يجدوا عين الماء في مكانها، ولم يجدوا ماء بتاتا. ولكن ها هي زهور الأقاحي والسوسن والياسمين والنرجس الغض البهي، وها هو أمام أعينهم طفل ، ولا كل الأطفال، متورد الخدود، ممتلئ الوجه مثل القمر. أيجوز أن يكون هذا مدحت أبو المديح العجوز الساخط المكتئب. أجل أجل، إنه هو! لقد شرب مدفوعا بنهمه ولهفته كل ماء العين، ولم يترك منه قطرة واحدة !" .

قال سعد الغريب: "ولهذا السبب ، فإن أهل العجوزين ما زالوا حتى اليوم يقولون كلما رأوا شابا يتدفق بالنشاط والفتوة: صفر السفرجلي الشاب المنجلي.

ويقولون كلما رأوا طفلا في المهد حلواً وسيماً! مدحت مديح – طفل مليح".

قلت : " يا دليلنا في هذه الرحلة العجيبة ، هل تسمح لي أن أضيف إلى هذين المثلين على الوزن والقافية:

سعد الغريب– طفل أريب".

قال: "يا عمي، تسمح لي إذن أن أقول لك إن فؤاد الحداد طفل الفؤاد، شاب الفؤاد، إلى الأبد!".

بلال نعيم
08-05-2009, 10:43 AM
الإبـن الثّالث والحاكم

كان في قديم الزّمان رجلٌ عجوزٌ فقير الحال يعول أسرةً من بيع الحطب. وكان لهذا الرّجل ثلاثة أولاد. جمعهم عندما شعر باقتراب أجله وقال لهم: " يا أبنائي، قضيتُ حياتي لأجل تربيتكم، وأنا الآن أودّعكم، وأرجو أن يعتمد كلّ واحدٍ منكم على نفسه ويتعلم صنعةً". ثم توفّي.
في اليوم التالي، اقتسم الأبناء المال القليل الذي خلّفه لهم والدهم، وذهب كلّ منهم في سبيله.
لم يفعل الإبن الكبير شيئًا سوى التّسكّع في الشوارع، فأنفق نقوده ومات جوعًا.
أمّا الإبن الأوسط فكان مُجدّا، وتعلّم زراعة الخٌضَر، واشترى بنقوده بذورًا زرعها وأصبح معروفًا في سوق الخُضَر.
وأمّا الإبن الثالث فأخذ يُفكّر في كيفيّة كسب رزقه. وفي أحد الأيام، رأى صيّادي سمك فأخذ يراقبهم باهتمامٍ حتّى تعلّم صيد الأسماك. ثم اشترى صنّارتين وصار يذهب كلّ يومٍ إلى النّهر، ويصطاد سمكًا كثيرًا ويبيعه ويدّخر النقود.
وفي أحد الأيّام، قضى وقتًا طويلاً ولم يصطد شيئًا، فحزن وقلق وقرّر العودة إلى البيت. وبينما هو يهمّ بسحب صنّارته، شعر بشيءٍ ثقيلٍ فسحبها، وإذا بسمكةٍ كبيرةٍ عالّقةً بها.
فرح الصيّاد كثيرًا وفتح بطن السّمكة فرأى فيها الكثير من الأسماك الصّغيرة ومن بينها سمكة ذهبية حيّة أُعجِبَ بها، فوضعها في إناءٍ نُحاسيٍ مملوءٍ بالماء. وبعد قليلٍ، بدأت السمكة الذهبية تتحرّك وتهزّ ذيلها. وكان الصيّاد كلّما نظر إليها، ازداد إعجابه بها وحبّه لها، وتعلق بها، فأخذ يطعمها ويعتني بها.
مرّت الأيام، والسمكة تزداد حسنًا، والصيّاد يزداد حبًا لها. وذات يومٍ، رجع الصّياد إلى بيته مرهقًا ولم يجد سمكته الذّهبية فشعر بحزنٍ شديدٍ.
خرج الصّياد للصّيد في اليوم التالي، وكان حزينًا ومتعبًا، فنام في ظلّ شجرةٍ خضراء. لكنه أفاق فجأة، فرأى أمامه شابًا في سنّه ينحني عليه ويحدّثه بلطفٍ: أنت لا تعرفني، ولكني أعرفك جيدًا. أنا السّمكة الذهبية. أنا ابن ملك البحر. غير أنّي هربتُ من والدي، وتنكّرت بهيئة سمكةٍ لأتمتّع برؤية العالم الواسع فابتلعتني السّمكة الكبيرة، لكنّك أنقذتني. ووالدي يريد أن يراك ويشكرك.
ردّ الصياد: أنا مسرور للذّهاب معك، ولكن كيف أدخل الماء؟
فأجاب الأمير الشاب: أغلق عينيك وتعلّق بملابسي.
فعل الصياد ما طلبه الأمير، فرأى طريقًا واسعًا يمتدّ أمامه. وبعد فترةٍ، وصلا قصر الملك ذا الأعمدة البلّورية الحمراء، والجُدر البلّورية الصفراء والقرميد البلوري الأخضر، فاستقبله الملك بحفاوةٍ. وبقي الصّياد في ضيافته شهرًا، ثم قال للأمير: "أنا ممتنّ كلّ الإمتنان لضيافتكم الكريمة، ولكن يجب أن أعود إلى بيتي".
فقال الأمير: "لك ما تريد، لكنّ والدي المَلك يودّ أن يقدّم لك هديةً، فأرجو أن تطلب إليه دجاجةً بيضاء.
ذهب الصّياد ليودّع ملك البحر ففتح له الملك خزائنه وطلب إليه أن يأخذ ما يشاء، فقال الصياد: أنا أعيش وحيدًا في بيتي، فإذا سمَحتَ هِبني دجاجةً بيضاءَ لتؤنسني في وحدتي.
فكّر الملك لحظةً وأخذ يعبث بلحيته البيضاء، ثم أعطاه ما أراد.
رجع الصّياد إلى بيته ومعه الدجاجة. وأخذ يذهب إلى النّهر كل يومٍ، وكان يعود في المساء مرهقًا، فيجد مائدةً بها ما لذّ وطاب. وقد ظنّ في أول الأمر أن الجيران هم الذين يفعلون ذلك، لكنهّم نفوا ظنّه، فقرّر أن يعرف السّر.
تظاهر الصّياد أنّه ذاهب للصيد كما يفعل كلّ صباحٍ، وخرج من البيت، لكنّه عاد بعد قليلٍ فرأى فتاةً رائعة الجمال تطبخ الطّعام، فأمسك بها. سألها عن سرّ وجودها، فقالت له: أنا بنت ملك البحر. جئتُ لكي أعبّر عن شكرنا لك لإنقاذ أخي، لكنّي تنكّرتُ بهيئة دجاجةٍ بيضاء.
رح الصياد بالفتاة وتزوّجها، وعاش معها حياةً سعيدةً.
وفي أحد الأيام، رأى خادم حاكم البلدة الفتاة الجميلة وأخبر سيّده بما رأى. فأرسل الحاكم في طلب الصّياد. ولمّا مَثُل أمامه، طلب إليه أن يرسل له زوجته خلال ثلاثة أيامٍ وإلاّ قطع رأسه. فامتنع الصّياد وقال للحاكم: أُطلب إليّ أيّ شيءٍ عدا زوجتي.
غضب الحاكم وابتسم بخبثٍ وقال: أحضر لي إذًا خلال ثلاثة أيامٍ مئة وعشرين سمكةً حمراء، جميعها ذات حجمٍ واحدٍ.
عاد الصياد حزينًا إلى البيت، لكنّ زوجته طمأنته وأمسَكت ورقةً حمراء وقطّعتها مئة وعشرين قطعة ووضعتها في جرّةٍ، وصبّت عليها الماء، فتحوّل الورق إلى سمكٍ جميلٍ، باللون نفسه والحجم عينه.
ذهب الصّياد بالجرة وأعطاها للحاكم. فطلب إليه طلبًا آخرًا، وهو أن يحضر له لفةً من القماش الأزرق طولها طول الطّريق، خلال ثلاثة أيامٍ.
وطمأنته زوجته مرّةً أخرى وتحوّلت بسرعةٍ إلى سمكةٍ بيضاء وذهبت إلى قصر والدها وأحضرت معها ثمرة قرع سحريةً تستطيع أن تُلبّي أيّ طلبٍ. فطلب إليها الصّياد لفّة القماش الأزرق، فلبّت طلبه. وأخذ القماش إلى الحاكم الذي قال في غضبٍ: ما طول هذا القماش؟
فقال الصّياد: طوله طول الطّريق يا سيدي. فأمر الحاكم أن يُقاس. ثم فكّر الحاكم وطلب إلى الصياد قطيعًا من الخراف الحُمر وقطيعًا من الجواميس. لبّى الصياد طلب الحاكم، فاستغرب وقال للصّياد: أنت تملك شيئًا سحريًا يُلبّي طلباتك. أعطني هذا الشّيء وإلاّ سجنتُك.
خرج الصياد غاضبًا وهو يُردّد: "وحش... وحش...". فسمعه خادم الحاكم وأخبر سيّده بذلك، فأمر الحاكم بسجن الصياد، وقال له: "هل تعرف الوحش الذي وصفتَني به؟ أحضر لي منه مئةً وعشرين في ثلاثة أيامٍ، وإلاّ قتلتك".
أخبر الصّياد زوجته بما طلب الحاكم، فابتسمت، وطلبت إلى القرعة السّحرية مئة وعشرين قفصًا كبيرًا، وكميّةً من الحطب والفحم. ووضعت الفحم والحطب في الأقفاص وصبّت عليها زيتًا، فتحوّل ما في الأقفاص إلى وحوشٍ كاسرةٍ.
ذهب الصياد بالوحوش إلى الحاكم، فسأله الحاكم عن الطّعام الذي تأكله.
فأجاب الصياد: "أنّها تتناول الزّيت فقط".
أمر الحاكم بإعطائها الزّيت حتى أصيبت بالتّخمة وظلّت الوحوش تصرخ طوال الليل. فذهب إليها الحاكم ليعرف سبب صراخها وهو يحمل فانوسًا، فإذا بلهبٍ شديدٍ يصدر من الأقفاص بسبب نار الفانوس، فاشتعلت النيران والتهمت الحاكم الظّالم، وتخلّص الناس من ظلمه.
وعاش الصّياد مع زوجته في سعادةٍ وفرح...

بلال نعيم
08-05-2009, 10:46 AM
أقريعون

كان لأحد البلدان سلطان، رزقه الله ولدا يحاكي البدر جمالا، يتمتع بقوة جسدية بارزة، وبذكاء فطري حاد ما ألفت إليه الأنظار. منذ نعومة أظفار، تعهده أبوه بعناية فائقة واختار له أمهر الأساتذة لتعليمه، وعين له أسرع فرسانه لتعليمه الفروسية، فأصبح في سن مبكرة أمير السيف والقلم، فأطلق عليه اسم ماهر.

خرج ماهر مع أصحابه يوماً للصيد، وأخذوا يطاردون الغزلان، فابتعد ماهر عن أصحابه وطال غيابه، بحثوا عنه لم يجدوا له أثرا، فعادوا إلى ديارهم خائبين، وأخبروا السلطان بأمر فقدان وحيده، فاستناط غضبا وأمر جنوده بأن يزرعوا الأرض طولا وعرضا حتى العثور على ماهر.

أما ماهر، فقد ترجل من جواده بجوار مغارة يتدفق منها ماء نبع عذب، وأشعل نارا وراح يشوي صيده ويأكل بأمان.. سمع صوتا منبعثا من أعماق المغارة. دخل فوجد فرسا تلد، فأخذ يساعدها حتى ولدت مهرا جميلا أسودا، وكان يزور المغارة يوميا ويعتني بالفرس والمهر. وظل على عنايته بالمهر بشكل خاص حتى كبر وأصبح جوادا مميزا يسابق الريح في جريه.

في يوم ربيعي جميل، امتطى ماهر صهوة الجواد الأسود وانطلق به نحو قصره، فلما رآه الحراس أقبلوا يقبلون يديه، وأسرعوا يخبرون السلطان بعودة ابنه المفقود، فكان اللقاء بين السلطان وابنه لقاء حارا، وسط الزغاريد وصيحات الرجال المرحبة، وأمر السلطان بإعلان يوم العودة هذا عيدا تقام فيه الاحتفالات وتعقد حلقات الرقص والغناء في كل أنحاء البلاد..

ولكن الفرح لم يدم طويلا، إذ ماتت والدة ماهر، وتزوج السلطان من امرأة حسناء صغيرة السن، ولكنها ماكرة حاسدة تكره الأمير ماهرا وتنوي له الشر، وهو بدوره كان يبادلها شعور الحقد.

وذات يوم، مرضت زوجة السلطان الماكرة، واستعصى شفاؤها على الأطباء. وبناء على إشارة منها، قال رئيس الطباخين: "لن يشفيها إلا قلب الجواد الأسود". انطلت الحيلة على السلطان، فأمر وحيده بذبح الحصان، فقال ماهر: أمرك يا أبي مطاع، ولكن أرجو أن تسمح لي بركوب الجواد للمرة الأخيرة، فأجابه والده السلطان إلى ما يريد.

امتطى ماهر صهوة جواده وأطلق له العنان، فانطلق به سريعاً حتى وصل إلى أرض قعر لا ماء فيها ولا عشب. توقف الحصان وقال والدمع يترقرق في عينيه: يا صديقي الأمير، إن أباك يطلب قلبي شفاء لامرأته المخادعة، فما أنت فاعل؟ قال ماهر: أنت تعلم مكانتك عندي، وأنا لن أسلمك للذبح ولو فقدت حياتي، ومن أجلك هجرت أهلي، وسأضرب في بلاد الله الواسعة.. هنا صهل الحصان صهيلا مؤثرا، وأعطى صديقه ثلاث شعرات قائلا: إذا احتجت إلي فافرك هذه الشعرات، فتراني أمامك بسرعة البرق.. قال ذلك وتوارى عن الأنظار.

أمام هذا المشهد المثير للدهشة، وقف ماهر سابحاً في بحر من التفكير لا يستطيع تفسير ما جرى، إلا بعامل السحر.. بعد هنيهة، سار إلى حيث تقوده قدماه، فوجد رجلا فقيرا يرتدي ثيابا رثة بالية، فقال له: هل تستبدل ثيابي بيثابك ولك معها ليرة ذهبية؟ لم يصدق الفقير ما سمعت أذناه، فقبل على الفور. مر ماهر على دكان لحام، فاشترى منه كرش عجل، نظفه وجعل منه طاقية غطت رأسه، وبدا معها كالأقرع. وكان كلما مر بجماعة تطلق عليه اسم الأقرع ويناديه الناس: يا "أقريعون" حتى صار اسما له..

انتهى به الأمر إلى أن يعمل مزارعا في بستان لأحد سلاطين البلاد.. وفي كل مرة كان ينهي عمله اليومي في البستان، كان يخلع ثيابه ويستحم في ماء النبع الذي كان يخترق البستان.. رأته مرة ابنة السلطان من شرفة القصر يستحم، فأعجبت به وبخاصة شعره الناعم، فصارت ترسل له مع خادماتها كل يوم طعاما شهيا لم يذق مثله إلا في قصر والده، وعلم من الخادمة أن ابنة السلطان هي التي كانت ترسل له هذا الطعام.

مع الأيام، راح أقريعون يراها في زاوية شرفة القصر وهي تنظر إليه بحذر، فرآها آية من آيات الجمال، فتعلق قلبه بها.

وفي يوم من الايام، نادى المنادي في المدينة: على كل الشبان العازبين أن يمروا في باحة القصر، لأن بنات السلطان يرغبن في اختيار أزواجا لهن.. واختارت كل بنت شاب ألقت عليه منديلها، وعندما مر أقريعون ألقت بنت السلطان الصغرى منديلها عليه.

وافق السلطان على من اختارته بناته من أزواج، باستثناء من وقع اختيار ابنته الصغرى، وحاول إقناعها باختيار شاب آخر غير أقريعون، ولكنها رفضت بإصرار.. عندها أمر السلطان بطرد أقريعون من كل أراضي سلطنيته وهدده بقطع رأسه إن عاد إليها. رضخ أقريعون لأوامر السلطان، ولكنه التمس منه أن يمهله ثلاثة أيام يغادر بعدها كل أراضي السلطان.. في هذه الأثناء، أرسلت ابنة السلطان ليلا خادمتها إلى البستان ومعها ثياب نسائية، لبسها أقريعون وجاءت به إلى القصر، حيث أقام في إحدى غرفه بعيدا عن الأنظار.. وكانت ابنة السلطان تزوره في مخبإه الأمين كلما سنحت لها الفرص بذلك..

بعد أن أمضى أقريعون شهراً واحداً متخفياً، وبينما كان قابعا في غرفته السرية، جاءته محبوبته منتحبة شاحبة الوجه، خائرة القوى، فارتمت في أحضانه مجهشة بالبكاء. ذعر لما رآه وسألها عن أسباب هلعها، فقالت: لقد غزا الأعداء بيتنا وهزموا جيشنا، وأصبحت طلائعهم على مقربة من القصر، فأمسك يديها وصاح والسرور يتطاير من عينيه: لبيك يا محبوبتي، ساعة واحدة وسترين أعداءنا منهزمين.. نزل معها إلى باحة القصر وفرك الشعرات الثلاث، وإذا بجواده الأسود أمامه. يا حصاني أسعفني لرد الغزاة. فقال له الحصان: "لا عليك، أمسك سيفك وستحصدهم على الجانبين"، لما رآه الغزاة هرب من أمكنه الهرب منهم.

خرج الملك والعساكر ليروا الفارس الذي هزم الغزاة، وكان أقريعون قد أصابه سهم في يده، سأله الملك: "من أنت أيها الفارس؟ رد أقريعون: "يدي مجروحة يا سلطان الزمان، أعطني منديلك، فلف السطان يده بمنديله واستأذن أقريعون بحجة أنه سيداوي يده وتهرب من الإجابة.

صار الفارس حديث الناس وتساءلت بنات السلطان عنه، فردت الصغرى: "أنا أدلكم عليه"، أخذت أباها السلطان وأخواتها إلى دارها، فرأوا شابا بهي الطلعة ناعم الشعر نائما، ويده ملفوفة بمنديل السلطان فسألوها: "من هذا؟ قالت: "هذا أقريعون."

أفاق الشاب من النوم وعرفهم بما حدث له، ورضي عنه السلطان.

كشف أقريعون عن هويته، فعانقه السطان وزوجه ابنته وأقام لهما حفلة عرس لم يشهد لها ذلك الزمان مثيلا.

أما زوج أبيه الماكرة فلم تطق أن ترى ماهرا سلطانا فشربت السم وماتت جزاء حقدها وأنانيتها.

بلال نعيم
08-05-2009, 10:48 AM
الملـك عجيب

كان الملك "عجيب" يحبّ البحر منذ نشأته. فلمّا وُلّيَ العرش، أكثرَ من أسفار البحر ونَسِيَ الإهتمام برعيّته، وترك العناية بأمر الملك وإقامة العدل بين النّاس. وكان كلّما عاد من رحلةٍ اشتاق إلى غيرها.
وفي يومٍ من الأيّام، أعدّ للسّفر سفينةً كبيرةً وأخذ معه عددًا من حاشيته. سارت بهم السّفينة في عرض البحر أربعين يومًا، وكانت الرّيح طيّبةً والبحر هادئًا. ثمّ هبّت عاصفةٌ شديدةٌ، فأظلمت الدّنيا واضطرب البحر، وظلّت الأمواج تلعب بالسّفينة وتهدّدها بالغرق في كلّ لحظةٍ. ومرّت بهم عشرة أيّامٍ وهُم في أشدّ القلق لهياج البحر.. ثم هدأت العاصفة.
وقام ربّان السّفينة مُستطلعًا أحوال الجوّ. وما إن تحققّ الرّبان من الأمر حتّى صرخ وبكى، ولطم وجهه من شدّة الجزع. فسأله الملك "عجيب": "ماذا حدث؟" فقال لهُ الرّبان، وهو يبكي: "لقد هلكنا. هلكنا يا مولاي!"
فقال له الملك: "وكيف هلكنا وقد هدأت العاصفة وزال عنّا الخطر؟"
فأجاب الرُّبان: "انظر إلى هذا السّواد الذي يلوح لنا من بعيدٍ. إنّه جبل المغنطيس، وستدفعنا الأمواج إليه غدًا.. وسيجذب المغنطيس كلّ ما في مركبنا من المسامير، فَتتفكّك ألواحه ونغرق جميعًا في قاع البحر".
سأله الملك: "أليس في قدرتك أن تبعد بنا عن هذا الجبل؟"
فردّ الرّبان: "كلاّ يا مولاي، فإن المغنطيس يجذب مركبنا إليه، ولم تنج سفينةً واحدةً وصلت إلى هذا المكان. واعلم أنّ على هذا الجبل قبّةٌ عاليةٌ وفوقها فارس على فرسٍ من نُحاسٍ، وفي صدره لوحٌ من الرّصاص، قد نُقِشَت عليه طلاسم لا نفهمها؛ ولا سبيلٌ إلى خلاص السّفن من الهلاك إلاّ إذا وقع ذلك الفارس في البحر".
حزن الملك "عجيب" وأصحابه أشدّ الحزن، ولم يناموا طول ليلهم. ولمّا جاء اليوم التّالي، ظهر لهم صدق كلام الرّبان؛ فقد رأوا المركب يندفع نحو الجبل بسرعةٍ لا مثيل لها. فأيقنوا أنّهم لا محالة هالكون.
وما إن اقترب المركب من الجبل حتى جذب المغنطيس كلّ ما في المركب من مسامير. فتفكّكت ألواحه وغرق راكبوه.
لكنّ الملك "عجيب" وجد لوحًا من الخشب قريبًا منه، فتعلّق به. ثمّ قذفته أمواج البحر بعد قليلٍ إلى سفح الجبل، فرأى لحسن حظّه طريقًا سهلةً، سار فيها حتّى وصل إلى أعلى الجبل من غير عناءٍ.
وما إن رأى الملك "عجيب" أنّه قد نجا من الهلاك حتّى حمد الله على نجاته، وصلّى "شكرًا لله" على سلامته.
ثمّ غلبه الضّعف والتّعب فنام للحال. ورأى في منامه شيخًا مهيب الطلعة يقول له: "قم يا "عجيب" من نومك، واحفر تحت قدميك قليلاً، تجد قوسًا من النّحاس وثلاث نبالٍ من الرّصاص، عليها طلاسم منقوشةٍ؛ فاضرب فارس البحر بتلك النّبال، فإنه يسقط في البحر ويَبطُل سحره، وبذلك يستريح النّاس من شرّه وأذاه. ومتى تمّ لكَ ذلك، فادفن هذه القوس في مكان الطّلسم، فإنّ البحر يعلو حتّى يساوي الجبل، فيخرج لك من البحر زورقٌ فيه تمثال مسحور من النّحاس، يوصلك إلى بلدك بعد عشرة أيّامٍ. وإنّي أحذّرك أن تذكر اسم الله وأنت في ذلك الزّورق المسحور لئلا يذوب التّمثال، ويبطل السّحر ويغرق الزّورق لساعته".
استيقظ الملك من نومه، وهو فرحان بهذا الحلم الذي فتح له باب الأمل في العودة إلى بلده. وبحث تحت قدميه، فرأى القوس والسّهام الثلاثة. فضرب بها طلسم الجبل، فهوى الفارس والفرس في البحر، فدفن القوس في موضع الطّلسم، فارتفع ماء البحر حتّى ساوى الجبل، وخرج له زورق من البحر، فيه تمثال من النّحاس.
ركب الملك الزّورق من غير أن يفوه بكلمةٍ واحدةٍ، فحرّك التّمثال مجذافيه فسار الزّورق بهما. وما زال مسرعًا في سيره حتّى اقترب من البرّ. ففرح الملك "عجيب" بذلك فرحًا شديدًا، وأنساه فرحه بقرب العودة نصيحة الشّيخ، فحمد الله على سلامته.
وما كاد يذكر اسم الله حتّى اختفى الزّورق والتّمثال معًا وغاصا في قرار البحر، وبَعُدَ عنه الشّاطئ.
فسَبِحَ الملك "عجيب" طوال اليوم في البحر حتّى ضعفت قوّته وأيقن الهلاك العاجل، فأسلم أمره لله ودعاه أن يخلّصه ممّا هو فيه من كَرَبٍ، فاستجاب الله دعاءه وقذفته الأمواج إلى شاطئ جزيرةٍ كبيرةٍ. فحمد الله على نجاته من الغرق، وصلّى له صلاة الشّكر، ثم نام فوق شجرةٍ عاليةٍ طوال اللّيل.
في صباح اليوم التّالي، رأى الملك مركبًا كبيرًا يقترب من الجزيرة. فصعد إلى شجرةٍ عاليةٍ حتّى لا يراه أحد، فرأى عشرة رجالٍ وفتًى وشيخًا يخرجون من المركب، ثم حفروا قليلاً في الأرض ونزلوا في جوفها، ثم عادوا فنقلوا إليها كلّ ما في المركب من خبزٍ ودقيقٍ وسمنٍ وفاكهةٍ وحلوى، ورجعوا إلى المركب ولم يعد معهم الفتى.
وسار المركب بهم من حيث أتوا، والملك يعجب أمرهم أشدّ العجب.
لمّا غاب المركب عن ناظره، أسرع الملك "عجيب" إلى المكان الذي كانوا فيه. فرأى حجرًا مستديرًا في وسطه حلقة من حديدٍ؛ فرفع الحجر ورأى تحته سلّمًا، فنزل وهو يعجب لذلك. فوجد نفسه في حجرةٍ واسعةٍ مفروشةٍ ببساطٍ ثمينٍ، ورأى في صدر المكان أريكةً قد جلس عليها ذلك الفتى، فزاد عجبه ممّا رأى، وفزع الفتى حين رآه فطمأنه الملك. وما زال يُحادثه حتّى زال خوفه وتبدّل رعبه منه فرحًا بقدومه وسرورًا.
ثمّ قال للفتى: "كيف حضرتَ إلى هذه الجزيرة الموحشة؟ ولماذا اخترت البقاء تحت الأرض؟"
فقال له: "إنّ أبي تاجر من كبار تجّار اللّؤلؤ؛ وهو شيخ كبير، لم يُرزق في حياته أولادًا غيري. وقد رأى في منامه، يوم ولدتُ، حلمًا مُخيفًا، فجمع الحكماء ومُفسّري الأحلام، فأخبروه بأنَّ أجلي قصير، وأنّ الملك "عجيب" سيقتلني بعد أن يرمي طلسم الجبل في البحر. وسيحدث ذلك حين أبلغ سنّ الخامسة عشرة. ومتى مرّت بي أربعون يومًا -بعد ذلك-، نجوتُ من الهلاك، فأعدّ لي أبي هذا المكان في هذه الجزيرة. ولمّا علم بوقوع الطّلسم في البحر، أحضرني إلى هنا حتّى لا يهتدي الملك "عجيب" إلى مكاني فيقتلني".
عجب الملك من قصّة الفتى أشدّ العجب، وهزئ بما قاله، ولم يخبره بإسمه حتّى لا يخاف.
ومرّت الأيّام وهُما على أسعد حالٍ وأهنأ بالٍ.
وكان الملك عجيب يقصّ عليه أحسن القصص، ويروي له أمتع الأحاديث.
فلمّا جاء اليوم المُتمِّم للأربعين، نهض الفتى فاستحمّ ونام إلى العصر. ثم فتح عينيه، وطلب إلى الملك أن يشقّ له بطيخةً، فبحث عن سكّينٍ فلم يجد. فأشار الفتى إلى مكانها، وكانت معلّقةً فوق رأسه، فأسرع الملك "عجيب" إليها.
وما إن قبض عليها بيده، حتّى زلّت قدمه، فوقع لسوء حظّه على الفتى والسّكين في يده، فنفذت السّكين إلى قلب الفتى، فقُتِلَ في الحال.
وما إن رأى الملك "عجيب" ما حدث منه، حتّى اشتدّ به الحزن والجزع، ولكنه استسلم لقضاء الله وقدره.
خشي أن يحضر والد الفتى فيقتله؛ فأسرع بالخروج وأعاد الصّخرة إلى مكانها. وما إن انتهى من ذلك، حتّى رأى المركب قادمًا من بعيد، فأسرع إلى الشّجرة مُختبئًا بين أغصانها.
ولمّا رأى الشّيخ ما حلّ بولده، أُغميَ عليه من شدّة الجزع. ولمّا أفاق أمر بدفنه، ثم عاد باكيًا حزينًا. وبعد أن غاب المركب عن نظر الملك "عجيب"، أخذ يبحث عن وسيلةٍ تمكّنه من الخروج من هذه الجزيرة المشؤومة، فلم يستطع إلى ذلك سبيلاً.
سار الملك عجيب في الجزيرة تسعة أيّامٍ، لعلّه يجد فيها أحدًا من النّاس. ثم رأى في اليوم العاشر نارًا ملتهبةً تلوح له من بعيد. فسار إليها مسرعًا حتّى اقترب منها، فرأى قصرًا فخمًا من النّحاس. فعلم أنّ أشعّة الشّمس قد انعكست عليه فخُيّلت إلى ناظره أنّه يرى نارًا ملتهبةً شديدة الوهج.
ورأى الملك أمام ذلك القصر عشرة رجالٍ من العور قد فقدوا عيونهم اليُمنى. فعجب من ذلك، وحيّاهم. فردّوا عليه التّحية بأحسن منها ورحّبوا به، ثم سألوه من أين جاء. فقصّ عليهم قصّته، فدهشوا لها. وأراد الملك عجيب أن يسألهم عن سبب عورهم وإقامتهم في ذلك القصر المُنفرد في تلك الجزيرة الموحشة، ولكنّه قرأ على باب القصر: "من تدخّل فيما لا يعنيه، لقي ما لا يُرضيه". فسكت عن السّؤال.
ولمّا جاء اللّيل أكلوا وشربوا، ثم جلسوا يسمرون حتّى انتصف الليل. فقال أحدهم لرفاقه: "لقد حان الوقت لإداء ما علينا من واجبٍ".
فقاموا جميعًا إلى حجرةٍ واسعةٍ ولبسوا ملابس سوداء، ثمّ لطّخوا وجوهم بالسّواد، وظلّوا يبكون ويلطمون، وهُم يقولون: "هذا جزاء الفضول. هذا جزاء من تدخّل فيما لا يعنيه". واستمرّوا كذلك ساعةً من الزّمن، ثمّ كَفّوا عن البُكاء، وغسلوا وجوههم، ولبسوا ملابسهم الأولى، وذهبوا إلى مضاجعهم فناموا إلى الصّباح.
أمّا الملك "عجيب" فقد قضى ليلته ساهرًا مُفكّرًا فيما رآه، ولم يستطع أن ينام لشدّة ما استولى عليه من العجب والدّهشة.
لمّا طلع الصّبح، لم يطق الملك صبرًا على ما رآه، فسألهم: "ما سبب عوركم أيّها الرّفاق؟ ولماذا تلطّخون وجوهكم بالسّواد؟"
فقالوا له ناصحين: "خير لك ألاّ تتدخّل في ما لا يعنيك فتلقى ما لا يرضيك".
فلم يقنع بقولهم، وألحّ عليهم بالسّؤال.
فقالوا له: "إذا شئتَ أرسلناك إلى المكان الذّي كُنّا فيه، لترى بنفسك سبب عورنا، وستدفع ثمن هذا عينك اليُمنى، وتعود إلينا أعور مثلنا، فهل يرضيك ذلك؟"
فقال لهم: "نعم". فذبحوا كبشًا كبيرًا وسلخوا منه جلده وخاطوه حول جسم الملك عجيب، ثم قالوا له: "سيأتي طير الرخّ فيحملك إلى قصر العجائب، فإذا وصلتَ إلى ذلك القصر، فانهض على قدميك واسلخ جلد الخروف، فإن الرخّ يخافُ ويهرب منك".
وبعد قليلٍ من الزّمن، جاء طير الرخّ فحسبه كبشًا، فحمله إلى قصر العجائب. فلمّا نهض الملك "عجيب" ومزّق جلد الكبش، هرب منه طير الرخّ.
ثم وقف الملك "عجيب" أمام قصر العجائب، فرأى حجارته من الذّهب وأبوابه مرصّعة بالماس.
دخل الملك القصر، فرأى فيه أربعين جاريةٍ، لابسات أفخر الثّياب التي لا توجد في قصور الملوك. فرحّبن به، وحيينه فرحاتٍ بقدومه، وأكرمنه أحسن إكرامٍ. ثم قُلن له: "نحن خادماتك، وأنت سيّد القصر، وسنظلّ في خدمتك شهرًا كاملاً، ثم نتركك أربعين يومًا، ونعود إلى خدمتك بعد ذلك فلا نفارقك أبدًا، ويصبح هذا القصر وما يحويه من كنوزٍ ملكًا لك."
ولمّا انقضى الشّهر ودّعنه، وأظهرن له الأسف على فراقه، وأعطينه أربعين مُفتاحًا، وقُلن له: "ادخل ما شئت من هذه الحجرات، ولكن احذر أن تدخل هذه الحجرة الأخيرة، وإلاّ عرّضت نفسك لما تكرهه".
فتح الملك الحجرة الأولى، فرأى حديقةً جميلةً لم ير في حياته مثلها. فقضى يومه بين أزهارها العطرة، مبتهجًا مسرورًا. وفي اليوم الثّاني فتح الحجرة الثّانية، فرأى من الطّيور المغرّدة أشكالاً وألوانًا لم يرها من قبل، وقضى يومه مسرورًا بغنائها السّاحر.
ورأى في الثّالثة كنوزًا مملوءةً بالذّهب، وفي الرّابعة أكداسًا من اللآلئ، وفي الخامسة ما لا يُحصى من المرجان والياقوت. وهكذا...، حتّى جاء اليوم المُتمّم للأربعين، ولم يبق إلاّ الحجرة الأخيرة التي حذّرته الجواري من دخولها.
وقف الملك متردّدًا نحو ساعةٍ، ثم دفعه فضوله إلى دخول هذه الحجرة. فلم يكتف بكلّ ما رآى في ذلك القصر من العجائب والكنوز النّادرة، ونسي نصيحة الجواري ونصيحة العور.
وما إن دخل الحجرة حتّى وجد حصانًا جميل الشّكل مُعدًا للرّكوب، فدفعه الفضول إلى ركوبه. وما إن ركبه حتّى طار به الحصان في الفضاء، وكان هذا الحصان جنّيًا.
وما زال طائرًا به مدّةً من الزّمن، ثم هبط به إلى الأرض، وألقاه على ظهره، وضربه بذيله في عينه اليُمنى فعورها.
ولمّا أفاق الملك "عجيب" من ذهوله، وجد نفسه في قصر الجزيرة بين رفاقه العور. فآسوه ورحّبوا به وقالوا له: "لقد دفعك الفضول إلى مثل ما دفعنا إليه، ولقيتَ من الجزاء مثل ما لقينا. وهذه عاقبة كلّ من يتدخّل فيما لا يعنيه!"
بقي الملك عجيب عدّة أيّامٍ وهو في ضيافة العوران العشرة، حتّى أتاح الله له فرصة الذّهاب إلى بلده، في سفينةٍ مرّت على تلك الجزيرة، فودّع رفاقه العوران.
ولمّا وصل الملك إلى بلده، استقبله وزيره وأهله وشعبه أحسن استقبالٍ، وفرحوا برجوعه إلى مملكته أكبر الفرح. ولمّا سأله أهله عن سبب غيبته الطّويلة، قصّ عليهم كل ما لقيه في رحلته من العجائب. وأمر وزيره بكتابة هذه القصّة، لتكون عبرةً لكلّ من يدفعه الفضول إلى الدّخول في ما لا يعنيه.
وكتب على باب قصره تلك الجملة الحكيمة: "مَن تدخّل في ما لا يعنيه، لقي ما لا يرضيه".
وعاش الملك عجيب بقيّة عمره، يحكم بين رعيّته بالعدل، ولم ينس طول حياته ما جرّه عليه الفُضول.

بلال نعيم
08-05-2009, 10:51 AM
التاجر الذكي

كان في سالف الزّمان تاجر يتنقّل في مدنٍ كثيرةٍ يبيع ويشتري ويجني من عمله ربحًا كثيرًا. وكان عمله هذا قد جعله يمرّ في تجارب كثيرةٍ، فاختبر أنفس الناس وعرف أهواءهم، وأدرك ما يحبّون وما لا يحبّون، ووجد أن أصعب أمرٍ في الحياة هو أن يجد الإنسان صديقًا وفيًّا.
ومن يومٍ إلى يومٍ كانت تجارة التّاجر تزداد سعةً، فكثرت أشغاله وراح يوظّف أمواله في أماكن كثيرةٍ وتجارات متنوعةٍ، وبنى لنفسه قصرًا جميلاً، ففرشه بأجمل الأثاث، وأحاطه بحديقةٍ، زرع فيها كلّ أنواع الزّهور، وببستانٍ متنوّع الأشجار، طيّب الفواكه.
كان للتاجر ولد وحيد يحبّه كثيرًا ويُعنَى بتعليمه. فجاء له بأفضل المعلّمين يعلّمونه أصول القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وكتب التاريخ والسير والجغرافيا والكثير من النثر والشعر. وكان التاجر لا يرد لإبنه طلبًا. فهو وحيده ويبشّر بمستقبلٍ زاهرٍ، خاصّة وأنّه نبيهٌ يحبّ والده الذي علمه والتجارة الشريفة.
وقد كان لهذا الولد، واسمه زاهر، صديق يمضي معه أكثر أوقاته حتّى بات الناس يعرفونهما جيدا كصديقين، وإذا رأوا أحدهما ذكروا الآخر. وكان الواحد منهما يفتّش عن أحدهما فيجده مع صديقه.
غير أنّ زاهر لم يستطع أن يعرف مِن صديقه غير وجهٍ واحدٍ هو علاقتهما من حيث النزهات والمجالس الأنيسة والدّروس المستمرة من غير أن تتكشّف له أخلاقه وصفاته، ومن غير أن يتعرّف عليه من خلال تجارب تكشف الإنسان إن كان فعلاً صديقًا طيبًا أو إنّه إنسان يدّعي الصّداقة من أجل غايةٍ لا علاقةً لها بالصّداقة المُحبّة الطّيبة. وغالبًا ما كان التاجر يُحذّر ابنه من علاقةٍ لا تجارب فيها. إلاّ أنّ زاهر كان يحسّ بشيءٍ من الحزن كلّما حدّثه والده عن صديقه الذي طلب منه أن يضع صديقه على محكّ التّجربة أو يطلب منه طلبًا يتكشّف فيه مدى محبّته له.
وفي يومٍ من الأيّام، قرّر التّاجر السفر إلى بلدٍ بعيدٍ، وكان لديه كثير من المال والجواهر، ففكّر أن يضعها في صندوقٍ ويضع الصّندوق في مكانٍ آمنٍ.
جمع التّاجر كلّ ما في حوزته من ذهبٍ وجواهر وأموال وجعل يفكّر. فكان أن دخل عليه ابنه ووجده غارقًا في تفكيرٍ بعيدٍ، فقال له: ما بك يا أبي؟
لا شيء يا ولدي. إنّني أفكّر في سفرٍ بعيدٍ، وأحبّ أن تكون معي فترى عالمًا غير هذا العالم، وتتّسع معارفك، وتطّلع على مجتمعاتٍ غير هذه المجتمعات. فسُرّ زاهر بفكرة أبيه ورحّب بالسّفر وقال: إنّها والله يا أبَتي أمنيتي منذ زمنٍ بعيدٍ. وكنتُ أفكّر مرات كثيرةٍ أن أطرح عليك فكرة السّفر إلى مدنٍ وبقاعٍ كثيرةٍ، فنرى العالم ونُسَرّ بما متّعنا به الله.
غير أنّ الأب أطرق قليلاً ثم قال لإبنه: ولكنّي يا ولدي أفكّر بأمرٍ طالما أبعد النّوم عن عينيّ. فقال زاهر: هل أستطيع أن أساعدك به يا أبي؟
فقال التاجر: إنّي أفكّر بأمر هذا الذّهب وأمر هذه المجوهرات والمال الذي يجب أن أضعه في مكانٍ آمنٍ حتّى نعود من السّفر.
راح الإثنان يفكّران، وأخيرًا قال الأب: ما رأيك أن أضع الذّهب ومجوهراتي وأموالي في صندوقٍ، أتركه أمانةً لدى صديقك الذي تحبّه؟ أتوافق على هذه الفكرة؟
سُرّ زاهر بفكرة أبيه، وخاصّةً وهو يفكّر في أن يأتمنه على أكثر ممتلكاته قيمةً. وقال لأبيه: أتظنّ أنّ صديقي هو الإنسان المُناسب الذي يجب أن نضع الصّندوق عنده؟
فقال التاجر: أليس صديقك؟ وهو أمين كما ترى، ويحبّك وليس لي صديق آمنه وأحبّه كما تأمن لصديقك وتحبّه. ولذلك فمِنَ المُستحب أن نضع الصّندوق عنده.
أسرع زاهر إلى صديقه وطلب أن يحافظ على وديعة أبيه، إذ أنه خصّه من بين الكل في أن يكون الصندوق الذي يضم أغلى ما يملك بين يديه وهُما غائبان عن المدينة.
وكان أن ترك الصندوق عند صديق زاهر. وسافر التاجر وابنه، وكان الإثنان يتنقّلان من مكانٍ إلى آخرٍ ومن مدينةٍ إلى أخرى ويَطّلعان على معالم كل الأماكن التي يزورانها. وبعد أربعة أشهرٍ، قال التاجر لإبنه: ما رأيك يا ولدي أن نعود إلى مدينتنا.
رجع التّاجر وابنه زاهر إلى بلديهما. ولمّا وصلا طلب التاجر من ابنه أن يذهب إلى صديقه ويأتي بالصّندوق. فذهب زاهر وعاد بالصّندوق إلى أبيه غير أنّه كان عابس الوجه. فما إن رآه والده كذلك قال له: يا زاهر‍ أراك غير منشرح الصّدر ما بك؟
فقال زاهر: أنا عاتب عليك كثيرًا.
فسأل التّاجر: لماذا؟ لماذا يا بُنيّ؟ ألأنّي تركت كل ما أملك عند صديقٍ لكَ؟
فنظر زاهر إلى والده وقال: لقد تركتَ رملاً وحصًى. وها هو الصّندوق كما تركته لدى صديقي. فضحك التاجر وقال لإبنه: لو كان صديقك وفيًا لك أمينًا على الودائع لمَا فتح الصّندوق. وعندئذٍ عرف زاهر الغاية التي أراد أن يُفهِمَه إيّاها والده من وضعه الصّندوق عند الذّي يدّعي أنّه صديقه.

بلال نعيم
08-05-2009, 10:53 AM
الأسد والثيران الثلاثة


كان في أجمة ثلاثة ثيران: أبيض وأسود وأحمر، ومعهم فيها أسد، فكان لا يقدر منها على شيء لاجتماعها عليه.

قال الأسد للثور الأسود والثور الأحمر: لا يدل علينا في أجمتنا إلا الثور الأبيض، فإن لونه مشهور، ولوني على لونكما، فلو تركتماني آكله صفت لنا الأجمة.
فقالا: دونك فكله.
فلما مضت أيام، قال للأحمر: لوني من لونك، فدعني آكل الأسود لتصفو لنا الأجمة.
فقال: دونك فكله.
ثم قال للأحمر: إني آكلك لا محالة.
فقال: دعني أنادي ثلاثا.
فقال: افعل.
فنادى: ألا إني أكلت يوم أكل الثور الأبيض.!

بلال نعيم
08-05-2009, 10:55 AM
الملك والصياد


نزل الملك ووزيره في أحد الأيام متنكرين إلى المدينة ليسألا عامة الشعب عن أحوال الحكام والولاة، ليعزلا من يشكون منه ويبقيا من يشكرون عمله. وتجوّلا في الشوارع والأسواق، ومرّا بأحد الأحياء الفقيرة، فرأيا شيخا عجوزا يسير على مهل، وعلى رأسه شبكة وفي يده عصا، ويدل شكله على أنه فقير.

اقترب منه الملك وسأله عن صنعته، فأجاب حزينا: أنا صياد، وقد خرجت أطلب الرزق لأطعم عائلتي، ولكني لم أصطد شيئا هذا النهار، وقد صادفت أياماً كثيرة مثل هذا اليوم، حتى ضقت بالحياة.

فقال له الملك: عد معنا إلى الشاطئ، وألق شبكتك في البحر، واصبر عليها طويلا. لبّى الصياد وطلب الملك، فألقى شبكته في الماء، وصبر عليها طويلاً إلى أن أحس بها ثقلا، فجذبها إليه بقوة، فإذا بها تحمل صندوقا مقفلا ثقيل الوزن. فأخذه الملك من الصياد وناوله مئة دينار، وانصرف إلى القصر، وأمر بكسر الصندوق، فوجد فيه بساطا وقد لفّت به صبية، وهي غائبة عن الوعي، فأسعفت فورا.

غضب الملك لأنها رميت في البحر وطلب إلى الوزير أن يبحث عن الفاعل ليعاقبه، وأمهل الوزير ثلاثة أيام.

لم يعرف الوزير الفاعل، فغضب الملك ودعا الناس إلى القصر ليشهدوا عقاب الوزير. فجاء الناس، وإذا بشابّ حسن الوجه يقف بين يدي الوزير وقال: يا سيدي، أنا الذي رمى الصبية في البحر، وأنا أستحق العقاب.

فرح الوزير بخلاص نفسه، وحزن للشاب، ولكن بعد قليل اقترب منهما شيخ جليل وقال لاهثاً: أنا يا سيدي رميت الصبية، فعاقبني. وهمس الشيخ في أذن الشاب: أيها الفتى.. إنك لا تزال في ربيع حياتك، أما أنا فقد ذقت حلو الحياة ومرّها.. فدعني أفديك بنفسي!

ذهب الوزير بهما إلى الملك وقال له: كل من هذين الشخصين يؤكد أنه هو الذي رمى الصبية. فطلب الملك حبسهما، ولكن الوزير رفض لأن أحدهما مذنب والثاني بريء.http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story21.gif

ووصف الشاب للملك ما في الصندوق، فتأكد من صحة كلامه، وسأله عن سبب رميها، فقال: هي زوجتي وابنة عمي. وهذا الشيخ أبوها، ولي منها ثلاثة أولاد ذكور. وقد مرضت أول هذا الشهر، وأحضرت لها الأطباء، وأخذت تتعافى. فسألتها عما تشتهي، فطلبت تفاحة، ولم يكن أوان التفاح، ولكن في بستان الملك قليل من التفاح يدخره له المزارع، فاشتريت منه ثلاث تفاحات بثلاثة دنانير، ولكنها لم تأكل منها شيئا.



ذات يوم كنت جالسا في دكاني، وإذا بعبد أسود يدخل وفي يده تفاحة، فسألته: من أين لك التفاحة؟ والتفاح نادر في هذه الأيام.. فضحك وقال: أهدتني إياها صديقتي إثر غيابي الطويل عنها، وأخبرتني أنها كانت مريضة، فاشترى لها زوجها ثلاث تفاحات بثلاثة دنانير.

ولم أجد من التفاحات إلا اثنتين، فسألتها عن الثالثة فقالت لا أدري فتحققت من قول العبد. وقبل أن أستوضحها الأمر لففتها ببساط وأطبقت عليها الصندوق ورميتها في البحر دون أن يعلم بأمرها أحد.

ولما عدت إلى البيت وجدت ابني الكبير يبكي بمرارة، ولم يكن يعلم ما جرى لأمه، فسألته عن سبب بكائه فقال لي: إني أخذت تفاحة من الثلاثة ونزلت بها إلى الشارع لألعب مع رفاقي، فمرّ عبد أسود وخطفها من يدي، وقال لي: من أين جاءتك هذه التفاحة؟ فأخبرته بقصة التفاحات الثلاث، فذهب ولم يلتفت إليّ.

فلما علمت أن العبد هو الذي جنى على زوجتي الأمينة، وأني رميتها في البحر ظلماً بكذبة، حزنت جداً وبكيتها.. وإذا بهذا الشيخ والدها يدخل علي فأخبرته بالقصة, فشاركني حزني وبكائي. وها أنا بين يديك، ورجائي أن تأمر بمعاقبتي، إذ لا حياة لي بعدها.

فلما سمع الملك حديث الشاب المفجوع، تألم كثيرا وقال: لن أعاقب إلا العبد الملعون.

فجيء بالعبد، وأمر الملك بسجنه في الحال.

أما الزوجة الطيبة البريئة فاعتذر لها زوجها وعادت إلى بيتها وأولادها وعاشوا في سعادة وهناء.

بلال نعيم
08-05-2009, 10:57 AM
الثّعلب والطبل
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story43.gif
زعموا أنّ ثعلبًا أتى أجمة فيها طبل معلّق على شجرةٍ، وكلّما هبت الريح على قضبان الشجرة حركتها، فضربت الطبل، فسُمِعَ له صوت عظيم. فتوجّه الثعلب نحوه، فلما أتاه وجده ضخمًا، فأيقن بكثرة الشحم واللحم، فعالجه حتى شقه. فلما رآه أجوف، لا شيء فيه، قال: لا أدري... ربّما كانت أتفه الأشياء أجهرها صوتًا وأعظمها جثةً.

بلال نعيم
08-05-2009, 10:58 AM
الأعرابيّ الفقير

يُحكى أنّ أعرابياً فقيراً كان يعيشُ في خيمةٍ من الخيام في الصّحراء، ويقتاتُ من الكفاف الذّي تُقدّمه له الأيّام الجافّة في عالمٍ من الحرّ والعطش والبرد. ورغم ذلك، فقد كان ذلك الأعرابي سعيدًا بحياته مع زوجته التّي تعيش بقربه، وفيّةً له ومهتمّةً به.
وفي يومٍ من الأيّام، وبينما كان الأعرابي جالساً أمام خيمته يتأمّل هذه السّهول الرّحبة ويسامر زوجته في هذا اللّيل الصّافي، مرّ به رجلان على ظهر حصانين، يُسمَعُ لِهَمْهَمَتِهِمَا صدًى في أرجاء الصّحراء؛ وقد تلمّس هذان الرجلان الطريق إلى خيمة الأعرابي بواسطة تلك النار التي يشعلها العرب عادةً في اللّيل ليهتدي بها الضال والجائع.
رحّب الأعرابي، هو وزوجته، بالرّجلين، وفكّر في أن يقدّم لهما طعامًا. إلاّ أنه لا يملك إلاّ شاةً يتغذّى بلبنها. حدّثته زوجته بالأمر، فطلب إليها أن تهيّئ نارًا لإعداد الطّعام، فسيذبح الشاة للضّيفين اللّذين حلاّ هذه الليلة عليه. وعرف الرجلان أنه ليس لهذا ألأعرابي غير هذه الشاة. حاولا أن يقنعاهُ بعدم ذبحها، إلاّ أنه رفض طلبهما. وكان بعد ذلك أن هيّأت امرأته الطعام للضيفين، فأكلا ما لذ ّ لهما، ثمّ أمضيا عنده الليل. وفي الصّباح الباكر، ودّعاه بعد أن طلبا إليه أن يقصدهما في المدينة حيث يلتقي بهما في المسجد الجامع.
ولم يعرف الأعرابي أن هذين الرجلين هما والي المدينة وقاضيها. وبعد أيّام قصد الأعرابي المدينة، وذهب إلى المسجد الجامع فوجدهما بين المُصلين يرفعان أيديهما ويصلّيان. فقال في نفسه: "أنا ألتجئ إلى إثنين يلتجئان بدورهما إلى الله، فلألتجئ إليه فهو وحده الكريم القدير".
وكان أن قفل عائدًا إلى خيمته، وأخبر امرأته بما حدث معه، فسُرّت امرأته بإيمانه وفضّلت أن يعانيا ما هما عليه من فقرٍ من أن يستعينا بأحدٍ.
غير أنّ ريحا هوجاء هبّت في تلك الليلة وذهبت بالخيمة المضروبة في عمق تلك الصحراء، فقام الأعرابي وامرأته وباتا ينتظران شروق الشمس وهما يتّقيان رشاش الرمل بثيابهما. وعند الفجر حمل الأعرابي خيمته وسارت امرأته وراءه، ورحلا حتى وصلا إلى مكانٍ وجد فيه الأعرابي أمانًا له ولإمرأته.
وبينما كان الأعرابي يضرب في الرّمل، إذ وجد حلْقةً أمام عينيه فأخذها بجماع يديه وراح يشدّ ويشدّ حتى خرجت من الرّمل جرّةٌ حمراء، ساعدته امرأته في إخراجها. وما إن فتحاها حتّى وجدا فيها كنزًا ثمينًا. فسُرّ الأعرابي وامرأته بذلك، وقرّرا أن يبنيا قصرًا جميلاً في ظاهر المدينة. وهكذا كان.
وبين ليلةٍ وضحاها، راح يرى أهل المدينة قصراً جميلاً يرتفع في ظاهر المدينة. وكان الأعرابي قد أنفق على بناء القصر مالاً كثيرًا، فجاء آيةً من آيات فنّ البناء. وبات حديث الغادي والرائح.
عَلِم الوالي أنّ قصرًا يُبنى في ظاهر المدينة، فطلب إلى الحرّاس أن يتبيّنوا له أمر باني هذا القصر. فأخبروه إن أعرابيًا جاء من الصّحراء وبنى هذا القصر، ذلك بعد أن وجد كنزًا في مكانٍ ما من الصّحراء بدّل مرارة أيامه حلاوةً وفقره غنًى.
شاء والي المدينة أن يرى ذلك القصر، فجاء إليه هو والقاضي. وما إن وصلا إليه والتقيا بصاحبه حتّى عرفا فيه ذلك الأعرابي الفقير الذي أكرمهما تلك الليلة التي أمضياها في كوخه. غير أن القاضي دبّ فيه الحسد، فقال للوالي: "سأطلب إليك أن تفعل شيئًا تتبيّن فيه حسن أخلاق هذا الأعرابي من جديدٍ، إذ إنّ الغنى بعد الفقر يبدّل غالبًا من أخلاق صاحبه". وتابَع: "ما رأيك يا سيدي الوالي أن تذهب إلى قصر الأعرابي وتلتقي به هناك، وأن تخبره أنك رأيت في ما يرى النّائم أنك وجدت نفسك تصرخ: عو عو عو. فإذا قال لك إن هذا الذي رأيت في حلمك كلب، اقتصصت منه".
رضي الوالي بما عرضه القاضي عليه، ثم ذهب إلى القصر والتقى الأعرابي. فاستقبله استقبال الكريم، ودعاه إلى تناول الطعام، فأجابه الوالي إلى ذلك.
وبينما هما يتناولان الطّعام، قال الوالي للأعرابي: "لقد رأيت في ما يرى النّائم رجلاً يصرخُ: عو عو عو. وأحبّ أن تفسّر لي ذلك".
فقال الأعرابي: "أمّا "عوّ" الأولى، فمعناها أنه سبحان من رَزَق الطّير في الجوّ. وأمّا "عوّ" الثانية، فمعناها أنه سبحان من أنار الطريق أمام التّجارة في النور. وأمّا "عوّ" الثالثة فمعناها لعن الله جار السّوء".
سُرّ الوالي بتفسير الأعرابي وعرف ما كان القاضي يرمي إليه، وكان أن قرّب الوالي الأعرابي إليه وأقصى القاضي عن القضاء بين الناس.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:00 AM
الوعد المشؤوم


كان في قديم الزمان ملك عظيم يحكم مملكة واسعة وله رعيّة تحبه وتطيع أوامره. ومع ذلك كان الملك حزيناً دائماً، لأن الملكة كلما حملت وضعت طفلاً ميتاً.

في أحد الأيام بينما كان الملك جالسا في حديقة قصره يفكر في مصيبته، هبط نسر كبير أمامه وقال له: أيها الملك العظيم! إنني أستطيع أن أبعد عنك الحزن إذا وعدتني بتنفيذ ما أطلبه منك .

نظر الملك إلى النسر بدهشة، وأكمل النسر كلامه: سوف تعيش لك أميرة جميلة لا مثيل لحسنها في الدنيا، بشرط أن تسمح لي بأخذها يوم زواجها.

فكّر الملك قليلا، ثم رضي بشرط النسر، لأنه يحب أن يعيش له طفل مهما كان الثمن. وعند ذلك صفّق النسر بجناحيه، وغاب في الفضاء.
صدق وعد النسر، وحملت الملكة، ثم ولدت طفلة جميلة، فاحتفل الملك بولادتها احتفالا كبيرا ووزّع الهدايا، وأنعم على الفقراء والمساكين، وسمّاها " نسرين "..

مضت الأيام وأصبحت نسرين صبية رائعة الحسن والجمال. وبدأ الأمراء يخطبونها من أبيها وهو يرفض تزويجها لأي منهم بسبب وعده المشؤوم للنسر، وهو لا يستطيع أن يبوح لأحد بسره، ولا يريد أن يفقد ابنته. ولهذا عاد الحزن يسكن قلبه، وحزنت الأميرة لحزن أبيها ولرفضه تزويجها دون سبب.

في إحدى الغابات البعيدة، كان يعيش حطاب شاب بهي الطلعة، حسن الأخلاق، يعمل طول النهار، ويأوي إلى كوخه في المساء. كان اسمه شادي.

ذات مساء، طرق بابه رجل غريب، فأسرع شادي وفتح الباب، ورحّب بالزائر الغريب، وأخذ يعد له المكان، ويحضر له الطعام والماء الساخن.

عندما قدّم له الماء، نظر الى عيني الزائر فرأى شيئا غريبا جعله يجمد في مكانه.

فقال له الزائر: لا تخف يا عزيزي، أنا اسمي " ناظر" وعيناي هاتان هما زمردتان أستطيع أن أرى بهما ما أريد في أي مكان في الدنيا، ولي أخوان أحدهما أسمه " سامع " يملك أذنين كبيرتين، يستطيع بهما أن يسمع صوت الإبرة وهي تسقط في أعماق البحر، وآخر اسمه "مجنّح" له جناحان كبيران يستطيع بهما أن يصل الى أي مكان في الدنيا بأسرع من لمح البصر. وسأفكر في طريقة لمكافأتك على حسن استقبالك لي. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story22.gif

أمضى ناظر أياماً في ضيافة الحطّاب فازداد إعجاباً به، وأحب أن يفتش له عن أجمل عروس في ذلك العصر. فحرّك زمردتي عينيه ذات اليمين وذات الشمال، فأخذ بريقهما يزداد سطوعاً، والحطاب ينظر اليه ويتعجب من حركة عينيه، ثم فجأة قال: أبشر يا شادي، لقد وجدت لك فتاة لا نظير لها في الدنيا، وسأطلب من أخي سامع أن يكشف لنا عن سبب حزنها. قم معي اليه.

أقفل شادي باب كوخه وودع حيوانات الغابة، ثم سار مع ناظر الى بيت أخيه.

في الطريق قال ناظر: إياك أن تسخر أو تضحك من كبر أذني أخي، وإلاّ امتنع عن مساعدتنا، فوعده شادي بالسمع والطاعة .

قطعا مسافة طويلة سيراً على الأقدام، وعندما وصلا بيت سامع، ظهر في الباب رجل ضخم له أذنان كبيرتان كأذني الفيل. رحّب بهما وقال مخاطبا أخاه: لقد سمعت حديثك للشاب عن الأميرة الحزينة، فقد كنت مشتاقا لإخبارك. وعندما وجهت أذني نحوك سمعت الحديث، فأهلاً وسهلاً بكما، لقد جئتما في الوقت المناسب.

قال ناظر: ماذا تعني بالوقت المناسب؟

رد سامع بقوله: عندما أدرت سمعي نحو الأميرة التي وعدت بها الشاب، علمت أن اسمها نسرين، وأن أباها الملك قطع وعدا مشؤوما لنسر كبير بأن يسمح له بخطف الأميرة يوم زفافها، وأجبره على تحديد موعد الزفاف.

قال ناظر بلهفة: ما العمل والوقت يمضي بسرعة؟

فأجابه سامع: أرى أن نستنجد بأخينا مجنّح.

وافق الجميع على الفكرة، وخرجوا مسرعين، وقطعوا غابات كثيفة، وأنهارا عديدة، حتى بلغوا وادياً سحيقاً. ونادى ناظر أخاه المجنح بأعلى صوته, فلم يسمع أي جواب لأن المجنح كان نائما في بيته على قمة الجبل.

فأخذ شادي قوسه وأطلق سهما على شباك البيت، فصحا المجنّح غاضبا، وأطلّ من النافذة ليرى الفاعل وينتقم منه. فشاهد أخويه ومعهما شاب وسيم. عندها خفق بجناحيه وطار في الهواء ثم حطّ أمامهم وأخذ يرحب بهم. فأسرع ناظر بإخباره بأنهم جاؤوا إليه ليطلبوا مساعدته في أمر مهم، وأخبره به.

طلب إليهم مجنّح أن يعتلوا ظهره، وصفّق بجناحيه وطاروا في الفضاء بعد أن استقروا على ظهره، حتى كادت الأرض تغيب عن أنظارهم، ثم حطً فجأة كالسهم في حديقة القصر.

اتفق الأخوة على العمل، وقال أحدهم لشادي بلطف: إذهب أيها الشاب الى الملك في الحال، واطلب منه يد أبنته، وقل له إنك مستعد أن تقدم له رأس النسر الكبير مهراً لها.

ثفعل شادي، ودهش الملك عند سماع كلامه، ثم قال له: إذا استطعت أن تقدم لي رأس النسر، فأنا على استعداد لأزوجك ابنتي. ثم باح لزوجته وابنته بسر رفضه الأمراء الذين تقدموا لخطبة نسرين، وأخبرهما قصة الوعد المشؤوم الذي قطعه له. وسأل ابنته إن كانت ترضى بشادي زوجا لها، فأجابت بالإيجاب .

خرج شادي مع حضرة الملك، فلم يجد المجنح مع أخويه، فخاف ألاّ يتمكن من تنفيذ وعده، خاصة وأن الملك هدّده بقطع رأسه إن لم يف بوعده.

كان المجنح في تلك اللحظة قد طار في الفضاء حتى التقى بالنسر الكبير، ووقعت بينهما معركة حامية استطاع المجنح في نهايتها قتل النسر الكبير، فقطع رأسه وحمله الى حديقة الملك حيث كان أخواه ينتظرانه.

وصل شادي مكان ناظر وسامع، وقبل أن يسألهما عن المجنح سقط رأس النسر الكبير أمامه. ورأى المجنح يهبط الى الأرض ويصعد أخواه على ظهره، وأخذ يطير بهما في الفضاء . فلوّح لهم شادي مودّعا.
وبينما كانوا هم يغيبون في الفضاء ، كان شادي يحمل رأس النسر الكبير ويدخل به على الملك.

برّ الملك بوعده، وزوّج ابنته من الحطاب شادي الذي أصبح أميراً لكرم أخلاقه وحسن معاملته......

بلال نعيم
08-05-2009, 11:01 AM
الحطّاب الفقير

كان في سالف الزّمان فتى جميل الوجه، طويل القامة، قويّ الجسد، طيّب النفس، إلاّ أنّه كان حطّابًا يعيش في كوخٍ وسط غابةٍ بعيدةٍ عن المدينة.
وفي يومٍ من الأيّام، بينما كان ذاهبًا إلى المدينة، وعلى ظهره حملٌ من الحطب، سمع في الطّريق أنين امرأةٍ عجوز، كانت قد وقعت على الأرض، والدّم يسيل من جرحٍ عميقٍ في يدها.
رمى الحطّاب حمل الحطب عن ظهره وأسرع إليها، وصبّ على جرحها ماءً كان يحمله ليشربه في الطّريق، ونظّف الجرح، ووضع عليه بعض الأعشاب المُفيدة، ولفّه بقطعةٍ نظيفةٍ من قميصه البيضاء.
سُرّت العجوز من جميل الفتى الحطّاب، وأحبّت أن تردّ له جميله هذا بأن تجعله غنيًا طيلة حياته. فاستغرب الفتى كلام العجوز وظنّها مجنونةً، فلم يقم لكلامها أي وزنٍ. إلاّ أنّه، احترامًا لها، شكرها ونهض ليتابع سيره، فاستوقفته، ثم أشارت إلى سنديانةٍ كانت هناك، وقالت له: "في جوف هذه السنديانة أكبر كنزٍ. وسأطلب إليك أن تصعد إليها، ثم تُفتّش عن مدخلٍ في جوفها، تنزل منه إلى درجٍ، فتجد هناك ثلاث غرفٍ.
في الغرفة الأولى يوجد فضّة، وقُرب الفضّة أسدٌ يحرسها. فإذا خفتَ أن يؤذيك، خُذ هذا المنديل وضعه على وجه الأسد، فيتحوّل إلى حيوانٍ وادعٍ أليف، وتأخذ الفضة. أمّا إذا لم تعجبك الفضة، ففي الغرفة الثانية ذهب، يحرسه أيضًا أسدٌ قويُ. فإذا أحببتَ الذّهب وخفت من الأسد أن يؤذيك، ضع المنديل على وجهه، وخذ الذّهب.
أمّا إذا لم يعجبك الذهب والفضة، ففي الغرفة الثالثة ألماس ويحرسه أسدٌ أيضًا. ضع المنديل على رأس الأسد، وخذ الألماس.
ضحك الحطاب وقال للعجوز مُداعبًا: "وهل أستطيع أن آخذ الذهب والفضّة والألماس؟"
"نعم"، قالت العجوز،" تستطيع أن تأخذ كلّ الجواهر، وعليك ألاّ تنسى قداحةً في الغرفة الثالثة، أمام الأسد. خُذ القدّاحة، فستنفعك كثيرًا".
حمل الحطّاب حمله على ظهره وهو يضحك، وودّع العجوز واستأنف الطريق من غير أن يفكّر جديّاً بدخول السّنديانة. غير أنّه، ما إن وصل إليها حتّى بدأت الأفكار تغريه بالدخول إليها، فقال في نفسه: "لماذا لا أجرّب؟ فإذا وجدتُ شيئًا، كان حسنًا، وإذا لم أجد شيئًا فلن أخسر إلاّ قليلاً من الوقت".
رمى حمل الحطب عن ظهره، وصعد السّنديانة، فوجد فيها بابًا فدخله، فإذا أمامه درجٌ فنزله، حتّى إذا انتهى إلى آخره, وجد أسدًا داخل غرفة مفتوحة الباب. إلاّ أنّ صدق ما روته له العجوز شجّعه، فحمل المنديل ووضعه على وجه الأسد، فهدأ. ثم تقدّم من الفضة وجمع ما يحبُّ منها.
ثم دخل الغرفة الثانية، وصنع بأسدها ما صنع بأسد الأولى، وأخذ ما استحسنه من الذهب. وأكمل طريقه إلى الغرفة الثالثة ورمى المنديل على وجه الأسد، ثم حمل ما وجد بها من الألماس، ثم قفل عائدًا.
غير أنّه عاد وفتّش عن القداحة، فوجدها أمام الأسد، فأخذها بحذرٍ وسرعةٍ وخرج.
جلس الحطّاب تحت السنديانة ومدّ بصره ، فلم يجد أي أثرٍ للعجوز. فذهب إلى المدينة، واشترى لنفسه ثيابًا جميلةً، وأكل أطيب الأطعمة ونام في أفخم الفنادق. ثم راح منذ اليوم الثاني يفتّش عن قصرٍ جميلٍ ليشتريه ويعيش فيه.
وكان قد وقع بصره على قصرٍ من أجمل القصور، فاشتراه، وفرشه بأجمل المفروشات، وأقام على خدمته الكثير من الخدم.
تبدّلت حياة الحطّاب من عسرٍ إلى يسرٍ، وعرف الرّاحة والجمال، والزّينة والأسفار، وعاش حياةً فيها كثير من الترف والبذخ، وظل ينفق من الجواهر حتى لم يعد يملك شيئا منها. فحزن حزناً شديداً، وندم لما فعل، وقرر أن يعود إلى كوخه في الغابة، طالما أنه لم يعد يملك شيئاً.
وخطرت في باله خاطرة، سرعان ما وجد نفسه بعدها يفتش عن القداحة، فأخذها بيده، وفكر أن يذهب بها إلى السوق ليبيعها. غير أنه رأى أن ينظف القداحة قبل بيعها. فأخذ منديلاً وفرك به القداحة، وفجأة ظهر أسد زأر زأرة قوية، ثم أحنى رأسه وقال للحطاب: "مرني يا سيدي بما تريد".
ارتاح الحطاب أول الأمر، إلا أنه عاد وفكر بما قالته له العجوز فلملم أنفاسه وقال للأسد: "أريد جواهر وأموالاً كثيرة ". واختفى الأسد، ثم عاد وقد حمل للحطاب ما أراد. فسرّ الحطاب، وبدأ حياة اليسر من جديد.
كان في المدينة رجل غني جداً وله بنت من أجمل البنات، قال له أحد العرافين يوما، إنها لن تتزوج إلا من حطاب فقير. وعرف الحطاب بقصة الفتاة، ففرك القداحة، فحضر الأسد، فقال له الحطاب: " أريد أن أرى الفتاة " .
اختفى الأسد، ثم عاد بسرعة وبين يديه فتاة جميلة. فأعجب الحطّاب بها، ثم أمر الأسد بأن يردها إلى قصرها.
وأخبرت الفتاة والدها بما حدث لها، فاشتكيا للحاكم، فجاء الجنود إلى قصر الحطّاب وقبضوا عليه، ووضعوه في السجن.
وجاء يوم محاكمة الحطاب، وأخذ إلى ساحة المدينة ليُعدَم. وبينما كان الناس ينتظرون إعدامه، فرك القداحة ثلاث مرات، فظهرت الأسود الثلاثة. فارتعب الناس وتفرقوا ونجا الحطاب من الموت.
أرسل الحاكم في طلب الحطّاب، فجاء وقص عليه قصته. فأحضر الحاكم والد الفتاة، وقص عليه ما رواه له الحطاب. فرضي الأب أن يتزوج الحطاب ابنته.
وهكذا التقى الحطاب محبوبته وعاشا معاً حياةً سعيدة هانئة.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:02 AM
الأصدقاء الثلاثة

كان في مدينتنا قديما ثلاثة أصدقاء، طبعوا على الوفاء والتسامح والإخلاص. وكان كل واحد منهم يمدّ يد المعونة في حال عوزه أو فقره. كما كانوا لا يفارق الواحد منهم الآخر. فمجالسهم واحدة، وسهراتهم واحدة، وأكثر أوقات فراغهم يقضونها معا.

وكان واحد من الثلاثة ميسور الحال، أقبلت عليه الدنيا، رغيد العيش، إلا أنه كان لا يحب أن يعيش هكذا وحده دون صديقيه. فغالباً ما كان يمدّ لهما يد المساعدة من غير منّة أو كدر. وكان الصديقان لا ينسيان معروف صديقهما. فما إن يتوفر لدى أحد منهما المال حتى يعيده إلى ذلك الصديق الغني الميسور.

غير أن هذه الأمور غير ذات قيمة أمام العاطفة التي كان يظهرها كل منهم للآخر إذا ما أصيب بمرض أو مرّت عليه فترات حزن أو مصاعب. وهنا تعرف الصداقة عندما يبتعد الصديق عن أنانيته وحبه لذاته ويكون وفيّا ودودا لصديقه. وبما أن الصديق الميسور لم يكن بحاجة إلى البحث عن عمل ليحصل رزقه، فقد بقي في هذه المدينة. أمّا صديقاه فودّعاه في يوم، وسافر كل منهما إلى مكان يسعى فيه وراء الرزق الحلال الشريف.

كان الوداع مؤثّرا. ثلاثة أصدقاء يودع الواحد منهم الآخر بعد أن عاشوا معا فترة طويلة، وكل منهم يشعر أنه جزء من الآخر.

بقي الصديق الميسور في المدينة، وكان على غناه مبذراً، فظل ينفق دون أن يقيم وزنا لما لديه من مال، حتى رقّت حاشية ماله، وتبدّل الزمان معه، فانتقل من غنى إلى فقر، وباتت عائلته بحاجة إلى المال لتسدّ حاجة طعامها وكسائها. ولكن من أين يأتي الصديق بالمال؟ فصديقاه الآخران قد رحلا، وليس له غيرهما في المدينة. فأمضى أكثر أوقاته حزينا يعاني ألم البعد وحسرة الفقر والحرمان.

وفي يوم قالت له زوجته: لماذا لا ترسل يا حامد رسالة إلى أحد صديقيك تخبره فيها مدى حاجتك إلى المال؟
فقال حامد: إني أشعر بالخجل كلما فكرت في أمر كهذا.

فقالت الزوجة: غير أنك كنت تساعد كلا منهما في حالة ضيقه، ومن غير أن تشعره أن لك عليه منّة، والصديق عند الضيق.

وراحت زوجته تلحّ عليه حتى أقنعته، فبعث برسالة إلى أحد صديقيه يطلب فيها بعض المال.

وصلت الرسالة إلى الصديق وحزن حزنا شديدا لحالة صديقه حامد، فأرسل إليه فوراً مبلغاً كبيراً من المال. ومرّت الأيام وإذا بالمال يصل إلى حامد، فيتسلمه مسرورا مقدّرا صنيع صديقه معه مؤكدا لزوجته أن صديقه وكما قالت له ، وفيّ له كل الوفاء.

غير أن المال الذي وصل إلى حامد لم يبق طويلا لديه، إذ وصلته رسالة من صديقه الثاني يشكو له فيها قلة عمله، وحالة فقره وعوزه، ويطلب إليه فيها أن يمده بشيء من المال لأنه في غربة لا يعرف الناس فيها بعضهم بعضا.

رقّ قلب حامد على حال صديقه وأرسل إليه كل المال الذي كان قد تسلمه من صديقه. وعاد حامد إلى ما كان عليه من حاجة، وعادت عائلته تعاني ما تعاني من الجوع والفقر.

في هذه الأثناء، تقلبت الحال مع صديق حامد الذي طلبت زوجته أن يرسل إليه رسالة يطلب فيها مساعدته. فكتب إلى الصديق الثاني الذي لم يجد عملا في غربته يطلب إليه فيها أن يمده بشيء من المال.

وكان الصديق الذي لم يجد عملا بعد قد تسلّم المال من حامد. وما إن وصلت إليه رسالة صديقه حتى أرسل إليه كل المال الذي تسلمه من حامد. وعندما وصل المال إليه وجد أنه المال الذي سبق له أن أرسله إلى صديقه حامد.

وهنا ترك المكان الذي يعمل فيه وعاد إلى المدينة وزار أول من زار حامداً. وفوجئ حامد بعودة صديقه. فكان لقاء من أطيب ما عرفه الصديقان من لقاءات، وقال الصديق لحامد: أتعرف ما وصلنا من صديقنا البعيد؟ وصلني المال الذي أرسلته إليك.

وهنا عرف الصديق ما فعله حامد بالمال، فأكبر فيه صداقته، كما أكبرا معا صداقة صديقهما الغائب.

ومرّت فترة قصيرة، وعاد الصديق الغائب إلى المدينة. وكانت حال كل منهم قد تحسّنت، فعادوا إلى الحياة التي عاشوها من قبل. وهكذا عرفت فيهم هذه الدنيا مثال الصداقة والنبل والوفاء.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:04 AM
الياقوتة العجيبة

كان "نور الدين" تاجراً غنياً يعيش في إحدى مدن أسيا البعيدة، وكان محبا للأسفار والتنقل في البلدان، فيشتري البضائع ويبيعها، فيعود عليه ذلك بربح وفير أتاح له العيش في نعمة دائمة.

وفي يوم من الأيام، علم التاجر " نور الدين " أن قافلة تستعد للسفر إلى مدينة بغداد، فاشترى بضائع كثيرة ونقلها على الجمال وسار بها مع القافلة، يمني نفسه برحلة ممتعة يحقق بها أمنيته بالربح الوفير ومشاهدة بلاد الله الواسعة.

بعد مسيرة عدة أيام وصلت القافلة إلى سهل فسيح مملوء بالأشجار المثمرة، ويخترقه نهر ذو مياه عذبة صافية، فتوقفت القافلة وأنزلت أحمالها، ونصبت خيامها لتستريح بعد عناء السفر الطويل.

وفي صباح أحد الأيام استيقظ "نور الدين" باكراً وذهب يتنزه بين الأشجار ويبترد (يغتسل) بمياه النهر المنعشة، وهو مأخوذ بجمال الطبيعة حتى مضى أكثر النهار. ولما عاد لم يجد للقافلة أثراً. فقد حملت أمتعتها وتابعت مسيرتها إلى بغداد، دون أن يفطن أحد إلى غياب أحد أفرادها.


بقي "نور الدين" مذهولاً من هول المفاجأة، واحتار ماذا يفعل، لاسيما وأنه لا يدري أي طريق سلكتها القافلة.
قضى " نور الدين " ليلته نائماً فوق أحد الأغصان خوفا من الوحوش المفترسة، وفي الصباح سار على غير هدى حتى أنهكه التعب، فجلس تحت شجرة ليستريح.

وبينما هو يحدق في ما حوله، لمح من خلال التراب حجرا كريما يتلألأ بريقه في ضوء الشمس، فنهض مسرعا والتقطه وخبأه في طيات ثوبه، ثم تابع سيره والجوع يكاد يهلكه، حتى لاحت له عن بعد قباب ومبان ضخمة ومآذن شامخة، فولى وجهه شطرها، فإذا به بجد نفسه في مدينة نظيفة الشوارع حسنة الترتيب واسعة. فسار فيها على مهل وقد هده الجوع والتعب والإرهاق حتى قادته قدماه إلى قصر فخم تعلوه القباب، ووجد على بابه رجلاً تبدو على محياه أمارات الطيبة والمروءة.

اقترب "نور الدين" من بواب القصر وحياه في أدب وقال له: هل من وسيلة يا سيدي تدلني عليها للحصول على طعام أسد به جوعي، فقد مضى علي يومان كاملان لم أذق فيهما طعاما.

فقال البواب: إن المدينة مليئة بالمطاعم، فلم لا تذهب إلى أحدها وتتناول من الطعام ما تشاء؟

فأجابه " نور الدين " في إعياء وتردد: إنني غريب مسكين لا أملك نقوداً. فقد ضاعت أموالي وبضاعتي مع القافلة التي فقدتها وهي في طريقها إلى بغداد، وزاد قائلا: ولكني أملك هذا الحجر المتلألئ. ثم أخرج من بين طيات ثوبه الحجر الأحمر الذي وجده في الطريق وقدمه إلى البواب الطيب.

ما كاد البواب يرى الحجر الكريم حتى فتح فمه مندهشا وقال ل "نور الدين": أتملك مثل هذا الحجر الكريم النادر، ثم لا تجد بعد ذلك ثمن وجبة من الطعام؟ اذهب يا رجل توا إلى سلطاننا العظيم وقدم له هذا الحجر، وسوف يكافئك عليه مكافأة سخية. إنها ياقوتة ثمينة ستزدان بها مجموعة السلطان القيمة.

دهش "نور الدين" لهذا الكلام وأسرع الخطى نحو قصر السلطان العظيم، وطلب إلى الحاجب مقابلة السلطان لأمر مهم.

سمح السلطان لنور الدين بمقابلته، فأدخل قاعة العرش، حيث شاهد السلطان يجلس في هيبة ووقار وحوله الأمراء وكبار رجال الدولة.

تقدم " نور الدين " من السلطان مبهور الأنفاس وأظهر الياقوتة الحمراء وقال في أدب: قدمت يا سيدي من بلاد بعيدة لأقدم لكم هذا الحجر الكريم النادر لعلمي بشغفكم باقتناء الأحجار الكريمة. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story23.gif

أخذ السلطان الياقوتة وقلّبها بين يديه مبهوراً من كبرها وجمالها، ثم أمر بضمها فوراً إلى مجموعته النادرة، وكافأ "نور الدين" بسخاء وكرم.

مضت الأيام.. وأحب السلطان أن يمتع بصره بتأمل الياقوتة الجديدة، فأمسك بها وأخذ يقلّبها بين يديه.. وفجأة امتلأت القاعة بدخان ملون كثيف، ثم انقشع الدخان عن شاب وسيم الطلعة، فاخر الثياب، فذهل السلطان، ولكنه سرعان ما استجمع شجاعته وهدوءه وقال للشاب: من أنت؟ وماذا أتى بك إلى هنا؟

فأجاب الشاب بصوت هادئ: أنا يا سيدي أمير الياقوت.. وإن لوجودي هنا قصة لا أستطيع البوح بها.. ولكني أعرض عليك خدماتي، فمرني بما تشاء وعلي الطاعة.

أطرق السلطان برأسه إلى الأرض مفكراً، ثم تقدم نحو الشاب، وقال له: إن الله أرسلك إلينا في الوقت المناسب. ففي مثل هذا اليوم من مطلع كل شهر يفد علينا تنين مخيف، يهددنا ويهدد رجالنا ونساءنا وأطفالنا، ولا يكف عنا شره حتى نقدم له شاباً من خيرة شباب بلدنا ليلتهمه ويسد به جوعه، ثم ينصرف من حيث أتى ليعود في الشهر التالي فنقدم له شابا آخر، حتى بتنا ونحن من شره في بلاء عظيم. ثم تابع السلطان كلامه: فهل باستطاعتك أيها الشاب النبيل أن تخلصنا من شر هذا التنين.

فأجاب الشاب في ثقة وحزم: نعم يا مولاي. أنا واثق من قدرتي على تخليصكم من شر هذا التنين، على شرط أن تأتيني بسيف بتار وترشدني إلى مكانه.

فأمر السلطان بتلبية طلبه فورا.

في اليوم المحدد الذي اعتاد فيه التنين الحضور لالتهام فريسته، كمن أمير الياقوت في مكان خفي، وما هي إلا لحظات حتى اهتزت الأرض وسُمعت ضوضاء شديدة ارتجت لها أرجاء المكان، ثم ظهر التنين المخيف، والشرر يتطاير من عينيه وينبعث اللهب من بين أنيابه الحادة. ولكن ذلك لم يرهب أمير الياقوت الذي يتمتع بقوة سحرية خارقة، بل تقدم بخطوات ثابتة نحو التنين. ولما أصبح على قيد خطوات منه رفع سيفه وضربه به ضربة شديدة فصلت رأسه عن جسده الرهيب.

أسرع أمير الياقوت إلى السلطان ليزف إليه بشرى القضاء على التنين المخيف. سر السلطان من ذلك وعانق الشاب وراح يقبّله بتأثر وفرح وإعجاب، وقال له وهو في غمرة الفرح: لن أسألك أيها الشاب عن سر مجيئك إلينا، ولكني كنت قد قطعت عهدا على نفسي أن أزوج ابنتي " نور الحياة " لمن يخلصني من شر هذا التنين، وها أنا اليوم قد حققت لي هذا الأمنية، لذلك فإن ابنتي ستصبح منذ هذه اللحظة زوجة لك إن رغبت في ذلك.

رحب أمير الياقوت بالزواج من " نور الحياة " فسر الملك بذلك سرورا عظيما وأمر بأن تقام الزينة في جميع أنحاء المملكة، وأن تعم الأفراح جميع الناس، فقد صار أمير الياقوت زوجا لابنة الملك.

سكن الأمير وزوجه نور الحياة قصرا جميلا، وعاشا في سعادة وهناءة. ولكن سحابة من الكآبة كانت تخيم فوق هذا البيت السعيد، وتنغص على الأميرة حياتها. كانت تعلم أن زوجها أمير الياقوت يحتفظ في قرارة نفسه بسر خفي يأبى أن يبوح به لأحد، وكثيرا ما سألته أن يكشف الستار عن هذا السر ولكنه كان في كل مرة يحذرها من إثارة هذا الموضوع أمامه مرة أخرى.

في ذات يوم، كان العروسان: أمير الياقوت ونور الحياة، يتنزهان على شاطئ البحيرة حول القصر. أصرت نور الحياة على أن تعرف سر زوجها الخفي، وألحت عليه. وما إن بدأ بالكلام حتى ثارت موجة عاتية من عرض البحيرة وتقدمت نحو العروسين واختطفت أمير الياقوت. ورأت نور الحياة زوجها وقد خطفته هذه الموجة وابتلعته في غمضة عين.

دبّ الخوف في قلب الأميرة وأسرعت عائدة إلى القصر في ذهول وهي تبكي زوجها الذي ابتلعته المياه، وقصت على والديها ما حدث لزوجها. وسرعان ما انتشر الخبر في أرجاء القصر، فحزن الجميع لحزن الأميرة وأخذ السلطان يواسيها محاولا أن يخفف عنها مصابها الأليم، ولكن الأميرة استسلمت لحزنها، واتخذت من غرفتها ملجأ تبكي فيه زوجها الحبيب الذي لم تستطع مرور الأيام أن تمحو ذكراه من خاطرها.
وفي إحدى الليالي، وكان الهم قد أخذ بها كل مأخذ، خرجت من القصر في ضوء القمر، وسارت على محاذاة البحيرة في المكان الذي فقدت فيه زوجها. ولما نال منها التعب، جلست تحت جذع شجرة تبكي ذكرى زوجها حتى مضى من الليل نصفه، وهي ذاهلة عما حولها.

فجأة سمعت أصواتا غريبة تنبعث من وسط البحيرة، ثم انجلت الأصوات عن مشهد غريب أذهلها وكاد يفقدها عقلها. رأت جماعة من الجنيات الصغيرات يفرشن الأرض حول البحيرة، بالحشائش الخضراء والأزهار الملونة، ثم انشقت المياه عن مركب كبير يتقدمه شيخ عجوز يمسك بيده شابا تتدلى على جيبه ياقوتة حمراء كبيرة.. ثم خرجت من بين الأمواج راقصة حسناء تحمل بيدها دفا تضرب عليه وترقص على نغماته مما جعل أمير الياقوت يعجب بها ويلاحقها بعينيه.

عجبت نور الحياة لهذا المشهد الغريب، وتملكتها الغيرة فاندفعت بلا وعي نحو الراقصة وانتزعت الدف من يدها وراحت تضرب عليه وترقص على نغماته رقصا أثار إعجاب الأمير والشيخ العجوز ودهشتهما.

تقدم الشيخ العجوز من نور الحياة وخاطبها قائلا: أيتها الأميرة نور الحياة، إنني أعرف قصتك مع ولدي أمير الياقوت، ولكنك أنت المسؤولة عما حدث لك وله، لأنه ممنوع عليه أن يذيع سره. ولكني بعد أن رأيت رقصتك الجميلة فإني على استعداد لأن ألبي لك أي رغبة تريدين.
فأجابته الأميرة في توسل: أريد أن تعيد لي زوجي الحبيب.

فقال الشيخ العجوز بصوت ملؤه العطف والحنان: اسمعي يا بنيتي، هل تعدينني بأن تكوني زوجة مطيعة لا تتدخل بشؤون غيرها ولا تسأل زوجها عن سر قصته؟

فقالت نور الحياة على الفور: "أعدك يا سيدي بأن أكون كما رغبت".

وما هي إلا لحظة حتى اختفى الموكب وبقي أمير الياقوت إلى جانب الأميرة نور الحياة.

وهكذا عاشا حياة جديدة كلها سعادة واطمئنان.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:05 AM
الأمير الجبان

يحكى أن ملكا كان يعيش في أحد البلاد الواقعة على مجاري نهر النيل العظيم، حيث يتدفق النهر خلال الغابة الواسعة. وكان لهذا الملك ابن وحيد، اسمه " سامبا ".

كان الملك في شبابه محاربا شجاعا، لكنه الآن أصبح عجوزا. وحين كبر سامبا وأصبح قوياً وسيماً، صار الملك يفخر بابنه الذي عرفه الناس طيبا لطيفا وأحبوه جميعا.

لكن الملك كان قلقا لأن ابنه يخاف من أشياء كثيرة، وعندما كان سامبا صغيرا، كان يجري مسرعا إذا سمع خطوات فيل، ويصرخ إذا شاهد آثار أقدام أسد. وكان الناس يقولون: " إنه لا يزال طفلا، وعندما يكبر سيصبح شجاعاً ولا يخاف من شيء، وسيأتي يوم يعيّنه والده قائدا لجيشه."

وكم شعروا بالفرح عندما جاء هذا اليوم، وتولى سامبا قيادة الجيش. قال الناس: " سوف نعيش في أمان، فإن سامبا قوي يستطيع أن يحمينا من اللصوص، ويدافع عنا."

وكان الأب يتابع في سعادة قوة أبنه ومهارته في أشياء كثيرة. إلاّ أنه ظل قلقاً. فقد كان يرى ابنه يتجنب الاشتراك في الألعاب التي تعرّضه للخطر، كما تبين له أن سامبا لم يكن من بين الأعضاء البارزين في الفريق الذي يخرج للصيد تحت قيادته.

وذات صباح، استيقظ الناس فوجدوا اللصوص قد سرقوا مواشيهم وأغنامهم وأخذوا بعض الرعاة عبيداً لهم. وبحث الناس عن سامبا ليسترد لهم الرعاة والحيوانات، لكنهم لم يجدوه. لقد اختفى.. وكان على الملك رغم كبر سنه، أن يركب فرسه، وأن يتقدم على رأس المحاربين ليقاتل اللصوص، ويسترد ما سرقوه .

وبعد عدة أيام، ظهر الأمير سامبا، وأخذ يردد قصة يحكي فيها كيف خاطر بحياته وهو يطارد أسداً كبيراً في الغابة. وقال إنه قتل الأسد، لكنه كان أسدا ثقيل الوزن جدا، لذلك لم يستطع حمله وإحضاره معه. لكن الناس لم يصدقوا هذه القصة.

قال أحدهم: " لماذا اختفى سامبا في هذا الوقت بالذات؟ إنه جبان "!. وسرعان ما ترددت هذه الكلمات بين الناس. وكان سامبا يسمعها أينما ذهب، والأطفال يصيحون خلفه في سخرية عندما يشاهدونه في الطريق. حتى أن أباه لم يعد يعطف عليه بسبب جبنه وخوفه ..

لم يستطع سامبا أن يتحمل كل هذا، فاستيقظ في صباح أحد الأيام وركب حصانه الأسود وقد عقد العزم على الذهاب إلى بلد لا يعرف شعبه الحرب ولا العنف.

كانت رحلة شاقة، لازم الفزع فيها سامبا. ففي النهار كان الخوف يقلقه خشية أن يقابل لصوصاً أو أعداء، وفي الليل لا يستطيع النوم خشية أن تهجم عليه الحيوانات المفترسة.

وبعد أن عانى سامبا كثيراً المخاوف الرهيبة، وصل إلى مدينة عظيمة، ترتفع أسوارها إلى جوار النهر.

استعاد سامبا مظاهر النبل والسلطان، ودخل عبر بوابات سور المدينة وهو يركب فرسه في عظمة ومهابة. ومرّ أمام القصر الملكي، وقد رفع رأسه في اعتداد. وبينما كانت بنت الملك تتطلّع من نافذتها، رأت الغريب الوسيم يمر من أمام القصر, فقالت لخدمها: " اذهبوا تعرفوا على هذا الفارس الشجاع، الذي لم يسبق أن رأيت من يماثله في الوسامة والقوة.."

عاد أحد أتباعها بعد قليل, وقال :" أيتها الأميرة العظيمة، إنه الابن الوحيد لملك عظيم." فقالت له : " عد إليه وادعه لمقابلتي."

رأى سامبا الأميرة الجميلة، فأعجب بها كما أعجبت به. وطلبت الأميرة إلى والدها أن تتزوج سامبا رغم أنها رفضت قبله ملوكا وأمراء كثيرين. ونظرا لأن الأميرة كانت الابنة الوحيدة لأبيها، فقد وافق على هذا الزواج.

تزوج سامبا من الأميرة في احتفالات عظيمة، وكان سامبا زوجا محبا ذكيا وعاش مع زوجته في سعادة وهناء.

كانت الأميرة فخورة بزوجها القوي الوسيم، وملأتها الرغبة في أن يكون زوجها محبوبا بين شعبها كما تحبه هي وتقدره. وفي يوم من الأيام قالت لزوجها: " منذ زمن بعيد لم يهاجم الأعداء بلدنا، إذا جاءوا لتهديد أمننا فسأشعر بالفخر الحقيقي حين أراك يا زوجي الحبيب وأنت تقود شعبنا في المعركة، ولتتغنّى المدينة بأعمالك وبطولاتك."

ونظرت الزوجة إلى زوجها وعيناها تلتمعان بالحماس، لكن البريق اختفى من عينيها عندما رأت زوجها يتراجع في فزع إلى الخلف، ويقول لها محذرا: " لا تتكلمي ثانية في هذه ألأمور، لقد تركت بلدي حتى أتجنب وحشية المعارك ورؤية الدماء، وإذا طاردتني الحروب هنا، فسوف أترك هذه المدينة أيضا إلى الأبد."

ظنّت الأميرة أن زوجها يمزح، فقد كان من المستحيل أن يتصور إنسان أن فتى قويا ذكيا مثل سامبا يخاف من المعارك. لكن الأميرة أحست أخيرا من نظرات سامبا، أن زوجها لا يمزح...!!!

لم يمض وقت طويل، حتى أغار لصوص من الأعداء على المدينة خلال الليل، وقتلوا الرعاة، وسلبوا عدداً كبيراً من قطعان الماشية. وعند اكتشاف الخسارة عند الصباح، أمر الملك بقرع طبول الحرب، وبأن يتولى الأمير سامبا زوج ابنته قيادة المعركة، فارتفعت هتافات المقاتلين مرحبة بذلك القرار. لكن سامبا لم يسمع هتافاتهم، فقد اختفى عن الأنظار وبحثت عنه زوجته الأميرة، فوجدته مختبأً في أحد مخازن القصر المظلمة. وحاولت كثيرا أن تجعله يترك مخبأه، ويأخذ مكانه في مقدمة القوات، لكنها فشلت في إثارة خوفه على شرفه، وجعله يشعر بالخجل من نفسه، وحذرته من الخطر الذي سيلحق به إذا علم الشعب بما يملأ نفسه من مخاوف. ومع ذلك لم تستطع أن تجعل سامبا يركب حصانه ليقود المعركة.

أخيرا طلبت سلاحه، فلم يجد مفراً من تنفيذ طلبها، فنزع عن صدره الدرع الذهبية الجميلة المرصعة بالأحجار الكريمة، فثبتتها حول صدرها، ثم ناولها سيفه وقوسه وسهامه. وعندما وضعت الأميرة الخوذة فوق رأسها، وأنزلت مقدمتها على وجهها، أصبح واضحا أن أحدا لن يستطيع اكتشاف حقيقتها، خاصة أثناء انشغال الجميع بالقتال.

خرجت الأميرة تسير بخطى ثابتة إلى فناء القصر، ثم قفزت على ظهر حصان زوجها الأسود وانطلقت كالرعد من بوابات المدينة على رأس المقاتلين. ولم يكن من الصعب هزيمة المعتدين واسترداد كل ما سرقه اللصوص.

عادت الأميرة المنتصرة إلى غرفتها مباشرة حيث كان سامبا ينتظرها في قلق، لكنها لم توجه إليه كلمة لوم أو عتاب، بل قالت له: " ساعدني في نزع هذه الدرع." ثم طلبت إليه أن يرتديها بسرعة وأطاعها سامبا بغير مناقشة، ثم ذهبت معه إلى الشرفة الخارجية، التي تجمّع تحتها الناس.

واستقبلته الهتافات المدوية من أفراد الشعب المتحمسين لبطلهم وقائدهم الجديد. وابتسم لهم سامبا، لوّح لهم بيده، لكنه لم يقل شيئا ولم يعرف أحد أن الأمير سامبا لم يكن هو الذي قادهم إلى النصر.

إلا أن شقيق الأميرة الأصغر كان يشعر أن شقيقته هي التي قادت المعركة. وعندما أخبر أخوته بشكوكه، ضحكوا من تصوراته، لكنه قال: " إذا جاء المعتدون ثانية، سأثبت لكم صحة ظنوني. سوف أحاول أن أترك علامة خاصة على القائد."
غضب المعتدون اللصوص لهزيمتهم، وجمعوا حولهم عدداً أكبر من رجال العصابات، وعادوا للهجوم مرة أخرى على المدينة. ورفض سامبا مرة ثانية أن يقود قواته، وترك زوجته تقود المحاربين إلى المعركة وهي متخفية في درعه.

وعندما خرجت لتركب حصان زوجها، راقب شقيقها الأصغر طريقة مشيها، فبدت شكوكه تتزايد، ولكي يكتشف الحقيقة ويتأكد تماما، اقترب من أخته في أثناء المعركة وأصابها بجرح صغير في ساقها.

كانت المعركة حامية جدا، فلم يكن لدى الأميرة وقت لتفكر في الألم. لكن عندما عادت إلى القصر أحست بالضعف والألم بسبب الدم الذي فقدت، ومع ذلك قالت لسامبا وهو يرتدي الدرع التي كانت ترتديها:" إنه مجرد جرح بسيط في ساقي، والناس ينتظرونك لتحيتك. ولكن قبل أن تخرج إليهم أجرح ساقك في رفق في المكان نفسه، حتى لا يشك أحد في أنك أنت الذي كنت تقود الرجال في المعركة." فانتفض سامبا وقال في فزع: " ماذا؟ أجرح نفسي؟ لا يمكن..لا أستطيع... هذا هو السبب الوحيد الذي يبعدني عن المعركة."

تنهدت الأميرة في أسى ولم تقل شيئا، لكنه في اللحظة التي استدار فيها الأمير ليخرج إلى الشرفة، انحنت بسرعة وجرحته برمحه في ساقه المكشوفة. وبينما كان يصرخ، غطت الأميرة جرحها، وأسرعت تنادي طبيب الملك ليعالج ألأمير الجريح .
وفي الحال، انتشرت بين الناس أخبار إصابة سامبا. وظل الناس يذهبون إلى باب القصر يسألون عن أخبار قائدهم الشجاع.

قال أكبر الأخوة لشقيق الأميرة الأصغر: " لعلك تأكدت الآن أن سامبا هو الذي قاد المعركة فعلا، وحقق لشعبنا النصر، وأنك كنت مخطئا في ظنك."

شعر شقيق الأميرة الأصغر بالحيرة، وعندما دخل الحجرة التي كان يرقد فيها سامبا وهو يئن، وجد أنه لا يستطيع الشك في الدليل الذي يراه أمام عينيه.

وبعد يومين، تجمعت كل عصابات الأعداء مع زعمائها، وعادت إلى مهاجمة المدينة للمرة الثالثة، وكلهم يأملون أن تكون عودتهم السريعة المفاجئة سبباً في إحراز نصر سريع على أهل المدينة غير المستعدين لملاقاتهم.
وعندما دوت طبول الحرب، نهضت الأميرة وذهبت إلى زوجها وقالت: " سامبا... إن جرحي أسوأ مما كنت أظن ولم أعد أقوى على السير، سيكتشف المحاربون مرضي عندما أحاول ركوب الحصان أمامهم فلا أستطيع. لا يمكنني هذه المرة أن أحلّ مكانك. يجب أن تذهب بدلا مني."

تنهد سامبا وقال: " إن الملك له ثلاثة أبناء. ألا يقدر واحد منهم أن يقود المعركة ؟ " فأجابت الأميرة: " إنهم صغار السن، ولن يطيعهم الرجال."

صاح سامبا: " لن أستطيع الذهاب!! "

قالت الأميرة: " إذن ارتد درعك واركب حصانك واخرج مع الرجال وسألحق بك عند حافة الغابة من أقصر طريق، وهناك نستبدل أماكننا."

وافق سامبا على هذه الخطة، فقد كان على استعداد لأن يفعل أي شيء ما دام لا يعرضه للخطر. ولكن ما أن جلس سامبا على سرج حصانه، حتى ضربت الأميرة الجواد بالسوط ضربة قوية، فانطلق كالريح خارجا من أبواب المدينة، وخرج خلفه كالسهم كل المحاربين، وبعد لحظة، كان الأمير وسط المعركة.

ولأول مرة وجد سامبا نفسه محاطا بالخطر. كانت السيوف تلمع عن يمينه ويساره... تضرب وتقاتل، والحراب من أمامه ومن خلفه... تطعن وتدافع. وكان لا بد أن يقاتل من أجل حياته..
وهكذا حدثت المعجزة .... لقد وجد سامبا شجاعته حين أيقن أنه لا مفر من أن يقاتل. واكتشف أن الشيء الذي كان يخشاه هو الخوف نفسه! وعندما وجد نفسه يقاتل من أجل حياته، نسي الخوف، وتغلب على نفسه، وانهال بسلاحه على أفراد عصابات اللصوص من حوله، تساعده قوته البدنية الهائلة، وأخذ أفراد اللصوص يفرون من أمامه.

انتشرت بسرعة أخبار شجاعته وبطولته، فألهمت رجاله الجرأة والتصميم على النصر، بينما نشرت الرعب والفزع في نفوس الأعداء.

انقضت المعركة، وانتهت ليس بهزيمة اللصوص فقط، بل بالقضاء عليهم حتى لا يعودوا مرة أخرى .....

استقبله الملك بنفسه عند بوابة القصر. وبينما كان سامبا يضع غنائم النصر الثمينة عند قدمي الملك، صاح الملك: " يا بني... كم أنا فخور بك. كيف أستطيع أن أعبّر عن شكري لشجاعتك وتضحياتك دفاعا عن شعبي؟ إنني مدين لك بالعرفان لأنك قضيت على أعدائنا قضاء نهائيا."

قال سامبا الذي وجد أخيرا شجاعته: " في الحقيقة أنت لست مدينا لي بشيء، إنما أنا المدين.... مدين بكل شيء لابنتك الأميرة، زوجتي العزيزة لأنها حولت رجلاً جباناً إلى قائد شجاع، وجعلته يحرز انتصارين هذا اليوم.... ألانتصار الأول على نفسه... والانتصار الثاني على أعداء الشعب......

بلال نعيم
08-05-2009, 11:06 AM
العصفور والأرنب والقط الصوام

قال الغراب: كان لي جار من العصافير في سفح جبلٍ، وحجره قريب من الشّجرة التي فيها وِكرِي. فكان يكثر التقاؤنا ومواصلتنا. ثم غاب وطالت غيبته حتّى ظننتُ أنّه قد هلك. فجاءت أرنب إلى مكان العصفور ولبثت في ذلك المكان زمانًا، ثم إنّ العصفور رجع إلى مكانه. فلمّا وجد الأرنب فيه، قال: هذا مكاني فانطلقي عنه.
قالت الأرنب: المَسكن في يديّ وأنتَ المُدّعي، فإنّ كان لك حق فاشتك عليّ.
قال العصفور: المكان مكاني، ويمكنني إثبات ذلك.
قالت الأرنب: نحتجّ إلى القاضي.
قال العصفور: إنّ قريبًا منا على شاطئ البحر قطًا مُتعبّدًا يُصلّي النّهار كلّه، لا يؤذي دابةً ولا يريق دمًا ويصوم الدّهر ولا يفطر، عيشه من العشب وورق الأشجار. فاذهبي اللّيلة إليه لأحاكمك.
قالت الأرنب: نعم..
فانطلقا كلاهما وتبعتهما لأنظر إلى الصّوام العابد الزّاهد وإلى قضائه بينهما. فلمّا صارا إلى القط، قصّا عليه قصتهما.
فقال القطّ: أدرَكَني الكبر وضعف البصر وثقلت أذناي فما أكاد أن أسمع، فادنوا مني فأسمعاني عن قرب.
فأعادا القصة، فقال: قد فهمتُ ما قصصتما وأنا أبدأ بنصحكما قبل القضية. فلا تطلبا إلاّ الحق. فإنّ طالب الحق هو الذي يفلح وليس لمخلوقٍ من دنياه شيء إلاّ عمل صالح قدّمه. وصار يقصّ عليهما القصص ويقدم لهما من النصائح حتى استأنسا به وأخذا يدنوان منه، ولمّا صارا قريبين منه وَثَب عليهما فضمهما إليه فقتلهما كليهما.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:08 AM
الغراب والحمامة والجرذ

زعموا أنّه كان في أحد البلدان مكان كثير الصّيد يتصيّد فيه الصيّادون، وكان في ذلك المكان شجرة عظيمة كبيرة الغصون ملتفّة الورق وكان فيها وكر غراب.
وبينما كان الغراب ذات يومٍ على الشّجرة إذ أبصر رجلاً من الصيادين، قبيح المنظر سيىء الحال على كتفه شبكة وفي يده عصا، مُقبلا نحو الشّجرة. فذعر منه الغراب وقال: لقد ساق هذا الرجل إلى هذا المكان أمر، فسأنظر ماذا يصنع.
أقبل الصّياد فنصب شبكته ونثر حبّه وكمن في مكانٍ قريبٍ.. فلم يلبث إلاّ قليلاً حتّى مرّت به حمامة، يُقال لها المطوّقة، وكانت سيدة حمام كثير وهُنّ معها. فأبصرت المطوقة وسربها الحَب ولم يبصرن الشّرك (الشبكة) فوقعن فيها جميعًا. ثم أقبل الصّياد إليهن مسرعًا فرحًا بهنّ.
وانفردت كلّ حمامةٍ منهن عن ناحيتها تعالج نفسها لتفرّ، فقالت لهن المُطوّقة: "لا تتخاذلن في المعالجة ولا تكنّ نفس واحدة منكنّ أهمّ إليها من نفس صاحباتها. فلنتعاون جميعًا لعلّنا نقتلع الشّرك فينجي بعضنا بعضًا".
ففعلن ذلك واقتلعن الشّرك فطرن به في السماء وتبعهن الصّياد وظنّ أنّهن سيتعَبن بعد قليلٍ لثقل الشّرك فيقعن.
فقال الغراب: "سأتبعهن حتّى أعرف ما يصير إليه أمرهنّ وأمر الصّياد". http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story49.gif
ورأت المطوّقة الصياد يتبعهن. فقالت لصواحبها: "إنّ الصّياد جادّ في طلبكن، فإن طرتن في الفضاء لن تخفين عليه، ولكن توجّهن إلى الخير والعمران فإنه لن يلبث أن يخفى عليه مكانكن فييأس منكن وينصرف. وأنا أعرف مكانًا قريبًا من العمران والرّيف فيه جحر جرذ وهو صديق لي، فلو انتهينا إليه قطع عنّا هذا الشرك وأراحنا من شره".

فتوجّهن حيث قالت المطوّقة، فخفين على الصياد ويئس منهن وانصرف. أما الغراب فلم ينصرف، بل أراد أن ينظر حيلتهن التي سيحتلنها للخروج من الشرك فيتعلمها وتكون له عدّة لأمر إن كان.
ولمّا وصلت المطوّقة بهنّ إلى حجر الجرذ، أمرت الحمام بالهبوط، فهبطن، ووجدن حول الجرذ مئة ثقب أعدّها للمخاوف، وكان مجرّبا للأمور داهية.
نادته المطوّقة بإسمه، فسألها الجرذ: "من أنتِ؟"
قالت: "أنا صديقتك المطوّقة". فأقبل إليها مسرعًا. فلمّا رآها في الشّرك، قال لها: "ما أوقعك في هذه المشكلة وأنتِ من الذّكيات؟"
قالت المطوقة: "أنتَ لا تعرف ما يفعل الجهل في عقل المرء؟ لقد أوقعني الغباء في هذه المشكلة، وهو الذي رغّبني في الحَب وأعمى بصري عن الشّرك حتّى وقعتُ فيه أنا وأصحابي. وليس أمري وقلّة امتناعي عن مصائب الدهر بعجيب، فقد لا ينجو منها مَن هو أقوى منّي وأعظم شأنًا. فقد تصطاد الحيتان في البحر ويصطاد الطّير في الهواء".
أخذ الجرذ بقرض العقد التي كانت فيها المطوّقة. فقالت له المطوقة: "إبدأ بعقد صواحبي ثم أقبِل على عُقَدي". فأعادت عليه القول مرارًا. كلّ ذلك والجرذ لا يلتفت إلى قولها. ثم قال لها: "قد كرّرتِ هذا الكلام عليّ مرارًا كأنّك ليست لك بنفسك رحمة، ولا ترين لها حقًا".
فقالت المُطوّقة: "لا تلمني على ما أمرتك به، فإنّه لم يحملني على ذلك إلاّ أنّي تكلّفتُ الرّئاسة على هؤلاء الحمام، فلذلك لهن عليّ حق، وقد أدين لي حقّي في الطاعة والنّصيحة، وطاعتهن ومعونتهن نجّانا الله من صاحب الشّرك. وتخوّفت إن أنتَ بدأتَ بقطع عقدي أن تملّ وتكسل عند فراغك من ذلك عن بعض ما بقي من عُقَدٍ لهن. وعرفتُ أنّك إن بدأت بهنّ وكنتُ أنا الأخيرة أنّك لا ترضى وإن أدركك الفتور والملل، لن تدع معالجة قطع وثاقي عنّي".
قال الجرذ: "وهذا ما يزيد أهل المودّة لك والرغبة فيه رغبةً وودًا".
ثم أخذ الجرذ في قرض الشّبكة حتى فرغ منها، وانطلقت المطوّقة وحمامها إلى مكانهنّ راجعات آمنات.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:08 AM
انتصار أبي صير


علمنا في قصة " غدر أبي قير" أن قاضي الإسكندرية حكم بإقفال مصبغة أبي قير لسوء معاملته ، فلجأ أبو قير إلى جاره الحلاق أبي صير فأكرمه وساعده .

وعلمنا أن أبا صير كان يحلق شعر ركاب السفينة التي سافر عليها مع جاره الحلاق وكان يقتسم معه كل ما كان يكسبه من مال وطعام .

وعندما نزلا من السفينة، انصرف أبو صير إلى عمله في الحلاقة، إلى أن تعب ومرض من كثرة العمل.

وعلمنا أن أبا قير سرق نقود رفيقه وتركه مريضا ، وأنشأ مصبغة كبيرة .

وبعد أن شفي أبو صير من مرضه ، أراد أن يزور مصبغة أبي قير ، ولكن أبا قير طرده من المصبغة.

فماذا حدث بعد ذلك؟

عاد أبو صير إلى غرفته حزيناً. وفي اليوم التالي، شعر أنه في حاجة إلى الاستحمام بالماء الساخن ليعود إليه النشاط ، فخرج من غرفته ، وأخذ يسأل عن حمام عام يستحم فيه أهل المدينة، فأخبره الناس الذين سألهم، أنه لا يوجد في بلدهم مثل هذه الحمامات .

عندئذ ، خطرت لأبي صير فكرة ، وأراد أن يحققها ، فتوجه إلى قصر السلطان وطلب مقابلته . فلما دخل عليه قال له : " أيها السلطان العظيم ، إن الناس في بلدي كانوا يأتون إلى دكاني فأحلق لهم شعرهم ، ثم يذهبون إلى أحد الحمامات العامة ، فيستحمون بالماء الساخن ، ويفركون أجسامهم بالليف والصابون ، وهكذا يشعرون بالنظافة والنشاط. وإن الله قد أمرنا بالنظافة لأنها تساعد على بقاء الجسم صحيحا من الأمراض.فهل تسمح لي، أيها السلطان الكريم ، بأن أدير حماما عاما .

استحسن السلطان فكرة إنشاء الحمام ، وأمر أتباعه بتحضير كل الأشياء اللازمة التي يطلبها أبو صير ، لإقامة هذا الحمام .
وبعد أن تم تحضير كل شيء ، وأصبح الحمام جاهزا ، حان يوم الافتتاح، وجاء السلطان والوزراء ليشاهدوا دارا للاستحمام لم يشاهدوا مثلها في بلدهم من قبل . لقد أعجب السلطان بالمياه الساخنة المتدفقة من ثقوب في الجدران، وأعجب بالبخار المتصاعد في أرجاء الحمام .
وبعد الاستحمام شعر السلطان براحة ونشاط، فكافأ أبا صير بكيس من الذهب ، وقدم له الوزراء والمرافقون هدايا مختلفة.

وبعد أيام قليلة، أصبح حمام أبي صير حديث الناس في بيوتهم ودكاكينهم . وزاروه واستحموا فيه واستحسنوه، كما يستحسنون كل شيء جديد مفيد. وأصبح له شهرة واسعة في كل أحياء المدينة.

كان أبو صير يدير عمله في أمانة وإخلاص ويخدم زبائنه كأنه صديق لهم. ونجح أبو صير وأصبح لديه مال كثير. ولكن النجاح والمال لم يجعلاه يغيّر من أخلاقه الفاضلة، فظل لطيفا، متواضعا، طيب القلب.

وأحبه الجميع وكثر أصدقاؤه . وكان من بين هؤلاء الأصدقاء قائد حرس السلطان. وكان أبو صير يعتني به كلما حضر للاستحمام ، ويحيطه بالإكرام ، ولا يأخذ منه أجراً .

وكان قائد الحرس يشكر أبا صير ويقول له: " أرجو أن أتمكن في يوم من الأيام ، من أن أخدمك خدمة كبيرة، لأرد لك بعض ما فعلت نحوي من معروف وإكرام" .

وفي يوم من الأيام ، بينما كان أبو صير منصرفاً إلى عمله في الحمام بجد ونشاط ، فوجئ بأبي قير ، الصباغ الخبيث، يدخل عليه وهو يبتسم ، كأنه لم يقم بأي عمل سيئ تجاه أبي صير.
نسي أبو صير سيئات الصباغ كلها ، واستقبله استقبالا عاديا كما يستقبل أي زائر من الزائرين.

اعتذر أبو قير له عن الإساءات التي سببها له وطلب إليه أن يعفو عن الماضي ، لأنه نادم على ما فعل ، ووعده بأن يكون له صديقاً وفياً طول العمر .

عفا أبو صير عنه، ودعاه إلى الاستحمام عنده كضيف عزيز. وبعد الاستحمام ، جلس الاثنان يستعيدان الأيام الماضية، من "الإسكندرية"، إلى رحلة السفينة، إلى القدوم إلى هذا البلد، وكيف أصبح كل منهما صاحب عمل كبير، ومال كثير.

وهنا قال أبو قير لزميله: " إذا أردت أن يزداد حمامك شهرة وفائدة ، فخذ مني أسماء هذه الأنواع من الدهان والأدوية ، وتعلّم مني كيف يتم مزج كميات منها ، حتى تحصل على مزيج جديد ، طيب الرائحة، يجعل الجلد لينا ناعما . وإني أنصحك أن تدهن به جسم السلطان عندما يحضر للاستحمام ، فسيكون الارتياح والإعجاب بهذا المزيج ، وسيكافئك على ذلك".

وودع أبو قير أبا صير ، ووعده بأن يزوره كلما سنحت له الفرصة .

صدق أبو صير الطيّب ، كلام أبي قير ، واشترى أنواع الدهان والأدوية التي حددها له ومزجها ، واستخرج منها مزيجا جديدا وضعه في قارورة خاصة ، واحتفظ بها استعدادا لزيارة السلطان المقبلة .

لما تأكد أبو قير بأن أبا صير قد هيأ المزيج الذي وصفه له ، تابع تنفيذ خطته الشريرة ضد أبي صير. فذهب إلى السلطان وأخبره بأنه علم بأن أبا صير قد أعد مؤامرة لقتله ، وأنه اشترى المواد السامة ومزجها لكي يدهن بها جسم السلطان عندما يزور الحمام .

غضب السلطان على أبي صير ، وأراد أن يتأكد من أن كلام أبي قير صحيح ، فتوجه مع أفراد حرسه إلى الحمام . وبعد أن استحم بالمياه الساخنة ، أحضر أبو صير قارورة المزيج ، وطلب إلى السلطان أن يأذن له بتدليك جسمه بهذا المزيج الذي يفيد الجلد ويكسب الجسم صحة ونشاطا . عندئذ ، هز السلطان رأسه وأشار إلى حرسه بأن يقتادوا أبا صير إلى السجن.

حمل الحرس أبا صير المسكين بعد أن ضربوه ضرباً شديداً ، وهو لا يدري سبب ذلك.

حزن أبو صير، وتساءل في نفسه وهو في السجن : " ماذا فعلت من سوء حتى ألقى هذا الجزاء "؟

أمر السلطان قائد الحرس بأن يضع أبا صير في كيس مملوء بالحجارة الثقيلة ، ويحمله في قارب إلى وسط البحيرة التي يطل عليها قصر السلطان . عندما يتلقى القائد إشارة من السلطان يرمي الكيس في الماء. وعندما ذهب قائد الحرس ليجلب أبا صير من السجن ، وينفذ أمر السلطان ، وجد أبا صير حائرا ، وكان يحاول أن يتذكر عملا سيئا قام به، فلم يجد ذنبا يستحق العقاب والسجن .

قال لقائد الحرس في حزن وألم : " يا سيدي ، ماذا فعلت لكي يأمر السلطان بسجني وقتلي . إن أهل المدينة يحبونني وقد خدمتهم بأمانة وإخلاص " . فلما أخبره قائد الحرس خبر المزيج السام ، أقسم له أبو صير أنه بريء مما نسب إليه ، وأنا أبا قير الغشاش هو الذي أشار عليه بصنع هذا المزيج .
وأدرك قائد الحرس أن أبا صير صادق في كلامه ، وأن أبا قير خدعه ، فرق قلبه ، وأشفق عليه ، وعزم على أن ينقذ حياته. واتفق معه على أن يرسله إلى جزيرة بعيدة ومنها يركب سفينة إلى الإسكندرية، المدينة التي جاء منها. وفي الوقت نفسه يقوم قائد الحرس بتنفيذ أمر السلطان ويلقي في البحيرة كيسا مليئا بالحجارة .

وفي الوقت المحدد، أشار السلطان من نافذة القصر، فقام قائد الحرس وألقى الكيس في البحيرة. وهكذا اعتقد السلطان أن أبا صير قد غرق في الماء.

ولكن شيئا مفاجئا حدث عندما أشار السلطان بيده ، لقد سقط الخاتم العجيب من إصبع السلطان في ماء البحيرة وضاع .

حزن السلطان حزنا شديدا لضياع خاتمه . وكان لهذا الخاتم قوة عجيبة ، ويكفي أن يحركه من يلبسه في إصبعه ، حتى يشع منه شعاع خارق يهلك أي إنسان يوجه إليه . وكان أتباع الملك يتحدثون بخوف عن قوة هذه الخاتم الخارقة.

لم يخبر السلطان أحدا بما حدث خوفاً من أن يعرف الناس أن السلطان أصبح من غير خاتم، فيتفرقوا من حوله ، ويعصوا أوامره .

أما أبو صير فقد نجا من الموت ، حسب الخطة التي نفذها قائد الحرس . وعاش في الجزيرة في انتظار السفينة التي ستنقله إلى مدينته ، " الإسكندرية " .

كان أبو صير يقضي وقته في الجزيرة في البحث عن أي شيء يأكله ليعيش . ووجد أن صيد السمك هو أسهل الأشياء لتأمين طعامه ، فكان يذهب في الصباح إلى شاطئ البحيرة ، ولا يعود إلا بعد أن يصطاد ما يكفيه من الطعام .

وفي صباح يوم جميل ، اصطاد أبو صير سمكة كبيرة . وبينما كان يقطعها ليشويها على النار ، وجد في جوفها خاتما جميلا ، فأخذه ووضعه في إصبعه .

في هذا الوقت ، شاهد أبو صير قاربا من قوارب الصيد يقترب من الشاطئ ، وعليه ثلاثة صيادين ومعهم كلب أسود . وما كاد أبو صير يرفع يده للسلام عليهم ، حتى انبعث من الخاتم شعاع مضيء ، أصاب الكلب الأسود ، فسقط ميتا على الفور .

ذهل الصيادون الثلاثة لموت الكلب الوفي ، وكان ذهول أبي صير أكبر ... عندئذ ، رأى أبو صير قارباً آخر عليه قائد حرس السلطان الذي أنقذ أبا صير من الموت . لقد جاء يحمل إليه الطعام .

واقترب القارب من الشاطئ ، فأسرع إليه أبو صير مسرورا ، شاكرا له ما يفعله من أجله .

لما روى أبو صير لقائد الحرس قصة الخاتم الذي وجده في قلب السمكة ، وموت الكلب الذي كان مع الصيادين ، حذّره القائد من هذا الخاتم وقال له : " شكرا لله لأني جئت في الوقت المناسب لأبين لك خطر هذا الخاتم الذي يهلك كل إنسان أو حيوان يصيبه شعاعه .

طلب أبو صير إلى قائد الحرس أن يصحبه إلى السلطان لكي يعيد إليه خاتمه العجيب ، ويحكي له قصة أبي قير معه وخيانته، فافق قائد الحرس على ذلك ، وعاد من الجزيرة بعد أن اصطحب معه أبا صير .

دخل أبو صير على السلطان ، ففوجئ به. ولكن قبل أن يتكلم السلطان ، كان أبو صير يقدم إليه الخاتم العجيب. فرفع السلطان يديه إلى السماء وشكر الله الذي أعاد إليه خاتمه . ثم أخبره أبو صير قصته الكاملة مع أبي قير ، وكيف كان الصباغ يقابل الخير بالشر ، والأمانة بالخيانة ، والصدق والوفاء بالكذب والغدر .

نادى السلطان بعض حرسه وأمرهم بإحضار الصباغ الخائن .

ولما أحضر الحرس أبا قير بين يدي السلطان، وتأكد السلطان من صدق أبي صير ، أمر بوضع أبي قير في كيس وإلقائه في الماء حتى يغرق أمام عينيه ، ليتأكد من الخلاص منه . وفعل الحرس ما أمرهم به السلطان .

أكرم السلطان أبا صير وطلب إليه أن يظل عنده معززاً مكرماً. لكن أبا صير كان قد اشتاق إلى العودة إلى أهله ، فطلب إلى السلطان أن يسمح له بالعودة إلى "الإسكندرية " .

وافق السلطان على طلب أبي صير ، وأعطاه الهدايا الكثيرة . ولما مرت سفينة في ميناء المدينة حملته مع الهدايا إلى بلده. وقد ودع الجميع أبا صير ، بالإكرام والاحترام ، وهم يذكرون صدقه وأمانته وإخلاصه ، ويتحدثون عن انتصاره على غدر رفيقه أبي قير ...

بلال نعيم
08-05-2009, 11:10 AM
الأمير بهلول

في قديم الزمان كان ملك يعيش في قصر فخم مع ابنته الأميرة التي كانت جميلة جداً، شعرها في لون الذهب الصافي وعيناها زمردتان براقتان، وأسنانها لآلئ نفيسة، وقامتها ممشوقة. وكان الناس ينظرون إليها بإعجاب. لكنها كانت تتصف إلى جانب هذه الملاحة بصفة بشعة جدا... كانت معجبة بنفسها، متكبّرة، لا يعجبها شيء، ولا يرضيها إنسان.

أراد عدد من الأمراء أن يتزوجوها، لكنها لم ترض بواحد منهم، ورفضتهم جميعاً. فلهذا الأمير ساقان طويلان، ولذلك النبيل بطن ضخم يمشي أمامه، ولذلك الفارس أنف أفطس، وللرابع عينان صغيرتان كعيني الثعلب، وللخامس صوت يصمّ الآذان... وكان الحاضرون يضحكون عند سماع أقوالها، فيستحي الأمراء والنبلاء وينسحبون من القصر غاضبين.

كان من بين هؤلاء الأمراء أمير واسع الغنى، قوي النفوذ، اسمه بهلول وكان يعتقد أنها ستقبل به زوجاً لأنه كامل الخصال، جميل الصورة، شجاع، كريم. إلا أن الأميرة رفضته.... وأدارت ظهرها وعادت إلى غرفتها وتركت الأمير في حالة من الخجل الشديد أمام الآخرين.

غضب الملك من تصرف ابنته التي حقّرت الأمراء والنبلاء أمام رجال البلاط وجعلتهم أعداء له بعد أن كانوا أصدقاءاوحلفاء.... لذلك قرّر الملك أن يؤدّب الأميرة المتكبرة، بأن يزوجها أول متسول يأتي القصر.

بعد أيام، دخل القصر عازف قيثارة، وعزف أمام الملك والحاشية معزوفات جميلة، وطلب حسنة من الحاضرين، فنادى الملك ابنته وقال للعازف الفقير: أهبك إبنتي زوجة لك، خذها إلى بلادك، وسافر الليلة دون تأخير، واسع في جهدك للتغلب على كبريائها.... http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story7.gif
هكذا أرغمت الأميرة على مغادرة قصر أبيها، وعلى إتباع زوجها إلى بلاده البعيدة. سارت طويلا مشيا على الأقدام، لأن العازف المتسوّل لا يملك جوادا ولا بغلا ولا حمارا تركبه... وتعثرت في مشيها، وتمزّق حذاؤها، وسقطت في بعض الحفر، وكان زوجها يطلب إليها أن تسرع في سيرها. ومرت في طريقها بغابات لا يبلغ النظر آخرها . فسألت زوجها: " من صاحب هذه الغابات الواسعة الغنية ؟ "

" كل ما ترين هو ملك الأمير بهلول."

شعرت بغصة في حلقها، وأسفت على رفضها الزواج من الأمير الغني عندما تقدم طالباً يدها من الملك.

سارا ساعات وساعات، وأياما بلياليها، وكلما حاولت أن تتوقف لتستريح كان زوجها يدفعها أمامه ويقول: " إنك زوجة عازف مسكين... عليك أن تتعودي العذاب والشقاء... عجّلي... عجّلي.... لا أحب الكسل."

كانت المسكينة تسير، وقد ضعفت قوتها، وتقرّحت قدماها الناعمتان، وغطّى الغبار وجهها الجميل، وامتلأت عيناها بالدموع.

مرّا بحقول قمح واسعة، فسألت زوجها عن صاحب هذه الحقول، فقال: " كل هذه الحقول هي ملك الأمير بهلول."

تحسّرت الأميرة وندمت على فعلها بالأمير بهلول، وقالت لنفسها: ارتكبت ذنبا لا يغتفر عندما رفضت أن أكون زوجة له ... لو تزوجته لكانت هذه الحقول لي.

سارا في الحقول والغابات، وأقدامها تصطدم بالحجارة وتغوص في الوحول، ووصلا مروجاً خضراء، ترعى فيها قطعان الماشية من ماعز وبقر وغنم، وتسرح فيها الخيول الجميلة. فسألت: ولمن هذه المروج الغنية؟
- كلها بما فيها للأمير بهلول.

تنهدت من أعماق قلبها، وقالت بصوت ظهر فيه التعب: ليتني قبلت به زوجا، لو قبلت لكانت هذه المروج وما فيها من ماشية وخيول ملكي أنا، ولكنت أعيش الآن عيشة هانئة.

تعبت كثيرا، فارتمت على الأرض فوق كومة من التراب، فشدّها زوجها من يدها بقوة وقال لها: " لا أريد أن أسمع اسم هذا الأمير مرة ثانية.. يجب أن تحترميني لأني زوجك."

وبعد مسيرة أيام ثلاثة أخرى، وصلا كوخاً في غابة كثيرة الأشجار, ففتحه وقال لها: " أدخلي هذا بيتنا، وهنا سنعيش..."

تأثرت الأميرة وبكت بمرارة، وطلب زوجها أن تعدّ له طعام العشاء، وكان عليها أن تقطع الحطب وتجمعه من الغابة، وتحمله، وتشعل النار، واحترقت خصلة من شعرها الأشقر.

ولما أعدّت الطعام لم يجده زوجها جيدا لأنه كان محروقا، كثير الملح..

بكت كثيرا.. وأدركها النعاس فنامت وقد أسندت رأسها إلى الحائط.

وفي الصباح أيقظها زوجها، وطلب إليها أن تعتني بشؤون البيت، فأعدّت الطعام، ونظّفت البيت وغسلت ثيابه.

ولما كان العازف فقيراً، أحضر لزوجته خيوطا لتنسجها، ولكن ما عملته كان سيئا فلم يستطع بيعه في السوق. فأنّبها لعدم إتقانها العمل. وأحضر لها في اليوم التالي بعض الأواني الفخارية وطلب إليها أن تذهب بنفسها لتبيعها في السوق. ولم تستطع أن ترفض طلبه. وكانت بعد أن تبيع ما لديها تعود لتقوم بأعمال البيت.

أقبل ذات يوم فارس مسرعاً إلى السوق، فداس فرسه الأواني الفخارية وحطّمها.

فحزنت الأميرة لهذه الخسارة، واضطرت أن تضاعف من عملها. وأرسلها زوجها لتعمل خادمة في مطبخ قصر الأمير. وقضت أياما متعبة في عمل مستمر. وكان الملك يستعد لتزويج ولي عهده، لذلك كان الجميع يعملون في نشاط ...

خرجت من المطبخ لتشاهد ما يعدّ لحفلة الزفاف الكبرى، وتذكرت قصر والدها الكبيروحزنت لشقائها لانها كانت متكبرة سيّئة الخلق .

وفيما هي في أفكارها هذه إذا بولي العهد يقبل إلى الغرفة حيث تقف ... عرفته جيدا إنه الأمير بهلول، فتقدم منها وأمسكها بكتفها، فخافت وحاولت الإفلات منه ...

فقال لها: لا تخافي مني... لقد جرحتني كبرياؤك الجنونية، فقررت أن أعاقبك على سوء تصرفك معي. إن عازف القيثارة الذي تزوج منك هو أنا. وأنا الفارس الذي حطّم الأواني الخزفية في السوق. لقد تنازلت عن كبريائك، ولذلك فأنا أريد أن أحتفل بعرسنا هذا المساء احتفالا كبيرا.."

تعجبت الأميرة والحاضرون مما سمعوا، وأقسمت له الأميرة أنها شفيت تماما من كبريائها.

أدخلها الأمير القصر، وارتدت ثوبا من حرير مطرّزاً بنجوم من ذهب، ووضع الملك على رأسها تاجاً مرصعاً بالجواهر .

دامت حفلات العرس ثلاثة أيام وثلاث ليال، وكانت الأميرة تعامل الجميع بلطف، وصارت جميلة في أخلاقها كما هي جميلة في خلقتها ....

بلال نعيم
08-05-2009, 11:11 AM
بلحُ الشّـاطر حسـن

يُحكى أنّ فتًى ذكيًا شُجاعًا، اسمه "الشاطر حسن"، كان يعيش مع والده التّاجر. وذات يومٍ، عزم الأب على السّفر في رحلةٍ طويلةٍ، فقال لإبنه: "إذا تأخّرتُ في سفري، فاجلس فوق هذا البساط واطلب إليه أن يحملك إلى نخلتين فوق الجبل".
مرّت الأيّام، وطالت غيبة الوالد، ونَفَدَت نقودُ الإبن، فأخذ الشّاطر حسن ما تبقّى في البيت من بيضٍ وخبزٍ، وجلس فوق البساط وقال: "أيّها البساط، احملني إلى النّخلتين فوق الجبل".
ارتفع به البساط في الهواء، وطار ساعاتٍ طويلةً، ثمّ هبط عند نخلتين مُتجاورتين ترتفعان وحيدتين فوق جبلٍ. وتَلفَّت حوله فلم ير غير السّماء وصخور الجبل. وتعجّب لأن أباه اختار له هذا المكان.
لم يجد الشّاطر حسن في الطبيعة من حوله ما يثير الإنتباه. وفي اللّيل، لمّا اشتدّ البرد، تسلّق إحدى النّخلتين، ونزع بعض السّعف الجاف وأشعل نارًا صغيرةً يتدفّأ بها. ثم قرّر أن يتعشّى ويستريح قليلاً، على أن يستكشف المنطقة في الصّباح.
فجأةً، رأى شيئًا يتحرّك ويقترب ناحيته. اتّضح له أنّه رجل أخضر اللّون، أخضر الملابس، يمسك في يده عصًا خضراء. ولما وصل قرب حسن، حيّاه واستأذنه أن يجلس معه قرب النّار، فرحّب به حسن، وشكره الرّجل.
بدأ حسن يعدّ الطّعام ليتعشّى؛ وقدّم بعضه للرّجل، فاعتذر لأن الطّعام قليلٌ. لكن حَسَن قال له: "طعامٌ واحدٌ يكفي اثنين". فأكل الرّجل، وناما بعد العشاء. وفي الصّباح، شَكَر حَسن، وقدّم لهُ قبل أن ينصرف نصيحةً بألاّ يُشعلُ نارًا قرب جذع النّخلتين، وأن يصعد لينام بين السّعف ثم اختفى.
في الصّباح، قضى الشّاطر حسن وقته في ظلّ النّخلتين، وعند الظّهر، صعد فوق إحداهما لينام. وكان ثمرها أصفر لم يكتمل نضجه؛ وأخذ يسوّي لنفسه مكانًا يجلسُ فيه بين سُعف النّخلة.
وفجأةً سمع رنين شيءٍ سقط واصطدم بصخر الجبل. نظر من مكانه فرأى قطعةً ذهبيةً، وتعجّب من أين جاءت، فتحرّك لينزل ويأخذها؛ سمع رنين قطعةٍ أخرى تسقط على الأرض. فأدرك أنّه عندما يتحرّك فوق النّخلة، تسقط على الأرض تلك القطع الذّهبية الثّمينة. فمدّ يده يبحث عن مكان تلك القطع بين سعف النخلة، فاصطدمت يده بشيء مدسوسٍ بين السّعف.
تناول الشاطر حسن ذلك الشّيء فوجده كيسًا كبيرًا من الجلد، تملأه القطع الذّهبية. هنا فهم سرّ نصيحة الرّجل الأخضر. فوضع كيس الذّهب في حزامه، وأمسك البساط العجيب في يده، ونزل من فوق النّخلة.
شاهد أثناء نزوله، عن بُعدٍ، مدينةً. وبعد بضع خطوات عاد إلى النّخلة الثانية فتسلّقها. كان بلحها أحمر لم ينضج بعد، وأخذ يبحث بين السّعف. وفجأة أطلق صيحة فرحٍ وانتصار. فقد عثر، كما توقّع، على كيسٍ جلديٍّ آخر مملوءٍ بقطع الماس النّادر، فأخذه ووضعه في حزامه ونزل واتّجه صوب المدينة.
لمّا اقترب حسن من أسوار المدينة، شاهد حجارةً على هيئة أجسامٍ بشريةٍ، وبالقرب منها إمرأة عجوز تبيع التّرمس. فسألها: "مَن هؤلاء يا خالة؟". أشارت العجوز إلى أكوامٍ مختلفة الحجم من التّرمس، وقالت: "هذا بِقِرش، وهذا بقرشَين، وهذا بثلاثة قروشٍ".
فقال الشاطر حسن: "يا خالة... أنا لا أسألك عن التّرمس. أنا أسألك عن هذه الحجارة التي هي على هيئة النّاس!" أشارت العجوز ثانيةً إلى أكوام التًرمس، وقالت: "هذا بقرشٍ، وهذا بقرشين وهذا بثلاثة قروشٍ".
أخرج الشّاطر حسن قطعة ذهبٍ وأعطاها للعجوز، وقال: "أنا أشتري بهذه القطعة ما أمامك من ترمسٍ.. لكن أرجوك أجيبي عن سؤالي...". فنظرت إليه العجوز وقالت: "ما الذي تسأل عنه؟". قال: "ما هذه الأشكال الغريبة التي تملأ المكان خلفك؟". قالت: "هؤلاء رجال طلبوا الزّواج من الأميرة بنت السّلطان، ولمّا غَلَبَتهم في المصارعة حوّلتهم إلى قطعٍ من الصّخر".
تعجّب الشاطر حسن لدى سماعه هذا الكلام وثار غيظه من الأميرة الشّريرة.
انتظر حسن حتّى حلّ الظّلام، ثم جلس فوق البساط وقال: "احملني إلى غرفة الأميرة". وفي لحظاتٍ كان الشّاطر حسن يطير عاليًا، تخفيه ظلمة الليل عن العيون، مُتّجهًا إلى نافذة الأميرة، إلى أن استقرّ داخل غرفتها.
كانت الأميرة مشهورةً بالجرأة والشّجاعة، فلم تفزع لما رأت الفتى الطّائر يدخل من نافذتها، ووقف حسن أمامها مُبتسمًا.
قالت: "إذا كنت قد جئت تخطبني فلماذا لم تذهب إلى والدي؟". تأمّل الشّاطر حَسَن جمال الأميرة، ثم قال: "أمرٌ غريب أن تكوني على هذا القدر من الرّقة والجمال ويكون قلبك بمثل هذه القسوة".
قالت الأميرة في دهشةٍ: "قسوة؟ أية قسوة؟".
قال الشّاطر حسن: "هؤلاء الذين جاءوا يخطبونك حُبّا فيك، فحوّلتِهم إلى قطعٍ من الصّخر الأصم".
قالت في برودٍ: "لقد اشترطتُ عليهم شروطًا فقبلوها باختيارهم. فهل تعرف تلك الشّروط؟"
قال: "علمتُ أنّك تجيدين المصارعة، وأنّك قد تغلّبت عليهم جميعًا في فنون هذه اللّعبة".
قالت: " وهل تجيد أنت المصارعة خيرًا منهم؟"
فقال الشّاطر حسن: "هيّا نُجرّب".
تصارعا. ورغم مهارة الأميرة الفائقة فقد تغلّب عليها الشّاطر حسن في وقتٍ قصيرٍ، فقالت الأميرة: "لقد تعثّرَت قدمي في طرف الفراش... هيّا نقم بجولةٍ ثانيةٍ".
وفي هذه المرّة هزمها حسن بأسرع ممّا فعل في المرّة الأولى. فتراجعت الأميرة، ونظرت إليه بإعجابٍ ثم قالت: "قبل أن تذهب إلى والدي لتعلمه بفوزك، أخبرني ماذا ستُقدّم لي مهرًا؟".
فأسرع حسن بإخراج الكيسين من حزامه ونثر ما فيهما فوق سريرها وهو يقول: "هل يكفيك هذا مهرًا؟"
لكنّه أحسّ عندما أبعد الكيسين عن جسمه، كأنّما القوة التي تغلّب بها على الأميرة قد فارقته!
فقالت الأميرة ساخرةً: "هل هذا كلّ ما لديك لتقدّمه مهرًا للأميرة التي راح ضحيّتها مائة شابٍ؟" ثم أشارت إلى الكيسين، وقد ألقاهما حسن على الفراش: "إنّك لم تقدّم لي إلاّ بعضًا ممّا معك فقط، ألا أستحقّ كل ما في الكيسين؟"
دُهِشَ الشّاطر حسن عندما نظر إلى الكيسين ووجدهما ممتلئين مرّةً أخرى بالذّهب والماس!! فأدرك أنّ فيهما سرًا آخر، وهو أنّهما كلّما فرغا يمتلئان من جديدٍ. وأدركت الأميرة هذا السّر أيضًا، فابتسمت ودعت الشّاطر حسن للجلوس بجوارها، وأخذت تحدّثه كأنّه صديقٌ قديم. ثم عزفت له الموسيقى وغنّت له، فسمع منها أعذب الألحان وأجمل الأصوات. ثم سقته بعضًا من عصير البرتقال، أخذ يشربه على مهلٍ ويتذوّق حلاوته. وسرعان ما أحسّ بجفونه تثقل، والكلام يخرج من فمه مُتقطّعًا، وشيئًا فشيئًا تغلّب عليه النّوم وفقد الوعي.
عندما أفاق وفتح عينيه، وجد نفسه مُلقًى على صُخور الجبل، وقد تمّ تجريده من البساط الطّائر، ومن الكيسين العجيبين، وبذلك فَقَدَ فرصته لإرغام الأميرة على إزالة اللّعنة عن الرّجال الذّين حوّلتهم إلى أحجارٍ وصخورٍ. وقال في نفسه بضيقٍ: "كيف توقّعتُ أن يتحوّل شرّ الأميرة وقسوتها إلى حبٍّ وطيبةٍ؟ ليس من السّهل أن يتحوّل الإنسان الشّرير من الشّر إلى الخير في لحظةٍ".
وأخذ الشاطر حسن يفكّر بطريقةٍ تُمكّنه من استعادة البساط والكيسين من الأميرة، لكنّه أحسّ بالجوع. فتذكّر النّخلتين اللتين فوق الجبل، فسار وقتًا طويلاً حتّى وصل. وكان البلح الأصفر قد ازداد حجمه حتّى أصبح كحجم البرتقال. ودُهش لنموّ البلح بهذه السّرعة، وتسلّق النّخلة، وتناول ثمرةً وأكلها، فوجد طعمها حلوًا لذيذًا، ثمّ نزل من فوق الشجرة، واستلقى في ظلّها ونام..
وفي أثناء نومه حاول أن يتقلّب على جنبه الثاني؛ لكنّ شيئًا في جبهته اصطدم بالأرض وعوّق حركته، فتحسّس وجهه، فوجد قُرنًا كبيرًا كأنّه قرن بقرةٍ، ينمو فوق جبهته.
أحسّ الشاطر حسن بِغَيظٍ شديدٍ لهذا الذي حدث له، ولم يفهم سببًا لهذه المصيبة التّي حلّت به. لم يعد قادرًا على العودة إلى المدينة حتّى لا يراه الناس وهذا القرن يبرز فوق جبهته! فجلس حزينًا يفكّر في همّه. وفجأة رأى الرّجل الأخضر يقترب منه. وحاول أن يخفي جبهته بذراعيه، وأدار وجهه بعيدًا عن الرّجل الأخضر. لكن الرجل قال له: "لقد أحسستُ أنّكَ في حاجةٍ إلى مَن يساعدك. حدّثني بصراحةٍ عن كلّ ما حدث لك".
فلمّا أخبره حسن بما حدث له، أشار الرّجل إلى بلح النّخلة الأخرى، وكان لونه قد أصبح أحمر قانيًا، وقال له: "لماذا لا تجرّب أكل شيءٍ من هذا التّمر الأحمر؟" ثم ابتعد مُسرعًا وغاب عن الأنظار.
أسرع الشّاطر حسن وصعد النّخلة، وما إن أكل ثمرةً حمراء حتى سقط القرن من رأسه.
فعرف حسن أن أكل البلح الأصفر يتسبّب في نمو القرون، وأن أكل التمر الأحمر يشفي من تلك القرون! وفرِح بهذا الإكتشاف، وشكر الرّجل الأخضر في قلبه، وقطع كميّةً كبيرةً من سعف النّخلة، صنع منها طبقًا واسعًا، ملأه بالبلح الأصفر.
وبسرعةٍ عاد إلى المدينة، وأخفى وجهه بشاله، ووقف تحت شبّاك الأميرة يُنادي على البلح الأصفر الجميل: "أبيع البلح النّادر... أحلى بلح في العالم... أكبر بلح في العالم". واستمرّ ينادي بأعلى صوته إلى أن أرسلت الأميرة إحدى وصيفاتها تنهره وتقول له: "سيّدتي الأميرة تطلب إليك أن تكفّ عن الصّراخ أيها البائع الكذّاب، وأن تبتعد عن هنا".
فأسرع الشاطر حسن وأعطى الوصيفة ثمرةً صفراء كبيرةً وهو يقول: "هذه هدية متواضعة لابنة السّلطان العظيمة. خُذيها إليها؛ فلم يسبق لمولاتي أن رأت بلحًا في مثل هذا الحجم, أو في مثل هذا اللّون الذّهبي. ستجد مولاتي طعمها حُلوًا مثل شكلها".
أُعجبت الوصيفة بشكل الثّمرة الصفراء، فأسرعت إلى سيّدتها... وما إن ذاقت الأميرة قطعةً من الثّمرة حتى أعجبها طعمها الحلو، فالتهمتها كلها... وأحسّت بحاجةٍ للنّوم. وعندما استيقظت، أحسّت بشيءٍ ينمو في جبهتها، فتحسّسته، فوجدت قرنًا كبيرًا قد نبتَ في رأسها!
أخذت الأميرة تصرخ وتبكي.. وعَلِمَ السّلطان بالكارثة التي حلّت بابنته، بعد أن رفضت مغادرة حُجرتها، كما رفضت أن تقابل أيّ إنسانٍ. وقال السّلطان في نفسه: "هذا جزاء ما فعلته ابنتي بمن تقدّموا لخطبتها !! ثم أعلن في كلّ أنحاء المملكة أنّ مَن يستطيع شفاء الأميرة سيتزوجها ويصبح سلطانًا من بعده.
حاول عدد كبيرٌ من الأطباء أن يزيلوا هذا القرن الذّي نَبَت للأميرة، لكنّهم فشلوا جميعًا.
وأخيرًا أقبل الشّاطر حسن وقال للسّلطان أنّ لديه علاجًا أكيدًا للأميرة، وقال: "قبل أن أبدأ العلاج لي شرطان: الأوّل أن تعيد لي الأميرة البساط وكيسين من الجلد كانت قد أخذتهم منّي".
فقال السّلطان لإبنته: "لا شكّ أنّ ما أصابُكِ إنّما هو عقابٌ نزل بك جزاءُ ما فعلت من أخطاءٍ!"
ولم تجد الأميرة مفرًا من إعادة ممتلكات الشّاطر حسن إليه.
قال الشاطر حسن: "والشّرط الثّاني: "أن تزيل الأميرة لعنتها عن الرّجال الذّين حولتهم إلى حجارةٍ ولا ذنب لهم إلاّ أنّهم تقدّموا لخطبتها".
هنا أدركت الأميرة بشاعة العقاب الذي حلّ بها، فأسرعت تعيد كلَّ مَن حَوّلتهم إلى حجارةٍ إلى هيأتهم البشرية.
وفي الحال وضع الشّاطر حسن في يد الأميرة ثمرةً حمراء ملفوفةً في ورق كُتُبٍ فيها: "ثمرةٌ حمراء فيها الشّفاء والشّقاء"!
وأسرع يجلس على بساطه الطّائر، وانطلق يشقّ به غشاء المدينة في طريقه إلى مغامرةٍ جديدةٍ...

بلال نعيم
08-05-2009, 11:12 AM
القبرة والفيل

حُكِيَ أنّ قبرةً اتّخذت حفرة في الأرض تضع فيها بيضها، وباضت على طريق الفيل الذي كان يمرّ إلى مشربٍ يتردّدُ إليه.
فلمّا رأت ما حدث، عَلِمَت أنّ ما أصابها من الفيل لا مِن غيره. فطارت وحطّت على رأسه باكيةً، ثم قالت: "أيّها الملك! لِمَ همشتَ بيضي وقتلت فراخي؟ هل فعلتَ هذا استصغارًا لأمري واحتقارًا لشأني؟"
قال: "نعم... ذاك هو الذي حَملني على ذلك". http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story51.gif
فتركته وذهبت إلى جماعة الطّير، فشكَت إليهنّ ما نالها من الفيل، فقلن لها: "وماذا نستطيع أن نعمل له ونحن طيورًا، لا حول ولا قوّة لنا!؟!". فقالت للعقائق والغربان: "أحبّ منكن أن تأتين معي إليه فتفقأن عينيه، وبعد ذلك أحتالُ له بحيلةٍ أخرى". فأجبنها إلى ذلك، وذهبن إلى الفيل، فلم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبت بهما، وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ومشربه إلاّ ما يجده على وجه الأرض قريبًا منه.
ولمّا صار على هذه الحال، جاءت القُبرة إلى غديرٍ فيه ضفادع كثيرة فشكت إليهنّ ما نالها من الفيل. قالت الضّفادع: "ما حيلتنا نحن أمام عِظَم الفيل؟ وأين نبلغ منه؟"
قالت: "أحبّ منكن أن تذهبن إلى هوّةٍ قريبةٍ منه، فتُنقنِقن فيها وتضججن، فإنّه إذا سمع أصواتكن لم يشك في الماء، فيهوي فيها".
فأجبنها على ذلك، واجتمعن في الحفرة. وسمع الفيل نقيق الضّفادع وقد استبدّ به العطش، فأقبل، فوقع في الحفرة، وأشرف على الهلاك.
جاءت القبرة تُرفرف على رأسه، وقالت: "أيّها الطاغي المُغتر بقوّته، المُحتقر لأمري! كيف رأيت عظم حيلتي مع صغر جثّتي عند عظم جثّتك وصغر همتك؟" أفلم تسمع بالقول المأثور: "إنّ البعوضة تُدمي مُقلة الأسد"؟

بلال نعيم
08-05-2009, 11:13 AM
السّندباد والأميرة والفهد

كان والدي من كبار التّجار في بغداد. اشتهر بالصّدق والأمانة في كلّ البلاد. وعندما مات، ترك لي ثروةً وافرةً تضمنُ لي حياةً ميسّرةً.
ولكنّني منذ صغري، كنتُ أحبّ السّفر والتّنقل في بلاد الله الواسعة، لألتقي بالنّاس من مختلف الألوان والأجناس، فأتعلّم وأكتسبُ المعرفة والتّجارب، وأنتصرُ على الأخطار والمتاعب.
لم تمض سنوات على وفاة والدي حتى أكملتُ استعداداتي لأعيش حياةً كلّها رحلات؛ أحمل بضاعتي وأرافق التّجار، وأركب البحار، وأخوض المخاطر والأهوال. وفي كلّ مرةٍ كنت أعود متعبًا، منهوك القوى، ناويًا ترك حياة الأسفار والمغامرات، لأعيش هانئًا، مرتاحًا، قرير العين، بما تَوَفّر لي من الأموال.
لكن لا تمضي بضعة أشهرٍ حتّى يُعاودني الحنين إلى السّفر ومواجهة الأخطار، فأعدّ عدّتي وأهيّئ نفسي إلى سفرةٍ جديدةٍ، أُلاقي فيها من الشّدائد والأهوال أكثر ممّا لاقيتُ في سفراتٍ سابقةٍ.
اتّفقتُ ذات يومٍ وجماعة من التّجار على القيام برحلةٍ نبيع فيها ما حمله إلينا تجّار الهند والصّين من بضائع، فأعددنا عدّتنا، وركبنا مركبًا من ميناء البصرة، فسار بنا في البحر أيامًا وليالي. وكانت الرّيح موافقةً لسير المركب، فلم نشعر بالملل أو التّعب، بل كُنّا نمرّ بجزيرةٍ بعد جزيرةٍ، وننتقل من بحرٍ إلى بحرٍ، ومن برٍّ إلى برّ. وكُنّا في كلّ بلدٍ ننزل فيه، نبيع ونشتري ونلتقي بأهله، ونتعرّف بعاداتهم وأحوال معيشتهم.
وفي يومٍ من الأيّام، وكُنّا سائرين في عرض البحر، وصلنا إلى جزيرةٍ بديعةٍ، حافلةٍ بالمناظر الطّبيعية. فرسا بنا ربّان المركب على شاطئها، ونزلنا كي نستريح من عناء السّفر ونقضي بعض حوائجنا. أشعلنا النّار لغسل الثّياب وطهو الطعام، ثم جلسنا حلقاتٍ نتحادث ونتسامر، ونحن في أنعم بال.. وإذا بصوت الرّبان يرتفع في هلعٍ ويدعونا إلى النّجاة بأنفسنا والإسراع إلى المركب، لأن ما ظننّاه جزيرة ما هو إلا سلحفاة بحرية هائلة تراكمت عليها الرّمال، ونبتت عليها الأشجار، فلمّا أشعلنا فوقها النّار، أحسّت بالحرارة فأخذت تتحرّك، ولا بُدّ أن تغوص في الأعماق بعد قليل.
كان الربّان يقول هذا وهو يجري بأقصى سرعته نحو السّفينة حتّى أدركها مع عددٍ من التُّجار. فسحبوا المرساة، وأقلعوا مُبتعدين عن الجزيرة، غير مُبالين بِمَن لم يستطيعوا اللّحاق بالسّفينة. وكنت لسوء حظّي، في عداد الذّين لم يستطيعوا اللّحاق بها، فبقيتُ مع بعض الرّفاق ننتظر هلاكنا المحتوم..
صادفتني، لحسن حظي، قطعة خشبٍ كبيرةٍ. فتعلّقتُ بها، ورحْتُ أجذّف برجليّ، وأتلفّت حولي عساي أجد أحدًا من رفاقي. ولكني لم أستطع العثور على أحد.
بقيتُ على هذه الحال يومًا وليلةً، والأمواج تتقاذفني، حتى أشرفتُ على الهلاك. ولكنّ ريحًا قويّةً هبّت ودفعتني نحو جزيرةٍ عاليةٍ، فيها أشجار مائلة على البحر. فتعلّقت بأحد الأغصان وتسلّقت الصّخور حتّى وصلتُ آمنًا. ارتميتُ على الأرض منهوك القوى، ورحتُ في نومٍ عميقٍ دام ساعاتٍ وساعات.
عندما استيقظت من نومي، تجوّلت في الجزيرة، فوجدتها طيّبة الهواء، عذبة الماء، فيها فاكهة كثيرة، وطيور متنوّعة الأشكال والألوان. فحمدتُ الله على السّلامة، وتابعتُ سيري. وإذا بي أسمعُ صوت حيوانٍ يُشبه الزّئير. فتقدّمتُ صوب الصّوت بحذرٍ، فوجدتُ فهداً أصفر اللّون قد أصابته سهامٌ والدّماء تنزف من جراحه، والشّرر يتطايرُ من عينيه. فتناولت حجرًا كبيرًا وضربته به، وقضيتُ عليه.
تابعتُ سيري، وإذا بي أرى على بُعدِ قليلٍ فتاةً رائعة الجمال قد سقطت عن حصانها فأُغميَ عليها، وحصانها بجوارها يصهل في اضطراب.
تقدّمت منها ورحتُ أحاول إسعافها. فإذا بِعَدَدٍ من الفرسان يحيطون بنا ويحملون الفتاة ويأخذوني معهم شاكرين لي ما قمتُ به نحو أميرتهم، حتّى وصلنا إلى مخيمٍ كبيرٍ مجهّزٍ بوسائل الرّاحة. فأنزلوني في خيمةٍ خاصّةٍ وقدّموا لي ما أحتاجه من طعامٍ وشراب.
أخبرني رجال الحرس أنّ هذه الجزيرة تابعة للملك "مهرجان"، وهذه الفتاةُ هي ابنته "جُمان"، وقد جاءت مع زوجها الأمير "بسطام" في رحلةٍ للصّيد في هذا العام. فرأت هذا الفهد وأُعجِبَت بجمال جلده فحاولت اصطياده ورمته بالسّهام، فارتدّ إليها محاولاً افتراسها، ولكن عناية الله أحاطت بها في اللّحظة الأخيرة ونجّتها من الهلاك.
تماثلت الأميرة للشّفاء، فاستقبلتني هي وزوجها بالتّكريم والتّرحاب وسألاني عن إسمي وبلدي، وسبب مجيئي إلى هذه الجزيرة المهجورة. فرويْتُ لهم قصّتي، وما قاسيتُ من متاعب وأهوالٍ، فتعجّبا غاية العَجب، وطلبا إليّ أن أرافقهما في عودتهما إلى بلدهما ليتعرّف إليّ الملك "مهرجان".
مَثَلتُ بين يديّ الملك، وقبّلت يديه احترامًا، ورويتُ له قصّتي، وقدّمت له جلد الفهد الذي حاول افتراس ابنته. فكان ما ذكرته مُفاجأةً لطيفةً سُرّ لها الملك وأمر بتعييني أمينًا لشؤون البحر، وتحصيل الضّرائب عن بضائع كل سفينةٍ تصل إلى ميناء المملكة. سررتُ بهذه الوظيفة جدًا لأنّها تُتيح لي التّعرف بالسّفن القاصدة بلادي. وقد تُتاح لي العودة على إحداها إلى وطني الحبيب. وكثيرًا ما كنتُ أسأل المسافرين والتّجار عن بلدي بغداد فلا أجد بينهم من يعرفها.
وكم كانت دُهشتي شديدةً ذات يومٍ عندما لمحتُ ربان السّفينة التي كنتُ مسافرًا عليها، وقد تقدّم مني لدفع الضّريبة عن بضائعه فعرفته فورًا، ولكنه لم يعرفني لأنّ هيئتي وملابسي تغيّرت كثيرًا خلال تلك المدّة الحافلة بالأحداث.
سألتُ الرّبان: هل بقي في مركبك شيء من البضائع؟
فأجاب: نعم يا سيدي، معي بضاعة في مستودع المركب، ولكن صاحبها غرق في البحر عند إحدى الجُزُر، فصارت بضاعته أمانةً لديّ، فقرّرت بيعها، وتسليم ثمنها إلى أهله في بغداد.
فسألته: وما إسم ذلك الرّجل الذي غرق في البحر؟
فأجاب: اسمه "السندباد البحري".
عندئذٍ لم أتمالك نفسي من الفرح والسّرور. فوقفتُ واحتضنتُ الرّبان وقبّلته وأنا أقول له: أُنظر إليّ جيدًا ألستُ أنا السّندباد !؟
لم يصدّق الرّجل عينيه. ولكنّه لم يكد يتأمّلني حتّى صاح يقول: نعم أنت هو السّندباد! فالحمد لله على السّلامة.
ثم نادى رفاقه التّجار فأقبلوا عليّ يقبّلونني وهُم في دهشةٍ وابتهاجٍ.
شعرتُ بالفخر والاعتزاز وأنا أتسلّم بضاعتي من هذا الرّبان الأمين، والرّفاق الأوفياء. ثم اخترت من بينها مجموعةً من الهدايا الثّمينة وقدّمتها للملك والأميرة والأمير، وأخبرتهم بما حصل، واستأذنتهم بالعودة إلى بلدي، فأذنوا لي، آسفين لفراقي.
ركبتُ السّفينة، وعدت إلى بغداد. فلقيتُ الأهل والأصدقاء والأحباب، وأخبرتهم بقصّتي العجيبة. فقاموا يهنّئونني بالسّلامة، ويحمدون الله على نجاتي من المهالك، ويتحدّثون بإعجابٍ عن بطولة السّندباد ووفاء ربّان السّفينة وأمانته.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:14 AM
جوهـرة الصيّـاد

كانت قرية "واس" تقع على شاطئ نهرٍ كبيرٍ قرب غابةٍ كثيفةٍ، وكانت تتألّف من مجموعةٍ من الأكواخ الخشبيّة، يسكنها صيّادون يعيشون من صيد السّمك، وهُم سعداء في حياتهم رغم فقرهم.
إعتاد الصّيادون التجمّع حول نارٍ كبيرةٍ يشعلونها في ساحة القرية مساء كلّ يوم خميسٍ، فيُغنّون ويرقصون حتّى ساعةٍ متأخّرةٍ من اللّيل. وفي نهاية الإحتفال، يَعلُنُ كبيرُ الصّيادين إسم الرّجل الذّي اصطاد أكبر سَمكةٍ خلال الأسبوع، ويمنحه جائزةً ماليةً وإجازة أسبوعٍ يقضيها الرّجل كما يشاء.
كان بين الصّيادين أخوان: الكبير اسمه "ثرثار" والأصغر اسمه "سيّار". وكان ثرثار شابًا خاملاً كسولاً يلفّقُ الأكاذيب، ويُوقع الفتنة بين الصّيادين، ولا يتورّع عن إيقاع الأذى بأيّ إنسانٍ. أمّا سيّار فكان نبيلاً شهمًا يحبّ عمله ويُحسن إلى كلّ محتاجٍ.
وكلّما خرج الأخوان للصّيد معًا، كان ثرثار يلقي شباكه في أقرب مكانٍ من شطّ النّهر، ثم يستلقي في ظلّ شجرةٍ، وينام حتّى مغرب الشّمس، فيهبّ إلى النّهر ويجرّ شباكه فيأخذ بعض السّمك العالق فيها، ويترك الباقي حتّى يخفّف حمله وهو في طريق العودة إلى قريته.
أمّا سيّار فقد كان يفتّش عن أفضل الأماكن التي يُحتَمَل وجود الأسماك فيها مُهمًا، بعيدًا عن شاطئ النّهر.. لا يُبالي بالتّعب، وكلّ همّه أن يصطاد السّمكة الكُبرى.
ذات يومٍ، خرج الأخوان إلى الصّيد معًا، وقد عزم سيّار على ألاّ يعود إلى القرية إلاّ وقد اصطاد أكبر سمكةٍ في النّهر. فركب زورقه وابتعد كثيرًا عن القرية في النّهر. ورفض ثرثار أن يرافقه، فبقي كعادته في مكانٍ قريبٍ من القرية، وألقى شباكه في النّهر ونام تحت شجرةٍ كبيرةٍ.
مضى النّهار، وغابت الشمس، وعاد الصّيادون إلى القرية ولم يستطع سيّار اصطياد سمكةٍ كبيرةٍ، فعزم على قضاء اللّيل في النّهر ليلقي شباكه طوال اللّيل حتّى يفوز بما يريد. وكان كلّما سحب شباكه، وجدها مليئةً بالأسماك الصّغيرة، أفرغها في النّهر ثانيةً وألقاها من جديدٍ في الماء.
تعب سيّار وأرهقه العمل وغلب عليه النّعاس، فسقط في أرض الزّورق وغرق في نومٍ عميقٍ. وعندما أستيقظ شدّ شباكه فوجدها ثقيلةً بشكلٍ غير عاديٍّ. فجرّها بكلّ قوته داخل الزّورق، فإذا بها سمكةً كبيرةً عجيبة الشّكل، لها عينان من الياقوت الأحمر، وزعانف من الذّهب الخالص، وجلد مرصوف بالأحجار الكريمة.
جَذَفَ سيّار بزورقه ومضى مُسرعًا نحو شاطئ النّهر، ولما فتح الشّبكة وهَمّ بحمل السّمكة العجيبة، سمعها تقول له بصوتٍ هادئٍ حزينٍ، وكأنّها فتاةٌ في العشرين من العمر: "أيّها الصّياد الطيّب القلب، ما مُرادك من حملي إلى اليابسة والتّسبب في موتي؟ إذا كنتَ بحاجةٍ إلى المال، فأنا أعدك أن أجعلك من الأغنياء. أمّا إذا كان ذلك إرضاءً لغرورك، فسوف تندم على قتلي طول حياتك، وإذا تركتني أعود إلى أهلي فإني سأعطيك جوهرةً ثمينةً مع مطلع هلال كلّ شهرٍ.
دهش سيّار لمّا سمع السّمكة تتكلّم ولم يستطع أن يجيبَ، لكنّه تردّد قليلاً وحمل السّمكة وألقاها في النّهر.. وعندما هَمّ بالعودة وقع نظره على جوهرةٍ مُلقاةً على أرض زورقه، فتناولها فرحًا، ووضعها في جيبه وعاد مسرعًا إلى قريته. كان حفل الصّيادين عامرًا وضجيجهم يملأ أجواء الغابة. ولمّا بلغ سيار ساحة القرية، جلس في مكانٍ بعيدٍ عن النّار المُشتعلة.
ذهب إليه معظم الصّيادين وتحلّقوا حوله يناشدونه الإشتراك معهم في غنائهم ورقصهم، لكنه بقي جالسًا من شدّة التّعب، وقد بدت عليه علائم الشّرود.
استغلّ ثرثار الموقف، وأخذ يسخرُ من أخيه ويهزأ من كثرة محاولاته اصطياد أكبر سمكةٍ في النّهر. لكن سيارًا بقي هادئًا، ولم يكترث لإستفزازات أخيه. وتمادى ثرثار في سخريته، وأخذ يشرب الخمر -والخمر تذهب بالعقل-فأخذ يدور حول أخيه ويوجّه له كلامًا بذيئًا جارحًا. وفجأةً، وقف وصاح بصوتٍ عالٍ: "أيّها القوم انظروا! إنّ صدر سيار يبعث نورًا وهّاجا!". فنظر الجميع إلى صدر سيّار فرأوا نور الجوهرة يشعّ من صدره، وكان قد أخفى الجوهرة حتّى لا يراها الصّيادون. لكن بعد أن شاهدوها، أطلعهم عليها وكتم سرّ السّمكة العجيبة.
ولمّا صحا ثرثار من سكره، لعب في رأسه الحسد والغيرة من أخيه، ورأى الجوهرة موضوعًا يُمكن استغلاله للإيقاع بسيّار والنّيل منه. فانسلّ من القرية دون أن يراه أحد، وذهب إلى وزير الوالي وطلب إلى الحُرّاس مقابلة الوزير لأمرٍ مهمٍ جدًا...
ولمّا أبلغ الحرّاس الوزير، طلب ثرثارًا وسمح له بالدّخول عليه.
وقف ثرثار بين يديّ الوزير بأدبٍ بالغٍ، وأظهر تقديره له وحرصه على مصلحة الدّولة، وأخبره بصوتٍ منخفضٍ أنّ أخاه حصل على جوهرةٍ نادرةٍ لا تُقدّر بثمنٍ، وهو فقيرٌ لا يستطيع شراء خاتمٍ. فإمّا أن يكون سيّار قد سرقها أو يكون في الأمر سرّ يهمّ الدّولة معرفته.
توجّه الوزير في الحال مع عددٍ من الجنود إلى قرية الصّيادين، وألقى القبض على سيّار وصادر منه الجوهرة، وأمر بسجنه للتّحقيق معه ومعرفة سرّ الجوهرة الثّمينة.
في اليوم التّالي، أطلق الأمير سراح سيّار، إذ فكّر أنّ لا فائدة من سجنه، بينما إذا أطلقه قد يستطيع الحصول على جوهرةٍ أخرى فيكون له بالمرصاد ويصادرها منه.
نادى الأمير ثرثارًا وأعطاه بعض الدّنانير جزاء وشايته بأخيه، وطلب إليه أن يراقبه جيّدًا للحصول على سرّ الجوهرة.
مضت أربعة أسابيع، وثرثار يراقبُ أخاه بكثيرٍ من الحذر والدّهاء، حتّى إذا كان أوّل الشّهر، رآه يحمل شباكه إلى زورقه ويدفعه إلى النّهر ويمضي مسرعًا؛ فلحق به وصار يراقبه من بعيدٍ حتى لا يتنبه إليه.
وصل سيار إلى مكان السّمكة العجيبة، فأوقف زورقه وراح ينتظر ظهورها. وما إن ظهر الهلال حتى قفزت السّمكة من الماء، وألقت في زورق سيّار جوهرةً كالجوهرة السّابقة، وغابت ثانيةً في مياه النّهر.
عاد سيّار إلى القرية وهو لا يدري أنّ أخاه الشّرير تلصّص عليه وعرف سرّ السّمكة العجيبة، وأنه في طريقه إلى الوزير لإعلامه بالأمر.
ولم يكد سيّار يبلغ كوخه حتى أدركه الوزير وجنوده، ومرّةً أخرى انتزع الوزير من الصّياد المسكين جوهرته الثّمينة، وأمر بضربه أمام الصّيادين حتّى يخافوا، فلا يتدخّلوا في الأمر.
خاف سيّار على السّمكة من الوزير، فقرّر أن يذهب إليها ويطلب أن تكفّ عن إعطائه الجواهر، وتبتعد عن المكان حتّى لا يصل إليها الوزير.
وعندما حان موعد الشّهر، ركب زورقه بكثيرٍ من الحذر، ووقف في وسط النهر ينتظر السّمكة العجيبة، وعندما ظهرت وَهَمّت بإلقاء الجوهرة، صاح بها في أعلى صوته، قائلاً: "أيّتها السّمكة الطّيبة كُفّي عن إعطائي الجواهر، أتوسّل إليك أن تبتعدي عن هذا المكان حفاظًا على سلامتك". ولمّا سألته السّمكة عمّا جرى، قصّ عليها حكايته مع الوزير، فقالت له: "لا تخف، هذه المرّة سأعطيك جوهرةً زرقاء مسمومةً، تصيب من يلمسها بمرضٍ جلديٍّ شديد الآلام، لا دواء له غير البندقة التّي سألقي بها إليك أيضًا.. فتُدبّر أمر أعدائك بما يستحقّون". قالت هذا وألقت بجوهرةٍ زرقاء وبندقةٍ، ثم غابت في مياه النّهر.
ومرّةً أخرى، عاد سيّار فوجد الوزير بانتظاره مع جنوده، فسلبه الجوهرة وأمر بضربه كالمرّة السّابقة.
عندما لمست يد الوزير الجوهرة الزّرقاء، أخذ مفعول السُّم يجري في جسده. ولم يكد يبلغ قصره حتى كان جسمه كلّه قد احمرّ وتورّم، وأخذ الألم يشتدُّ ساعةً بعد ساعةٍ.
صارت آلام الوزير لا تُحتَمَل، وعجز طبيبه عن مُداواته، وحضر الملك ليعود وزيره ويقف على أخباره، فوجده على تلك الحال من المرض الذّي لا يُطاق. ولمّا سأله عن سبب مرضه المفاجئ، اضطرّ الوزير أن يروي للملك قصّته كاملةً.
أمر الملك بإحضار الأخوين، وسمع من سيّار قصته العجيبة، فأمر بإعادة الجواهر إليه وبوضع ثرثار في السّجن.
غلبت على سيّار أخلاقه النّبيلة، فطلب إلى الملك أن يسمح له بمداواة الوزير، فسمح له بذلك. وبعد أن أطعمه البُندقة، شُفِيَ من مرضه فورًا.
أُعجِبَ الملك بأخلاق سيّار فأمر بخلع وزيره الجشع وعيّن سيارًا مكانه. ومنذ ذلك الحين، أصبح سيّار وزير الملك في تلك المنطقة، واحتفل بتعيينه جميع الصّيادين...

بلال نعيم
08-05-2009, 11:15 AM
الأنف العجيب

يحكى أن ثلاثة من الجنود المحبين للوطن، وأسماؤهم: فائز ونادر وغالب انتهوا من الحرب، فأرادوا الرجوع إلى بلادهم. فساروا في طريقهم مسافة طويلة، وأخذوا ينتقلون من قرية إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد، وهم متألمون بسبب المعاملة السيئة التي عوملوا بها بعد القتال سنوات طويلة، والانتصار في محاربة العدو وطرده من البلاد. واضطروا إلى السير على الأقدام مسافات طويلة.

وصلوا غابة من الغابات، وقضوا ليلتهم فيها، وتناوبوا الحراسة خوفا من أن تهجم عليهم الحيوانات المفترسة.

نام فائز ونادر ليستريحا، وقام غالب يجمع بعض الخشب، وأوقد ناراً كبيرة ليدفئ نفسه تحت إحدى الأشجار، وجلس بجانب النار يحرس رفيقيه.

وبعد فترة قصيرة أقبل عليه قزم يلبس معطفاً أحمر وسأله وهو بعيد: من هناك تحت الشجرة؟

فأجابه غالب: صديق من الأصدقاء.
فسأله القزم: ومن هذا الصديق؟
فأجابه غالب: هو جندي خدم الوطن وهو الآن متقاعد، وهو الآن لا يجد مسكنا له، فلجأ إلى الغابة لينام فيها هو واثنان من أصدقائه الجنود. تعال واجلس معي لتدفئ نفسك من البرد.

فقال القزم: إني أتألم لك ولصديقيك، وسأعمل ما في استطاعتي لمساعدتك في هذه الحياة القاسية وأعطاه رداءً عجيباً وقال له: احتفظ بهذا الرداء، واحذر أن يضيع منك، لأنه ثمين جدا. وإذا لبسته في أي وقت من الأوقات، وتمنيت أي شيء، تحققت رغبتك في الحال.

فشكر له غالب معروفه، وودعه القزم، ثم ذهب إلى حاله.

وبعد قليل أتى دور فائز في الحراسة، فاستيقظ، ونام غالب مكانه. وبعد ساعة حضر القزم ثانية، فاستقبله فائز استقبالا حسنا، فأهدى إليه القزم كيسا عجيبا، مملوءاً نقوداً ذهبية، لا ينقص ما فيه مهما ينفق الإنسان منه. فكانت هديته ثمينة لا تقدر بمال.

وحينما أتى دور نادر في الحراسة، حضر القزم للمرة الثالثة، فقابله نادر مقابلة حسنة، فأهدى إليه القزم بوقاً موسيقياً عجيباً، إذا نفخ فيه مرة واحدة تجمع الناس حوله وتمتعوا بموسيقاه العذبة. وإذا نفخ ثلاث مرات حضرت فرق كبيرة من الجيش، مزوّدة بالأسلحة، مستعدة لتنفيذ أوامره. فشكر القزم.

في الصباح، حكى كل منهم حكايته مع القزم وعرض هديته الثمينة، وبيّن فوائدها. ففرحوا، وحمدوا الله على نعمه عليهم، واتفقوا أن يعيشوا معا ويشاركوا بعضهم في ثرواتهم العجيبة. واتفقوا على القيام برحلة حول العالم، فأخذوا ينتقلون من مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، ويسافرون في البحر مرة، وفي العربات التي تجرها الجياد مرة أخرى. وعاشوا مثل الأغنياء من السائحين، ينتقلون شتاء إلى البلاد الدافئة، ويتفرجون على الآثار في كل بلد يزورونه.

ثم فكروا أن يستقروا في بيت كبير ويعيشوا حياة هادئة. فلبس غالب الرداء العجيب، وتمنى أن يكون له ولرفيقيه قصر جميل، فيه كل وسائل الراحة.

وفي الحال وجدوا أمام أعينهم قصراً عظيماً تحيط به حدائق غنّاء، وملاعب واسعة منظمة. وعلى بعد من القصر مراع وحظائر كثيرة، واصطبلات للخيل. ووقفت أمام القصر ثلاث عربات جميلة للرياضة والخروج للتمتع بالهواء الطلق.

لكنهم بعد فترة سئموا الحياة، لأنهم لم يزوروا أحدا ولم يزرهم أحد، ففكروا في زيارة الحاكم. فأرسلوا رسولا يخبره برغبتهم في زيارته، فرحب بهم، واستقبلهم استقبالا عظيما، وأكرمهم لأنه حسبهم من أبناء الملوك لمظاهر الأبهة التي تحيط بهم. ودامت زيارتهم عدة أيام.

كان فائز، صاحب الكيس العجيب، يسير مع الأميرة، وهي البنت الوحيدة للحاكم، فرأت في يده الكيس، فسألته عنه، فأجابها بحسن نية عن الكيس العجيب، وأن ما فيه من ذهب لا ينفد.
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story9.gifكانت الأميرة ساحرة ماكرة ذكية، وهي تعرف قيمة الكيس العجيب والرداء العجيب والبوق الغريب. وتمنت أن تحصل على هذه كلها. فعملت كيساً شبيهاً بالكيس السحري، دعت الأميرة فائزا لزيارتها في يوم من الأيام، وأوصت الخادم أن يقدم له فنجانا من الشاي، لدى حضوره، يضع فيه مادة منومة. ففعل، فشرب فائز الشاي، ونام في الحال، فأخذت الأميرة الكيس الثمين منه، ووضعت مكانه الكيس الذي صنعته.

في الصباح ترك الجنود القصر، وعادوا إلى بيتهم، واحتاجوا لشراء بعض الحاجات، فأخذوا ما في الكيس من نقود، لكنه لم يمتلئ ثانية كما كان يملأ، على غير عادته. فعرف الجنود في الحال أن الأميرة احتالت على فائز وانتزعت الكيس منه أثناء نومه. فحزن فائزاً حزناَ عميقاَ.

قال غريب: لا تحزن، لا يزال لدينا الرداء العجيب والبوق الغريب. ووضع الرداء السحري فوق كتفيه، وتمنى أن يكون في غرفة الأميرة في قصرها. ووجد نفسه في الحال في غرفتها، وهي وحدها تعد الجنيهات الذهبية. ولما رأته صارت تصرخ بأعلى صوتها: لصوص! أمسكوا بالسارق. فحضر الخدم يجرون من كل ناحية من القصر ودخلوا حجرتها، وحاولوا أن يقبضوا عليه، فخاف كثيرا، ونسي أن يلبس الرداء السحري، وجرى إلى النافذة وقفز منها، ولسوء الحظ علق الرداء بمسمار، فتركه وهرب قبل أن يقبضوا عليه. وفرحت الأميرة بالرداء فرحا شديداً. فقد فازت بالرداء العجيب من غير تعب.

عاد غالب إلى البيت ماشياً، يندب سوء حظه، وضياع ردائه! فقال له نادر: لا تحزن، لا يزال لدينا البوق!.

ونفخ فيه ثلاث مرات، فحضرت فرق من الجنود لا عدد لها، ومعها أسلحتها وذخائرها، لتنفيذ أوامر سيدهم نادر. وأخبر القائد بما حصل مع صديقيه وأن الأميرة خدعتهما وأخذت الكيس والرداء.

حاصر الجنود القصر في الحال، وأرسل القائد إلى الحاكم رسولا يأمره بتسليم الكيس والرداء اللذين عند بنته. وهدده بهدم القصر إذا لم ينفذ ما أمره به.

رفضت الأميرة تسليم الكيس والرداء لأحد. وحاولت أن تتخلص من المشكلة بحسن الحيلة والمكر. فلبست ملابس فتاة فقيرة، وأخذت سلة بها عقود وحلي لبيعها في معسكر العدو، وخرجت مع جاريتها. وأخذت تلف حول خيام الجيش، وتغني أغاني عذبة، فترك الجنود خيامهم، وجاؤوا مسرعين ليسمعوا غناءها. وجاء نادر صاحب البوق العجيب معهم، وكانت اتفقت مع جاريتها أن تذهب خفية إلى خيمته وتأخذ منها البوق السحري المعلق في الخيمة، وتذهب إلى القصر بسرعة، وتنفخ فيه ثلاث مرات، عندما تعطيها إشارة خاصة.

ذهبت الجارية ونفذت الخطة، فانصرف القائد والجنود وتركوا حصار القصر، ورجعت الأميرة منتصرةً، وصارت تملك الهدايا الثلاث العجيبة. وصار الجنود الثلاثة فقراء مفلسين، وافترقوا وودع بعضهم بعضا وسار غالب إلى الشرق, وسافر فائز ونادر معا إلى الشمال.

وصل غالب الغابة التي كان قد وجد فيها مع صديقيه الحظ السعيد، وكان متعبا فجلس يرتاح تحت شجرة، لكنه نام، وفي الصباح وجد الشجرة التي ينام تحتها مملوءة تفاحا ناضجا، جميل الشكل. وكان جائعا جدا، فقطف تفاحة وثانية وثالثة، وأكلها. وأحس إحساسا غريبا في أنفه، فلمسه بيده، فوجد أنفه قد كبر، وأخذ يكبر ويمتد حتى وصل إلى الأرض، واستمر ينمو، ويمتد على أرض الغابة حتى وصل إلى آخرها، وامتد في الطريق خارج الغابة.

كان رفيقاه فائز ونادر يمشيان في الطريق. فعثرت رجل فائز بشيء على الأرض، ولم يعرفا ما هو، وتتبعا أثره حتى يصلا إلى أوله، ووجداه أخيرا ينتهي عند صاحبهما المسكين غالب، النائم الحزين، تحت شجرة التفاح.

جلس الثلاثة وهم في حيرة من الأمر، ودعوا الله أن يخلصهم من هذا الموقف. وبعد قليل وجدوا صاحبهم القديم القزم ذا المعطف الأحمر مقبلا، وسلم عليهم، وسأل صاحب الأنف الطويل، وهو يضحك:

كيف حدث هذا؟ مع أنه يعرف السبب، ويعرف الدواء. وقال لهم: لا تقلقوا، سأدلكم على دواء يشفيه من مرضه في الحال.

ثم قال لصديقيه: أحضرا له بعض الكمثرى(الإجاصة)، من الشجرة القريبة من شجرة التفاح، فإن في الكمثرى علاجه وشفاءه.

جرى فائز ونادر، وقطفا مقداراً من الكمثرى، وأكل غالب منها، فبدأ طول أنفه ينقص بالتدريج، حتى رجع إلى حالته الطبيعية. فرح غالب وصديقاه كثيرا، وشكروا للقزم خدماته الكثيرة، وأخبروه بما فعلته الأميرة.

دلهم القزم على خطة يستطيعون بواسطتها أن يسترجعوا هداياهم القيمة. فقال غالب: خذ شيئا من هذا التفاح وهذه الكمثرى، وبعها التفاح أولا، فإذا أكلت تفاحة طال أنفها وكبر كما حصل لأنفك، فشكروه على فكرته.

لبس غالب كما يلبس البستانيون وأخذ معه سلة مملوءة بالتفاح العجيب، وذهب إلى قصر الحاكم، وعرض ما عنده من تفاح. وتمنى كل من رأى التفاح أن يذوقه. فقال لهم: إنه خاص بالأميرة. فأرسلت خادمها الذي اشترى التفاح كله، وغسله وقدمه للأميرة، فأخذت تفاحة فوجدتها لذيذة الطعم، فأكلت تفاحتين أخريين.

بعد ذلك بدأت تشعر بألم في أنفها، ووضعت يدها عليه، فوجدته يطول وينمو بسرعة، استغاثت بأبيها، فجاء الطبيب بسرعة، وطال أنفها حتى وصل الأرض. تعجب الطبيب وأعطاها دواء، فشربته ولم تجد له نتيجة.

أعلن الحاكم في جميع البلاد يستدعي الأطباء والجراحين لعلاج الأميرة. ووعد بإعطاء من يشفي الأميرة من مرضها العجيب جائزة ثمينة.

حضر الأطباء والجراحون، وجرّبوا كل ما عندهم من أدوية. لكن الأميرة لم تتحسن، وبقيت على هذه الحال أسبوعين. ثم جاء غالب وقد لبس ملابس طبيب، وحضر إلى القصر لعلاجها، وكان في حقيبته شيء من الكمثرى. وفحص الأميرة، وقال إنه يستطيع شفاءها، لكنها تحتاج إلى كثير من الزيارات.

وسألها عن سبب مرضها، فأخبرته أنها أكلت ثلاث تفاحات، فحدث لها ما حدث.

طلب إليها أن تريه التفاح، فقطع قطعة من إحدى التفاحات وأمرها بأكلها ليرى النتيجة في اليوم التالي. وفي الصباح وجد أنفها قد طال.

زاد قلق الأميرة، فأعطاها غالب قطعة صغيرة من الكمثرى لتأكلها، وزارها في اليوم التالي، ووجد أنها تتحسن وأنفها أخذ يقصر طوله. فقال لها: إن الدواء الذي أعطيتك إياه هو العلاج الوحيد لمرضك، ولا يعرفه أحد غيري، ثم أعطاها قطعة من التفاح.

ولما زارها في اليوم التالي، وجد أن أنفها قد طال، وحالتها ازدادت سوءاً. فقال لها: يبدو لي أنك قد أذنبت وأغضبت الله، ولن يتم العلاج إلا إذا طهرت نفسك من الذنوب، وأرضيت الله.

فأنكرت الأميرة بشدة أنها ارتكبت ذنبا، وقالت إنها لم تغضب الله. فقال لها غالب: أنت مذنبة، وستموتين بهذا المرض الخبيث إن لم تقولي الحق، وتعترفي بذنبك وتتوبي إلى ربك.

ثم أخبر الطبيب الحاكم بأن حالتها ساءت بعد أن تحسنت كثيراً، وأنها لن تشفى إلا إذا اعترفت بما فعلت، وتابت عن ذنبها. فنصحها أبوها أن تعترف بالحقيقة، حتى تشفى ويزول عنها الخطر.

فقالت الأميرة: لقد احتلت على بعض الجنود وأخذت منهم كيساً ثميناً، ورداءاً عجيباً، وبوقاً غريباً؟ هذه هي كل ذنوبي. فطلب أبوها أن تعيدها إلى أصحابها، وأن تسلمها إلى الطبيب ليرسلها إليهم، ويكمل علاجها.

طلبت الأميرة إلى الجارية أن تحضر هذه الأشياء الثلاثة، فأحضرتها، وقدمتها الأميرة إلى الطبيب، راجيةً أن يرجعها إلى أصحابها، ووصفتهم له. لما تسلم الهدايا الثمينة، لبس الرداء العجيب، وأعطاها حبة كمثرى كاملة، فأكلتها، وعاد أنفها إلى حالته الطبيعية، وشفيت من مرضها تماما، ولم ينتظر الطبيب شيئا من المكافأة.

وتمنى أن يكون مع صديقيه، وفي الحال وجد نفسه معهما. وعاش الأصدقاء الثلاثة معا عيشة سعيدة، كلها تعاون ومحبة وإخلاص.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:16 AM
جرّة الذهب

قال مالك للمعلّمة: أمس، عندما عُدتُ من المدرسة إلى البيت، وجدتُ في حقيبتي قلمَين. الأوّل لي والآخر وضعته بطريق الخطأ في مقلمتي، ولستُ أدري مَن هو صاحبه.
ومَدّ مالك يده. كان يمسك بقلمين لهما اللّون والحجم نفسيهما. تناولت المُعلمة القلمين وقالت موجّهةً سؤالها إلى الأولاد: مَن منكم أضاع قلمًا؟
قالت كوثر: أنا، افتقدتُ قلمي عندما عدتُ إلى البيت، فلم أجده.
أخذَت كوثر قلمًا وأشارت إلى جرحٍ صغيرٍ في طرفه، فهي تعرف قلمها تمامًا. وبقي لمالك قلمه.
قالت المعلمة: مالك يستحقّ شكرًا وتهنئةً؛ شكرًا خاصًا من كوثر لأنّه أعاد لها قلمها وتهنئةً منّا جميعًا لأنّه صادق وأمين.. وحادثة مالك تذكّرني بقصة جرّة الذهب التي سأقصّها عليكم.
اشترى رجل أرضًا، وبينما هو يحفر فيها ليزرع شجرةً، وجد جرّةً مطمورةً في التّراب، فأخرجها وفتحها فوجد فيها ذهبًا. أخذ الرجل الجرّة إلى الرجل الذي باعه الأرض، وقال له: هذا ذهبك فخذه، فأنا اشتريت منك الأرض من دون ذهب. وأعتقد أنّ عليّ أن أعيد الذّهب إليك.
أُعجِبَ الذي باع الأرض بأمانة الرّجل، وقد كان لا يعرف أنّ في الأرض ذهبًا، فقال له: إنّما بعتُك الأرض بما فيها، وأعتقد أنّ الذّهب هو لك.
وهُنا أخذ الرّجلان يتباحثان في الأمر، واتّفقا أخيرًا على أن يتقاسما المال، فينفقا على عائلتيهما ويتصدّقا بما يريدان على المُحتاجين.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:17 AM
حكايـة التّاجر مع العفريت

قالت شهرزاد:
بَلَغَني أيّها الملك السّعيد، أنّه كان تاجر من التّجار، كثير المال والمُعاملات في البلاد، فاشتدّ عليه الحرّ، فجلس تحت شجرةٍ وأكل كسرة خبزٍ كانت معه وتمرة. فلمّا فرغ من أكل التّمرة، رمى النّواة، وإذا هو بعفريتٍ طويل القامة وبيده سيفٌ مسلولٌ، فدنا من ذلك التّاجر وقال له: "سأقتلك مثل ما قتلتَ ولدِي".
فسأله التّاجر: "كيف قتلتُ ولدَكَ؟"
قال له: "لمّا رميتَ نواة التّمرة جاءت النّواة في صدر ولدي، وكان ماشيًا فمات من ساعته".
فاعتذر إليه التّاجر وقال: "إن كنتُ قتلته، فما كان ذلك إلاّ خطأً منّي، وأرجو أن تعفوَ عني".

فقال الجنيّ: "لا بُدّ لي أن أقتلَك..!"
فقال التّاجر: "إعلَم أيّها العفريت أنّ عليّ دَيْنًا، ولي مال كثير، وأولاد وزوجة ورهون، فدعني أعودُ إلى بيتي وأوصل إلى كلّ ذي حقٍ حقّه، وأعود على رأس السّنة، ولك عليّ عهد من الله أنّي أعود إليك، فتفعل بي ما تريد، والله على ما أقول وكيلٌ".
فاستوثق منه الجنّي وأطلقه. فرجع إلى بلده وقضى جميع ما عليه، وأوصل الحقوق إلى أهلها، وأعلم زوجته وأولاده بما جرى له فبكوا، وكذلك جميع أهله. وأوصى، وقعد عندهم إلى تمام السّنة، ثم ودّع أهله وجيرانه.
مشى التّاجر إلى أن وصل ذلك البستان في أوّل السّنة الجديدة. وبينما هو جالس يبكي حاله، إذا بشيخٍ كبيرٍ قد أقبل عليه ومعه غزالة مربوطة بسلسلةٍ؛ فسلّم على التّاجر وقال له: "ما سبب جلوسك في هذا المكان وأنتَ منفرد وهو مأوى الجنّ؟"
فأخبره التّاجر بقصته، فقال الشيخ: "والله يا أخي لا أترك هذا المكان حتّى أعرف ما يجري لك مع العفريت".
وفيما هما يتحدّثان، إذا بشيخٍ ثانٍ قد أقبل عليهما ومعه كلبان من الكلاب السّلاقية (كلاب الصّيد) السُّود. فسألهما، بعد السّلام عليهما، عن سبب جلوسهما في هذا المكان، وهو مأوى الجان، فأخبراه القصة.
فلم يستقرّ به الجلوس حتّى أقبل عليهم شيخٌ ثالثٌ ومعه بَغلَة، فسلّم عليهم وسألهم عن سبب جلوسهم في هذا المكان، فأخبروه بالقصة. وبينما هُم كذلك، إذا بغَبرةٍ هاجت وسط تلك البرّية. ولما انكشفت الغبرة، إذا بذلك الجنيّ بيده سيف مسلول يطلّ، فأتاهم، وجذب التّاجر من بينهم، وقال له: "قُم.. سأقتلك مثل ما قتلتَ ولدِي".
بكى التّاجر وبكى الشّيوخ الثلاثة. وقام الشّيخ الأول، وهو صاحب الغزالة، وقبّل يد العفريت وقال له: "يا تاج ملوك الجان، إذا حكيتُ لكَ حكايتي مع هذه الغزالة، ورأيتها عجيبة، أَتَهِبني في ثلث دم هذا التّاجر؟"
قال: "نعم أيّها الشّيخ".
فقال الشّيخ الأوّل: "إعلم أيّها العفريت أنّ هذه الغزالة هي بنت عمّي، وكُنت قد تزوّجتُ بها وهي صغيرة السّن، وعشت معها نحو ثلاثين سنة ولم أُرزَقُ منها بولدٍ، فتزوّجت أخرى ورُزِقتُ منها بولدٍ ذكر كأنّه البدر. وكبُر إلى أن صار ابن خمس عشرة سنةٍ. وذهبت في سفرة بتجارةٍ عظيمةٍ، وكانت بنتُ عمّي– هذه الغزالة– تعلّمت السّحر من صغرها، فسوّت ذلك الولد عجلاً، وسَحَرَت أمّه بقرةً، وسلّمتهما إلى الرّاعي.
ولمّا عدتُ من السّفر، سألت عن ابني وأمه، فقالت: "ابنك هرب وزوجتك ماتت. فحزِنتُ عليهما سنةً.
ولمّا جاء عيد الأضحى، طلبتُ من الرّاعي أن يعطيني بقرةً سمينةً لأذبحها، فجاء بزوجتي التّي سحَرَتها بنت عمّي، ولما هَمِمتُ بذبحها، أخذت تصرخُ وتصيحُ، فأعطيتها للرّاعي ليذبحها.
وطلبتُ عجلاً بدلاً منها، فجاءني بابني المسحور. وصار العجل يبكي فرأفتُ به ولم أذبحه... فصاحت بنتُ عمّي الغزالة بأنه... لا بدّ من ذبحه... ولكنّي أعطيته للرّاعي ولم أذبحه!
وفي اليوم التّالي أقبل الراعي عليّ، وقال: <<يا سيّدي، إنّي سأقول لك شيئًا تُسرّ به ولي البشارة>>.
فقلت : "نعم".
فقال: "أيّها التّاجر، إنّ لي بنتًا كانت تعلّمت السّحر في صغرها، فلما كُنّا بالأمس، وأعطيتني العجل، دخلتُ به عليها ، فنظرَت إليه بُنَيّتي، وبكت ثم ضحكت وقالت: "كيف تُدخِلُ عليّ الرّجال الأجانب؟"
فقلت لها: "وأين الرّجال الأجانب؟ ولماذا بكيت وضحكت؟"
فقالت لي: إنّ هذا العجل الذّي معك هو ابن سيدي التّاجر، ولكنه مسحور، وقد سحرته زوجة أبيه هُو وأمّه، فهذا سبب ضحكي. وأمّا سبب بُكائي، فمن أجل أمّه، إذ ذبحها أبوه".
وما إن طلع الصّبح حتّى جئتُ إليك لأُعلِمَك.
فلمّا سمعت أيها الجنّي كلام هذا الراعي فرحتُ جدًا، وأتيت داره، فرحّبَتْ بي بنت الرّاعي وقبّلت يديّ.
وجاء العجل إليّ وتمرّغ عليّ، فقلتُ لابنة الرّاعي: "أحقًا ما تقولين عن ذلك العجل؟"
- قالت: "نعم يا سيّدي.. إنّه ابنك!"
فقلتُ لها: "أيّّتها الصّبية! إن أنتِ خلّصته فلكِ عندي ما تحت يد أبيك من المواشي والأموال".
فتبسّمَت وقالت: "يا سيّدي.. ليس فيّ رغبة في المال إلاّ بِشَرطين: الأوّل هو أن تُزوّجني به، والثّاني أن أسحر مَن سَحَرَته وأحبسها، وإلاّ فلستُ آمنةً من مكرها".
فلمّا سمعتُ، أيّها الجني، كلام بنت الرّاعي قلتُ: "ولكِ، فوق ما طلبتِ، جميع ما تحت يد أبيك من الأنعام والأموال، وأمّا بنت عمّي فدمها لك مُباح!!"
فلمّا سمعت كلامي، أخذت طاسةً وملأتها ماء. ثم قرأت عليها كلامًا ورشّت بها العجل وقالت لهُ: "إن كان الله خلقك عجلاً فابق على هذه الصّورة ولا تتغيّر، وإن كنتَ مسحورًا ، فعُد إلى خلقتك الأولى بإذن الله تعالى!".
وإذا به ينتفض. ثم صار إنسانًا، فقلتُ له: "بالله عليك! احكِ لي جميع ما صَنَعَت بكَ وبِأُمّك بنتُ عمّي!" فحكى لي جميع ما جرى لهما، فقلتُ: "الحمد لله الذي خلّصك". ثم إنّي زوجته، أيها الجني، ابنة الرّاعي، ثم إنها سحرت ابنة عمي هذه الغزالة، وجئتُ إلى هنا، فرأيت هذا التاجر، فأخبرني عن حاله، فجلست لأنظر ما يكون من أمره، وهذا حديثي.
فقال الجني: "هذا حديث عجيب، وقد وهبتُك ثلث دمه".
فعند ذلك، تقدّم الشّيخ صاحب الكلبين السّلوقيين، وقال له: "اعلم يا سيّدي، ملك ملوك الجان، أنّ هذين الكلبين أخواي، وأنا ثالثهما. وقد مات والدي وخلّف لنا ثلاثة آلاف دينارٍ، ففتحتُ دكانًا أبيع فيه وأشتري، وسافر أخواي بتجارتهما وغابا سنةً كاملةً وعادا وما معهما شيء. فأخذتهما وألبستهما حلتين فاخرتين، وعشنا معًا وقد قسّمت ربحي معهما، ثم عادا وطلبا السّفر وأن أسافر معهما، فلم أوافق".
عملنا في التّجارة ست سنوات، ومرّة ثانيةً قسّمتُ الرّبح بيننا، وعزمنا على السّفر بحرًا. وعند الشّاطئ، وجدنا جاريةً عليها ثياب مقطّعة، فقبّلت يدي ورَجَتني أن أتزوّجها. فحنّ قلبي إليها، وأكرمتها. وغار مني أخواي وطمِعا في المال كلّه، وتحدثا بقتلي، وأخذاني وأنا نائم ورَمَياني في البحر.
استيقظت زوجتي وانتفضت فصارت عفريتةً وحملتني إلى جزيرةٍ، وأخبرتني أنّها هي التي أنقذتني، وأنّها غضبت على أخويّ وتريد قتلهما.
فرفضتُ ذلك، وحكيت لها ما جرى لي معهما من أوّل عمرنا.. فقرّرت أن تُغرقَ مراكبهما، فرجوتها ألاّ تفعل...
وعادت بي إلى داري، وفتحت دُكّاني...
وفي اللّيل، دخلتُ داري فوجدتُ هذين الكلبين مربوطين. فلمّا رأياني قاما إليّ وبكيا وتعلّقا بي، فجاءت زوجتي وقالت: "هذان أخواك.. وأختي. حوّلتهما كلبين بناءً على طلبي، وما يتخلّصان إلاّ بعد عشر سنواتٍ".
عدتُ بعد عشر سنواتٍ لأخلّصهما، فرأيتُ هذا الفتى، فأخبرني بما جرى له، فأردتُ ألاّ أغادر المكان حتّى أنظر ما يجري بينك وبينه. وهذه قصّتي".
قال الجنيّ: "إنّها حكاية عجيبة، وقد وهبتك لك ثلث دمه..."
عند ذلك، تقدّم الشّيخ الثالث، صاحب البغلة، وقال للجنيّ: "أنا أحكي لك حكاية أعجب من حكاية الإثنين، وتهبني باقي دمه وجنايته".
فقال الجني: "نعم".
فقال الشيخ: "أيها السّلطان ورئيس الجان، إنّ هذه البغلة كانت زوجتي، سافرتُ وغبتُ عنها سنةً كاملةً، ثمّ قضيتُ سفري وجئتُ إليها في اللّيل، فرأيت عبدًا أسودًا في البيت وهُما في كلامٍ وضحكٍ.
فلما رأتني عجّلت وقامت إليّ بكوزٍ فيه ماء، فتكلّمَت عليه ورَشّتني وقالت: "أخرج من هذه الصّورة إلى صورة كلبٍ!" فصرتُ في الحال كلبًاً، فطردتني من البيت، فخرجتُ ولم أزل سائرًا حتًى وصلتُ إلى دكّان جزّارٍ، فتقدّمت وصرتُ آكل من العظام، فلما رآني صاحب الدّكان أخذني ودخل بي بيته. فلمّا رأتني بنت الجزّار غطّت وجهها مني، فقالت: "أتجيء لنا برجلٍ وتدخل علينا به؟" فقال أبوها: "أين الرّجل ؟" قالت: "إنّ هذا الكلب سحرته امرأةٌ، وأنا أقدر على تخليصه".
قال: "بالله عليك يا بُنّينتي خلّصيه!" فأخذت كوزًا فيه ماء وتكلّمت عليه، ورشّت منه قليلاً، وقالت: "أخرج من هذه الصّورة إلى صورتك الأولى!" فصرتُ إلى صورتي الأولى".
قبّلتُ يدها، وقلتُ لها: أريد أن تسوّي زوجتي كما سحرتني فأعطَتني قليلاً من الماء، وقالت: "إذا رأيتُها نائمةً فَرِشّ هذا الماء عليها، فإنّها تصير كما أنتَ طالب". فوجدتها نائمةً فرشَشتُ عليها الماء، وقلتُ: "أخرجي من هذه الصّورة إلى صورة بغلةٍ، فصارت في الحال بغلةً، وهي هذه التي تنظرها بعينك أيّها السُّلطان ورئيس ملوك الجان. ثم التفت إليها السّلطان وقال: "أصحيح هذا؟"
فهزّت البغلةُ رأسها وقالت بالإشارة: "نعم، هذا صحيح". فلمّا فرغ من حديثه، اهتزّ الجنّي من الطّرب، ووهبه باقي دم التّاجر. وأدرك شهرزاد الصّباح، فسكتَت عن الكلام المُباح...

بلال نعيم
08-05-2009, 11:18 AM
أبو الحسن

نشأ "أبو الحسن" في مدينة بغداد في زمن الخليفة "هارون الرّشيد". وكان أبوه غنيّاً جدًا. فلمّا مات ورث منه أموالاً كثيرةً، فقسّمها قسمين متساويين، وادّخر نصف ثروته، ووقف النّصف الآخر على مسرّاته ومباهجه. فاجتمع حوله كثير من الأصحاب الذين تظاهروا له بالحب والإخلاص.
وقد أنفق عليهم نصف ثروته في زمنٍ قليلٍ. ثم تظاهر لهم بالفقر، فهجروه وامتنعوا عن زيارته.
فذهب "أبو الحسن" إلى أمّه باكيًا، وقصّ عليها غدر أصحابه الذين هجروه لفقره. فقالت له: "إنّهم لم يصاحبوك إلاّ لمالك، فلّما علموا بفقرك هجروك. فاحتفظ بالنّصف الآخر من ثروتك، وانتفع بهذا الدّرس القاسي الذي تعلّمته يا ولدي".
أقسم أبو الحسن أنّه لن يعود إلى مصاحبة رفاقه القدماء، ولن يصاحب بعد اليوم إلاّ الغرباء الذين لا يعرفهم، وعلى أن لا تدوم صحبته مع أحدٍ من النّاس أكثر من ليلةٍ واحدةٍ.
فكان يقف على الجسر وقت الغروب. فإذا رأى غريبًا قادمًا عليه، دعاه إلى منزله وأضافه عنده، وأكرمه طول ليلته. فإذا طلع الصبح، ودّعه وأنكره، وأبى أن يُسلّم عليه بعد ذلك أبدًا. وقد أخذ نفسه بهذه الخطّة سنةً كاملةً.
وقف أبو الحسن على عادته ذات مساءٍ عند الجسر، فرأى الخليفة هارون الرّشيد، وكان قد خرج في زيّ تاجرٍ قادمٍ من الموصل ومعه خادمه. فرحّب به أبو الحسن ودعاه إلى بيته، بعد أن أخذ عليه المواثيق أن يبيت عنده ليلةً واحدةً، ثم لا يلقاه بعدها أبدًا.
فعجب الخليفة، وسأله عن سبب هذا، فأخبره أبو الحسن بقصّته كلّها. فاشتدّ عجبه، وسار معه الخليفة وخادمه حتّى وصلوا إلى البيت. ورأى الخليفة مِن كَرَم أبي الحسن ما أدهشه. فسأله: ألاَ تتمنّى شيئًا يا أبا الحسن؟ فقال له: أتمنّى أن أصبح خليفة ولو ليومٍ واحدٍ، لأعاقب خمسةً من الأشرار يعيشون بالقرب من منزلي، يتدخّلون فيما لا يعنيهم، ولا يَسلُم أحدٌ من شرّهم.
ضحك الخليفة من قوله، وعزم على تحقيق أمنيته. ثم غافله ووضع دواء منوّمًا في شرابه. فلم يكد يشربه حتّى نام. فأمر الخليفة خادمه أن يحمل أبا الحسن إلى قصره، ويضعه على سريره، ويلبسه ملابسه. ثم أمر كلّ مَن في قصره أن يطيعوا أبا الحسن في كلّ ما يأمرهم به، بعد أن يوهموه أنّه هو الخليفة هارون الرشيد.
لم يكد الفجر يطلع حتى أيقظوه من نومه. فدُهش أبو الحسن حين رأى نفسه في سرير الخليفة، وهو من الذّهب الإبريز، وحوله الجواري والخدم ينادونه خاشعين: عم صباحًا يا أمير المؤمنين. فظنّ أبو الحسن أنّه في حلمٍ. فلما أثبتوا له أنه يقظان، وأنّه هو نفسه، عظمت دهشته.
ثم مثل الوزير جعفر بين يديه وقال له: لقد اكتمل المجلس يا أمير المؤمنين. ثم سار معه حتّى أجلسه على عرش الخليفة، وهو حائر ذاهل من شدّة الدهشة. وكان الخليفة يراقبه من نافذةٍ عاليةٍ، وقد تملّكه السّرور والفرح.
ولم يكد أبو الحسن يجلس على العرش حتى أمر كبير الشرطة أن ينكل بأولئك الأشرار الخمسة، وأن يعاقبهم عقابًا شديدًا يجعلهم عبرةً لغيرهم. كما أمره أن يعطي أم أبي الحسن كيسًا فيه ألف دينار.
بعد قليل، ذهب أبو الحسن إلى غرفةٍ أخرى، فحضرت الجواري وظللن يعزفن على العود ويغنين أحسن الغناء، وهو لا يعرف: أهو في يقظةٍ أم هو حالم؟
ولمّا أقبل الّليل، وضعوا له في شرابه دواء منومًّا, فلم يكد يشربه حتى نام، فحملوه إلى بيته. ولمّا طلع الصبح، ورأى نفسه نائمًا في سريره، صرخ من شدة الدّهشة والألم. فجاءته أمه وسألته عن سبب صياحه، فقال لها: ألستُ أنا أمير المؤمنين هارون الرشيد؟
فقالت له: هل جننت يا ولدي؟ أنت أبو الحسن. فقال لها: كلاّ بل أنا أمير المؤمنين.
حاولت الأم أن تسلّيه وتعيد إليه عقله، وقصّت عليه ما نزل بأعدائه من عقاب، وأحضرت له الكيس الذي أرسله إليها الخليفة أمس وفيه ألف دينار. فعرف أنّه لم يكن حالمًا، وقال لأمّه: الآن أيقنتُ أنّني أنا الخليفة، وقد أمرت أمس كبير الشّرطة بضرب هؤلاء الأشرار، وإرسال هذا الكيس إليك.
حاولَت أمّه أن تقنعه بأنّه واهمٌ في ظنه، فاشتدّت ثورته وهياجه. وأقبل الجيران يسألون عن الخبر. وما كادوا يسمعون قوله إنّه الخليفة حتى اعتقدوا أنه جن. فحملوه إلى البيمارستان (المشفى) حيث قضى شهرًا. ولم يخلوا سبيله إلاّ بعد أن عاد إليه رشده وقرّر لهم أنه أبو الحسن.
خرج أبو الحسن على عادته إلى جسر بغداد، فلقي الخليفة مرةً ثانيةً، وهو في زيّ تاجرٍ، فحيّاه الخليفة فلم يردّ عليه تحيّته. فظلّ الخليفة يتودّد إليه حتّى رضي عنه أبو الحسن، ودعاه إلى بيته، وأفضى إليه بما حدث له، فتألّم الخليفة لما أصابه.
ولما جاء وقت النوم، ألقى الخليفة الدواء في شراب أبي الحسن، فقام الخادم وحمله إلى القصر. وجاء الصباح فأيقظوه. ورأى نفسه في قصر الخليفة مرةً أخرى، والجواري حوله يحيينه. فارتبك أبو الحسن، وكاد يجن من الدّهشة، وخُيِّل إليه أنّه في منام. ثم غنته الجواري، وأقبلن عليه باسمات. وجاءه الوزير جعفر يحييه. فقال أبو الحسن: مَن أنا؟ أتراني حالمًا؟ فقال له: أنت الخليفة هارون الرشيد.
فقال أبو الحسن لأحد الخدم: إذا كنتُ أنا في يقظةٍ، فعضّ أذني لأثق بأنني يقظان، وأتثبّت من أنّني لست في حلمٍ.
فعضّ الخادم أذنه، فصرخ أبو الحسن من شدّة الألم، وقال: الآن عرفتُ أننّي لست نائمًا، وأيقنتُ أنّني لم أكن حالمًا، الآن أدركتُ أنّني الخليفة هارون الرشيد.
ظلّ أبو الحسن يعجب ممّا يراه قي قصر الخليفة، وهو يتردّد في تصديق ما تراه عيناه وتسمعه أذناه. ثم صاح بأعلى صوته، وقد كاد يجنّ من شدّة الفرح: لا شك في أنّني أمير المؤمنين، ولا ريب في أنني لست أبا الحسن!
كان الخليفة يرى ذلك كلّه ويسمعه، فدخل الغرفة، وقد كاد يقع على الأرض من شدّة الضّحك.
فعرفه أبو الحسن، وأدرك حقيقة أمره، وارتمى على قدميه يقبّلهما. وفرح به الخليفة وعانقه وغمره بالهدايا والمال، واتّخذه نديمًا له منذ ذلك اليوم..

بلال نعيم
08-05-2009, 11:19 AM
الثوب المغامر

في واجهة محل يبيع الملابس، عرض ثوب من قماش رقيق وألوان زاهية. وقفت ليلى أمام الثوب وقالت لوالدها: أريد هذا الثوب للعيد، فاشتراه لها. ورجعت ليلى إلى البيت فرحة بثوبها الجديد. وضعت ليلى الثوب مع أثوابها الأخرى في خزانة الملابس، وقالت لنفسها: الثوب الجديد أجمل من الأثواب جميعا، سأرتديه صباح يوم العيد، وأكون أجمل بنت في الحي. نامت وهي تحلم بأنها تدور به، وتطير في الهواء.

أما الثوب الجديد، فقد كان يفكر في تلك الفتاة الأخرى التي وقفت أمامه قبل أن تشتريه ليلى. لقد تطلعت إليه تلك الفتاة طويلا، وبدا عليها أنها أحبته كثيراً، لكنها لم تكن تملك نقوداً لشرائه.

فكر الثوب في الفتاة الفقيرة، وأحس بحزن شديد من أجلها.

قال الثوب لنفسه: إن خزانة ليلى مملوءة بالملابس، أما الفتاة الأخرى فقد وقفت أمامي وهي تلبس ثوبا قديما، ولا شك في أنها لا تملك غيره. يجب أن أغادر هذا المكان، وأن أذهب إلى الفتاة الأخرى قبل أن يأتي العيد. لقد رأيتها واقفة أمام منزلها وحيدة حزينة عندما كانت ليلى تحملني إلى هنا.
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story10.gif
انتظر الثوب حتى نامت ليلى وكل من في البيت، وخرج من الخزانة ليسير بحذر في الظلام، حتى وصل إلى بيت الفتاة الأخرى. هناك وجد الباب مفتوحا، فدخل بسرعة وأغلقه من خلفه.

كانت الفتاة نائمة عندما داعب الثوب وجهها بقماشه الحريري الرقيق.

استيقظت الفتاة سريعاَ وهي لا تصدق ما تراه. وحين لمست بيدها الثوب، قفزت من سريرها. احتضنته وقبلته وقالت: " الحمد لله! في صباح العيد سيكون عندي الثوب الجميل لأرتديه مثل باقي البنات".
في صباح العيد، خرجت الفتاة إلى الشارع سعيدة بثوبها الجديد, لعبت كثيرا مع صديقاتها ودارت بالثوب وكأنها تطير به في الهواء.

أما ليلى فقد بحثت عن الثوب، وعندما لم تجده قالت: " الحمد لله! عندي أثواب أخرى!". وارتدت للعيد ثوبا آخر.
وفي مساء العيد كان الثوب وحيداً يحدث نفسه: " لكن ماذا يفعل الأطفال الذين لا يملكون أثوابا جديدة للعيد، والذين لم يذهب إليهم في الليل ثوب مغامر مثلي؟".

بلال نعيم
08-05-2009, 11:22 AM
حكاية الملك السندباد والبازي

ذكر أن ملكا من ملوك الفرس كان يحب الفرجة والتنزه والصيد ، وكان له بازي رباه لا يفارقه ليلا ولا نهارا ، وإذا خرج إلى الصيد يأخذه معه ، وعمل له طاسة من الذهب معلقة في رقبته يسقيه منها ، وذات يوم جاء وزير الصيد يقول :
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story28a.gifوذات يوم استعد الملك للخروج إلى الصيد وأخذ البازي على يده وسار بموكبه إلى أن وصلوا إلى واد ونصبوا شبكة الصيد ، وإذا بغزالة وقعت في الشبكة .

فقال الملك : كل من هربت الغزالة من جهته قتلته ، فضيقوا عليها حلقة الصيد .

أقبلت الغزالة على الملك وشبّت على رجليها وحطت يديها على صدرها كأنها تقبل الأرض أمام الملك ، فخفض الملك رأس الغزالة ، ففرت من فوق دماغه وراحت مسرعة إلى البر ، فالتفت الملك إلى العسكر فرآهم يتغامزون عليه .

فقال : يا وزيري ، ماذا يقول العساكر ؟

فقال : يقولون إنك قلت : كل من فرت الغزالة من جهته يقتل . فقال الملك : وحياة رأسي لأتبعنها حتى أجيء بها .

ثم طلع الملك في إثر الغزالة ولم يزل وراءها من جبل إلى جبل محاولة أن تعبر الغار، فأطلق البازي وراءها فصار ينقرها في عينيها إلى أن أعماها وتوقفت عن الهرب. أقبل الملك عليها وضبها بعصا كبيرة ثم نزل فذبحها وسلخها وعلقها بسرج.


http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story28b.gif
كانت ساعة حر، والمكان قفر لا ماء فيه، فعطش الملك، وعطش الحصان، فالتفت الملك فرأى شجرة ينزل منها ماء مثل السمن، وكان لابسا كفوفا من جلد السرادق، فأخذ الطاسة من رقبة البازي وملأها من ذلك الماء، فوضع الماء قدامه، فلطش البازي الطاسة فقلبها، فأخذ الملك الطاسة ثانية وملأها، وظن أن البازي عطشان فوضعها أمامه، فلطشها ثانية وقلبها. غضب الملك من البازي وأخذ الطاسة ثالثة وقدمها للحصان، فقلبها البازي بجناحه، فقال الملك:


عليك اللعنة يا أشأم الطيور، حرمتني الشرب وحرمت نفسك وحرمت الحصان.

ثم ضرب البازي بالسيف فرمى أجنحته، فصار البازي يقيم رأسه ويقول بالإشارة:

- أنظر الذي فوق الشجرة.http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story28c.gif

رفع الملك عينيه، فرأى فوق الشجرة حية، يسيل سمها، فندم الملك على قص أجنحة البازي.

ثم قام وركب حصانه وسار، ومعه الغزالة حتى وصل إلى مكانه الأول، فألقى الغزالة إلى الطباخ، وقال له: خذها واطبخها.

ثم جلس الملك على الكرسي والبازي على يده، فشهق البازي ومات.

صاح الملك حزنا وأسفا على قتل البازي الذي خلصه من الهلاك، وقال: صدق من قال: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:25 AM
البطّتان والسلحفاة

زعموا أنّ غديرًا كان عنده عشب وفيه بطّتان. وكان في الغدير سلحفاة بينها وبين البطتين مودّة وصداقة.
فحدث أن غيض ذلك الماء، فجاءت البطتان لوداع السّلحفاة وقالتا: "السّلام عليك. إنّنا ذاهبتان عن هذا المكان بسبب نقص الماء عنه".
فقالت: إنّما يبيّن نقص الماء على مثلي. فأنا كسفينة لا أقدر على العيش إلاّ بالماء. أمّا أنتما فتقدران على العيش حيث كُنتما، فاذهبا بي معكما.
قالتا لها: نعم.
قالت: وكيف السّبيل إلى حملي؟
قالتا: نأخذ بطرفيّ عود وتتعلّقين بوسطه، ونطير بك إلى الجو، وإيّاك إذا سمعت النّاس يتكلّمون أن تنطقي.
فأخذتاها فطارتا بها في الجوّ.
فقال النّاس: عجيب،‍ سلحفاة بين بطّتين قد حملتاها!
فلمّا سمعت السلحفاة ذلك، قالت: فقأ الله أعينكم أيّها النّاس!
فلمّا فتحت فاها بالنّطق وقعت على الأرض، فماتت.


الحمامة والنملة

عطشت حمامة مرة، فأتت إلى نهر ماء فشربت، وكان بقربها نملة وقعت في الماء وأشرفت على الهلاك، فلما رأت الحمامة استعانت بها. فرمت لها الحمامة قشّة في الماء فنجت من الموت؛ وإذا بصياد خرج على الحمامة، فوتر قوسه ليقتلها، فعضت النملة رِجل الصياد، فالتفت من الألم وتخلصّت الحمامة.



حمامتان

زعموا أن حمامتين، ذكراً وأنثى ملآ عشهما من الحنطة والشعير. فقال الذكر للأنثى: إنا وجدنا في الصحاري ما نعيش به فلسنا نأكل مما هنا شيئا؛ فإذا جاء الشتاء، ولم يكن في الصحاري شيء، رجعنا إلى ما في عشنا فأكلناه.http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story29.gif

رضيت الأنثى بذلك وقالت له: نِعم ما رأيت. وكان الحَب نديّا حين وضعاه في عشهما. فانطلق الذكر فغاب. فلما جاء الصيف يبس الحب وضمر. فلما رجع الذكر، رأى الحب ناقصا فقال: أما كنا اتفقنا على ألا نأكل منه شيئا؟ فلم أكلته؟

أخذت الحمامة تحلف أنها ما أكلت منه شيئا، فلم يصدقها وجعل ينقرها حتى ماتت.

فلما جاء الشتاء ونزلت الأمطار، تندى الحب وامتلأ العش كما كان. ولما رأى الذكر ذلك ندم. ثم اضطجع إلى جانب الأنثى وقال: ما ينفعني الحب والعيش بعدك؟ وكلما فكرت في أمرك أعلم أني قد ظلمتك ولا أقدر على تدارك ما فات. ثم استمر على حزنه، فلم يطعم طعاما ولم يشرب شرابا حتى مات إلى جانبها.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:28 AM
الثّعلب والدّب والذئب

تحت ظلالٍ وارفةٍ في غابةٍ من الغابات، وبين مجاري المياه والسّفوح الخضراء، تآلف ثعلب وذئب ودب. عاش كلّ منهم حياةً جميلةً هادئةً، لما كان بينهم من حُبٍ واتّفاق وتعاون. وغالبًا ما كان الأصدقاء الثلاثة يمضون النّهار معًا، ويتجوّلون في أنحاء الغابة بحثًا عن الطّعام وطلبًا للعب.
وفي يومٍ من الأيام، وبينما كان الثلاثة جالسين عند ضفّة النهر، يرمون المياه الجارية بالحصى، قال الثعلب: أفكر في أمرٍ أظنّ أنّه سيعجبكما.
فقال الذئب: وما هو هذا الأمر الذي تفكّر به يا صديقي الثعلب؟ كنتَ دائما أيّها الثعلب الطّيب صاحبَ أفكارٍ جميلةٍ ومفيدةٍ. قُل لنا بماذا تفكّر؟
فقال الثعلب: أفكّر لو وجدنا طريقةً نأكل بها الخبز.
ابتسم الذئب وقال: إنّها فكرة رائعة. الخبز طيّب، وأظنّ أن الثعلب لو فكّر قليلاً لَوَجَد الطّريقة، ونستطيع بها أن نتدبّر أمر الخبز ونأكل طعامًا طالما حلمنا به.
وهنا قال الدبّ: ليس هناك من طريقةٍ يا صديقي الثعلب لنحصل على الخبز.
فقال الثّعلب: أمّا أنت يا صديقي الذئب، فأظنّ أنّك لو بدأتَ بزرع القمح لسَهل علينا أمر توفير الخبز بعد ذلك. ثمّ قال للدبّ: أمّا أنت يا صديقي الدّب، فعليك أن تساعد الذّئب.
فقال الدبّ: وكيف أساعده؟
قال الثعلب: زراعة القمح تحتاجُ إلى سقاية القمح. أليس كذلك؟
صحيح! صحيح! قال الدّب.
فأردف الثعلب: إذن عليك أن تروي القمح بعد أن يزرعه الذّئب.
وهنا قال الذّئب: وأنتَ يا صديقي الثعلب، ماذا سيكون عملك؟
فقال الثعلب: إنّه عمل صعب، ولكن من أجل صداقتي لكما عليّ أن أتحمّل، ولو كان سيجعلني أسهر طيلة الليل.
ما هو عملك إذن؟ قال الدّب.
فقال الثعلب: "يجب أن أحرس القمح كلّ يومٍ طيلة الليل. هل توافقان؟ وكان أن وافق كلّ واحد من الثلاثة على العمل الذي سيقوم به.
جاء الذئب بالقمح، وبعد أن حرث الأرض، زرعه. ثم راح الدّب بعد ذلك يرويه بالماء الذي حفر له قناةً عبر الدّروب، وأوصله من النّهر إلى الحقل.
أمّا الثّعلب فكان كلّ ليلةٍ، ما إن يغفو كلّ من الدّب والذّئب بعد نهارٍ متعبٍ لهما جدًا، يستلقي عند شجرةٍ قريبةٍ من حقل القمح يتأمّل النّجوم والقمر ويسهر ما يحلو له السّهر، ثم يطبق جفنيه وينام طيلة اللّيل قرير العين.
ومع الأيّام، كبر القمح، فاخضرّ، ثم اصفرّ، ثم نضج. وكان منظره جميلاً جدًا، وهو يغطّي تراب الحقل كقطعةٍ ذهبيةٍ.
جمع الثّعلب الذئب والدّب وقال لهما: ها قد نضج القمح، وعلينا أن نفتّش عن طريقةٍ نحصده بها.
فقال الذئب: ألم تجد طريقةً سهلةً يا صديقي الثعلب؟ فإنّ زراعة القمح قد أتعبتني.
فقال الثعلب: صحيح، يجب أن نجد طريقةً تُريحنا نحن الثلاثة. اسمعا: أنتَ يا صديقي الدّب، عليك أن تروح وتجيء مرّات كثيرة فوق القمح ليصبح مساويًا للأرض. أمّا أنت يا صديقي الذئب، فعليك أن تساعد الدّب في هذا العمل. وأمّا أنا فسأختار العمل الشّاق، وهو أن أحرس لكما الطريق من أي قادمٍ يريد لنا الشّر. فوافق الجميع. وراح الدّب والذئب يدوسان القمح، بينما راح الثّعلب يذرع الدّروب ويأكل التين ويتلذّذ بالعنب من الكروم المُنتشرة قرب الحقل.
مرّت أيام ثلاثة دَرَس فيها الدّب والذئب السّنابل حتى أصبح القمح تبنًا وسوقًا وقمحًا. فجاء الثّعلبُ الذّئبَ والدّبَ وهو مُنشرح الصّدر وقال: يا لكما من عاملين مجتهدين،‍ لقد جاء وقت القسمة.
فقال الدّب: رأينا هو رأيك يا صديقي الثّعلب. أليس كذلك أيّها الذئب؟
فقال الذئب: صحيح، فإنّ الثعلب حكيم ويعرف كيف يتدبّر الأمر.
وهنا قال الثعلب: أمّا أنتَ يا صديقي الدّب، فتأخذ السّوق وهي مفيدة. وأمّا أنت يا صديقي الذّئب، فتأخذ التّبن، وستجد لذةً في أكله. ويبقى القمح فآخذه أنا، ويكون كلّ واحدٍ منّا قد أخذ حصّته من غير أن يُصاب أحد بغبنٍ. فوافق الثلاثة وأخذ كلّ منهم حصّته.
عندما وصل الذّئب إلى بيته، وبدأ يأكل التبن بعد أن ألحّ الجوع عليه، وَجد أنّ التبن لا يُؤكَل. وعندما وصل الدّب إلى بيته وبدأ يأكل السّوق، بعد أن ألحّ الجوع عليه، وجد أن السّوق ليس للأكل. أمّا الثّعلب فأخذ القمح إلى المطحنة وطحنه، وعاد بالطّحين إلى البيت وصَنَع منه عجينًا، وأشعل النار، وراح يخبز، حتّى إذا فرغ، جلس ليأكل وهو فرحان يضحك من بساطة الذّئب وغباء الدّب.
أمّا الدب والذئب، فقرّرا بعد أن اجتمعا، أن يذهبا إلى بيت الثّعلب ويعترضا على ما فعله معهما.
ولمّا دخلا عليه، وجداه وقد أعدّ الخبز وراح يأكل بلذّةٍ ونَهمٍ. فصرخ الدّب: إنّك كذّاب أيّها الثعلب. وصرخ الذّئب: لقد خنتني يا قليل الوفاء!
وهجم الإثنان على الأرغفة وبدآ الأكل. ثم عضّ الذئب الثّعلب في عنقه فراح يبكي. أمّا الدب فمدّ يدًا إلى الخبز وبدأ يأكل بنهمٍ، أمّا يده الثّانية فقد قبضت على ذنب الثّعلب وراحت تشدّ وتشدّ حتى بات صراخ الثّعلب يُسمَع في أرجاء الغابة.
بكى الثّعلب. أمّا الدّب والذئب فقرّرا أن يقتصّا من الثعلب بأن يذهب ويأتي بالسوق والتّبن ويشعل الفرن ويخبز ما تبقى من الطّحين ليأكلا منه بشهيةٍ أمامه من دون أن يطعماه أيّة لقمةٍ.
ندم الثّعلب. ولكن النّدم لم ينفع صاحبه في يومٍ... فقد "سبق السّيف العذل، ولاتَ ساعةَ مَندَمٍ".

بلال نعيم
08-05-2009, 11:29 AM
عبد الله البرّي وعبد الله البحري

كان "عبد الله" الصّياد رجلاً فقيرًا جدًا، وكان له عشرة أولادٍ، يسعى كلّ يومٍ للحصول على قوُتهم. ولم يكن يملك غير شبكته التّي يصطاد بها السّمك من البحر ويبيعه، ثم يشتري بثمنه ما يقتات به هو وأولاده العشرة وزوجه الفقيرة.
وما زال كذلك حتّى ماتت زوجته، فحزن لموتها أشدّ الحزن، ولكنه علم أنّ الحزن لا ينفع، فأسلم أمره لله، وصبر على قضائه، ورضي بما قسمه له.
وذهب في اليوم الثّاني مبكرًا إلى البحر، بعد أن أوصى ابنته "أمينة" بإخوتها. وكانت أمينة بنتًا مؤدّبةً ذكيّةً، فعنيت بإخوتها خير عناية، وقد أصبحت لهم بعد موت أمّها والدةً ثانيةً، تغمرهم بعطفها وحنانها، وتسهر على خدمتهم، وتقوم بكلّ ما يحتاجون إليه.
لمّا وصل "عبد الله الصّياد" إلى شاطئ البحر، ألقى شبكته فيه، ثم أخرجها، فلم يجد فيها شيئًا من السّمك. فألقاها في البحر مرّةً ثانيةً ثم أخرجها، فلم يجد فيها سمكةً واحدةً. ثم ألقاها مرّةً ثالثةً وصبر عليها قليلاً؛ ولمّا جَذَبها وجدها ثقيلةً، ففرح بذلك، وظنّ أنّها مملوءةٌ بالسّمك. ولكنّ فرحه لم يطل. فقد وجدها، بعد أن أخرجها من البحر، مملوءةً بالرّمل والحشائش والوحل. فرمى ما فيها ونظّفها وغسلها، ثم ألقاها مرّةً أخرى، وهو يرجو أن تصطاد شيئًا من السّمك. وصبر عليها مدةً طويلةً وجذبها، فرآها ثقيلةً جدًا.
ففرح بذلك، وقال في نفسه:
"لا شكّ في أن شبكتي قد امتلأت سمكًا هذه المرة". ثمّ جذبها بكلّ قوّته حتّى أخرجها بعد عناءٍ شديدٍ. فرأى فيها جرّةً مملوءةً بالطّين والحصى.
حزن عبد الله الصّياد أشدّ الحزن، وتألّم لسوء بخته. وقال في نفسه: "إنّ الفرج يأتي بعد الشّدة، ولا بدّ من الصّبر، فإن الله سبحانه لن يتركني وأولادي بلا قوتٍ في هذا اليوم الذي لم أر له شبيهًا طوال عمري".
ثمّ رمى الجرّة، ونظّف شبكته وغسلها، وذهب بها إلى مكانٍ آخرٍ وألقاها في البحر، فلم تصطد شيئًا.
وما زال عبد الله يتنقّل من مكانٍ إلى آخر، ويلقي شبكته من غير فائدةٍ حتّى جاء وقت المساء، ولم يصطد سمكةً واحدةً. فرجع أدراجه إلى البيت، وهو متألّم حزين لما لقيه في ذلك اليوم المنحوس!
وما زال عبد الله الصّياد سائرًا في طريقه وهو متألّم كئيب، يُفكّر في أولاده العشرة الذّين تركهم في البيت من الصّباح بلا طعام، حتّى وصل إلى دكّان خبّازٍ غنيٍّ معروفٍ، اسمه "عبد الله الخباز"، فرأى الناس مُزدحمين على دكّانه لشراء الخبز، وهو مشغول بالبيع.
كان عبد الله الصّياد جائعًا ولم يذق طعامًا في نهاره. فلمّا رأى الخبز أمامه وهو خارج من الفرن، اشتهته نفسه، وتذكّر أولاده العشرة الجائعين. فتحسّر لفقره وعجزه عن شراء ما يقتاتون به. ولكنه صبر على قضاء الله، وعلم أن رزقه لا بدّ آتيه.
كان عبد الله الخبّاز صاحب هذا الفرن رجلاً مُحسنًا كريمًا مُحبًا للخير. فلمّا رأى عبد الله الصّياد واقفًا أمام دكّانه، محزونًا متألّماً، ينظر إلى الخبز بلهفةٍ وحسرةٍ، عرف أنّه فقيرٌ محتاجٌ جائعٌ، وأدرك أنّ نفسه تشتهي الخبز، ويمنعه الخجل والحياء من السّؤال. فناداه برفقٍ وهو يبتسم له: "مرحبا بك أيّها الصّياد، تعال إليّ أيّها الرّفيق العزيز.. هلمّ يا صاحبي، فخُذْ ما تحتاج إليه من الخبز".
سكت عبد الله الصّياد وظهرت عليه أمارات الإرتباك والخجل، ولم يجرؤ على طلب شيء من الخبز لأنّه كان على فقره عزيز النّفس، ولم يتعود في حياته المسألة (الشّحاذة). فقال له عبد الله الخبّاز، وقد أدرك ما يجول في نفسه: "لا تخجل يا صاحبي، فلن أطالبك الآن بثمن ما تأخذه من الخبز".
تشجّع عبد الله الصّياد قليلاً، وقال له: "الحقّ يا سيّدي أننّي خجل منك، فليس معي نقود أشتري بها ما أحتاج إليه من الخبز في هذا اليوم. فإذا شئت أعطيتك شبكتي، لتكون رهنًا عندك مقابل ما آخذه من الخبز لأطفالي العشرة الصّغار، الذين تركتهم في الصباح بلا طعامٍ، حتى يُيَسِّرُ ليَ الله، فأعطيك ثمن ما أخذته من الخبز".
فزاد عطف الخبّاز وتأثّره، فقال له مترفّقا مبتسمًا: "ومن أين تحصل على المال إذا أخذتُ منك شبكتك التي تصطادُ بها؟ كلا، لا تقلق بالك يا صاحبي بشيءٍ من ذلك، وتعال فخذ ما تشاء من الخبز، ثم أحضر لي بثمنه سمكًا ممّا تصطاد متّى يَسرّ الله لك".
ولمّا رأى الخبّاز تردّد الصّياد وارتباكه وحياءه أعطاه ما يكفيه هو وأولاده العشرة من الخبز، وقال له: "خُذ هذه النّقود يا صاحبي، فاشتر بها لأولادك العشرة شيئًا من اللّحم والفاكهة والحلوى. فشكره عبد الله الصّياد على كرمه ومروءته، وأخذ منه ما أعطاه له. وانصرف وهو فرحان، واشترى لأولاده أطيب المآكل. وعاد إلى بيته، وقد تبدّل يأسه أملاً وحزنه سرورًا.
في اليوم التّالي، ذهب عبد الله الصّياد إلى البحر، وظلّ يلقي شبكته، ثم يخرجها، فلا يجد فيها شيئًا من السّمك. وما زال كذلك حتّى خيّم الليل، فارتدّ راجعًا إلى بيته. ولما اقترب من دكان عبد الله الخبّاز، أسرع في سيره حتّى لا يراه. ولكنّ الخباز رآه وهو يسرع في خطاه، فأدرك أن خجله وحياءه يمنعانه من طلب ما يحتاجُ إليه من الخبز والمال في تلك اللّيلة، فناداه: "تعال يا صاحبي الصّياد، فقد نسيت أن تأخذ الخبز في هذه اللّيلة". فعاد إليه الصّياد وهو مرتبك، وقال له، والخجل ظاهر على وجهه: "كلاّ، لم أنس شيئًا يا سيّدي، ولكنّ الخجل قد منعني من ذلك، لأنّني لم أصطد شيئًا من السّمك في هذا اليوم، ولهذا لم أعطك ما اقترضته من المال، ولا ثمن ما أخذته من الخبز.
فقال له الخبّاز، مترفّقا مبتسمًا: "لا تقلق بالك يا أخي، فإنّي لن آخذ منك شيئًا من المال أو السّمك إلاّ إذا تبدّل عسرُك يسرًا، وإنّي أقسم عليك بالله ألاّ تخجل من طلب كل ما تحتاج إليه منّي. ثم أعطاه من الخبز والمال مثل ما أعطاه في اللّيلة السّابقة، فأخذه الصّياد شاكرًا واشترى لأولاده شيئًا من الطّعام والحلوى والفاكهة. وظلّ الصّياد في كلّ يومٍ يذهب إلى البحر ويلقي فيه شبكته طول النّهار، من غير أن يصطاد شيئًا. فيذهب ليلاً إلى دكّان الخبّاز، فيأخذ منه ما يحتاج إليه من الخبز والمال، ويشتري لأولاده ما يحتاجون إليه. وبقيَ كذلك مدّة أربعين يومًا.
فلمّا جاء اليوم الحادي والأربعون، جلس الصّياد يفكّر فيما لقيه من الكساد. فحزن وتألّم، ثم بكى من شدّة الحزن والألم. فسألته ابنته أمينة، وهي حزينة لحزنه: "ممّ تبكي يا أبت؟" فقصّ عليها قصّته كلها. فقالت له: "وهل أظهرَ لكَ الخبّاز شيئًا من النّفور أو الإعراض؟ وهل آذاك بكلمةٍ واحدةٍ يا أبي؟". فقال لها الصّياد: "كلاّ يا ابنتي العزيزة، بل هو على الضّد من ذلك، يبتسم لي كلّما رآني، ويبتسم مترفّقًا بيّ. ولكنّني خجل جدًا لأنّني لم أعطه شيئًا ممّا اقترضته منه. وقد مرّ بي أربعون يومًا لم أصطد فيها سمكةً واحدةً أهديها إلى هذا الخبّاز المُحسن الذي غمرني بكرمه. ولقد هممتُ مرارًا بتقطيع شبكتي ورميها حتّى لا أُتعُب نفسي بها كلّ يومٍ على غير جدوى". فقالت له: "على الإنسان أن يسعى، وليس عليه إدراك النّجاح، ولا بدّ من الصّبر على قضاء الله. ويجب عليك يا أبي أن تحمد الله على لطفه بك، فقد عطف عليك قلب هذا الخبّاز المُحسن في أيّام الضّيق. ولا بُدّ أن يأتي اليسر بعد العُسر، والفرج بعد الضّيق. ومن يدري؟ فلعلّ هذا اليوم يكون خاتمة أيّام النّحس، وفاتحة أيّام اليُسر والفرج".
خرج عبدالله الصياد من بيته، وهو مستبشر بما قالته ابنته له. ولمّا وصل إلى البحر، ألقى شبكته فيه، وصبر عليها قليلاً، ثم جذبها، فوجدها ثقيلةً جدًا. فقال في نفسه: "لا شكّ أنّ أيّام النّحس قد انقضت، وجاء وقت الفرج". ثم جذب الشّبكة بقوّةٍ حتّى أخرجها بعد تعبٍ شديدٍ، فوجد حمارًا ميّتًا. فانقلب فرحه وسروره حزنًا وغمًا، وقال في نفسه: "لقد كُتِبَ عليّ الشّقاء والنّحس. وما أحسبني أصطاد شيئًا بعد اليوم. ولقد كنت أحسب أنّه آخر أيّام البُؤس وأوّل أيّام الفرج، فإذا به أشدّ الأيام نحسًا! فإنني لم أصطد في حياتي كلّها مثل هذا الحمار الميّت الذي كادت تهلكني رائحته الكريهة!"
وهمَّ الصّياد بتقطيع شبكته ورميها والرجوع إلى بيته يائسًا من كلّ خيرٍ، ولكنه تذكّر نصيحة ابنته، وعلم أن الشتاء إذا اشتدّ برده القارس، جاء بعده الرّبيع البهيج؛ وأنّ الصيف إذا اشتد حرّه اللاّفح، جاء بعده الخريف الجميل، وأن البؤس إذا اشتدّ ضيقه واستحكم، أعقبه الفرج. فصبر على قضاء الله، وأخرج من شبكته جثّة الحمار الميّت ورماها، ثم نظف الشبكة وذهب بها إلى مكانٍ آخر من البحر يتلمّس رزقه فيه.
ألقى الصّياد شبكته في البحر، بعد أن دعا الله أن يُيَسّر له. وصبر عليها مدّةً طويلةً، ثم جذبها فرآها ثقيلةً جدًا. فظلّ يجذبها بكلّ قوّته، حتّى أخرجها، فوجد رجلاً عجيب الخلقة، غريب الشّكل، جسمه جسم إنسانٍ، وله ذيل طويل كذيل السّمك. فخاف الصّياد على نفسه، وظنّه عفريتًا من الجنّ، فصرخ من شدّة الفزع والرّعب، وأراد أن يهرب منه، ولكنّ ذلك الرّجل ناداه متلطّفًا، وقال له بكلامٍ عربيٍّ فصيحٍ: "لا تخف على نفسك منّي يا صاحبي، فأنا إنسانٌ مثلك ولست عفريتًا كما تظن، وأنا أعبد الله كما تعبده. وإنّما أنتَ إنسان برّي تعيش في البرّ، وأنا إنسان بحريّ أعيش في البحر". فاطمأنّ الصّياد حين سمع كلامه، وزال عنه الخوف.
ثم سأله عبد الله الصّياد عن اسمه، فقال له: "اسمي عبد الله البحري. فما اسمكَ أنتَ؟". فقال له: "اسمي عبد الله الصّياد". فقال له: "أنتَ تعيش في البرّ، فأنا أُسمّيك، من اليوم، "عبد الله البرّي". وسنكون صديقين من هذا اليوم ونحلف على الوفاء، ونلتقي في صباح كلّ يومٍ، فتحضر لي أنت ما تختاره من فواكه البرّ، وأعطيك ما تحبّه من كنوز البحر".
فرح عبد الله البرّي بذلك، وأعاده إلى البحر. فغاب عنه مدّةً قليلةً ولم يعد. فقال في نفسه: "لقد خدعني هذا الرّجل، ولو أخذته معي وعرضته في السّوق، لَعَجِبَ الناس من هيئته الغريبة، ولَجَمعت منهم مالاً كثيرًا".
وبينما هو يتأسّف على ضياع هذه الفرصة النّادرة، خرج إليه عبد الله البحري ويداه مملوءتان بالياقوت والزّمرد والمُرجان. ففرح عبدالله البرّي بذلك فرحًا شديدًا، وعرف صدقه فيما قال، ثم ودّعه بعد أن وَعَده بإحضار سلّةً مملوءةً بالفاكهة في اليوم التالي. فقال له عبد الله البحري: "إذا لم تجدني، فنادني بإسمي لأخرج إليك توًا". وانصرف عبد الله البرّي وهو فرحان بما نال من ثروةٍ عظيمةٍ، لم يكن يحلم بها طول عمره.
لم ينس عبد الله الصّياد فضل صديقه الخبّاز عليه. فأسرع إلى دكّانه وناداه، وقسَم بينه وبين الخبّاز ما معه من اللآلئ بالسّوية. ففرح الخبّاز بهذه الثّروة العظيمة أشد الفرح، وشكره على وفائه، وحمل إلى بيته كلّ ما في دكانه من الخبز، وأعطاه كل ما عنده من النقّود. ثمّ ذهب عبد الله البري إلى السّوق فاشترى من أطايب المآكل والفاكهة والحلوى شيئًا كثيرًا جدًا، وعاد إلى الأولاد وهو مبتهجٌ.
وفرحت أمينة وإخوتها بما ناله أبوهم من خيرٍ ونعمةٍ.
ذهب عبد الله البرّي صباح اليوم التّالي إلى صديقه عبد الله البحري وعلى رأسه سلّة مملوءة بأطيب الفاكهة. ولمّا وصل إلى البحر نادى: "يا عبد الله البحري!". فخرج إليه، وسلّم عليه، وأخذ منه ما أحضر من الفاكهة، وملأ له السّلة من كنوز البحر ونفائسه، فذهب بها إلى البيت، وأخذ منها بعض اللآلئ ليبيعها في السّوق. فلمّا رأى الصّائغ ما معه، ظنّ أنّه سارق، فنادى رجال الشّرطة ليقبضوا عليه.
وذهبوا به إلى الملك، بعد أن أهانوه وضربوه، فسأله الملك متعجّبًا: "من أين أحضرتَ هذه النّفائس؟" فقصَّ عليه قصّته كلّها. فأساه الملك، ووبخ الصّائغ ورجال الشرطة، وعاقبهم على فعلهم، وقد رأى ما أعجبه من حُسن أدبه ووفرة عقله، فقال له: "إنّ المال يا ولدي يحتاج إلى الجاه ليحميه من أذى السّفهاء والأشرار. وسأزوّجك ابنتي وأجعلك وزيري، فلا يجرؤ أحد على إيذائك بعد اليوم".
أصبح عبد الله البرّي، من ذلك اليوم، وزير الملك وصهره، ونقل الأولاد إلى القصر، مُعزّزين مُكرّمين.
ولكنه لم ينس صديقه عبد الله الخبّاز الذي ساعده في أيّام محنته. فذهب إلى مخبزه فرآه مغلقًا. فسأل الناس عن بيته حتى اهتدى إليه، وعلم أنّه مريض فناداه. فلمّا سمع الخباز نداءه، أسرع إليه وعانقه وهو فرحان بقدومه. فسأله: "لماذا أغلقت دكّانك؟". فقال له: "علمت ما لحق بك من الإهانة، فتألّمت لذلك أشدّ الألم، ومرضتُ بسبب حُزني عليك!". فشكره عبد الله البري على وفائه، وقصّ عليه ما حدث له، وزوّجه بابنته أمينة، وقدّمه إلى الملك، وذكر له وفاءه وفضله عليه.
أُعجب الملك بوفائهما إعجابًا شديدًا، وجعل عبد الله الخباز وزيرًا مع صهره عبد الله البرّي.
وكان عبد الله البرّي يذهب كلّ صباحٍ إلى صديقه "البحري" بسلّةٍ مملوءةٍ بالفاكهة، ويعود بها مملوءةً بالأحجار الكريمة. وفي ذات يومٍ، جلسا يتحدّثان؛ فدعا البحري صديقه البرّي ليريه من عجائب البحر، فخلع ملابسه، ودهن جسمه بمرهمٍ عجيبٍ أحضره له حتّى لا يؤذيه الماء، ثم نزل معه في قرار (أعماق) البحر.
رأى عبد الله البَرّي ما يحويه البحر من كنوزٍ وسَمك مختلف الأنواع والألوان، منه ما يشبه الجاموس والبقر، ومنه ما يشبه الكلاب، ومنه ما يستطيع أن يبتلع الجَمَل أو الفيل ولكنّه ينفرُ من الإنسان، ويهرب منه إذا رآه. وكان يرى كلّ يومٍ عجائب وغرائب لا تُوصف!!
كان عبد الله البرّي يأكل كما يأكل صديقه عبد الله البحري سمكًا نيئًا، فسئِمَت نفسه ذلك الطعام وأراد الرّجوع إلى البر. فذهب بصديقه إلى بيته وهو كهف في قرار البحر، وأراه أولاده وهم يشبهونه في الخُلقة.
فعجب من أذنابهم، وعجبوا منه إذ رأوه بلا ذنب. وسألوا أباهم: "مَن هذا الأبتر؟". فقال لهم: "إن سكّان البرّ ليس لهم أذناب!". فعجبوا من ذلك.
وبينما هم جالسون، إذ جاءهم رسول من أحد جيران عبد الله البحري، يعرض على ضيفه أن يزوره في بيته. فقال البرّي للبحريّ: "لقد سئمت نفسي البقاء في البحر، ولا أريد الذّهاب إلى جارك، فقل لرسوله إننّي قد عدتُ إلى البرّ أمس". فصاح عبد الله البحري غاضبًا: "أنتَ تكذب وتريد منّي أن أكذب؟ إنّ الرّجل الذي يكذب لا وفاء له ولن أصاحبك بعد اليوم".
وصاح أولاده: "هذا عجيب! هذا رجل يكذب، وما سمعنا طول عمرنا أنّ رجلاً يكذبُ!"
فخجل عبد الله البرّي أشدّ الخجل، وعاد به عبد الله البحري إلى البر، ولم يخرج إليه بعد ذلك اليوم..
عاد عبد الله البرّي إلى بيته، فسأله الملك عن سبب غيبته، فقصّ عليه كل ما حدث، فعجب من قوله أشدّ العجب، ثم عاش مع زوجه وأولاده مسرورين، ولكنه لم ينس كذبته، وكان يخجل كلّما ذكرها أشدّ الخجل!

بلال نعيم
08-05-2009, 11:30 AM
مـا قُـدّر يكـون


كان أحد الملوك يهتمّ بأمر رعيته بشكلٍ دائمٍ. وفي أحد الأيام خطر بباله أن يطوف في نواحي مملكته مُتكتّمًا، فيستطيع أن يطّلع على رأي أبناء رعيّته فيه، وعلى ما يحتاجون إليه، فيُلبّي مطالبهم من دون أن يعلموا أنّه عرفها منهم.
تخفّى الملك بملابس لا تدلّ عليه. وكذلك فعل وزيره. وخرجا يطوفان في المدينة وضواحيها، ويقعدان إلى التّجار والعمّال والفلاّحين ويتحدثان إليهم، ويسألانهم عن أحوالهم، وعن ملكهم، كأنّهما غريبان لا يعرفان شيئًا عن بلادهما.
وصلا إلى بيت فلاحٍ فقيرٍ، فجلسا يستريحان عنده، فقدّم لهما الفلاّح طعامًا، فأكلا وشَكَرا له ضيافته.
كان للفلاح طفلٌ صغيرٌ في مثل عُمر بنت الملك، رآه الملك بين ذراعيّ أمه. وكان الوزير مّمن يقرأون المُستقبل في الوجوه وتقاطيعها، فقرأ على جبهة الطفل أنّه سيكون، حين يكبر، صهر الملك. فأخبر الملك سرًا بذلك. فضحك الملك وقال له: " لن أدعه يتزوّج ابنتي، فهو سيشبّ فقيرًا حقيرًا، ولن يصلح أن يكون زوجًا لبنت ملك. وسأريك كيف أمنعُ هذا الزّواج".
نادى الملك الفلاّح وسأله إن كان إبنه هذا وحيدًا. فقال الفلاح: كلاّ! إن له أخوةً ثلاثةً. فقال له الملك: إنّ لا أولاد لي، وأريد أن أتبنّى ولدًا وأربّيه وأعلّمه وأورّثه ثروتي الكبيرة. هل تعطيني الطّفل ما دام عندك ثلاثة أولاد غيره‎؟
تردّد الفلاح وزوجته في بادئ الأمر، ولكنّهما فكّرا بمستقبل ابنهما في رعاية هذا الرّجل الغنيّ الذي سيُربّيه تربيةً حسنةً ويعلّمه، كما سيورثه ثروةً كبيرةً يمكنه معها أن يساعدهما ويساعد إخوته. فرضيا بما عرضه عليهما. وقدّم لهما الملك مبلغًا من المال ليُحسّنا أوضاعهما.
حمل الوزير الطفل وسار مع الملك حتّى وصلا إلى نهرٍ، فتناول الملك الطّفل من الوزير وقذفه في النّهر وقال للوزير: أرأيت كيف أكذّب المُقدَّر؟ فليتزوج بنتي بعد الآن! فقال الوزير: لن تستطيع يا ملك الزّمان أن تغيّر شيئًا ممّا قدّره الله. سوف ينجو هذا الطّفل ويتزوّج ابنتك. فضحك الملك ساخرًا من تفكير وزيره، ورجعا إلى القصر.
أمّا الطفل فحمله تيّار النّهر حتى قذف به في مجرى ماءٍ يدير حجر مطحنةٍ، فسدّ الطفل الفوهة، ونقص الماء عن الحجر، فوقف عن الدوران. فظنّ الطّحان أن صخرةً وقعت في المجرى فسدّت فوهته، فصعد إلى سطح المطحنة ليرى السبب، فوجد طفلاً ناشبًا بين قضبان الحديد الموضوعة على الفوهة، فانتشله، فرآه ما يزال حيّا، فعطف عليه، وحمله إلى زوجته وطلب منها أن تعتني به كما تعتني بأولادها، ففعلت.
ولمّا كبر الولد أرسله الطحّان مع أولاده إلى المدرسة، وشهد له أساتذته بالذّكاء والإجتهاد. وبعد بضع سنين أكمل علومه ونال شهادته. ففرح به الطحّان وأسرته، وأخذ يُفكّر في عملٍ يليق بمعارفه.
في إحدى الأيام خرج الملك ووزيره إلى الصيد، ومرّا بالأرض التي فيها المطحنة وجلسا يستريحان في ظلّ إحدى الأشجار، فذهب الطحّان ودعاهما للإستراحة عنده، فقبلا دعوته، وذهبا معه.
وفي بيت الطّحان رأى الوزير الولد الذي كان الملك قد ألقاه في النّهر، وكان قد صار شابًا، فعرفه وقال للملك هامسًا: هذا هو الولد الذي ألقيته في النهر، نجا وشبّ، وسوف يتزوج ابنتك!
قلق الملك، وسأل الطحان: أهذا الشّاب ولدك؟ فقال الطّحان: كلا! وأخبره كيف وجده في فوهة المطحنة فربّاه كأحد أولاده، وعلّمه، وهو اليوم يسعى ليجد عملاً يليق بمعارفه.
فقال له الملك: لا تشغل بالك بالأمر، سآخذه إلى بلاطي وأعيّنه في منصبٍ حسنٍ.
فدعا الطّحان للملك بطول العمر. وكتب الملك رسالةً إلى الملكة يقول فيها: حينما يصلُ الشّاب الذي يحمل هذه الرّسالة، مُرِي بقتله فورًا. ووقّع الرّسالة وختمها وسلّمها إلى الشّاب، وقال له أن يأخذها إلى الملكة، وهي تضعه في المنصب الذي يليق به.
حمل الشّاب الرسالة وذهب إلى قصر الملك. ولمّا وصل شعر بالتّعب وقد أجهده الحر، فاستراح قليلاً في ظلّ جدران القصر العالية. وشعر ببرودةٍ لذيذةٍ، فنعس وتمدّد على الأرض فأغفى، وكانت نومته تحت نافذة بنت الملك.
وصادف أن أطلّت بنت الملك من نافذتها فرأت شابًا نائمًا تحتها، فأعجبها شبابه، فانحدرت إليه لترى ما شأنه، فوجدته مغفيًا وفي يده رسالة، فأخذتها من يده من دون أن يشعر، وفتحتها وقرأتها، فاستاءت من أبيها، وحنّت على الشاب، وشعرت بحبٍ له، فمزّقت الرسالة، وأسرعت إلى غرفتها، فكتبت رسالة غيرها قالت فيها لأمها عن أبيها: حينما يصل هذا الشّاب إليك زوّجيه حالاً بابنتنا ولا تراجعيه. وقلّدت إمضاء أبيها وختمت الرّسالة ووضعتها قرب يد الشّاب وعادت إلى غرفتها.
لم يلبث الشاب أن استيقظ، ففرك عينيه ونهض، وقرع باب القصر، ففتح له خادم. فأخبره أنّه يحمل رسالةً من الملك إلى الملكة. ولمّا قرأتها تعجّبت من عجلة الملك في تزويج بنتها بشابٍ لا تعرفه. ولكنّها لمّا نظرت إليه أعجبها شبابه، وكلّمته فأعجبها لطف كلامه، فنادت ابنتها وسألتها: هل تريدينه زوجًا؟ فأجابت بالإيجاب، فزوّجته إيّاها.
بعد يومين عاد الملك من الصّيد، وما إن دخل القصر حتى رأى الشاب الذي أمر بقتله يتنزّه مع ابنته في بستان القصر، فذهل وسأل أحد الخدم: مَن هذا الشّاب؟ فأجابه: إنّه زوج ابنتك الأميرة.
فغضب الملك ودخل يسأل الملكة كيف زوّجته ابنتهما مع أنه أمرها في رسالته أن تقتله. فناولته الرّسالة التي وصلت إليها، وقرأها، فتعجّب لتغيّر ما كان قد كتبه في رسالته، ونظر إلى التّوقيع فرأى أنّه توقيعه. فالتفت إلى الوزير مذهولاً. فقال له الوزير: "أما قلت لك يا ملك الزمان أنّ ما قُدّر لا بُدّ من أن يكون".
فأذعن الملك للأمر الواقع وجعل الشاب في منصبٍ سامٍ يليق بصهر الملك.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:31 AM
الحطّاب

كان في قديم الزمان حطاب يخرج كلّ صباحٍ ليجمع الحطب. وذات صباحٍ خرج الحطّاب من البيت والسماء تمطر بغزارة. وعند وصوله إلى المكان الذي يجمع منه الحطب، وجد سَبعًا مُستلقيًا على الأرض.
قال السّبع للحطاب: "أريد أن أصادقك وأساعدك لأنّك فقير الحال". ففرح الحطّاب فرحًا شديدًا.
أخذ السّبع يساعده إلى أن صار غنيًا.
وذات ليلةٍ كانت السّماء تمطر مطرًا غزيرًا. ففكّر السبع أن يذهب إلى بيت صديقه الحطاب. ولما أراد دخول البيت شاهد عددًا من الرجال جالسين مع الحطّاب، ففكر السبع في نفسه، وقال: "لن أدخل إلى بيت صديقي حتى لا يخاف منّي هؤلاء الرجال".
تنحّى السّبع جانبًا حتّى لا يشاهده أحد. وبدأ الرّجال يتحدّثون مع الحطّاب، فسأله أحدهم: "أيّها الحطّاب، إنّك رجلٌ فقيرٌ، فمن أين حصلت على هذا المال الكثير؟" http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story44.gif
فأجاب الحطاب: "لقد حصلت على المال بتعبي".
ولمّا سمع السّبع ذلك غضب غضبًا شديدًا، لأنّ الحطّاب بهذا الرد أنكر مساعدة السّبع له.
ورجع السّبع إلى مكانه وهو حزين.
عند الصّباح، ذهب الحطّاب كعادته إلى المكان الذي يعيش فيه السّبع، فوجده يعاني المرض.
سأله الحطاب: "ما بك يا صديقي العزيز؟"
فأجابه السبع: "إني مريض". ثم سأله: "هل فأسك قوية؟"
أجاب الحطاب: "نعم، إنّها قوية".
فقال له السّبع: "أرجو أن تضربني بها ضربةً شديدةً".
استغرب الحطّاب هذا الطلب، لكنّه ضرب رأس السبع، فأوقعه على الأرض مُضرّجا في دمائه. وظنّ الحطاب أن السبع قد مات، فتركه، وعاد إلى بيته.
مرّت الأيام... وذات يومٍ ذهب الحطّاب إلى عمله –كالعادة- فرأى السّبع حيًا يُرزَق، فناداه، وقال له: "عفوك يا صديقي، لقد أخطأتُ وضربتُك ثم تركتك مُعتقدًا أنّك ميت". قال السّبع: "أرجو أن تنظر إلى رأسي، هل شُفِيَ الجرح؟"
نظر الحطّاب إلى رأس السبع فوجد الجرح قد إلتأم ولم يبق له أثر، فأخبر السّبع بذلك.
قال السبع: "هذه هي ضربتك. إنّ جرح الضّرب يلتئم، لكن جُرح الكلام فلا يلتئم أبدًا. قُل لي لماذا أنكرتَ مساعدتي لك؟"
خجل الحطّاب وراح يعتذر للسّبع عمّا حدث. لكنّ السبع التفت إليه غاضبًا وقال: "هيا ابتعد عني بسرعة، وإلاّ فإني سآكلك".
فهرب الحطاب لينجو بنفسه...

بلال نعيم
08-05-2009, 11:32 AM
الشاب المقطوع اليد

كان في قديم الزمان تاجر يتردد في تجارته على إحدى المدن، ويبيت في أحد الفنادق. ولما كان حديثه ممتعا، كان يجتمع حوله نزلاء الفندق وعماله، فيروي لهم من حكاياته الجميلة. وفي إحدى الليالي حكى لهم قصة غريبة حصلت معه. قال: أنا ابن تاجر مصري، ولما أصبحت شابا تسلمت العمل مكانه. ذات يوم جاءني شاب أنيق الثياب ومعه قليل من السمسم، عرضه عليّ لأشتري منه، واتفقنا على السعر، واشتريت كل ما عنده بخمسة آلاف درهم. ولكنه لم يقبض الثمن، وغاب وعاد بعد شهر. فدعوته لتناول الغداء، فاعتذر لي ولم يأخذ الدراهم، وكرر هذا ثلاث مرات، وفي المرة الرابعة غاب سنة، ولما دعوته قبل دعوتي لتناول الطعام في بيتي.

بدأ يتناول الطعام بيده الشمال، فدهشت لذلك وسألته عن السبب، فأراني يده اليمنى فإذا هي مقطوعة الزند بلا كف. وسألته عن سبب قطعها فقال: لقد جئت بتجارة من بغداد إلى القاهرة، وقضيت في مصر أسابيع أستمتع بجمال مصر وآثارها العريقة.. وكنت يوما عند أحد التجار، فدخلت عليه امرأة جميلة تشتري قطعة من القماش، فطلب التاجر الثمن سلفا فرفضت وخرجت فورا، فلحقتها وأعطيتها الثمن على أن تحضره إلي في الأسبوع القادم، أو تقبله هدية. فأخذت القماش وشكرتني، وانشغل بالي بالتفكير فيها طول الليل.

وفي اليوم المحدد أسرعت إلى حانوت التاجر، فأقبلت وسلمتني ثمن القماش ودعتني لزيارتها في تلك الليلة. وسألت التاجر عنها فأخبرني أنها بنت أمير، مات وترك لها مالا وفيرا.

ولما ذهبت لزيارتها في قصرها، أدخلني الخادم قاعة فخمة ذات سبعة أبواب، فجلست أتطلع مبهورا، مرة في السقف المزين بالطلاء الذهبي، وطورا بالجدران المغطاة بأجمل اللوحات، وتارة أخرى بحوض محاط بأربع حيات وأربعة طيور من الذهب ينصب الماء من أفواهها.

جاءت الصبية الجميلة ودعتني إلى العشاء، وتحادثنا، وفي نهاية السهرة اعترفنا بحبنا واتفقنا على الزواج.

فطلبت القاضي والشهود وقالت: اشهدوا أن مهري خمسون دينارا كل يوم، فوافقت، وتم الزواج. وكنت أعطيها كل يوم خمسين ديناراً ، حتى فقدت كل ما أملك ولم يعد معي ما أدفعه لها.

وبينما كنت أمشي في السوق أفكر في الأمر، زين لي الشيطان أن أسرق جنديا مر بجانبي وكان معه كيس مليء بالذهب، فضربني الجندي على رأسي فوقفت وتجمع الناس ليعرفوا الخبر. وصادف مرور الوالي، فأخبروه أني لص، ولما فتشني وجد الكيس في جيبي، فقادني إلى مقره وأمر بقطع يدي. حاولت الاعتذار ووعدت بالتوبة ولكنه لم يسامحني، وقطعت يدي. وعدت إلى البيت بعد لفها، ولم أبح بالسر لزوجتي. لكنها عرفت أن يدي مقطوعة وسألتني عن السبب، فأخبرتها أني سرقت الجندي بسببها. فأخذتني إلى خزانة فتحتها فوجدت فيها المال الذي أعطيته لها، وأعطتني ورقة مؤرخة في اليوم الثاني لزواجنا وفيها وهبتني كل ما تملك من مال وعقار. وبكت لأنها عرفت أني بذلت يدي في محبتها.. ومن شدة حزنها مرضت ولم ينجح الأطباء في شفائها، وماتت بعد فترة..

ثم دعاني الشاب إلى مرافقته في تجارة كبيرة إلى بلاده، فأتيت معه، وعاوده الحزن واشتد عليه الألم والمرض، ومات.

وبقيت هنا لأكون قريبا من قبره أزوره كل يوم وأضع على قبره باقة من الزهور.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:33 AM
علي بابا والأربعون لصًا

يُحكى أنّه كان في بلاد فارس أخوان شقيقان، يُدعى الأكبر قاسمًا والثّاني علي بابا. كان والدهما تاجرًا من أغنياء التُّجار. ترك بعد موته ثروةً طائلةً مؤلّفةً من قصورٍ فخمةٍ ومالٍ وفيرٍ وأراضٍ واسعةٍ وبضائع ثمينةٍ. استولى قاسم على هذه الثّروة الكبيرة، وأصبح تاجرًا غنيًا، وترك أخاه علي بابا في فُقرٍ شديدٍ، بل كثيرًا ما كان يعامله معاملةً قاسيةً، لا رحمةً فيها ولا شفقةً.
وزاد في فقر علي بابا أنّه كان يعيل أسرةً كبيرةً مؤلّفةً من زوجةٍ وستة أولادٍ، وكان حطّابًا ماهرًا، يذهب كلّ صباحٍ إلى الغابة، فيقطع الأخشاب ثمّ يحملها على حماره ويعود إلى المدينة فيبيع الحطب ويشتري بثمنه طعامًا لأولاده.

"افتح يا سمسم"
وكعادته كلّ صباحٍ، انطلق علي بابا يومًا ومعه حماره الهزيل ليحتطب في الغابة. فإذا به يسمع ضجّةً شديدةً آتيةً من بعيدٍ. ثمّ أخذت الأصوات تقترب وتعلو، فخاف وارتبك فتسلّق شجرةً كثيفةً واختبأ بين أغصانها وأوراقها بعد أن خبّأ الحمار في حفرةٍ مجاورةٍ.
التفت علي بابا إلى مصدر الأصوات، فشاهد غبارًا يتصاعد إلى عنان السّماء، ثم انجلى هذا الغبار عن أربعين فارسًا يتقدّمهم قائدهم. كان الفرسان يلبسون الثّياب الزّاهية الملوّنة ويمتطون خيولاً قويةً أصيلةً، وفي أيديهم رماحٌ لامعةٌ في أشعة الشّمس، وعلى خصورهم سيوفهم في أغمادها. وكان يبدو على هذه الجماعة مظاهر البَأسِ والقوّة.
عندما وصل الفرسان إلى صخرةٍ كبيرةٍ في وسط الغابة، قُربَ شجرةٍ من أشجار جوز الهند، ترجّلوا عن خيولهم وتقدّم قائدهم وصاح بأعلى صوته مُخاطبا الصّخرة: "افتح يـا سمسم!"
يا لهول المفاجأة! لقد زلزلت الأرض وانشقت الصّخرة وثار غبارٌ في الجوّ. وعندما انجلى الغبار، ظهر مكان الصّخرة كهفٌ كبيرٌ، له باب واسع، دخل إليه القائد وتبعه الفُرسان بعد أن ربطوا خيولهم بجذوع الأشجار المجاورة. وما لبث الباب أن انغلق وراءهم.
مكث الفرسان في الكهف بعض الوقت ثم خرجوا وركبوا خيولهم ومضوا من حيث أتوا، حتّى غابوا عن الأنظار، بعد أن سمع علي بابا قائدهم ينادي بأعلى صوته: "أغلق يـا سمسم!"

"علي بابا في الكهف"
نزل علي بابا من أعلى الشّجرة والدّهشة تكاد تعقد لسانه. وقف أمام الصّخرة يتأمّلها. "هل من الممكن أن تتحرّك هذه الصّخرة الهائلة فور النّطق بهذه الجملة؟" نادى "علي بابا" بأعلى صوته: "افتح يا سمسم!" ، فإذا بالصّخرة تنشقّ مرّةً ثانيةً عن كهفٍ كبيرٍ مُعتّم؛ فالتقط غُصنًا يابسًا وأشعله ليُنيرَ به طريقه داخل الكهف. دخل الكهف والخوف يتملّكه، فأخذ يتنقل من قاعةٍ إلى أخرى داخل الكهف حتّى وصل إلى قاعةٍ فسيحةٍ، وَجَد فيها كميّات لا تُحصى من الذّهب والفضّة والأحجار الكريمة والثياب المُزركشة. فَرَكَ علي بابا عينيه ليوقظ نفسه من الحلم الجميل، ولكنّه تأكد أنه لا يحلم، بل هو في الحقيقة داخل كهف هؤلاء الفرسان الذين هُم لصوص أشدّاء يُخبّئون ما يسرقون داخل هذا الكهف السّحري الكبير. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story31.gif
لم يُضيّع علي بابا الفرصة، بل أخذ يحشو جيوبه بما تصل إليه يداه من الذّهب والجواهر، ثم خرج ونادى بأعلى صوته: "أغلق يا سمسم!"
أفرغ علي بابا جيوبه من المجوهرات التّي استطاع الحصول عليها من مخبأ اللّصوص، ووضعها فوق ظهر حماره ثم غطّاها ببعض الحطب، وعاد إلى منزله ليُخبّئ كنزه في مكانٍ أمينٍ.

"المكيال الفاضح"
عندما رأت زوجته كلّ هذه المجوهرات، عَقَدت الدّهشة لسانها واضطربت، وقالت له بصوتٍ غاضبٍ: "من أين أتيت بهذه الجواهر الثّمينة، وكيف سرقتها؟"
فأجابها علي بابا، وهو يُهدّئ من غضبها: "أنا لم أسرق هذه الكنوز وإنّما عثرتُ عليها في كهف جماعة اللّصوص". ثم قصّ عليها قصّة الأربعين لصًا الذّين يُودِعُون ما يسرقونه في كهفٍ اتّخذوه في باطن الجبل في وسط الغابة.
هدأت زوجة على بابا وانفرجت أساريرها وأرادت أن تعرف ما قيمة الثّروة التّي أصبحوا يملكونها الآن، ولكنّها لم تستطع أن تعدّ النّقود لكثرتها؛ ولهذا طلبت إلى زوجها أن يذهب إلى بيت أخيه "قاسم" ويستعير منه المِكيال لتزن به المجوهرات.
ذهب علي بابا إلى منزل أخيه قاسم وطلب إلى زوجة أخيه أن تعيره المكيال.
استغربت زوجة قاسم هذا الطلب لأنّها تعرف أنّ شقيق زوجها فقيرٌ لا يملك شيئًا يزنه بالمكيال. دبّت الغيرة في قلب زوجة قاسم وقالت في نفسها: "ماذا عساه يكيّل هذا الرّجل الفقير؟ لا بُدّ لي من معرفة ذلك". ثم مضت ووضعت في قعر المكيال شيئًا من العسل وأعطته إلى علي بابا، طالبةً إليه ألاّ يتأخّر بإعادته فور الإنتهاء منه.
وَزَنََت زوجة علي بابا الأحجار الكريمة والنّقود الذّهبية. ولشدّة سرورها لم تنتبه إلى العسل في قعر المكيال، ولم تنتبه إلى الأحجار الكريمة التي علِقَت في قعره أيضًا. ثمّ وجدت زوجة قاسمٍ في قعر المكيال القطع الكريمة العالقة، فدبّت الغيرة في قلبها. ولمّا جاء زوجها في المساء، أخبرته أنّ أخاه الفقير، علي بابا، أصبح يُكيّل الذّهب بمكيال الحُبوب، ثم أرته القطعة الثّمينة التي علقت في المكيال.

"قاسـم في الكهف"
في الصّباح، قصد قاسم منزل أخيه على بابا وأخذ يتودّد إليه على غير عادته، ويسأله عن الطّريقة التي حصل بها على الذّهب بعد أن كان حطّابًا بائسًا فقيرًا.
لم يجد علي بابا أمام إلحاح أخيه قاسم بُدًا من أن يخبره بكهف اللّصوص وكلمة السّر "افتح يا سمسم".
في صباح اليوم التّالي، ذهب قاسم قاصدًا كهف اللّصوص ومعه عشرة بغالٍ مُحمّلة بصناديق فارغةٍ لكي يملأها بشتى الجواهر والأحجار الغالية.
وقف قاسم أمام الصّخرة ونادى بأعلى صوته: "افتح يا سمسم"! فإذا بالصّخرة تنشقّ عن كهفٍ عظيمٍ. دخل قاسم ودوابه إلى قاعة المجوهرات، فبَهَر عينيه بريق الجواهر، وأحسّ بالذّهول ولم يشعر بباب الصّخرة وهو يغلق وراءه، بل اندفع إلى الدّاخل يجمع كلّ ما تستطيع يداه أن تصل إليه ويضعه في الصّناديق التّي أعدّها لهذه الغاية.
لمّا امتلأت الصّناديق بالكنوز النّادرة، ساق دوابه نحو الصّخرة ليخرج، لكنّه وقف أمامها حائرًا. فقد أنساه جشعه كلمة السّر "افتح يا سمسم". فأخذ يُنادي: "افتح يا شعير، افتح يا حمّص، افتح يا قمح"،.. ولكن من دون جدوى. فقد ظلّت الصّخرة مغلقةً. فدبّ الخوف إلى قلبه وأقلقه الهَمّ والجزع، وأخذت نفسه تحدّثه بسوء العاقبة بعدما أوصله الطّمع إلى هذا المصير المُؤلم..
مضى عليه وقت ليس بالقصير، وإذا به يسمع وقع حوافر خيول اللّصوص وقد عادوا إلى كهفهم، وصوت قائدهم يُدوي في الخارج: "افتح يا سمسم".
فتذكّر عندئذٍ كلمة السّر، ولكن بعد فوات الأوان. وارتعدت فرائصه فانزوى في أحد أركان الكهف.. ولكن كيف يستطيع النّجاة، وبغاله المحمّلة بالنفائس الغالية ماتزال في مكانها داخل الكهف؟
ما كاد اللّصوص يرون قاسمًا وبغاله داخل كهفهم حتّى ثار فيهم الغضب. فقبضوا عليه وأعملوا فيه سيوفهم ولم يتركوه إلاّ جثةً هامدةً مقطوعة الذّراعين. عندئذ أمرهم قائدهم بوضع الجثّة على باب الكهف ليكون عبرةً لغيره مِمَّن تُحدّثه نفسه باقتحام مخبئهم.
طالت غيبة قاسم عن المنزل، فقلقت زوجته وخافت أن يكون قد مسّه سوء أودى بحياته. فذهبت إلى منزل أخيه علي بابا تشكو له مخاوفها، فطمأنها علي بابا وقال لها: "سأذهب في الصّباح الباكر إلى الغابة لإستجلاء الأمر".
استيقظ "علي بابا" باكرًا وذهب إلى كهف اللّصوص، ويا لهول المفاجأة... لقد رأى أخاه جثّةً هامدةً عند باب الكهف. رفع "علي بابا" جثّة أخيه ووضعها على ظهر حماره بعد أن غطّاها بالحطب وعاد إلى المنزل حزينًا.
ما كادت زوجة قاسم ترى جثّة زوجها حتّى أصابها الذّهول وصارت تبكي بحرقةٍ وألمٍ. فأخذ علي بابا وزوجته يُخفّفان عنها ويحثّانها على الصّبر والتسليم بقضاء الله وقدره. ثم راحوا يفكّرون في طريقةٍ لدفن الجثة المُقطّعة من دون أن يثيروا فضول النّاس، ويصل الخبر إلى اللّصوص.
كان لدى قاسم جارية ماهرة ذكيّة الفؤاد تُدعى "مرجانة". وقد أدركت حيرة أهل البيت وقلقهم، فأخبرتهم بأنّها تستطيع أن تصل الذّراعين بالجثة وتخيطهما من دون أن تثير الشكّ في نفوس النّاس.
ذهبت "مرجانة" باكرًا إلى سوق الخيّاطين، فشاهدت خيّاطًا يُدعى "مصطفى" يرتقُ ثوبًا على باب دكّانه، فحيّته وسألته بلطفٍ: "كم تربح في اليوم من عملك هذا؟" فأجابها الخيّاط: "إنّي أربح دينارين".
فاقتربت منه وقالت له: "إنّي مستعدّة أن أعطيك عشرة دنانيرٍ إذا ذهبت إلى البيت لتخيط لي شيئًا عزيزًا عليّ".
فَرِحَ الخيّاط بهذا الرّبح الوفير، ثم قام وأغلق باب دكّانه وسار وراء الجارية مرجانة التي لم تكد تبتعد قليلاً حتّى أخرجت منديلاً وعصبت عينيه لئلا يهتدي إلى مكان البيت.
خاط مصطفى الخيّاط جثة قاسم ثم عاد إلى دكانه فرحًا بما كسبه من مالٍ؛ في حين كان علي بابا وزوجة أخيه يقومون بدفن الجُثة.

"اللّصوص والخيّاط"
عاد اللّصوص إلى المغارة مساءً، وكم كانت دهشتهم كبيرة حين لم يجدوا أثرًا لجثّة قاسم، فغضبوا وثاروا وعلموا أنّ له شريكًا يعرف مخبأهم السّريّ هذا.
بينما كانت مرجانة عائدةً من السّوق، رأت علامةً بالطّباشير على باب المنزل، فأدركت أنّ اللّصوص اهتدوا إلى المنزل. فأسرعت وأحضرت قطعةً من الطّباشير ووضعت على أبواب جميع المنازل المجاورة علامةً مماثلةً.
جاء اللّصوص لتنفيذ خطّتهم وقتل علي بابا، ولكنّهم أخفقوا. فقد وجدوا منازل الحيّ جميعها تحمل تلك الإشارة المميّزة، فعادوا يجرّون أذيال الخيبة، وأخبروا رئيسهم بذلك، فغضب غضبًا شديدًا، ثمّ أخرج سيفه وضرب به عنق لصٍّ منهم فأرداه قتيلاً. ثم ذهب بنفسه مُتنكّرًا وأعاد الكَرّة مع الخيّاط "مصطفى" حتى اهتدى إلى منزل قاسم.

"اللّصوص في بيت علي بابا"
أعدّ رئيس اللّصوص خطّته للتّخلص من علي بابا، فأحضر أربعين خابيةٍ كبيرةٍ وأمر كلّ لصٍ أن يختبئ في خابيةٍ وخنجره بين أسنانه، وقال لهم: "عندما أقوم بإشارةٍ مُعيّنةٍ تخرجون من مخابئكم وتهجمون على الرجّل ومَن يكون عنده، وتفتكون بهم من غير شفقةٍ أو رحمةٍ".
ملأ خابية اللّص المقتول زيتًا، ثم سدّ الخوابي كلّها سدًا مُحكمًا، وحمّلها على عربةٍ كبيرةٍ يجرّها جوادٌ، وسار معها بعد أن تنكّر بزيّ التُّجار الغُرباء حتّى وصل إلى منزل علي بابا، وقت الغروب.
قَرَعَ قائد اللّصوص باب منزل علي بابا ورجاه أن ينزل في ضيافته بعد أن دهمه الظّلام، لاسيّما وأنّه تاجرٌ غريبٌ لم يسبق له أن زار هذه المدينة من قبل.
رحّب به علي بابا ودعاه إلى النّزول في ضيافته، ثم نقلوا الخوابي بمساعدة الخدم إلى فناء الدّار بعد أن رُصَّت إلى جانب بعضها باعتناءٍ وترتيبٍ.
انصرفت مرجانة إلى المطبخ لإعداد الطّعام، فوجدت أن المصابيح في حاجةٍ لأن تُملأ بالزّيت. ولمّا لم تجد في البيت زيتًا، ذهبت إلى الفناء لأخذ بعض الزّيت من إحدى الخوابي.
وكم كانت دهشتها عظيمةً حينما فتحت إحدى الخوابي فوجدت في داخلها رجلاً تظهر عليه إمارات الشّراسة، وقد حمل خنجرًا بين أسنانه. فأسرعت وغطّت فوهة الخابية لكيّ لا يتمكّن الرّجل من الخروج. ثم راحت تدقّ على كلّ خابيةٍ دقًا خفيفًا فتسمعُ همسًا رقيقًا، حتّى وصلت إلى الخابية الأخيرة ففتحتها فوجدت فيها زيتًا.

"مرجانة تنقذ علي بابا من اللّصوص"
عندما أدركت مرجانة أن الزّيت قد اشتدّ غليانه، استأذنت ودخلت إلى المطبخ ثم أحضرت وعاءً ملأته زيتًا مغليًا. وذهبت إلى الفناء، ففتحت الخوابي وصبّت فيها الزّيت المغلي. وكانت كلّما صبّت في خابيةٍ زيتًا سمعت الرّجل يصرخُ من الألم، ثم يخبو صوته ويختفي حتّى قضت على جميع اللّصوص حرقًا بالزّيت.
عادت مرجانة إلى قاعة الإستقبال، وراحت ترقص وقد أمسكت بيديها الإثنتين خنجرًا حادًا وراحت تتمايل كأنّها تُحيّي الضّيوف. وفجأةً، انقضَّت على رئيس اللّصوص وطعنته طعنةً قاتلةً، فارتمى على الأرض لا حراك به.
دُهش علي بابا، وصَرَخ في مرجانة: "لماذا قتلتِ ضيفي يا جارية السّوء؟"
فأجابت مرجانة: "أنا لم أقتل ضيفك، وإنّما قتلت زعيم اللّصوص". ثمّ قصّت على الحاضرين ما فعلَت وأخبرتهم أنّها قتلت أيضًا رجاله التّسعة والثلاثين، وهم مُختبئون في خوابي الزّيت.
إبتهج الحاضرون بذكاء مرجانة وحُسن تصرّفها... وكان الإبتهاج أعظم وأكبر عندما زوّج علي بابا الجارية الذّكية الشّجاعة من ابنه الكبير، عرفانًا منه بفضلها وحُسنِ تصرّفها.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:34 AM
العصفور صوصو
أين عصفوري الصغير؟ تعال يا بني ... تعال.
نعم يا أمي, أنا هنا.
اسمع يا صوصو!
نعم يا أمي. ماذا تريدين.؟
ماذا أريد؟
أنا يا صوصو أريد أن أكون صريحة معك.
نعم يا أمي تفضلي.
ألاحظ في المدة الأخيرة أنك تريد أن تأخذ كل شيء لك، وتستأثر بكل شيء دون أن تفكر بأخوتك ولا بأهلك.
كيف ذلك يا أمي؟؟
مثلا: إذا وضعنا الطعام إلى المائدة, أخذت كل شيء لك دون أن تفكر أن هناك أمك يجب أن تأكل, أو أن أباك يريد أن يأكل أيضا وأن إخوتك جياع!..
أنا أحب الطعام.
كلنا نحب الطعام، ولكن يجب أن نفكر بالآخرين. أليس كذلك؟
صحيح.
وأن مثل هذا التصرف يجعلنا نفكر أن من يقوم بمثل هذه التصرفات هو مخلوق أناني لا يفكر إلا بنفسه.
طبعاً، يجب أن يفكر المخلوق بنفسه.
نعم، أنا لا أقول لا يا صوصو، ولكن من الضروري أن يفكر المخلوق بغيره أيضا.
حسناً! ماذا تريدين أن أفعل الآن؟
أريد منك أن تفكر بسواك أيضاً. هل فهمت يا صوصو؟
نعم يا أمي، فهمت.
أرجو ذلك يا حبيبي.
أقبل الأب متسائلاً: رأيتك اليوم صباحاً تتحدثين مع صوصو، فما كان موضوع الحديث يا زوجتي العزيزة؟
كنت أنبهه إلى أنه أناني، طمّاع، لا يفكر بسواه.
هذا ما استرعى انتباهي أمس. وضع طبق الطعام كله أمامه دون أن يفكر بأن هناك آخرين من العائلة يريدون أن يأكلوا أيضا.
ولماذا لم تنبهه إلى ذلك؟
للحقيقة أشفقت عليه، فقد رأيته جائعاً، فقلت: لا بأس، ليأكل هو، أمّا أنا وأنت فنكتفي بما على المائدة من خبز.
ولكن هذا لا يطاق، فقد نبّهته وحذّّرته من عواقب الأنانية.
حسنا فعلت. فأنا لا أحب أن يكون أولادي أنانيين، طمّاعين، يستأثرون بالأشياء دون غيرهم.
وعدني بأنه سيفكر بالآخرين.
ما دام قد وعد فلنمتحنه..
نمتحنه؟ ماذا ستفعل يا زوجي العزيز؟
سترين الآن. هذه كمية كبيرة من الفستق، سأرسلها إليه بالبريد على اعتبار أنها هدية له من جدّه.
وماذا في ذلك؟http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story46.gif
سنرى تصرّفه يا زوجتي الكريمة.
سمع صوصو دقاً على الباب فسأل: من هناك؟
أنا ساعي البريد!
ساعي البريد؟ ماذا تريد؟
هل هنا بيت العصفور الصغير صوصو؟
نعم أنا صوصو، وهذا بيتنا.
خذ يا صوصو هذه الصرّة.
صرّة ؟ لمن ؟
لك أنت.
لي أنا؟ ممن؟
نعم. مكتوب عليها أنها من قريب.
أوه .... صرّة لي أنا؟ دون شك.. إنها من جدّي... هاتها.! هاتها ! ماذا فيها؟
لا أدري... افتحها لتعرف.
شكراً، شكراً يا ساعي البريد. مع السلامة. وقال لنفسه: ذهب ساعي البريد، فلأفتح الصرة، ولا أريد أحدا أن يراني.
فتح الصرة وصاح! آه ... فستق! فستق حلبي! ما أطيبه! وما أكرمك يا جدي! سآكل الفستق كله قبل أن يأتي أخي ويطلب أن أطعمه. آه ... ما أطيبه من فستق! الفستق طيّب, ولكنني أكلت كثيراً، وما زال عندي القليل منه. يجب أن آكله قبل أن يراني أحد.

دخل الأب, فرأى صوصو يلتهم الفستق فصاح به: ماذا تفعل يا صوصو؟
أبي؟ لا شيء... أتسلّى فوق الغصن.
ماذا تأكل يا صوصو؟
صوصو: أنا يا أبي؟ لا آكل شيئا. وجدت ورقة طرية على الغصن ... أكلتها.
أهذا كل شيء؟
نعم يا أبي.
بالصحة والعافية يا ولدي.
شكراً... شكراً يا أبي.

رأى أخو صوصو فستقاً وصاح: ترى من أين هذا الفستق؟ هناك حبة، اثنتان، ثلاث، أربع، خمس حبّات! وهناك أيضا حبة سادسة، فسابعة، فثامنة، فتاسعة، فعاشرة!
عشر حبّات من الفستق! ما أطيبها! صوصو، صوصو!.
من يناديني؟
أنا أخوك.
ما بك يا أخي؟
تعال ... تعال ! خذ مني حصتك!
ماذا آخذ؟
وجدت عشر حبات من الفستق الحلبي تحت هذا الغصن. إليك النصف، خمس حبات لك وخمس حبات لي.
لي أنا؟
نعم, لك أنت. كل... كل هنيئاً.
ما أطيبها من حبات!!

بكى صوصو وسمع الأخ صوت البكاء فقال: لماذا تبكي يا صوصو؟
وجاء صوت الأب ضاحكاً ويقول: نعم، يبكي يا بني... هذه الحبات من الفستق سقطت منه وهو يلتهم الصرة الكبيرة من الفستق التي وصلته بالبريد.
نعم، نعم، هذا صحيح قال صوصو. لقد سقطت مني فيما كنت آكل ما وصلني بالبريد، وكنت أريد أن آكلها وحدي قبل أن يشاركني بها أحد.
قال الأب: نعم، هذا ما فعله، فإذ أنت تلتقط ما سقط سهوا منه، وتفكر فيه قبل نفسك، وتريد أن تقاسمه ما وجدت. يا لك من ابن نبيل. أما صوصو!!
أسرع صوصو قائلاً: أنا آسف يا أبي. أنا آسف يا أخي. وأرجو أن تسامحاني. لن أكون أنانياً بعد الآن. صدّقوني، لن أكون.
وأجاب الأب: لست أدري ما أقول... ولكن يجب أن أسال والدتك أولاً. ماذا ترين يا زوجتي العزيزة؟ هل نصفح عنه ونسامحه؟
قالت الأم : إذا وعد أن يفكر بالآخرين فلا مانع...
أعدكم. صدّقوني. جاء جواب صوصو بعجل.
إذن لا بأس يا صوصو، قالت الأم.
نحن جميعا صفحنا عنك، قال الأب.
ثم قالت الأم: ولكن أباك هو الذي بعث إليك بصرة الفستق.
تعجب صوصو وصاح: أنت يا أبي بعثت لي بالصرة؟ يا لي من عصفور بسيط جاهل!! لقد تلقيتٌ درساً مفيداً بدّل مَجرى حياتي.. فشكراً لكم.. شكراً لكم.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:35 AM
مصباح علاء الدين


كان مصطفى خياطاً ماهراً وكان يعيش في إحدى مدن الشرق البعيدة. كان يفتح دكانه باكراً، وينصرف إلى عمله بجد ونشاط لكي يربح بعض النقود القليلة ليعيل بها زوجته وابنه الصغير علاء الدين، وقد عاش فقيرا.

مات مصطفى الخياط وترك ابنه في رعاية والدته، فاعتنت بتربيته وتعليمه. ولكنه كان كسولاً، وكان يغافلها ويهرب من البيت ليلعب مع الأولاد في الأزقة .

وفي يوم من الأيام، زار المدينة رجل حسن الهيئة، له لحية طويلة تدل على أنه رجل غريب. وتجول في الأزقة حتى وصل إلى منزل مصطفى الخياط وشاهد بقربه أطفالاً يلعبون. تأملهم، ثم تقدم نحو علاء الدين وسأله: ما اسمك يا ولدي ؟
فأجابه : اسمي علاء الدين.
- وما اسم والدك يا ولدي؟
- اسمه مصطفى الخياط ، وقد توفي منذ زمن قريب.
فأقبل الرجل الغريب على علاء الدين وضمه إلى صدره وقبله بحرارة وقال: رحم الله والدك يا بني، فقد كان صديقي الحميم .
ثم أخذه إلى السوق واشترى له ثيابا جديدة وعادا معا إلى المنزل.

خافت أم علاء الدين لما رأت ابنها بين يدي الرجل الغريب ، ولكنه طمأنها وأخبرها أنه صديق زوجها مصطفى الخياط ، وأنه كان قد سافر إلى بلاد بعيدة منذ زمن بعيد ، وقدم الآن ليقدم لها العزاء بوفاة زوجها. ورجاها أن تسمح له بأن يأخذ علاء الدين ليعيش في رعايته فترة من الزمن يغمره فيها بحنان الأب وينسيه مرارة اليتم ، وقال لها: إن كل ما أقوم به نحو هذا الطفل ما هو إلا جزء يسير مما يفرضه عليّ واجب الوفاء نحو صديقي العزيز الراحل.

ترددت والدة علاء الدين أول الأمر، ولكن الرجل ألح عليها، فاضطرت أن تشكره وسمحت لعلاء الدين بمرافقته ، ورجته ألا يطول غياب ابنها عنها .
قبل الرجل علاء الدين بحنان وأخذه وسارا معا في الطريق الطويل .

لم يكن الرجل الغريب صديقا لوالد علاء الدين، ولم يكن يعرفه ، بل كان ساحراً ينظر في كتب السحر والتنجيم . قرأ مرة أنه يوجد في إحدى مدن الهند البعيدة كنز عظيم في داخله مصباح عجيب ، من استطاع الحصول عليه فتحت أمامه كنوز الأرض. كما قرأ أن هذا الكنز لا يستطيع الوصول إليه إلا ولد اسمه علاء الدين، والده خياط ، وهو يسكن في إحدى مدن الشرق البعيدة .

اهتم الساحر للأمر، وأعد عدته للسفر نحو الشرق للبحث عن علاء الدين. ووصل بعد مشقة وعناء إلى بلد مصطفى الخياط، وفي أحد الأزقة لفته علاء الدين من بين صبية يلعبون، إذ وجد في وجهه العلامة التي قرأها في كتب السحر.
ولما سأله الساحر عن اسمه واسم أبيه، تأكد أنه هو الطفل المطلوب، فاحتال على والدته وأوهمها بأنه صديق زوجها، وأخذه ليحقق بغيته.

سار علاء الدين برفقة الساحر الشرير أياما طويلة حتى تورمت رجلاه ، وكاد يموت جوعاً وعطشاً ، وتوسل إلى الساحر أن يتلطف به ويدعه يرتاح أثناء الطريق. لكن الساحر المتلهف إلى الحصول على المصباح كان قاسي القلب ولم يرحم الطفل المسكين.

وصل الساحر إلى بلده البعيد، فأخذ علاء الدين إلى بيته وبدأ يعلمه بعض الفنون السحرية التي تساعده في الحصول على المصباح العجيب.

ولما أصبح علاء الدين شاباً قوياً، أخذه الساحر في أحد الأيام إلى غابة كثيفة خارج البلدة، وأمره أن يجمع له الحطب ويوقد فيه النار.
فعل علاء الدين ما أمره به الساحر. ولما ارتفعت ألسنة النار، وقف الساحر يتمتم أمامها بكلمات غامضة غريبة. فأظلمت السماء وحدث دويّ عظيم يكاد يصم الآذان ، وانشقت الأرض عن قبو كبير في نهايته دهليز مظلم طويل .

خاف الساحر واقترب من علاء الدين وأعطاه خاتما سحريا وقال له: إنزل إلى هذا القبو وسر في الدهليز حتى تصل إلى نهايته، وهناك تجد على أحد الرفوف مصباحاً قديماً، فجئني به.

أخذ علاء الدين يرتجف من الخوف، وبدت عليه علائم التردد، ولكن الساحر نهره وهدده بالعقاب الشديد وقال له: إن الخاتم سوف يحميك من الأرواح الشريرة التي قد تصادفها في الدهليز .

نزل علاء الدين إلى القبو وسار في الدهليز الطويل وبحث عن المصباح حتى وجده وعاد به مسرعا ، ومد يده للساحر ليساعده على الصعود إلى سطح الأرض ..

وفض الساحر أن يمد يده لإخراج علاء الدين وقال له: أعطني المصباح أولاً حتى أساعدك في الخروج .

خاف علاء الدين من تصرف الساحر ، ورجاه أن يساعده في الخروج من القبو أولا ، وأصر الساحر أن يأخذ المصباح أولا .

لما تأكد الساحر أن علاء الدين لن يسلمه المصباح إلا إذا أخرجه من القبو تمتم بكلماته السحرية، وإذا بعلاء الدين يسقط في قعر القبو ثم يقفل عليه الباب وتعود الأرض كما كانت.

بات علاء الدين في ظلام رهيب وهو لا يدري ماذا يفعل. وكان يسمع وقع أقدام الساحر وهو يبتعد شيئا فشيئا، فيزداد خوفه ويتأكد أنه لن يخرج من هذا القبو ، فحزن كثيرا وأخذ يفكر في مصيره.

تناول علاء الدين المصباح وأخذ يعالجه لعله يجد سبيلاً إلى إضاءته، فإذا بالأرض تهتز من تحته ثم تنشق ويظهر عفريت من الجن هائل الخلقة يصيح بصوت كالرعد: أنا خادم حامل هذا المصباح، مرني فأطيع. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story32.gif

استعاد علاء الدين شجاعته، وطلب إلى العفريت أن يخرجه حالا من هذا المكان ويعيده إلى أمه التي طال غيابه عنها.

وبسرعة كالبصر، وجد علاء الدين نفسه بين ذراعي أمه التي يئست من عودته سالما بعد غيابه الطويل، وقد أزعجها أنه لم يكن لديها طعام تقدمه له.

أمسك علاء الدين بالمصباح وضغط عليه فظهر له العفريت فأمره أن يحضر له اثني عشر طبقا ذهبيا مملوءة بشتى أنواع الطعام. وبعد لحظة، كان أمام علاء الدين وأمه مائدة حوت ما لذ وطاب من الطعام. وفي اليوم التالي باع علاء الدين الأطباق الذهبية وعاش مع أمه مرتاح البال.

وذات يوم كان علاء الدين يتنزه أمام قصر السلطان ، فلمح ابنته أمام نافذتها، وكانت باهرة الجمال، فتمنى أن يتزوجها.

ولما عاد إلى بيته، قص على أمه ما رآه، وأخبرها عن رغبته في الزواج من الأميرة الجميلة. فقالت له أمه في حنان: إن من يطلب يد الأميرة ينبغي أن يتقرب من السلطان بهدايا ثمينة لم يسبق أن تقدم له بها أحد من قبل .

أسرع علاء الدين إلى المصباح وضغط عليه، فظهر أمامه عفريت الجن فأمره أن يحضر له من الأحجار الكريمة والجواهر الثمينة ما لم يقدم للسلطان من قبل. وفي لمح البصر كان كل ما طلبه علاء الدين حاضراً بين يديه.

أخذت والدة علاء الدين هذه الهدايا الثمينة وذهبت إلى قصر السلطان وطلبت مقابلته . ولما سمح لها بذلك قدمت هدايا ابنها علاء الدين بين يديه، وقالت له: هذه يا مولاي هدايا ابني علاء الدين. وهو يقدم لكم الولاء والطاعة، ويطلب التقرب من جلالتكم بطلب يد الأميرة للزواج.

فوافق السلطان على الفور.

كان للسلطان وزير ماهر، سبق له أن رأى الأميرة في حديقة القصر، فأعجب بها وأحب الزواج منها. وبات ينتظر الفرصة السانحة لينال موافقة السلطان على ذلك.

ولما علم أن السلطان سيزوج ابنته من علاء الدين ، دبت الغيرة في قلبه، وقال للسلطان بخبث: إن هدايا علاء الدين أقل بكثير من مكانة الأميرة، فيجب أن نطلب منه يا مولاي أكثر من ذلك وأغلى ، صيانة لمقام الأميرة.

أحضر السلطان أم علاء الدين وأخبرها أن هدية علاء الدين لا تليق بمقام الأميرة، وطلب إليها أن تقدم هدية مقدارها أربعون خابية مملوءة بالذهب والأحجار الكريمة يحملها أربعون عبدا لابسون أجمل الثياب وأغلاها، يدخلون القصر في موكب فخم، يتقدمهم علاء الدين .

دهشت أم علاء الدين لضخامة ما طلبه السلطان هدية لبنته ، بينما كان قلب الوزير يكاد يطير فرحا لاعتقاده أن علاء الدين سيعجز عن تقديم هذه الهدية ، وبذلك تظل الأميرة من نصيبه .

أخبرت أم علاء الدين ابنها بطلب السلطان وهي مضطربة، ولكن علاء الدين طمأنها... وبمثل لمح البصر كان كل ما طلبه السلطان جاهزاً، بفضل عفريت الجن خادم المصباح العجيب .

سار الموكب إلى قصر السلطان يتقدمه علاء الدين على جواده الأصيل وسط إعجاب أهل المدينة.

ولما مثل علاء الدين بين يدي السلطان قدم له الهدايا، فوافق فورا على زواجه من الأميرة، وأقيمت الزينات في كل البلاد احتفالا بهذا الحدث السعيد .

أمر علاء الدين خادم المصباح أن يبني له أمام قصر السلطان قصرا يضاهيه فخامةً وجمالاً ، وأن يحضر له أجمل الملابس، وأن يقوم على حراسة القصر حراس أقوياء. فتم له ما أراد.

وعاش علاء الدين مع زوجته الأميرة في سعادة وهناء.

لما عاد الساحر إلى بيته بعد أن أغلق باب القبو على علاء الدين، اعتقد أنه سيموت جوعا وعطشا.

لكنه بينما كان ينظر ذات يوم في كتب السح، علم أن علاء الدين قد نجا من الموت وأنه صار أميراً محترماً بعد أن تزوج بنت السلطان، فكاد الحقد يقضي عليه.

لكن عقل الساحر هداه إلى حيلة ناجحة تحقق له الاستيلاء على المصباح السحري العجيب.

قصد الساحر مدينة السلطان وتظاهر أنه مسكين يشتري الأمتعة والأواني القديمة من المنازل. ولما وصل قصر علاء الدين، صار يدور حوله وينادي بأعلى صوته: من عنده أمتعة قديمة للبيع؟ من عنده ثياب بالية للبيع؟ سمعته الأميرة، فنادت خادمتها وقالت لها: إن عندنا مصباحاً قديماً متروكا في إحدى زوايا المطبخ، لماذا لا نبيعه ونتخلص من منظره الكريه؟ اذهبي بالمصباح القديم وأعطيه للمنادي .
ولم تكن الأميرة تعلم أن هذا المصباح العجيب هو سر سعادتها وسعادة زوجها.

ما كاد الساحر يستولي على المصباح حتى طلب خادمه الجني وأمره أن يزيل قصر علاء الدين من مكانه وينقله إلى أقاصي الأرض وأن يعود علاء الدين إلى حالته الأولى فقيرا بائسا. وقد تم للساحر الشرير ما أراد. .

عاد علاء الدين في المساء إلى قصره فلم يجد له أثراً، فعلم أن الساحر الشرير استولى على المصباح السحري وفعل به ما فعل، فحزن على فراق زوجته الأميرة، وضاقت به الدنيا وحار فيما يفعل!

وكان علاء الدين يوما جالسا مع والدته في بيته الحقير حزينا كئيبا، وتذكر الخاتم السحري الذي أعطاه إياه الساحر الشرير عندما طلب إليه النزول إلى القبو. فرك علاء الدين الخاتم في إصبعه، فظهر له الجني خادم الخاتم، فطلب إليه أن يحضر له المصباح السحري في الحال. في مثل لمح البصر كان المصباح السحري بين يدي علاء الدين، فضغط عليه، فحضر الجني، فأمره أن يحضر له الساحر الشرير ذليلا بين يديه.


نفذ الجني طلب علاء الدين فوراً، وحضر الساحر مطأطئ الرأس ذليلاً، فقال له علاء الدين:

- لن أقابل غدرك وإساءتك لي بمثلها ، وإنما سأعيدك إلى بلادك البعيدة ليتخلص أهل بلدي من شرك .
وفي الحال طار الجني بالساحر إلى بلاده البعيدة .

ثم طلب علاء الدين من الجني خادم المصباح أن يعيد له قصره وزوجته الأميرة .
وفي الحال عاد القصر إلى مكانه فخماً رائعا كما كان، وعاد علاء الدين ليعيش فيه مع زوجته الأميرة في سعادة .

وحفظ علاء الدين المصباح في مكان أمين لا يستطيع أحد أن يهتدي إليه .

بلال نعيم
08-05-2009, 11:36 AM
الشاطر حسن

كان لتاجر غني ولد اسمه حسن، تبدو على وجهه أمارات الذكاء. وكان هذا الرجل أرمل، فلما أحسّ بقرب موته دعا ابنه وقال له: " يا بنيّ ‍ إني مائت، وأنا أورثك كل مالي، ومن جملته قصري هذا الجميل، وإليك هذه الأربعين مفتاحا للغرف الأربعين التي فيه. ويمكنك أن تفتح تسعا وثلاثين منها، أما الغرفة الأربعون فلا تفتحها، لأن فتحها يجر عليك متاعب وويلات .

مات الرجل، فحزن عليه ابنه حسن حزناً شديداً، وبعد أن واراه الثرى، عاد إلى القصر ومكث فيه وحيدا، لا أنيس له فيه ولا جليس.

وذات يوم، خطر بباله أن يفتح غرف القصر ويرى ما فيها، فأخذ يفتح الغرف واحدة بعد الأخرى، فرأى فيها من الرياش والذهب والفضة ما لا يقدّر بثمن. ولما وصل إلى الغرفة الأربعين، وقف أمام بابها مترددا، وأخيرا قال في نفسه: سأفتحها مهما كان من أمرها.

فتح حسن باب الغرفة ودخل، فلم يجد فيها إلا طاولة صغيرة عليها كأس من زجاج فيها شعرة امرأة تضيء كالشمعة المضاءة، فتأملها متعجبا، وقال في نفسه: ترى من رأس أية امرأة هي؟

كانت هذه الغرفة تطل على قصر ملك المدينة، وصادف أن الملك كان يتمشى مع وزيره في القصر، فوقعت عينه على حسن والكأس في يده وشيء يضيء فيها، فانشغل باله، وأمر وزيره أن يأتيه بها. فذهب الوزير إلى حسن وطلب منه الكأس، وما فيها.

رفض حسن أن يعطيه إياها، فهدّده الوزير بالقتل، فاستمهله حسن ليفكر في الأمر، فأمهله.
وتذكر حسن أن والده ترك له مهرا جميلا، فأسرجه وركبه وفرّ حاملا معه الكأس والشعرة .

كان هذا المهر ملكا من ملوك الجان، استاء منه سليمان الحكيم لأمر أتاه، فغيّره إلى شكل مهر، ولم يكن حسن يعرف شيئا من هذا، فحمل الكأس، ونزل إلى مربط المهر حزينا مهموما، وإذا بالمهر ينطق ويسأله عمّا به. دهش حسن، فأطلعه المهر على حاله، وأخبره حسن بأمره.

قال له المهر: أعطه الكأس ولا تخف! فذهب حسن إلى الوزير وأعطاه الكأس، فحملها هذا إلى الملك. ولما رأى الملك الشعرة المضيئة بهت، وقال: إذا كانت هذه الشعرة تضيء هذا الضياء. فكيف تكون صاحبتها ؟ إني أريدها.

فأجابه الوزير: لا بد أن يكون حسن يعرفها، فعلينا أن نطلب إليه أن يأتينا بها وإلاّ قتلناه، فوافق الملك على رأيه.

ذهب الوزير إلى حسن وقال له: إن الملك يريد صاحبة الشعرة، فإن لم تأته بها فإنك مقتول. وعبثاً حاول حسن إفهام الوزير أنه لا يعرفها، ولا يعرف أين هي. ثم ذهب حسن مذعورا إلى المهر وأطلعه على طلب الملك منه، وعلى عناد الوزير وتهديده، فقال له المهر: لا تخف، سأعلمك كيف تنتقم من الوزير، وتأتي بصاحبة الشعرة. اذهب الآن واطلب إلى الملك أن يجهز لك سفينة مشحونة ذهباً وفضة وتحفاً نادرة من صندوق الوزير، وإلاّ فالذي طلبه الملك لا يصير، ومتى جهّزت لك هذه السفينة سر بها إلى أول شاطئ يطل عليك، فترسو هناك، وتعرض ما فيها على الناس، فيأتيك عبد أسود شفتاه غليظتان، ومعه صبيه كالقمر في الليلة الرابعة عشرة، فإذا أرادت النزول إلى السفينة، فأنزلها وحدها، وادفع السفينة بها إلى البحر، واخطفها وآت بها إلى الملك. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story14.gif

فعل حسن ما أشار به المهر. ولما رأت الصبية السفينة سائرة بها غضبت ونزعت خاتمها من إصبعها، وألقت به في البحر.

حمل حسن الصبية إلى منزله، وأعلم الملك بوصولها، فطلب الملك أن يراها، فأبت أن تراه إلا إذا أمر حسنا بأن يأتيها بالخاتم الذي سقط من إصبعها في البحر. فأرسل الملك الوزير إلى حسن، فطلب ذلك منه، وهدّده بالموت إن لم يفعل.

ذهب حسن إلى المهر حزيناً مهموماً، فقال له المهر: لماذا لا تأتيني إلا حزينا مهموما؟ وقد أهملتني ولا تطعمني كعادتك." فأخبره حسن بما طلب الملك منه، فقال له المهر: لا تخف! أطلب من الملك أن يجهز لك قاربا مملوءا بالثمار والأطعمة الفاخرة " من كيس الوزير، وإلاّ فالذي طلبه الملك لا يصير"، ثم خذه واذهب به إلى عرض البحر، وانتظر ما يكون .

فعل حسن ما أشار به المهر عليه. ولما وقف القارب في عرض البحر، سقطت عليه الطيور فأكلت، وصعدت الأسماك فأكلت، ثم صعدت سمكة كبيرة زرقاء اللون ونطقت قائلة: من صنع معنا هذا المعروف فأطعمنا من هذه الأطعمة الطيبة؟ فأجابها حسن: أنا. فقالت له السمكة: ما المكافأة التي تطلبها بعملك هذا؟ فأخبرها حسن بأمر الخاتم. فقالت له: إني ذاهبة الآن، انتظر عودتي! ثم غطست في البحر، ومضت تبحث عن الخاتم، فعثرت على سمكة صغيرة قد تناولته بفمها تريد ابتلاعه ولا تستطيع، فانتزعته منها، وصعدت إلى حسن فأعطته إياه. فشكر لها حسن معروفها ورجع إلى الصبية الحسناء، وأعطاها إياه، فوضعته في إصبعها.

ومع ذلك رفضت أن تواجه الملك قبل أن تؤتى بغرفتها من قصر أبيها. فأمر الملك الوزير بأن يأمر حسنا أن يأتيه بها، وإلاّ فإنه يموت.

لطم حسن وجهه وذهب إلى المهر، وهو يرى الموت ماثلا أمام عينيه فطيّب المهرمن خاطره، وسكّن ما به وقال له: لا تخف.! أطلب إلى الملك أن يجهز لك قاربا مملوءا بالتحف " من كيس الوزير " وإلا فالذي طلبه الملك لا يصير، وحينما تعطى القارب، اذهب به إلى الشاطئ الذي خطفت منه الصبية، وأعرضه على الناس، فيأتيك العبد ويسألك: أين ذهبت بسيدته. فاقطع رأسه، واحمله على رأسك فتنقطع الغرفة عن القصر وتأتيك، فتسير فوق رأس العبد."

فعل حسن ما أشار به عليه المهر، فأتته الغرفة بما فيها، فأوصلها إلى بستان الملك ووضعها فيه. إلا أن الصبية رفضت أن ترى الغرفة أو ترى الملك قبل أن يحرق حسن بالنار. فقال الملك لحسن: لا بد من حرقك تلبية لطلب الصبية. فسرّ الوزير بذلك، لأن قلبه امتلأ حقدا على حسن. وقد ذعر حسن جدا حينما سمع ما قاله الملك، فأخذ يندب نفسه ويقول: دنت منيّتك يا حسن! وندم على مخالفته نصيحة أبيه، وقال: " ليتني أطعتك يا أبي، إذا لكنت نجوت من كل هذه المتاعب والمهالك، ثم طلب إلى الملك أن يمهله أربعا وعشرين ساعة ليودّع أهله وأصدقاءه، ويوصي بماله. فأجابه الملك إلى طلبه.

ولم يجد حسنا ملجأ له إلا المهر, فانطلق إليه شاكياً باكياً وأخبره، فضحك المهر وقال له: لا تخف، اركب علي غدا، وأركضني إلى أن أتعب وأعرق، فاجمع عرقي وضعه في ماء ساخن، وأغتسل به، ثم اذهب وسلم نفسك للحرق. ففعل حسن ما قاله المهر

جمع الملك أهل المدينة، وأمر بإشعال نار عظيمة، ولما اشتعلت النار دخل حسن إلى لهبها، ولبث قائما فيها حتى صار الحطب رماداً، ولم يحترق. فدهش الملك وأهل المدينة، واستدعى إليه حسناً وسأله أن يخبره بأي شيء توقى الحرق. وكان حسن ذكيا، وقد تضايق من الملك ووزيره، وأراد أن يتخلص منهما، فأجاب الملك قائلا:

لست أنا وقيت نفسي، وإنما هم أسلافك وأسلاف الوزير أتوا إلي وأنا في النار وحموني، وهم غاضبون عليكما، ولن يرضوا عنكما حتى توقدوا نارا بأربعين حملا من الحطب، وتدخلا إليها، فيأتوا إليكما ويصفحوا عنكما، وإلاّ توقعا شرا!

خاف الملك وأمر بإحضار أربعين حمل حطب، فأحضرت. ثم أمر بإشعالها فاشتعلت. ودخل هو والوزير الى نارها، فأحسا بلذعها وشاءا الخروج منها، فلم يستطيعا، فاستنجدا بأهل المدينة، فلم يتمكن أحد من تخليصهما، ولم يستطع أحد إطفاء النار، فاحترقا وماتا.

رأى الناس نجاة حسن من النار واحتراق الملك والوزير بها، فاعتقدوا أن حسنا صدّيق يحبه الله، ولولا ذلك ما نجا، فملّكوه عليهم.

دعا حسن الصبية وخيّرها بين أن تعود الى بلادها أو أن تملك معه، فأجابته أنها لا تريد سواه.

ثم ذهب الى المهر وسأله ماذا يريد أن يصنع له ليكافئه على إحسانه إليه، فأجابه المهر: أن تطلقني من قيدي هذا لأعود ملكا من ملوك الجن كما كنت، وأخلص من غضب سليمان الحكيم.

فسأله حسن: وكيف أفعل ذلك؟ فأجابه المهر: إن الحوادث التي حصلت لك كانت تقيدني، وقد انتصرت عليها، فانفكّ عني أثر القيد، ولم يبق إلا أن تخلع رسني من عنقي وتحرقه، فأعود كما كنت.

فعل حسن ذلك، وإذا بالمهر يختفي ويقف مكانه شاب جميل يشكره ويقول له: كلما احتجت إلي ادع باسم رب الأرباب الخالق الناس من تراب، والمعيدهم الى تراب، والباعثهم يوم الحساب، فآتيك على جناح السرعة. ثم ودّعه، وضرب قدميه في الأرض، وطار الى مملكته في وادي الجن.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:37 AM
العصفورة وفراخها

1

تعوّدت اليمامة الرّمادية على زيارة حافّة الشّباك في صفّ طارق لأنّها شعرت بالأمان وبمحبّة الصّغار لها واهتمامهم بها. فهُم يحملون إليها الطّعام يوميًا.
وفي هذا اليوم، عندما عاد الصغار إلى صفّهم بعد انتهاء فسحة السّاعة العاشرة، فوجئوا باليمامة داخل الصّف. لقد رأت بعض الخبز على الأرض، فتشّجعت وقفزت إلى الدّاخل لإلتقاطها، فأسرع طارق وأمسك بها مُحقّقا بذلك أمنيته بأن يتحسّس ريشها النّاعم. وتحلّق الرّفاق حول طارق وكلّ منهم يحاول أن يأخذ اليمامة منه، وهي تضرب بجناحيها محاولةً التّخلص من يد طارق.
قالت المُعلّمة بحزمٍ: دعها يا طارق.
تَرَك طارق اليمامة، فطارت مُبتعدةً عبر النافذة.
تابعت المُدَرّسة قائلةً: أنتَ فتى طيب يا طارق، وكذلك كلكّم طيبون، والإنسان الطّيب لا يؤذي، بل يجب أن يكون رحيمًا مُحبًا يشفق على الضّعيف ويساعد المُحتاج، ولا يغدر بمن يطمأنّ إليه. والحيوانات والطّيور مخلوقاتٌ ضعيفةٌ. وهذه اليمامة قد لجأت إلينا واطمأنّت فلا يصحّ إخافتها.
قال طارق: أنا لم أقصد إخافتها أو إيذائها.
فأجابته المُعلّمة: لا بأس عليك يا طارق. اسمعوا يا صغاري هذه القصة التي جرت مع رجلٍ حكيمٍ.
كان الحكيم جالسًا بين أصحابه فجاءه رجل يلبس عباءةً وفي يده شيء يخبّئه في طرف عباءته، وقال: يا حكيم، كنت أمرّ بقرب مجموعةٍ من الأشجار فسمعتُ أصوات فراخ طير، فأخذتها من عشّها ووضعتها في عبائتي، فجاءت أمّ الفراخ وحامت فوق رأسي، فكشفت عباءتي عن فراخها الصّغار فحامت الأم فوق الفراخ ثم جلست فوقها فلففتها في عباءتي وها هي معي.
فقال الحكيم: ضعها هنا على الأرض.
فلمّا وضعها الرجل، كشف الحكيم الغطاء عنها، فرفضت الأم فراق صغارها، فقال الحكيم: أتعجبون لرحمة أمٍ بفراخها؟
قال أصحابه: نعم.
قال الحكيم: إنّ الله أرحم بعباده من أمّ الفراخ بفراخها. ثم أمرَ الرجل أن يرجع الفراخ وأمّها إلى حيث كانت.
قال طارق: أنا آسف فعلاً، ولكن هل ستسامحنا اليمامة؟ هل ستعود إلى حافّة صفّنا كعادتها؟
اتّفق الصغار مع المعلمة على إعادة الطّمأنينة إلى اليمامة الرّمادية، وقنِعوا بصداقتها لهم من بُعدٍ. فتابعوا وضع الحَبّ والخبز لها ووضعوا لها وعاء ماء لتشرب.
ويومًا بعد يومٍ عادت اليمامة تحطّ قليلاً، تنقر من الحَبّ ثم تطير. ولم يحاول أحدٌ من الصغار أن يقترب منها حتى لا يخيفها، فأَلِفَت اليمامة هذا المكان واطّمأنّت إلى أصدقائها. ومع اقتراب موعد عطلة الفصل الأوّل شغل فكر طارق ورفاقه سؤال هام: مَن سيهتّم باليمامة أثناء غيابهم؟ وإذا افتقدت اليمامة الطعام الذي كانت تجده على حافة شبّاك صفهم فهل تعود إليه؟
اقترحت المعلمة على الصّغار أن يحضروا كميةً من الذّرة تكون مؤونةً لليمامة طيلة غيابهم، على أن يتولّى العَم محمود، حارس المَدرَسَة، رشّ الحَب يوميًا لها على شباك صفّهم. وهكذا، وقبل مغادرة الأولاد المدرسة، توجّهوا مع المعلمة إلى العم محمود ليشرحوا له الأمر. استمع العم محمود إلى طلب الأولاد ثم قال، وقد ترقرقت الدّموع في عينيه: يا الله كم أنتم من الطّيبين أيّها الصغار، وأطمئنكم بأنّني لن أنسى أبدًا أن أرشّ الحَب لليمامة، وسأرشّه لها مرّتين في اليوم، صباحًا وبعد الظهر.
وشكرت المُعلّمة والأولاد العَم محمود، وودّعوه.

2

"ما رأيكم بصنع بيتٍ لليمامة؟"
اقتراح تقدّم به طارق ولاقى التّرحيب من الرّفاق والمعلمة، فأقبلوا على تنفيذه بنشاطٍ في ساعات الرّسم والأشغال اليدويّة. أسبوع مرّ وأصبح البيت جاهزًا. إنّه مصنوع من علبة بسكويت كرتونيّة، ومُلوّن بألوانٍ زاهيةٍ حمراء وصفراء، وقد جعل له الصّغار بابًا مفتوحًا. ووضعوا البيت على حافّة الشباك وبداخله قشّ وذرة وقمح.
أخذت اليمامة تتردّد على البيت الصغير، تنقر من الحب وتطير. وشيئًا فشيئًا أَلِفَت اليمامة بيتها الجديد، بل أصبح زوج حمام يتردّد على حافة الشباك، وبدأت اليمامة تبني لنفسها عشًا في البيت الجديد. فسعد الصغار بالبيت الذي صنعوه لليمامة، وبتردّد زوج اليمام معًا على شبّاك صفّهم.
ويومًا اكتشف الصغار ريشًا رماديًا متناثرًا على حافّة الشّباك، والذّرة لا تكاد تنقص شيئًا. قلق الصغار على صديقتهم اليمامة، وبخاصةٍ عندما لاحظوا ضمور جسمها وميله إلى الهزال بعد أن كان ممتلئًا. تساءل طارق قائلاً: أهي مريضة؟ أجاب مالك: أظنّها صائمة. سلحفاتي تصوم كلّ سنة.
المُعلمة: لا. اليمامة ليست صائمة، إنّها فقط تبدّل ريشها كطبيعة الطّيور في مثل هذا الوقت من كلّ عامٍ. وهي مثل كلّ الطيور، يقلّ أكلها في هذه المرحلة...

3

الصّغار واليمامة
لم يدم انتظار الأولاد طويلاً، فبعد ستّة عشر يومًا من احتضان اليمامة للبَيض، فوجئوا برؤية فرخين صغيرين في العشّ يغطّي جسميهما زغب رمادي. راقب الصغار اليمامة وهي تحتضن الفرخين تحت جناحيها، أو تطعمهما الحَب بمنقارها. وأعجبوا بها وهي تهمّ بالدفاع عنهما كلّما خَطَر للصّغار الإقتراب من العش، وقد شارك الوالد الأم في العناية بالصّغيرين، بإطعامهما أو بالدّفاع عنهما أو بتدريبهما على الطّيران عندما قوّيت أجنحتهما. لم يملّ الأولاد تأمّل زوج اليمام والفرخين الصغيرين، وأصبح الفرخان الصّغيران شغل الأولاد الشّاغل. وقد دفعتهم الرّحمة بهما إلى زيادة كميّة الحَب التي يحضّرونها يوميًا، وإلى تنافسهم في ملء وعاء الماء وتنظيف العش. لكن مشكلةً كبيرةً بدأت تواجههم: فعطلة الصيف التي اقتربت حَمَلت طارقًا على التّساؤل: تُرى هل أستطيع أن آخذ الفرخين معي إلى البيت فأضعهما في قفصٍ وأعتني بهما؟
إعترضت المعلمة قائلة: لا يا طارق. الصّغيران بحاجةٍ إلى أمّهما وأبيهما لتعليمهما كيف يأكلان، ولتدريبهما على الطيران. كما إن اليمام يحبّ الحريّة ولا يعيش في قفصٍ طوال الوقت.
ولكن مَن سيهتم بهما؟ مَن يضع لهما الماء والحَب كلّ يومٍ؟
سنطلب ذلك من العَم محمود، كما فعلنا سابقًا، أتذكرون؟
أخاف أن ينسى العم محمود ذلك، فتترك اليمامة حافّة شبّاكنا ولا تعود إليه أبدًا.
لتكن مشيئة الله يا أولادي.
وغادر الأولاد المدرسة لقضاء عطلة الصّيف وفي أذهانهم سؤال: أتراهم سيعودون ليجدوا اليمامة وفرخيها الصّغيرين على حافّة شباك الصف، أم تراها ستغادر المدرسة لتبحث عن الرّزق في مكانٍ آخرٍ يسوده الأمن والسلام؟!

بلال نعيم
08-05-2009, 11:38 AM
غدر أبـو قير

كان في "الإسكندرية" صبّاغ ماهر اسمه "أبو قير". وكان يُتقن صباغة القماش بالألوان الزّاهية الجميلة.
ولكنّ أبا قيرٍ كان كسولاً لا يحبّ العمل، ومهملاً يَعِدُ زبائنه بأن ينجز لهم صباغة ثيابهم ثمّ لا يفي بوعده. وكانوا عندما يحضرون لأخذ أغراضهم يجدونها من غير صباغٍ، فيزعم أبو قير لهم أنّه كان مريضًا، أو أنه مشغولٌ كثيرًا، فلم يتمكّن من الوفاء بوعده لهم.
بعد مدّةٍ من الزّمن، ساءت سمعته في أحياء الإسكندريّة، وعرف النّاس أنّه صبّاغ كسول وكاذب ومُهمل، لا يهمّه من الحياة إلاّ أن يأكل بشراهةٍ، فتركه الزّبائن وكسد عمله.
وفي أحد الأيّام، جاء إلى دكان أبي قير رجلٌ غريبٌ لم يسمع بمعاملته السّيئة، وسلّمه قطعةً حريريةً من القماش، وطلب أن يصبغها له. فوعده أبو قير بإنهاء صباغتها بعد أسبوعٍ واحدٍ، وأخذ منه الأجر مقدّمًا.
بعد أسبوعٍ، جاء الرّجل الغريب لكي يأخذ قطعته الحريرية؛ لكنّ أبا قير شعر بقدومه، فهرب إلى دكّان جاره الحلاّق واختبأ فيه. وهكذا كان أبو قير يختبئ كلّما شعر بقدوم زبونٍ لم ينجز له عمله. وكان الرّجل الغريب يجد دكان أبي قير خاليًا كلما زاره. ولمّا عثر عليه مرّةً، عاتبه ووبّخه، ثم تخاصم الإثنان وتشاجرا.
لما يئس الرّجل الغريب من وعود أبي قير. ذهب إلى القاضي وشكا إليه أنّ أبا قير كَذَبَ عليه وخدعه وأخذ أجرًا على صباغة قطعة الحرير من دون أن ينجز وعده، فلم يصبغ قطعة الحرير، ولم يرجع المبلغ الذي أخذه مقابل الصّباغة.
عندئذٍ أصدر القاضي حكمًا على الصّباغ الخدّاع بالسّجن لمدّة أسبوعين، ثم أمر بإغلاق مصبغته، ومنعه ممارسة مهنة الصّباغة، لئلا يقع الزّبائن في شباك كذبه وخداعه.
أمضى أبو قير في السّجن أسبوعين، ثم خرج بائسًا حزينًا، ولابُدّ أن يبحث عن عملٍ يُوفّر له حاجته من المال والطّعام. ذهب إلى جاره الحلاّق الذي كان يختبئ لديه، فشكا إليه بؤسه وسوء حاله، وأنّه أصبح من الصّعب عليه أن يجد عملاً بعد أن عرف أهل الإسكندريّة سيرته السّيئة وإهماله في عمله.
كان الحلاق، واسمه أبو صير، طيّب القلب، بسيطًا ومُهذّبًا. فأشفق على جاره القديم أبي قير، واستقبله استقبالاً حسنًا، وأكرمه وأنزله عنده، وأخذ يشاركه في المال الذي يجنيه من عمله كلّ يوم.
وفي يومٍ من الأيّام، قال أبو قير لصديقه أبي صير: "أليس من المُحزن، يا صديقي، أن أصير إلى هذا الحدّ من البؤس والفقر، وأنا أمهر العاملين في صباغة الأقمشة، وأحسن صبّاغ يتّقن مزج الألوان في الإسكندريّة كلّها. إنّي آخذ الثياب باهتة اللّون، وبعد أن أصبغها تخرج من بين يديّ زاهيةً برّاقةً، تُسرّ النّاظرين".
وتابع أبو قير كلامه: "وأمّا أنتَ يا صديقي أبا صير، فإنّك حلاّق ماهر، خفيف اليد، ولكن زبائنك قليلون، وإذا بقيتَ قانعًا بما أنت عليه، فستظلّ قليل المال، فقير الحال. هيّا بنا نرحل عن هذه المدينة، إلى مكانٍ آخرٍ، نجد فيه الزّبائن الأغنياء الذين يُقدّرون مهارتك ومهارتي، فنكسبُ من عملنا مالاً وفيرًا ونصبح بعد وقتٍ قصيرٍ من الأغنياء".
فكّر الحلاق أبو صير في كلام صديقه الصّباغ أبي قير، واقتنع به. فاتّفقا على أن يُهاجرا معًا من المدينة، ويتشاركا في كلّ ما يكسبانه من عمليهما، وأن يتقاسماه معًا في أمانةٍ وصدقٍ.
وعَلِمَ الصّديقان أن سفينةً كبيرةً ستغادر ميناء المدينة بعد أيّامٍ قليلةٍ، وستُبحر إلى بلادٍ عديدةٍ.
انضمّ أبو قير وأبو صير إلى المُسافرين على ظهر السّفينة، وكان عددهم كبيرًا، بعضهم تجّار يُسافرون ليجلبوا بضائع وسلعًا متنوّعةً، وبعضهم عُمّال يُسافرون بحثًا عن عملٍ في أيّ بلدٍ من البلاد، وبعضهم يُسافر سائحًا مُتفرّجًا على بلاد الله الواسعة.
لم يلبث المُسافرون أن تعرّفوا بالحلاّق أبي صير حتّى أقبلوا عليه يقصّون شعرهم، إذ وجدوه حلاقًا ماهرًا طيّب القلب، رضيّ النّفس؛ فأكرموه وأكثروا له العطاء.
وسارت السّفينة في البحار، وكانت تنتقل من ميناءٍ إلى ميناءٍ، فينزل منها بعض المُسافرين، ويصعد غيرهم مكانهم، والحلاّق النّشيط يُلبّي رغبات المُسافرين في قصّ شعرهم من دون كللٍ أو مللٍ. وكان يقتسمُ مع صديقه الصّباغ كلّ ما يكسبه من أجرٍ على عمله. ولمّا كان الصّباغ يحبّ الأكل، فإن الحلاّق كان يرغب إلى زبائنه في أن يكون أجره طعامًا وشرابًا وفاكهةً، ليتمكّن صديقه الصّباغ أن يأكل ما يحبّ ويشتهي.
كان أبو قير، عندما يشبعُ، يلتفت إلى أبي صير ويقول له: "إنّ الله رَزَقني صديقًا وفيًّا مثلك، وإنّي أرجو أن أردّ لكَ معروفك عندما أجد عملاً يُكسبني مالاً". وسمع ربّان السّفينة بمهارة الحلاّق أبي صير فاستدعاه ليقصّ له شعره. أُعجبَ الرّبان بنشاطه وخفّة يده، فرغب إليه أن يتردّد عليه يومًا بعد يومٍ ليقصّ له شعره. وأعطاه الكثير من الطّعام والحلوى ليشبع بهما رفيقه الأكول.
كان أبو قير يلتهم الطّعام الذي يكسبه رفيقه الحلاّق، ولا يترك له إلاّ بضع حبّاتٍ من الزّيتون، وبضع لُقيماتٍ من الخبز. وكان أبو صير يتناول ما ترك له الأكول برضا وصبرٍ، فلا يتذمّر ولا يتأفّف.
عندما بلغت السّفينة نهاية رحلتها، ورست في آخر ميناءٍ في الرّحلة، التفت ربّانها إلى أبي صير وقال له: "إنّك رجلٌ كريمٌ ونشيطٌ، وإنّي أدعوك إلى البقاء معنا، تنتقل من بلدٍ إلى بلدٍ وتمارس عملك بين ركّاب السّفينة الذّين يريدون قصّ شعرهم، أو تخفيف لحاهم وشواربهم، وهكذا تكسب مالاً وتتفرّج على بلاد الله الواسعة في وقتٍ واحدٍ".
فأجابه أبو صير قائلاً: "أشكرك أيّها الرّبان على دعوتك، لكنّني لا أستطيع تلبيتها لأنّني مُرتبط مع صديقي أبي قير على أن نسافر معًا ونقيم معًا ونتاجر معًا ونتقاسم ما نكسب بالتّساوي، وليس من الأمانة أن أنقضَ الإتّفاق أو أخلف الوعد، أو أترك صديقي أبي قير في بلادٍ غريبةٍ، لا يعرف فيها أحدًا، ولا يعرفه أحدٌ".
فقال ربّان السّفينة لأبي قير: "إن صاحبك لا يريد أن يعمل عملاً نافعًا ليكسب من تعبه، وقد أحَبَّ حياة الكسل والإعتماد على نشاطك وعملك. وهذه الصّفات ليست صفات الصّديق الشّريف. إنّه أنانيّ يحبّ نفسه فقط، ومن الخير أن تجعله يعمل لئلا يظلّ كسولاً يعتمد على عمل غيره. وعلى كلّ حالٍ هذا أمر يخُصّك، وإنّي أتمنّى لك الخير والسّعادة، وإلى اللقاء".
شكر أبو صير ربّان السّفينة، وتمنّى له سفرًا سعيدًا ورحلةً هادئةً لا تهبّ فيها رياحٌ شديدةٌ على السّفينة.
وحمل أبو صير أمتعته ونزل من السّفينة إلى الأرض، يتبعه رفيقه أبو قير.
وبعد أن تجوّلا في طُرُق المدينة، وتعرّفا بأشهر أحيائها، استأجر أبو صير غرفةً أقام فيها مع رفيقه.
وفي اليوم التّالي، ذهب أبو صير إلى سوق المدينة واتّخذ مكانًا له وبدأ يُمارس مهنة الحلاقة. وفي المساء، عاد إلى الغرفة حاملاً الطّعام والفاكهة، فأكل رفيقه أبو قير كثيرًا وبقي لأبي صير القليل القليل.
استمرّت الحال على هذا الشّكل: الرّجل الطيب، أبو صير، يعمل في حلاقة الشّعر طوال النّهار، ثم يحمل معه الطّعام في المساء؛ وأبو قير يمضي الوقت متكاسلاً، مُتمدّدًا ثم يشارك رفيقه في الأكل.
وبعد عدّة أسابيع، شعر أبو صير بالتّعب والإرهاق بسبب العمل المتواصل من غير راحةٍ. وما لبث أن وجد نفسه في صباح يومٍ من الأيّام مريضًا، لا يستطيع القيام من فراشه من شدّة الألم وارتفاع الحرارة.
وكان من الواجب أن يتولّى أبو قير خدمة رفيقه والإشراف على إسعافه ومداواته وتوفير الطّعام له. ولكنّ أبا قير، بدلاً من ذلك، غافل رفيقه المريض الذي يتلوّى من الألم، وسرق كيس النّقود وأوهمه بأنّه ذاهب لإحضار الدّواء والطّعام.
تجوّل أبو قير في طُرُق المدينة وأسواقها، وراقب النّاس فيها، فلاحظ أنّهم يلبسون ثيابًا بيضاء وسوداء. وبينما كان يشتري بعض الفاكهة من أحد الدّكاكين، سأل البائع: "لماذا لا تلبسون ثيابًا ملوّنةً بألوانٍ أخرى غير الأبيض والأسود؟". فأجابه البائع: "ليس في المدينة صبّاغ يتّقن تلوين الثياب وسائر الأقمشة".
عندئذٍ رأى أبو قير أنّ الفرصة سانحة ليستفيد منها، فذهب إلى قصر السّلطان وطلب مقابلته. فلمّا أَذن السّلطان لأبي قير بالدخول، روى لهُ قصّته، وقال إنه رجل غريب، قدم من الإسكندريّة على ظهر سفينةٍ، وأنّه يحسن صباغة الأقمشة الحريريّة والقطنية والصّوفيّة، فيجعلها حمراء وصفراء وخضراء وزرقاء، كما يريد صاحبها، وأنه على استعدادٍ للقيام بعمله في هذه المدينة وإفادة أبنائها من مهارته وخبرته.
اقتنع السّلطان وساعد أبا قير في إنشاء مصبغةٍ كبيرةٍ، وأمر بأن تُشتَرى له الأدوات اللاّزمة وأن يعمل عنده عددٌ من العمّال.
وما كاد الناس يعرفون بأن مصبغة بدأت تعمل في مدينتهم، حتّى أقبلوا عليها يصبغون أقمشتهم بالألوان الحمراء والصّفراء وغيرها.
بعد مدّةٍ قليلةٍ، بدأ يظهر في طُرُق المدينة شباب يرتدون ثيابًا ملوّنةً جميلةً.
وهكذا أصبحت مصبغة أبي قير مقصد النّاس الرّاغبين في الألوان الجديدة، وأصبح أبو قير غنيًا مِن كثرة مَا ربح من عمله.
أمّا أبو صير، الرّجل الطّيب، فقد ظلّ في غرفته وحيدًا لا يشعر أحدٌ بمرضه. وبقي على هذه الحال عدّة أيامٍ، إلى أن سمع أحد الجيران أنينه، فدخل عليه، فلمّا رآه على هذه الحال، أسرع فأحضر إليه طبيبًا فعالجه ووصف له الدّواء المناسب.
لازم الجار أبا صير، وأشرف على إعطائه الدواء في المواعيد التّي قرّرها الطّبيب، وأحاطه بعنايته.
وعندما تمكّن أبو صير من تناول الطّعام، كان الجار الطّيب يشتري له ما يحتاجه ويقدّمه إليه.
وطالت إقامة أبي صير في غرفته، ولم يتماثل إلى الشّفاء إلاّ بعد أسابيع عديدةٍ. وبالرّغم من كلّ ما حدث لأبي صير من أعمال أبي قير معه، فقد ظلّ يظنّ أن أبا قير وقع له حادث منعه من العودة إلى البيت، وأنّه ربّما أخذ النّقود ليشتري بها طعامًا لهما...

لم يخطر لأبي صير أن رفيقه كان سيّئ النّية لأنّه هو كان طيّب القلب، رضيّ النّفس، بسيطًا.
خرج أبو صير من الغرفة بعد شفائه من مرضه، وسار في المدينة ليبحث عن رفيقه، وليبحث عن عملٍ يوفّر له عيشه.
وبينما هو يسير في الطّريق، وصل إلى مصبغة أبي قير، وشاهد النّاس مزدحمين أمامها. وبعد أن سأل بعضهم عن ذلك، عرف أنّه أمام مصبغة رفيقه القديم، وأنّ هؤلاء النّاس يريدون صباغة ثيابهم وتلوينها بالألوان الجميلة، وعرف أن رفيقه الصّباغ أصبح مشهورًا وغنيًا.
دخل أبو صير المصبغة ليقابل أبا قير ويسأله عن أحواله، وكيف استطاع أن ينجح في هذا الوقت القصير.
وعندما أطلّ أبو صير على داخل المصبغة، رأى منظرًا غريبًا لم يكن يتوقّعه. لقد رأى أبا قير يجلس على منصّةٍ عاليةٍ، وهو يستند على الوسائد الحريريّة، ويحيط به الخدم من كلّ جانبٍ، ويلقي الأوامر على هذا وذاك، فيُنفّذ كلّ واحدٍ ما أمره به.
ولم يكد أبو صير يقترب من منصّة رفيقه الصّباغ، حتّى أشار أبو قير على أحد الخدم بأن يقبض على أبي صير ويرميه أرضًا ويضربه مئة ضربةٍ.
ولم يستطع أبو صير المسكين أن يتكلّم، فتلقّى الضّربات بصبرٍ وألمٍ. وبعد الضّرب، ألقاه أحد الخدم في الشّارع...
ولكن ماذا فعل أبو صير بعد ذلك؟
وهل سيظلّ أبو قير ناجحًا في عمله؟
لا، إنّه لا بدّ من أن ينتصر الرّجل الوفيّ على الغادر الخائن، ولا بُدّ أن يتغلّب الرّجل النّشيط على الكسول.
ولكنّ كيف سيحدث ذلك، وكيف سيَلقى كلّ منهما ثمرة عمله..

بلال نعيم
08-05-2009, 11:39 AM
الغلام الفصيح

قال حكيم: قلتُ لغلامٍ من أولاد العرب، كان يُحادثني فأمتعني بفصاحته وملاحته: أيسرك أن يكون لك مال وأنتَ أحمق؟
قال: لا.
فقلت: ولمَ؟
قال: أخاف أن يجني عليّ حمقي جناية تذهب بمالي وأبقى على حمقي.




الغولة والشقيقان

مات فلاح تاركا لولديه الصغيرين عاصم وباسم منزلا متواضعا وقطعة أرض كانت مورد الرزق الوحيد لتلك العائلة الصغيرة.

وجدت الأم نفسها في وضع صعب لا تحسد عليه.. فقد مات زوجها فجأة ولم يكن لها ما يساعدها على العيش مع ولديها القاصرين، سوى هذه القطعة من الأرض التي تحتاج إلى من يفلحها ويزرعها.. شمرت عن ساعديها وقررت أن تعمل في حراثة الأرض لكي تكسب ما يقيها الجوع.. استمرت في عملها الشاق هذا سنوات حتى غدا ولديها في سن الشباب.

ذات يوم، وبعد أن عادت من الحقل، قالت لهما:
الآن قد أصبحتما قادرين على العمل، فعليكما أن تقوما بحراثة الأرض حتى أتفرغ أنا لشؤون البيت.
أجاب الشقيقان بصوت واحد: نحن جاهزان للعمل يا أماه.
ضمتهما إلى صدرها بحنان وقالت: الآن إلى النوم، وغدا إلى العمل..

في الصباح الباكر، نهض الولدان وعلامات السرور والنشاط بادية على وجهيهما.. جهزت لهما كل حاجات العمل الزراعي.. من الفأس إلى المحراث، وإلى حمار الحراثة، وناولتهما زاد الغداء متمنية لهما التوفيق والنجاح.

وصل الولدان إلى الحقل عند شروق الشمس. تناول كل منهما فأسه وبدآ باقتلاع الأشواك. لم يتحملا وخزها.. نظر عاصم إلى أخيه الأصغر باسم وقال:
- إن هذا العمل قاس ومتعب، ولا قدرة لنا على القيام به.
- صدقت يا أخي.. فنحن لم نخلق لمثل هذه الأعمال الشاقة.
- هيا بنا نلعب يا باسم، وعندما تدركنا حرارة الشمس، نتفيأ ظل هذه السنديانة الوارفة.

راح الولدان يلعبان ويركضان تارة، ويركبان الحمار تارة أخرى، ثم يسترخيان تحت ظلال السنديانة.. وظلا على هذه الحال من اللهو والكسل، والأم المسكينة لا تعرف شيئا عن تصرفهما الطائش.. إلى أن حل موسم الحصاد، وظهرت الأمور على حقيقتها المرة القاسية.. كانت الصدمة عنيفة للأم الحنون الصابرة التي فجعت بفقد زوجها، وها هي الآن تواجه فاجعة أشد هولا وأكثر مرارة، تمثلت في خداع ولديها لها. فقامت بتوجيه اللوم والعتاب لهما، وهما صامتان صمت الأصنام لا يرف لهما جفن ولا ينطقان بكلمة. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story15.gif

قرر الولدان الهرب من المنزل. وعندما حل الليل خرجا خلسة وسارا يقودان الحمار، بينما الوالدة كانت تغط بنوم عميق..

وصل عاصم وباسم إلى غابة كثيفة الأشجار، وقد أضناهما التعب واستبد بهما النعاس فناما إلى جذع شجرة ضخمة وإلى جانبهما الحمار. استيقظا صباحا ولم يجدا الحمار.. راحا يبحثان عنه في الغابة.. فجأة وجدا نفسيهما أمام غولة مخيفة دب منظرها الرعب في قلبيهما..
قالت لهما: أهلا وسهلا بكما، لأنكما ستحلان في داري ضيفين مكرمين معززين.

عقد الرعب لسانيهما، فاستسلما لإرادة الغولة التي قادتهما إلى دارها، وقدمت لهما طعام العشاء الفاخر، أكلا وشبعا أخذتهما إلى غرفة النوم حيث استسلم باسم لرقاد طويل. بينما أخوه الأكبر عاصم غرق في تفكير عميق بحثا عن وسيلة تمكنه من الهرب من بيت هذه الغولة المخيفة.

في صباح اليوم التالي، قدّمت لهما الغولة طعام الفطور وهي جالسة بالقرب منهما. فقال لها عاصم: أرى يا عمتي أنك تحبين كثيرا هذا الحصان الأسود، أليس كذلك؟ قالت: فعلا إنه الجواد المفضل عندي. قال: إذا، إن كنت تحبينه فلا تطعميه سوى الفحم لأن في ذلك ما يبعد عنه كل الأمراض التي تفتك بالحيوانات.

صدّقت الغولة كلام عاصم، فراحت تطعم جوادها الأسود الفحم.. أما عاصم فأخذ يطعم الحصان قطع السكر، فأحبه الحصان وأصبح صديقه الحميم..

لاحظ عاصم أن الغولة تنام دائما عند مدخل دارها، فقال لها: يا عمتي، أنت لا تغمضين عينيك ليلاً ولا نهاراً، فكيف أعرف أنك نائمة، حتى لا أزعجك في أثناء نومك؟ فأجابته: عندما أنام، فإن الحيوانات التي أبتلعها في النهار تتحرك في بطني وتبدأ في الصياح.

أدرك عاصم أنه وجد الطريقة المناسبة للهرب.. وعندما سمع أصوات الحيوانات تنبعث من بطن الغولة، أيقظ أخاه، وذهبا خلسة إلى الاسطبل حيث كان الحصان الأسود ينتظر صديقه كل ليلة، فقفز إلى ظهره وخلفه أخوه، وانطلق بهما الجواد يسابق الريح بينما كانت الغولة نائمة تصيح الحيوانات في بطنها.

كانت الأم في قلق واضطراب منذ غادر ولداها عاصم وباسم المنزل وتركاها وحيدة. فكانت لا تعرف للنوم طعما، ولا لراحة البال سبيلاّ. صحيح أنها حزنت لأن الأرض لم تفلح، ولكن حزنها لغياب ولديها كان أكبر.

عندما دقا عليها الباب ليلا، فتحت لهما والفرح يملأ قلبها، فارتمى الولدان في حضنها يبكيان فرحا وخجلا. ومنذ ذلك الحين وهما يعملان في الحقل بجد ونشاط، ويجنيان ثمر أتعابهما خيرا وبركة.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:40 AM
الفتيات الثلاث

يروى أن ثلاث فتيات يتيمات كن يعشن حياة فقر وحرمان ، ولم يكن لهن معيل أو قريب يلجأن إليه في هذا الضيق الذي يخيم على حياتهن طيلة الأيام .

فكرن طويلاً بطريقة ينقذن أنفسهن بها من هذا الحرمان الذي يكاد يودي بحياتهن وهن ما زلن في مقتبل العمر . فلم يجدن طريقة أفضل من غزل الصوف وتطريز الثياب ، فرحن يعملن مجتهدات ليل نهار ليحصلن رزقهن ويدّخرن بعض المال للأيام السوداء التي غالبا ما كانت تمرّ بهن وتطيل المكوث لديهن .

وفي يوم توفيت والدة حاكم المدينة ، فأعلن الحداد في جميع أرجاء المدينة مدة أيام ثلاثة ، وأمر الحاكم ألا يضاء أي ضوء في أي مكان قبل أن تنتهي مدة الحداد .

ومرت الليلة الأولى من غير أن تشتغل الفتيات الثلاث إذ خفن أن يكتشف حراس الليل أمرهن . غير أنهن في الليلة الثانية لم يستطعن أن ينقطعن عن العمل ، فأنرن القنديل سراً ورحن يعملن خائفات ، وكان أن قرر حاكم المدينة أن يتأكد بنفسه من التزام أهل المدينة بأمره . فراح يدور في الشوارع حتى توقف أمام شباك منزل لمح من خلال ستائره ضوءا خفيفا ، فاقترب منه ونظر إلى الداخل ، وتناهت إلى سمعه كلمات للفتيات الثلاث وهن يحدثن بعضهن البعض.

قالت الأولى: لكن أتمنى أن أتخلص من هذا العمل المضني فأتزوج من طباخ قصر حاكم المدينة ، فتمتلئ معدتي وأنتهي من هذا الخوف الذي يتملكني كل ليلة عندما أفكر بالغد . http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story16.gif

وقالت الثانية: لا تظني أنك وحدك التي تريد أن تنتهي من هذا العمل المضني ، فلقد تعبت يدي وعيني ، ولم أعد أطيق الصبر على العمل ليل نهار من أجل لقمة خبز آكلها وأظل في جوع . ولكم أتمنى أن يتزوجني أحد حراس قصر حاكم المدينة ، فأكتفي بمعاشه وأعيش معه عيشة مطمئنة .

أما الثالثة فكانت تسمع كلام أختيها وتضحك ، وبعد صمت قالت لهما: إن أحلامكما صغيرة جدا، أما أنا فإما أن أظل أعمل في ضوء هذا القنديل ، وأتعب عيني ويدي ، وأصبر على الجوع والعوز، وإما أن أتزوج من ابن حاكم المدينة .

وضحكت منها أختاها ملياً. أما حاكم المدينة فقفل عائداً إلى القصر . وعند الصباح طلب إلى الحراس أن يذهبوا ويأتوه بالفتيات الثلاث . فلما حضرن بين يديه قال لهن: لقد مررت البارحة بيتكن ووجدتكن قد أنرتن القنديل ورحتن تعملن في غزل الصوف وتطريز الثياب . أما علمتن أني أعلنت الحداد ثلاثة أيام بسبب وفاة والدتي وأمرت من في المدينة ألا يضيئوا قنديلا قبل ثلاث أيام؟

فقالت الأخت الوسطى: لقد عرفنا بأمرك يا سيدي الحاكم ، ولكن العوز قد أجبرنا على أن نتجاوز إرادتك ونضيء القناديل لنحصّل رزق نهار الغد .

وهنا قال حاكم المدينة للفتاة الأولى: أما أنت أيتها الفتاة ، فسنزوج منك طباخ هذا القصر . واستغربت كلامه، وكيف عرف أنها كانت تحلم بذلك ، لكنها لم تنطق بأي كلمة .

ثم وجه كلامه للفتاة الثانية قائلا : أما أنت فسيتزوجك أحد الحراس، أتوافقين ؟

أظن أنك توافقين، غير أن خجلك يمنعك من أنت تقولي أي شيء .

ونظر إلى الفتاة الثالثة ، وهي أصغرهن، وقال لها: أما أنت فستكونين وصيفة لابنتي .
وهكذا كان .

تبدلت حياة الفتيات الثلاث وبات عيشهن رغيداً .

وكانت الفتاة الصغرى ترافق بنت حاكم المدينة ، وتقوم معها بنزهات جميلة وتجلس إليها فترات طويلة في حديقة القصر . غير أن أحلامها غالبا ما كانت تحزنها . فلقد تحقق حلما أختيها ، أما هي فما زالت على حلمها القديم ، تتمنى أن تكون زوجة ابن الحاكم.

وفي يوم ، وبينما كانت في الحديقة ، تتأمل الأزهار وتفكر ، وهي وحيدة ، رأت بالقرب منها شاباً جميلاً ، توقف برهة من غير أن يتكلم ، ثم قال لها: أراك تجلسين هنا وحدك، أما لك من صديقة تجالسينها ؟

فقالت: إنني وصيفة بنت حاكم المدينة، وها أنا أنتظرها لتوافيني إلى الحديقة، حيث تحب الجلوس فترات طويلة من النهار .

وطالت نظرة الفتى إلى الوصيفة ، وبات يلتقيها مصادفة بين الحين والحين حتى جاء وقت رآها فيه واقفة قرب زهرات جميلة ، فأخذها بيديه وأسرع بها نحو القصر الذي صعد درجاته ، ثم دخل بها مع زوجة الحاكم، وقال لها :

- أمي .. أريد أن أتزوج هذه الفتاة .

وحاول أن يتابع كلامه ، إلا أنه فوجئ بحاكم المدينة يدخل ، وبادره بقوله: ما بك يا ولدي ؟

فقالت الأم: لقد أحب وصيفة ابنتك ويريد أن يتزوجها .

وضحك الحاكم عندئذ ونظر إلى الفتاة وقال لها: لقد تحقق حلمك يا عزيزة ، فلقد سمعت تلك الليلة التي مررت ببيتكم فيها أنك تودين أن يكون زوجك ابن حاكم المدينة . وضحكت الفتاة في سرها ، وظلت ابتسامتها أجمل ما ضم قصر حاكم المدينة .

بلال نعيم
08-05-2009, 11:42 AM
غنية شريرة وفقيرة فاضلة

كان في إحدى المدن أختان: إحداهما واسمها ظريفة، شرسة الأخلاق كثيرة الشتم والسباب. وكان الناس يبغضونها ويبتعدون عنها. لكنها كانت غنية وجميلة، وتزوجت رجلا غنيا، ولم يكن يعرف أخلاقها غير أن الله عاقبها بأن لم يرزقها أولادا تسر بهم في حياتها.

والأخت الثانية، واسمها لطيفة، لم تكن جميلة ولا غنية كأختها، لكنها كانت رضية الأخلاق، لطيفة كاسمها، عطوفة حنونة. تخاف الله وتخلص في عبادته.

تقدم إليها عتّال اسمه حارس فتزوجها، وعاشت معه عيشة فقر وعوز.فكانت تغسل ثياب بعض العائلات، وهو يشتغل بالعتالة ليكسبا قوت أولادهما الستة الذين أنعم الله بهم عليهما، وكانوا مصدر سعادتهما وسرورهما.

جاء عيد الميلاد، فرأت لطيفة أولاد الجيران يشتري لهم أهلهم ملابس العيد، وكانت هي تعجز عن شراء ملابس جديدة لأولادها، كما لم تتمكن من طهو طعام طيب لهم.

فذهبت إلى بيت أختها ظريفة ونظفته قبل العيد وهي تأمل أن تعطف عليها أختها فتعطيها شيئا من المال. لكن أختها استقبلتها بوجه عابس. ولما انتهت لطيفة من تنظيف البيت أعطتها أختها بعض كسر الخبز اليابس، وطردتها. فذهبت حزينة كسيرة القلب.

وفي طريقها إلى بيتها، مرّت بقصر جميل، فدقت بابه، ففتح لها خادم بشع الوجه، فسلمت عليه ودعت له بالخير وطلبت إليه أن يحسن إليها.

ابتسم لها ودلها على باب ثان، وقال لها: دقي هذا الباب. فدقته ففتحت لها فأرتان بيضاوان، فحيتهما، وطلبت منهما أن يحسنا إليهما. فدلتاها على باب ثالث. فدقته وفتحت لها أربع فأرات بيض، ودخلت، فرأت مقاعد حريرية بيضاء جلست عليها فئران كثيرة، فحيتهن، وتحبّبت إليهن، فأعطينها بطاقة، وقلن لها: اذهبي إلى المطبخ، فتعطي ما تريدين.

ذهبت لطيفة إلى المطبخ، وأعطت البطاقة للعبد الذي فتح لها الباب، فأتى بكيسين ملأ أحدهما طعاما من مختلف الأشكال، وملأ الثاني ذهبا، ثم حملهما إلى عربة أمام باب القصر، فعادت لطيفة إلى حيث الفئران وشكرت لهن معروفهن. فقلن لها: متى نفد ما أخذت عودي إلينا لنعطيك غيره. وأوصلها العبد الخادم إلى بيتها فدعته لتكرمه، ولكنه شكرها وعاد إلى الفأرات.

أعطت لطيفة أولادها كيس الطعام واشترت لهم ملابس جديدة ولها ولزوجها ملابس جديدة.
وفي اليوم التالي، بحثوا عن بيت جميل، فدلهم الجيران على قصر فخم تحيط به حديقة كبيرة، فيها أنواع الأشجار والأزهار، فاشتروه وفرشوه بأجمل الأثاث، وأحضروا عبيدا للخدمة وطاهية ومعلمة للأولاد.

انتشر خبر غنى حارس، وأنه صار يعيش عيشة الأغنياء. ولما عاد عيد الفصح، فكرت ظريفة أن تزور أختها وتعطيها بعض المال ليشتروا ما يحتاجون إليه من طعام وملابس.

فلبست أجمل ثيابها وذهبت إلى بيت أختها، ولكنها لم تجد فيه أحدا. فسألت عنها الجيران، فأخبروها أنها تسكن الآن قصرا جميلا ودلوها عليه.
ذهبت ظريفة إلى القصر، وأخذتها لطيفة إلى غرف النوم وغرفة الطعام وغرفة الجلوس لترى ما فيها من أثاث وأوان. ودلت أختها على مصدر هذه النعمة.

وصلت ظريفة إلى الباب الذي دلتها عليه أختها، ودقت الباب، ففتح لها العبد الأسود، فاحتقرته وشتمته، وقالت له: أريد حسنة. فاغتاظ منها العبد، ودلها على الباب الثاني، فدقت ففتحت لها الفأرتان البيضاوان، فاستهزأت بهما، وقالت لهما: لو كنت أعرف أنكما ستفتحان الباب لي لكنت حملت معي هرتي تصنع منكما وليمة لها. أعطياني حسنة.

فاستاءت الفارتان من كلامها، ودلتاها على الباب الثالث، ولما دقته، وفتحت لها الفارات الأربع، قهقهت متهكمة، ثم طلبت إليهن إحسانا، فأعطينها بطاقة، وقلن لها أن تذهب إلى المطبخ، فنظرت إليهن نظرة احتقار واشمئزاز، وسارت إلى المطبخ، فاستقبلها العبد، وبدأت تشتمه.
ودخل العبد إلى غرفة داخلية وملأ كيسا بالحيّات والعقارب، وأخرجه إليها، وقال لها: خذي هذا الكيس ولا تفتحيه إلا في بيتك، بعد أن تقفلي النوافذ والأبواب.

عملت كما طلب منها الخادم الأسود، وفتحت الكيس. فتدفقت منه الحيات والعقارب فنهشت جسمها نهشا مؤلما وصارت تصرخ رعبا وألما، وتستنجد، فلم يسمع أحد صوتها، فماتت أشنع ميتة.

لما جاء زوجها، وقرع الباب لم يفتح له أحد، فنادى رجال الشرطة، فأتوا وأعانوه على كسر الباب، فهجمت عليهم الحيات والعقارب، فأخذوا يردونها عنهم بما كان في أيديهم من عصيّ وقطع أخشاب، حتى قتلوها، ودخلوا البيت فوجدوا ظريفة ميتة، وقد انتفخ جسمها من السم.

هكذا كان مصير المرأة الفاضلة اللطيفة، ومصير المرأة الشريرة.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:42 AM
القرد الصغير

قال القرد الصغير لأمّه في حديقة الحيوانات: أمّي، أمي!
ما بك يا صغيري؟ ماذا تريد الآن؟
ماذا نفعل نحن هنا يا أمي؟ لماذا يغلقون علينا الباب في هذا القفص ويتركوننا بين قضبان الحديد؟
أسئلة! أسئلة! دائمًا أسئلة! ألا تعرف يا صغيري أنّنا قردة، يعني قرود، سعادين؟
نعم أعرف، أعرف.
وأنّنا هنا في حديقة الحيوانات وقد وضعونا في القفص موقّتًا . وبعد قليلٍ سيخرجوننا منه وسيضعوننا في قسم القرود ولن نكون مسجونين هناك؟ نعم، سنكون طليقين أحرارًا.
متى يا أمي؟ متى يحين ذلك الوقت لينقلونا إلى قسم القرود؟ لقد ضاق صدري في هذا القفص.
ها هو حارس قسم القرود. إنّه قادم ليخرجنا من هذا القفص.
وفعلاً أقبل الحارس ونقل القرد الصغير وأمّه إلى قسم القرود.
آه! ما أحلى الحرية! الحمد لله، أخرجونا من القفص. أمي! أمي!
ما بك الآن يا صغير؟ ألستَ مسرورًا لأنّنا خرجنا من القفص؟
جدًا جدًا، أنا مسرورٌ جدًا ولكنّني أريد أن أسأل: ما هذه الأشياء المُلوّنة؟
أين هي؟http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story52.gif
هناك، هناك، حمراء، خضراء، صفراء.
أين هي؟ لم أفهم ما تقول.
هناك. أترين؟
آه، فهمت. إنها فاكهةٌ في بستانٍ.
فاكهة؟ ما معنى فاكهة يا أمي؟
الفاكهة مآكل طيّبة لذيذة. إنّها ثمار تنمو على الشّجر.
ثمار؟
نعم يا بُنيّ، نعم، تفّاح، إجاص، برتقال.
آه لو أستطيع يا أمّي أن أذهب وأذوقها.
ستأكل يا بني! ستأكل منها. لكن قُل لي: لماذا تقفز الآن؟
أقفز لكي أتعلّم كيف أتسلّق الشّجرة وآكل فاكهتها وثمارها.
ابق هنا يا صغيري وإلعب قليلاً ريثما أذهب وأحضر لك بعض الطّعام. فقد حان وقت الغذاء.
حسنًا تفعلينه يا أمّي، فأنا جائعٌ جدًا.
ولكن ينبغي ألاّ أوصيك يا صغيري. إيّاك أن تخرج من هنا. مفهوم؟
مفهوم، مفهوم.
مرةً أخرى أقول لك: أنا الآن ذاهبة. لا تستهتر بما قلته لك. إياك والإستهتار بكلامي.
مع السّلامة يا أمي. اطمئنّي، سأكون عند حُسن ظنّك، لن أستهتر. مع السّلامة.
ذهَبَت الأم وطال غيابها أكثر ممّا كان صغيرها يتوقّع.
هيه... إيه... لقد انتظرتُ طويلاً ولم تحضر أمي الطّعام لي بعد، أنا جائع. ماذا أفعل؟ لقد وجدتها! وجدتُ الحلّ. سأتسلّق الحائط وأذهب إلى البستان هناك وآكل الفاكهة.
وجاءه صوت: إلى أين تتسلّق يا صغير؟
مَن؟ أنا؟
نعم، أنتَ؟
أخبرتني أمي عن فاكهةٍ لذيذةٍ أحبّ أن آكل من الحديقة المجاورة. فهمتَ ماذا أقول لك؟ أنا ذاهب لآكلها.
ولكنّ يا صغير، إن رآك الحارس ضربَك. إيّاك أن تخرج!
لا تخافي عليّ.
لا تذهب. لا تتسلّق السّور كي لا تسقط وتكسر يدك أو رجلك أو ظهرك أو رأسك.
لا تخافي. نحن القرود نعرف كيف نقفز.
قفز القرد الصّغير وصاح: ها قد قفزتُ ولم أُصَب بأذى. على كلّ حالٍ الحائطُ ليس مرتفعًا.
فردّ عليه صوت: هيه! يا صغير! أنت يا صغير!
هيه! مَن يتكلّم؟ مَن يتحدّث إليّ؟
أهلاً! أهلاً بك. مَن أنت؟
أنا الفاكهة، الفاكهة المعلّقة على الشجرة.
يعني أنتِ الثّمرة المُلوّنة الجميلة الطّيبة اللّذيذة؟
نعم، نعم! تعال إلينا، اقطفنا وكُلنا.
أنا قادم. أنا قادم بسرعةٍ، سأتسلّق الشّجرة وسأصل إليك حالاً، في لحظةٍ واحدةٍ سأكون عندك.
قالت الثّمار: وَصَلَ. وَصَل إلينا القرد الصّغير. إنّه صغير ومُضحك أيضًا.
نعم، أنا أتيت.
اقطف وكُل.
هاه.. هاه.. قطفتُ. هاه.. هاه.. قطفتُ الثّانية. أوه.. ما أشهى هذه الرّائحة!
كيف لو ذقتنا؟ إذن؟
ذقتكم؟ ما اسمكم؟
تفّاح. تفّاح. اغسلنا وكُلنا.
حسنا. سأفعل.
هل ترى أيّها القرد الصغير الماء في البركة هناك؟ اذهب واغسلنا ثم كُلنا.
طيب، طيّب. سأذهب. بعد ذلك سآكلكم وأبلعكم.. سأشبع.. هيه..

عادت الأم فلم تجد ابنها، فصاحت: ابني! ابني يا ناس، ذَهَب ولم يعد. أين أخذتَه يا حارس حديقة الحيوانات؟
أجابها الحارس: أنا أبحث عنه أيضًا. من ثلاث ساعاتٍ ذهب، ومن ثلاث ساعات وأنا أبحث عنه، ولكنّني لم أجده.
آه يا حبيبي! كيف تركتني؟ أنا أوصيته ألا يذهب.. إنّه مخلوق مُستهتر لا يعير كلامي أي انتباه.
للحقيقة يا سعدانة، ابنك شقيّ، غافلنا وقفز عن الحائط، قال الحارس.
علا صوت بكاء الأم: آه.. آه.. أه...
حَزِنَ الحارس وقال لها: لا تحزني ، نحن سنبحثُ عنه بكلّ وسائلنا. كُلي، كُلي طعامك!
فقالت الأم: وهل يطيب لي الطعام؟ أنا ذهبتُ خصّيصًا لأحضر له الطّعام، وصاحت: يا حبيبي! أين أنتَ يا طفلي الصغير. أريده الآن، الآن! ابني.. لن آكل ولن أشرب قبل أن يعود حبيبي الصّغير.
أجابها: مهلاً، مهلاً يا سعدانة! ترفّقي بحالك.
فتحت امراةٌ في المبنى القريب من البستان شباكها لترشّ الأزهار ماءً وترويها، فإذا بها ترى القرد الصّغير يقفز بين الأغصان، فقالت: غريب! ما هذا القرد الصّغير الذي يعتلي الشّجرة؟
ضحك القرد الصّغير.. هه، هه، هه.. هذه السّيدة ترش الأزهار بالماء. ثم سمع صوتًا يخرج من صندوقٍ صغيرٍ وكأنّه شباّك وفيه شخص يتكلّم: تحيةً طيبةً أيها المُشاهدون الكرام من محطّة التلفزيون الوطنيّة: إليكم هذا النبأ أيها المُشاهدون الأعزاء: اختفى قردٌ صغير من حديقة الحيوانات. وقد حزنت الأمّ على قردها الصّغير. لم تعد تأكل ولا تشرب. يُرجى ممّن يعثر على هذا القرد الصغير أن يتّصل بحديقة الحيوانات لكي تعيده إلى أمه. وها هي الأمّ على الشاشة. إنّها في حالةٍ مُزريةٍ.
علا صوت الأم باكيةً: أين أنتَ يا بني؟ أين أنت؟
فصاح القرد الصغير باكيًا: أمي؟ هذه أمي.. آه..
شاهدته سيّدة فقالت له: لا تبكي يا صغيري.. أنا سأبعث بك الى أمّك.. لحظة.
ثم إتّصلت هاتفيًا بحديقة الحيوانات: هالو، هالو، حديقة الحيوانات؟ القرد الصغير الذي تبحثون عنه هو عندي في البيت.. تعالوا خذوه.. هاه..؟ بيتنا؟ بيتنا قرب الغابة. سأبقي القرد الصغير عندي حتّى تحضروا.
وكان القرد الصغير يبكي.. ويقول: أمي! أمّي!
نقل القرد الصغير إلى أمّه فاستقبلته باكيةً: ابني حبيبي.. كم شغَلتَ بالي!
فاجابها القرد الصّغير: أمي حبيبتي! وهو يبكي فرحًا.
فقالت: تألمتُ كثيرًا يا صغيري بسبب استهتارك. أنا نبّهتك ألاّ تًغادر مكانك.
فأجابها بحزنٍ: أخطأتُ يا أمّي، أخطأتُ. لن أعيدها بعد الآن!

بلال نعيم
08-05-2009, 11:43 AM
نهاية شيخ البحر


ما كدت أستقر في بغداد، حتى نسيت ما صادفني من أهوال في رحلتي السابقة وعاودني حنيني إلى البحر. فقصدت البصرة مع جماعة من المسافرين والتجار، وركبنا مركبا راح يتنقل بنا في البحار ويرسو في
الموانئ حيث نبيع ونشتري، ونتفرج على بلاد الله الواسعة، ونتعرف بسكانها وأحوال معيشتهم، وأساليب حياتهم.

في صباح يوم، وبينما كان المركب يسير بنا في جو صاف جميل، ونحن نتحدث ونتسامر على متنه، إذا بريح عاتية تهب فجأة، فيهتز بنا المركب اهتزازاً شديداً، وينقلب بعضنا فوق بعض، ويسيطر علينا الذعر.

وما هي إلا دقائق حتى رأينا الأمواج تغمر المركب وتهدده بالغرق. فألقيت بنفسي إلى البحر، واستسلمت للأمواج العاتية أصارعها وتصارعني، وهي تسير بي وتدفعني إلى المصير المجهول.

لم تدم بي الحال طويلاً، فقد دفعتني الأمواج إلى جزيرة كبيرة، عذبة المياه، غزيرة الفاكهة، طيبة الهواء، فسرت في أنحائها أستنشق هواءها المنعش فرحا بنجاتي من الهلاك.

فجأة لاح لي عن بعد رجل يرتدي ثياباً فاخرة، وهو يسير بسرعة، وقد جلس فوق كتفيه شيخ عجوز، قد لف رجليه حول رقبته، وهو يضربه بهما بشدة وقسوة ليزيد من سرعته في السير.

ناديتهما بأعلى صوتي فلم يسمعا، فأسرعت في السير لعلي ألتقي بهما. لكن رجلي المتعبتين لم تمكناني من اللحاق بهما فسرت في الجزيرة على غير هدى لعلي أصادفهما مرة أخرى، ولكن محاولاتي باتت بلا جدوى، فتسلقت شجرة، وكان التعب قد أخذ مني كل مأخذ، واتخذت لي مكانا بين جذوعها الكثيفة.

وبعد ساعات، استيقظت فوجدت نفسي مقيداً بالحبال، وحولي مجموعة من الرجال قد أوقدوا النار وراحوا يصفقون لواحد منهم كان يرقص بحماسة ورشاقة، وهو يقذف بالسهام إلى الهواء ويلتقطها ببراعة فائقة.
دهشت لهذه الحال التي صرت إليها، وتساءلت في نفسي عمن يكون هؤلاء الرجال، ولماذا قيدوني بالحبال؟ ورحت أحاول التخلص من قيودي بحذر شديد مخافة أن ينتبهوا لي فيلقوا بي إلى النار، حتى استطعت بعد جهد كبير التخلص من قيودي. ولكن أحدهم لمحني فصرخ في رفاقه: هيا، إن " شيخ البحر" قد فك قيوده وهو يحاول الهرب.

أسرع الرجال إلي والشرر يقدح من عيونهم، وأنزلوني عن الشجرة وأنا أرتجف من الهلع.. وفي هذه اللحظة، ظهرت من بين جموعهم شابة صغيرة جميلة، وأمرتهم بألا يمسوني بأذى قائلة لهم: إن هذا إنسان كريم، وليس هو " شيخ البحر" الذي تبحثون عنه.

أجلسني الرجال قرب النار، فسرى الدفء في عروقي، ثم قدموا لي الطعام والشراب، وسألوني عن قصتي فحكيت لهم ما حدث لي منذ ركوبي المركب في البصرة حتى غرقه قرب هذه الجزيرة.

تعجبوا من ذلك غاية العجب. ثم قصوا علي قصتهم، وعرفت من الشابة الجميلة أن اسمها " رباب "، وأنها ابنة تاجر كبير، وهؤلاء هم حرسه وأتباعه، وأنهم خلال رحلتهم في البحر جنحت بهم السفينة قرب شاطئ الجزيرة، فنزلوا حتى يتم إصلاحها. ولكن والدها لسوء الحظ وقع في قبضة " شيخ البحر "، وهو رجل عجوز شرير بالرغم مما يبدو عليه من ملامح الطيبة والوداعة.

يغري بمظهره المخادع من يصادفه، فيطلب إليه أن يساعده ويحمله على كتفيه إلى عين الماء، وسرعان ما يطبق على رقبته بساقيه القويتين، ويرغمه على أن يتنقل به بين الأشجار ليل نهار، ولا يدعه حتى يتركه جثة هامدة لا حراك بها.

قالت "رباب": لقد فتشت مع رجالي الجزيرة طولاً وعرضاً، فلم نجد لشيخ البحر ظلاً، وإني بتّ أخشى على والدي من الهلاك.

فطمأنتها، ورحت مع رجالها نتعاون في وضع خطة لإنقاذ التاجر المسكين. فاخترنا عدة مواقع في الجزيرة، وربطنا فيها الحبال المعقودة بطريقة تجعل " شيخ البحر " إذا ارتطم بها يهوي فوق كتفي التاجر الذي يجد الفرصة سانحة للهرب.

بعد أن درّبت الرجال على استخدام هذه الحبال وزعتهم على المواقع، في حين اخترت أنا شجرة عالية الأغصان صعدت إليها مع "رباب" لنكون على بيّنة مما يجري في قطاع كبير من الجزيرة.

حدثتني " رباب "، ونحن نجول بأعيننا في كل الاتجاهات، أن " شيخ البحر " رجل صلب، يتمتع بقوة خارقة، قد تجعل التغلب عليه مسألة صعبة للغاية. وقد تتعرض حياة والدها للخطر الجسيم.

طمأنت خاطرها، محاولاً تخفيف ما يساورها من قلق على حياة والدها. وفجأة لاح لنا "شيخ البحر" مطبقا على فريسته، وهو يسير بسرعة هائلة بين الأشجار. فأسرعنا بإعداد الفخ القريب. وعندما بات على مقربة منه شددنا الحبل فأطبقت العقدة على رقبته، فأخذ يقاوم ويتململ، في حين شد من التفاف ساقيه القويتين على عنق التاجر المسكين.

لم تستطع "رباب" أن تحتمل منظر والدها وقد ازداد ألمه، فتركت الحبل من يدها، مما سهل لشيخ البحر الإفلات وهو يضرب بقدميه ظهر التاجر ليواصل السير، ويبتعد به داخل الجزيرة.

أخفقت خطتنا، فبكت "رباب" وانتحبت واستسلمت لليأس، ولكني طيبت خاطرها.. ومضيت وحدي أجول في الجزيرة بحثا عن " شيخ البحر " لأتقدم إليه بلطف واحترام، وأعرض استعدادي لحمله على كتفي بدلا من هذا الرجل الضعيف المتعب، وأثناء انتقاله إلى كتفي أتحرك فجأة وأتركه يسقط على الأرض، ثم أهجم عليه وأقيده بالحبال..

لكن "شيخ البحر" كان أمكر مني، فلم أشعر إلا وهو فوق كتفي، يلف ساقيه حول رقبتي، ويضربني بقدميه لأنطلق به في سرعة بين الأشجار.

وهكذا وقعت في شرك هذا العجوز الشرير، فمضيت أحمله فوق كتفي، وأتلقى الضربات الموجعة من قدميه إذا توقفت عن السير أو تمهلت لحظة لأستريح!

في هذا الأثناء، عثر الرجال على سيدهم التاجر المسكين فأخذوه للراحة والعلاج، ولكن "رباب" لم تنسني. فوضعت لي عند شجرة الصفصاف كثيرا من أنواع الطعام لآخذ منها حاجتي وأنا أواصل السير بغير توقف.

وخلال أيام كانت "رباب" بمعاونة رجال والدها الأشداء قد أعدوا خطة لإنقاذي قرب شجرة الصفصاف، إذ جهزوا من جذوع الأشجار الضخمة حواجز على شكل أقواس النصر لا يزيد ارتفاعها على طول قامتي..

ما كدت أرى ذلك حتى أدركت الخطة، فأسرعت بالمرور من تحت هذه الحواجز التي راح يصطدم بها رأس " شيخ البحر " فصاح متألما، وشدد من ضغط ساقيه حول رقبتي.. ولكنني تحملت الأذى، وأخذت أجري ذهابا وإيابا تحت الحواجز، وفي كل مرة كان يصاب رأسه بضربة جديدة حتى سالت دماؤه، فسقط من فوق كتفي إلى الأرض فاقد الوعي.

أسرعت " رباب" ووالدها والرجال يهنئونني بالنجاة والانتصار. ثم أعدوا وليمة فاخرة، احتفاء بي، وأكرموني غاية في الإكرام، وعرضوا علي أن أرافقهم في طريق عودتهم إلى بلادهم لأشاركهم فرحهم بالعودة سالمين، ولحضور حفل زواج " رباب " من ابن عمها " هشام ".

وصلنا البلاد سالمين، واستمتعت في ضيافتهم أياماً جميلة عذبة. وبعد أيام، وكان حنيني إلى بلدي قد بلغ مداه، مرت سفينة بالميناء، وكانت قاصدة البصرة، فركبتها بعد ما ودعت مضيفي، وعدت إلى بلادي وأنا في أهدأ حال وأنعم بال...

بلال نعيم
08-05-2009, 11:44 AM
القاضي الصغير

في العصر العباسي ، كان يعيش في بغداد تاجر شريف اشتهر بالسمعة الحسنة بين زبائنه ، لاستقامته وأمانته وطيبته .

وفي إحدى الليالي رأى حلما غريبا ... فقد انشق جدار غرفته ، وظهر منه شيخ وقور ، تقدم نحوه وقال له : " اذهب يا منصور إلى بلاد الله الواسعة ، فقد أراد الله لك السعادة في تلك البلاد " .

استيقظ منصور ، وقال في نفسه : ما لي وللسفر إلى بلاد غريبة أجهلها وأجهل أهلها ، وقد أنعم الله علي في هذه البلاد بالنجاح والسمعة الحسنة ؟

وفي الليلة التالية رأى منصور الحلم مرة ثانية ، وأمره الشيخ الوقور بالسفر إلى بلاد الله الواسعة لأن السعادة كتبت له فيها .

وفي الليلة الثالثة ، جاءه الشيخ في الحلم ، وأمره بما أمره به في المرتين السابقتين .

استيقظ منصور وقد عزم على مغادرة بغداد إلى بلاد الله الواسعة . ثم جمع ثروته التي حصل عليها من تجارته، ومن بيع ممتلكاته المتواضعة ، فبلغت ألف قطعة ذهبية ، وضعها كلها في جرّة ملونة، وغطاها بالزيتون الأسود ، وذهب بها إلى أبي المحاسن. أحد تجار بغداد المعروفين ، ليضعها أمانة عنده .

رحب أبو المحاسن بمنصور ، وسأله عما يريد . فأخبره منصور أنه عزم على الرحيل من بغداد ، وأنه يريد أن يحفظ جرّة الزيتون أمانة عنده حتى يعود.

وافق أبو المحاسن، وأعطى صديقه مفتاح حجرة الأمانات ليضع فيها جرة الزيتون بيده في المكان الذي يختاره . فوضع منصور الجرة في غرفة الأمانات وأعاد المفتاح لأبي المحاسن وشكره على معروفه ، ثم رجع إلى بيته وأعد جملاً حمّله أمتعته الضرورية، وأفخر أنواع الأقمشة لكي يبدأ تجارته في البلاد التي يقصدها ، ودعا الله أن يوفقه .

وصل منصور إلى مدينة دمشق ، فأدهشه منظر الحدائق الجميلة التي تحيط بنهر بردى، وجال في شوارعها، تأمل منازلها وقصورها التاريخية وأعجب بقبابها العربية الجميلة .

عرض منصور بضاعته على تجار دمشق ، فأعجبوا بها ، واشتروها منه فربح أرباحا كثيرة ، واشترى غيرها، وباعها ... ورأى منه التجار صدقا في المعاملة ، فوثقوا به وأحبوه ، واتسعت تجارته، وذاع صيته، بقي في الشام سنين عديدة.

وبعد سنوات من سفر منصور إلى الشام ، جلس أبو المحاسن يتعشى مع زوجته ، ورغبا في أكل بضع حبات من الزيتون، فتذكر أبو المحاسن جرة الزيتون التي وضعها منصور عنده أمانة منذ سنوات. فقال لزوجته: ما رأيك لو حصلنا على شيء منه لعشائنا ، لاسيما أن سنوات مضت على غيبة منصور ولم نسمع عنه شيئا . وأضاف : لا شك أن الزيتون إذا لم يؤكل بعد هذه المدة الطويلة فسيصيبه التلف .

فرفضت زوجته ، وقالت بأن هذا خطأ .. فماذا سنفعل إذاً حضر منصور ولاحظ أن جرته ناقصة؟

فقال لها: في هذه الحالة سندفع ثمن ما أخذنا من الزيتون، وهو ثمن زهيد. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story17.gif

فرفضت مرة ثانية ، وكانت أمينة ، وقالت له : إن هذه الجرة أمانة لدينا ، فكيف نفتحها يا رجل ؟ ‍أنا لا أوافق على ذلك أبدا ، خصوصا وقد أوصانا الله بأن نؤدي الأمانات إلى أصحابها كاملة .
لم يقتنع الزوج بكلام زوجته ، وأصر على أن يأكل من الزيتون مهما كلفه الأمر . وفتح باب غرفة الأمانات وحمل جرة الزيتون فلاحظ أنها ثقيلة جدا ، وأراد أن يعرف ما فيها . فأفرغها من محتوياتها ، وكانت دهشته كبيرة عندما وجد أن الجرة تحتوي على ألف قطعة ذهبية مغطاة بقليل من حبات الزيتون .

غلب الطمع أبا المحاسن ، فاستولى على الذهب جميعه ، ثم سارع إلى السوق ، فاشترى كمية من الزيتون ، ملأ بها الجرة وغطاها كما كانت .

مرت خمسة أعوام على غياب منصور ، وكان يعمل بإخلاص وعزيمة صادقة ، واشتاق إلى وطنه وحن إلى مدينته بغداد ، فعاد إليها مسرورا ، وهو يتطلع إلى استعادة ماله الذي أودعه عند أبي المحاسن التاجر .
وفي الصباح، ذهب منصور إلى أبي المحاسن ، فاتحا ذراعيه في لهفة وشوق إليه وإلى ماله الذي أودعه عنده.

وبعد اللقاء الحار والتحيات والقبلات ، طلب منصور استعادة الأمانة التي أودعها عنده، فأعطاه أبو المحاسن مفتاح الجرة وقال له :

- خذ المفتاح كما فعلت يوم سفرك ، وادخل غرفة الأمانات وستجد أمانتك في مكانها .

شكر منصور أبا المحاسن على معروفه وأمانته، وحمل الجرة وعاد إلى بيته، وما إن فتحها حتى أدهشته المفاجأة. فهو لم يجد ذهبا ، لكنه وجد زيتونا بدلا منه ..فكاد يفقد عقله ، إلا أنه تصنع الهدوء ، وأسرع إلى أبي المحاسن وقال له : يا صديقي ‍‍، يبدو أنك احتجت إلى بعض المال، فأخذت أموالي التي في الجرة مؤقتا ، وأرجو الله أن تتحسن أحوالك المالية فتردها إلي . وعلى كل حال ، نحن صديقان ولا بأس في ذلك .
فتظاهر أبو المحاسن بالدهشة ، ثم قال مخاطبا منصورا : أي مال يا رجل ؟ لقد وضعتَ عندي زيتونا وأخذت زيتونا ، وقد وضعتا الجرة بنفسك وأخذتها بنفسك . فما هذا الكلام الذي تفاجئني به ؟‍

فقال منصور : يا سيدي ، لقد كان في الجرة كل ثروتي ، كان فيها ألف قطعة ذهبية ، وإذا لم تعترف بأنك أخذتها ولم تردها لي شكوتك للقاضي، وإذا لم ينصفني القاضي لجأت إلى الخليفة نفسه ليعيد إلي مالي المسروق.

ونشب بينهما عراك عنيف ، وتجمع الناس حولهما ليعرفوا قصة منصور وثروته الذهبية التي طارت من الجرة التي وضعها أمانة عند أبي المحاسن .

ولم تنفع جميع المحاولات التي بذلها منصور لاستعادة ماله ، فلجأ إلى قاضي المدينة .

أحضر القاضي أبا المحاسن وسأله: هل صحيح أن منصورا سلمك ألف قطعة ذهبية وضعها في جرة وتركها أمانة عندك ؟

فأجابه أبو المحاسن: أقسم يا مولاي أن منصورا لم يسلمني ذهبا، لكنه سلمني جرة قال لي إنها مملوءة بالزيتون ، وقد استردها بعد عودته من المكان الذي وضعها فيه .

أمر القاضي أبا المحاسن بالانصراف ، ثم استدعى منصورا وسأله: هل وضعت عند أبي المحاسن ذهبا أم زيتونا ؟

قال منصور: الحقيقة أني لم أطلع أحداً على سر الذهب الذي خبّأته تحت الزيتون ، لكني أقسم بالله العظيم أن الجرة كان فيها ألف قطعة ذهبية.

تألم القاضي لحاله، وقال له: إن أبا المحاسن قد أقسم على أنه لم يتسلم ذهبا بل زيتونا ، وقد اعترفت بنفسك أنك لم تطلعه على سر الذهب المخبّأ في الجرة، وهذه غلطة كبرى قد كلفتك غاليا ، إذ ليس لدينا دليل يثبت أقوالك، والله وحده يعرف الحقيقة. آسف، فأنا لا أستطيع أن أفعل لك شيئا.

خرج منصور من بين يدي القاضي مطأطئ الرأس حزينا باكيا، وصمم على أن يشكو غدر أبي المحاسن إلى الخليفة وهو يرجو أن يعينه الله على الوصول إلى ماله .

ولما علم أصحاب منصور بما عزم عليه قالوا له : ليس لديك يا منصور أي دليل على أن أبا المحاسن قد أخذ أموالك ، وليس لديك أي إثبات أو شاهد على أنك وضعت أموالا عنده ، بالإضافة إلى أن أبا المحاسن تاجر كبير ، وله نفوذ واسع ، وإذا شكوته إلى الخليفة فلن يكون حظك معه أحسن من حظك مع القاضي .

فكر منصور طويلا في ما قاله أصدقاؤه ، لكنه قال في نفسه: إن الله مع المظلومين، وأنا مظلوم ، ومالي حلال قد جمعته بعرقي وجهدي ، فكيف أسكت على هذا الظلم الذي أصابني وجعلني في هم دائم ؟

بقي منصور أياما يفكر في أمر الثروة التي فقدها ... وخطر بباله أن يروح عن نفسه بأن يذهب إلى حديقة جميلة في إحدى ضواحي بغداد تهبط فيها شتى أنواع الطيور الجميلة ، آتية من كل ناحية طلبا للدفء والحرارة ، ومن بينها طائر نادر ، رائع المنظر يسمى " طائر السعد " ، وكل من وقعت عيناه على هذا الطائر كان ذلك يدعوه إلى التفاؤل بالسعادة .

وفي اليوم التالي، قصد منصور البحيرة لعله يرى طائر السعد فيستبشر به ، قبل أن يقصد الخليفة ليشكو إليه غدر أبي المحاسن . وفي ما هو يتنزه في الحديقة، لمح طائر السعد فجأة ، فانتعشت آماله .

ذهب منصور إلى الخليفة وشرح له ما حصل مع أبي المحاسن، فتعجب من سلوك أبي المحاسن ، وطلب إلى منصور أن يعود إليه بعد أسبوع .

شغلت القضية بال الخليفة ، وفكر في حل لها ، ودعا الله أن يلهمه الصواب . وكان من عادته أن يتنكر في ثياب عادية ، ويخرج ليتجول في أحياء المدينة متفقدا أحوال الرعية ، كل مساء .

وكانت قصة منصور مع أبي المحاسن حديث الناس في بغداد ، وأثار دهشته مجموعة من الفتيان يلعبون لعبة القاضي ومنصور وأبي المحاسن ، فوقف خلف شجرة يستمع إلى حوار الفتيان في هذه القضية الشائكة .

مثّل أحد الفتيان دور القاضي ، وجلس على حجر مرتفع ، ومثل فتى آخر دور أبي المحاسن ، وقام الثالث بتمثيل دور منصور .

طلب القاضي الصغير من أبي المحاسن ومنصور أن يحدثه كل منهما عما حصل معه . ففعلا . ولما أحاط بجميع المعلومات عن هذه القضية، أخذ يفكر ، ثم اعتدل في جلسته وقال : إن الفصل في هذه القضية سهل جدا .. إن كل الناس تعرف جيدا أن الزيتون يتلف ويفقد لونه وطعمه بعد سنتين أو ثلاث على الأكثر ، ومنصور عاد بعد خمس سنوات . فكيف ظل الزيتون سليما لم يفسد ؟؟

تعجب الخليفة مما سمع من كلام الفتى، وشكر الله الذي سهل له الحل على لسان القاضي الصغير .

انعقد مجلس الخليفة بعد أسبوع ، وحضر أمامه التاجر منصور ، والتاجر أبو المحاسن الذي كرر أمام الخليفة ما قاله أمام القاضي . وكان الخليفة قد أحضر اثنين من تجار الزيتون ، ذاقا ما في الجرة من الزيتون ، وقررا أنه زيتون جديد ، ولا يمكن أن يكون من ثمار هذا الموسم أو الموسم الذي قبله.

وهكذا انكشفت فضيحة أبي المحاسن، وأظهر التحقيق خيانته للأمانة التي وضعت لديه . فأمر الخليفة بعقابه العقاب الصارم الذي يستحقه هو وأمثاله من السارقين ، كما أمر برد الدنانير الذهبية إلى منصور.

ورأى الخليفة أن يكافئ القاضي الصغير على حسن تفكيره ، فأمر جنوده بالبحث عنه وإحضاره إليه. ولما جاء قبّله وأوصى أن يكون محل رعايته حتى ينهي تعليمه فيصبح قاضيا عادلاً ، وأمر له ولرفيقيه بكيس من المال والهدايا .

وكانت فرحة منصور باسترداد ماله لا توصف.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:47 AM
ممرّ الإغراء
وَجد السّلطان أنّ أموال الدّولة تنقصُ باستمرارٍ بسبب اختلاس المُوظّفين وعدم أمانتهم. وكان الأمين الأوّل للخزانة هو المثل السّيئ للموظّفين من صيارفة ومُحصّلين. وقد غيّره السّلطان أكثر من مرةٍ، ولكن الحال لم يتغيّر.
طلب السلطان من حكيمٍ اسمه صدّيق أن يرشده إلى وسيلةٍ يتمكّن بها من العثور على أمينٍ للخزانة العامّة، لا يسرق ولا ينهب. فقال صدّيق: "سندعو كلّ مَن يتقدّم إلى هذه الوظيفة إلى الرّقص، ومَن يرقص بخفّةٍ أكثر من غيره سيكون أكثرهم أمانةً".
ظنّ السّلطان أنّه يمزح. ولمّا تأكّد أنّه جاد، قال له: إفعل ما تراهُ صحيحًا.
دعا صدّيق كلّ مَن يرغب في شغل وظيفة الأمين الأوّل للخزانة إلى مقرّ السّلطان، على أن يكون مُرتديًا ثيابًا من حرير.
وفي اليوم المُحدّد تجمّع أربعة وستّون رجلاً، واستعدّ الموسيقيون في قاعة الرّقص. وحسب ما خطّط صدّيق، طلب السّلطان منهم أن يسير كلٌّ بمفرده في ممرٍ ضيقٍ طويلٍ مُظلمٍ، وضع السّلطان على جانبيه رفوفًا عليها كلّ ذهبه وأمواله ومجوهراته.
ولمّا دخلوا جميعًا القاعة أمرَ السلطان أن يبدأ عزف الموسيقى. وفوجئ الجميع بالسّلطان يطلب منهم أن يرقصوا على أنغام العازفين. رقص الحاضرون ببطءٍ ورؤوسهم مُطأطأة، وهُم ينظرون بخجلٍ إلى الأرض، وكلّ واحدٍ قد ضمّ ذراعيه إلى جانبه حتى لا تهتزّ ثيابه ولا يسقطُ ما في جيوبه أو يحدث صوتًا.
إلاّ أنّ واحدًا فقط كان يخطو بخفّةٍ ويتحرّك بحُريةٍ، يقف مرفوع الرأس، ثابت النّظرات، مبسوط الذّراعين.
فقال صدّيق: "هذا هو الرّجل الأمين الذي تبحث عنه يا مولاي! لقد قاوم الإغراء ولم يمدّ يده إلى ما لا يملك".
أمر السّلطان، فتوقف الرّقص. ونادى ذلك الرجل فعانقه وقبّله وعيّنه في الحال الأمين الأول لخزانته.
أمّا الباقون فعُوقبوا لخيانتهم. فقد سرقوا خلال عبورهم الممرّ الضيق وملأوا جيوبهم ممّا فيه من أموالٍ ومجوهراتٍ، لذلك لم يقدروا على الرّقص والحركة. ومن ذلك اليوم سَمّى الناس ذلك الممر الضّيق "ممر الإغراء".

بلال نعيم
08-05-2009, 11:48 AM
القصر المسحور


أقمت في بغداد مدة من الزمن ارتاحت فيها نفسي من عناء السفر وأهواله وركنت إلى حياة الاستقرار والهدوء.

ولكن خاطراً خطر لي ذات يوم فحرك ما سكن من أشواقي إلى السفر وحبي إلى حياة الرحلة والانتقال. وكنت قد تعلمت من رحلاتي السابقة أن تعرضي للمخاطر والأهوال لم يكن إلا لأن أصحاب المراكب كانوا يتركونني فوق الجزر التي ننزل فيها ثم يواصلون رحلتهم من دوني.

لهذا السبب اشتريت سفينة سميتها " سندوبة "، وجهزتها بأحسن المعدات وأمهر البحارة، لتنقل الركاب والبضائع لحسابي، وتسير في رحلاتها بأوامري.

في أحد الأيام المشرقة الجميلة، أقلعت بنا السفينة "سندوبة" في أولى رحلاتها، وكان معي عدد كبير من المسافرين والتجار، فتعارفنا وأصبحنا أسرة كبيرة من الإخوان والأصدقاء نتسامر معاً، ونستمتع بالسهرات في الليالي المقمرة، ونتبادل الأحاديث والفكاهات في مرح وحب ومودة. وكنا كلما وصلنا إلى بلد أو جزيرة، ننطلق لبيع ما معنا، وشراء ما في البلد من بضائع، ثم نعود فنستقل سفينتنا ونتابع رحلتنا الموفقة بإذن الله.

وبينما كنا ذات صباح، نستمتع على ظهر السفينة بالهواء العليل وبأشعة الشمس الدافئة، إذا بربان السفينة يلاحظ تغيرا في سرعة مياه البحر، مما يدل على قرب هبوب عاصفة بحرية، فصعد إلى سارية المركب ليراقب أمواج البحر عن قرب، فإذا به يشاهد في عرض البحر قاربا صغيرا تتقاذفه الأمواج وبداخله فتى يجذف بمجذاف وحيد وقد أجهده التعب، وبجانبه فتاة أصغر منه سنا ترفع يديها بالدعاء إلى رب السماء، ودموعها تنهمر على خديها، والقارب يميل بهما يمنة ويسرة، وتهدده الأمواج العاتية بالغرق.

أسرع الربان، وأدار دفة السفينة نحو القارب الصغير... وبعد محاولات صعبة وجريئة، استطعنا إنقاذ الفتى والفتاة. وقدمنا إليهما الطعام والشراب، وأعددنا لهما مكانا ارتاحا فيه بعد التعب الشديد الذي قاسياه في مغالبة الأمواج.

في المساء عندما جلسنا نتحادث ونتسامر، قصا علينا قصتهما، وعرفنا منهما أنهما شقيقان يدعيان "بهاء" و"صفاء"، وأنهما كانا يقومان مع والدهما ورجاله برحلة بحرية حين وصلت بهم السفينة إلى جزيرة "القصر المسحور". وكان في هذا القصر كنز مملوء بالأحجار الكريمة النادرة التي لا تقدر بثمن.

فلما نزل والدهما إلى الجزيرة للبحث عن هذا الكنز، فاجأه الثعبان الحارس وسد عليه طريق العودة، فتفرق البحارة من حوله وأقلعوا بالسفينة هاربين. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story18.gif

ولما حاول الشقيقان اللحاق بهم انكسر المجذاف، ودفعتهما الأمواج إلى وسط المحيط.

فرح الجميع بنجاة الشقيقين اللذين أصبحا محل عناية ركاب السفينة، وأحبوهما غاية الحب... وفي هذه الأثناء كانت العاصفة البحرية قد مرت بسلام، ولكنها حولت طريق سفينتنا إلى جزيرة مجهولة، لم نكد نقترب منها حتى صاح الفتى والفتاة بصوت واحد: هذه هي جزيرة "القصر المسحور". ثم بكيا حينما تذكرا والدهما، وانتحبا حتى رقت لهما قلوبنا. وكنت أنا أكثرهم إشفاقا وحنانا عليهم.

غادرت السفينة "سندوبة" ومعي العملاق "عجبان" والفتى "بهاء"، وكلي أمل بتخليص والد الفتى والفتاة من خطر الثعبان الشرير. وسرت في الجزيرة على غير هدى، حتى وصلت إلى القصر، فشاهدته محاطاً بالأسوار العالية، وله باب كبير مقفل بسلاسل حديدية ضخمة، لا يستطيع أن يحطمها أقوى الرجال.

درت حول السور لعلي أجد فيه منفذاً إلى الداخل فلم أعثر إلا على نافذة صغيرة في أعلاه، فتعاونا نحن الثلاثة حتى استطعنا تسلق السور والدخول من النافذة.

ولما صرنا في حديقة القصر لم نجدها واسعة كما كنا نتصور، بل وجدنا في وسطها قصراً كبيراً، فتقدمنا نحوه بهدوء وحذر...

وفجأة همس " بهاء " في أذني بصوت مرتعش وهو يشير إلى نافذة علوية: " ب..ب.. بابا" فالتفتنا إلى حيث يشير فرأينا نافذة عريضة تغطيها شبكة من السلاسل، ويقف وراءها رجل نحيل يرتعش من الضعف والخوف.. وعلى الشجرة المقابلة للنافذة، كان يلتف ثعبان رمادي اللون، وهو يفح فحيحا مرعبا، ويكاد الشرر يتطاير من عينيه كأنه يرصد حركات فريسته قبل أن يبتعلها في جوفه الرهيب.

كان القصر مغلقا من الداخل، ولم يكن في الحديقة مكان آمن نلتجئ إليه من خطر الثعبان... وفجأة لمع في ذهني خاطر أسررت به إلى العملاق " عجبان " فأسرع إلى الشجرة وأضرم في جذعها النار حتى لا يجد الثعبان سبيلا إلى النزول.. في حين أعددت قضبانا من الخشب المتين وربطتها حول " بهاء " من كل جانب، فباتت وكأنها فقص محكم لهذا الفتى الشجاع، وبذلك يتعذر على الثعبان الوصول إليه أو ابتلاعه.

وكنت قد لمحت تحت نافذة السجين صندوقاً حديدياً كبير الحجم، وغطاؤه المفتوح مُسند إلى الحائط، وبداخله بعض القش الجاف.

إتجهت نحوه وأنا أقول لصديقي "عجبان": يمكننا أن نختبئ داخل هذا الصندوق الحديدي إذا فاجأنا الثعبان على حين غرة.. ولكن، ويا لهول المفاجأة! فقد كان الثعبان أسرع منا فقفز من فوق الشجرة ودخل الصندوق الذي كان على قياسه تماما.

لم تذهلني المفاجأة، بل أسرعت إلى غطاء الصندوق.. وكان والد " بهاء " يشاهد ما حدث، فأسرع يتدلى من النافذة ليمد لنا يد المساعدة بعد أن أيقن من النجاة. ولكن سوء حظه أوقعه داخل الصندوق، بينما خرج رأس الثعبان من فتحة الصندوق وهو يحاول بعنف أن يتخلص من ضغط الغطاء الحديدي على رقبته. وكان واضحا أننا لن نستطيع الصمود طويلا أمام قوة هذا الثعبان الرهيب.

وفي أحلك لحظات هذا الموقف الخطير، استطاع " بهاء " أن يتخلص من قفصه، ويسرع إلى السكين التي سقطت من يد أبيه ويتقدم في شجاعة نحو الثعبان ويضرب عنقه بها.

أسرعت و"عجبان" نكمل المهمة، فقتلنا الثعبان الخطير بسهولة، ثم ألقيناه بعيدا، وعدنا إلى "بهاء" الشجاع نساعده في العناية بوالده.

في هذه الأثناء، كان ركاب السفينة " سندوبة " وبحارتها قد اهتدوا إلى دهليز يقود إلى داخل القصر، فنفذوا منه ووصلوا إلينا في الوقت المناسب.

وقبل أن تتحرك بنا السفينة مبتعدة عن " القصر المسحور " أعلن الرجل الطيب والد "بهاء" أن ما حصل عليه من كنز القصر سوف يوزعه بالتساوي على الأصدقاء الأبطال " بهاء " و " صفا" و " عجبان " والسندباد، وكذلك السفينة " سندوبة " .

ولم تمض أيام حتى أوصلتنا " سندوبة " إلى أرض الوطن سالمين، لنلتقي بالأهل والأصدقاء، ونستعد لرحلة جديدة مثيرة وحافلة بالمغامرات والمفاجآت.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:49 AM
مثل الذّئب والغراب وابن آوى مع الجمل والأسد

كان أسد في الغابة مُجاورًا لأحد الطّرق المسلوكة. وكان له أصحاب ثلاثة: ذئب وغراب وابن آوى. ومرّ رعاة بذلك الطّريق ومعهم جِمال. فتأخّر منها جمل ودخل الغابة حتّى وصل إلى الأسد. فقال له الأسد: مِن أين جئتَ؟ فأخبره. قال: فيما حاجتك؟ قال: ما يأمرني به الملك. قال: تقيم عندنا في السعة والأمن والخصب. فبقي عنده زمنًا طويلاً.
مضى الأسد في أحد الأيّام لطلب الصّيد، فلقي فيلاً عظيمًا، فقاتله قتالاً شديدًا وأفلت منه وقد أوهنته الجراح وأضعفته. ولم يكد يصل إلى مكانه حتّى جلس لا يستطيع حراكًا، وحُرِمَ طلب الصّيد.
بقي الذّئب والغراب وابن آوى أيّامًا لا يجدون طعامًا لأنهم كانوا يأكلون من فضلات الأسد. فجاعوا وأصابهم الهزال. وقال لهم الأسد: لقد جعتم وصرتم بحاجةٍ إلى ما تأكلون.
فقالوا له: لا تهمّنا أنفسنا لكننا نرى الملك على هذه الحال، ونتمنّى أن يجد ما يأكله.
خرج الذّئب والغراب وابن آوى من عند الأسد وائتمروا في ما بينهم، وقالوا: ما لنا ولآكل العشب هذا الذي ليس شأنه من شأننا، ولا رأيه من رأينا! ألا نُزيّن للأسد أمره فيأكله ويطعمنا من لحمه؟
قال ابن آوى: لا نستطيع أن نذكر هذا للأسد.. لأنه قد أمّن الجمل على نفسه.
قال الغراب: أنّا أكفيكم الأسد.
ودخل على الأسد، فسأله: هل اصطدتُم شيئًا؟ قال الغراب: إنّما يصطاد مَن يسعى ويبصر. ونحن لا سعي لنا ولا بصر من الجوع. لكن قد وُفّقنا لرأيٍ اجتمعنا عليه، فإنّ وافقنا الملك فنحن له مُجيبون.
قال الأسد: وما ذاك؟
قال الغراب: هذا الجمل آكل العشب الذي يعيش بيننا من غير منفعةٍ لنا منه، ولا عمل له تعود علينا منه مصلحة..
فلمّا سمع الأسد ذلك غضب وقال: ما أبعدك عن الوفاء والرّحمة! لم يكن يصحّ منك أن تقول هذا مع أنّك تعلم أنّي أمّنت الجمل وجعلت له من ذمّتي، ولن أغدر به!
قال الغراب: إنّي أعرف ما يقول الملك. ولكن النّفس الواحدة يُفتدى بها أهل البيت. وأهل البيت يفتدى بهم القبيلة. والقبيلة يفتدى بها أهل المصر. وأهل المصر فدى الملك. وقد نَزِلَت بالملك حاجة، وأنا أجعل له من ذمّته مخرجًا.. فنحن سنحتال على الجمل بحيلةٍ، لنا وللملك فيها صلاح وظفر. فسكت الأسد عن جواب الغراب عند هذا الخطاب.
فلمّا عرف الغراب إقرار الأسد أتى صاحبيه، فقال لهما: قد كلّمت الأسد في أكل الجمل، على أن نجتمع نحن والجمل لدى حضرته. فنذكر ما أصابه ونتوجّع له اهتمامًا منّا بأمره، ويعرض كلّ واحد منا نفسه، فيردّه الآخران، ويُسفّهُ كلّ منهما رأيه، ويبين الضّرر في أكله. فإذا فعلنا ذلك سَلِمنا ورضي الأسد عنّا.
ففعلوا ذلك، وتقدّموا إلى الأسد، فقال الغُراب: قد احتجتَ أيها الملك إلى ما يُقويّك، ونحن أحقّ أن نهب أنفسنا لك، فإنا لك نعيش. فإذا هلكت فليس لأحدٍ بقاء بعدك، ولا لنا في الحياة من خيرةٍ. فليأكلني الملك، فأنا راض بذلك! فأجابه الذّئب وابن آوى: أسكت، فليس خير للملك في أكلك، وليس فيك شبع. قال ابن آوى: لكن أنا أشبع الملك. فليأكلني، فأنا راضٍ بذلك! فردّ عليه الذّئب والغراب بقولهما: إنّك منتن قذرٌ.
قال الذّئب: أنا لستُ كذلك، فليأكلني الملك، فأنا راضٍ، مُخلص النّية والضمير. فاعترضه الغراب وابن آوى وقالا: قد قالت الأطباء: مَن أراد أن يقتل نفسه فليأكل لحم ذئب.
فظن الجمل أنّه إذا عرض نفسه على الأكل، التمسوا له عذرًا كما التمس بعضهم لبعضٍ، فيسلم، ويرضى الأسد عنه.
فقال: لكن أنا فيّ للملك شبع وريّ، ولحمي طيّب هنيّ، وبطني نظيف، فليأكلني الملك ويطعم أصحابه وحشمه. فقد رضيتُ بهذا عن طيب خاطر.
فقال الذئب والغراب وابن آوى: لقد صدق الجمل وتكرّم، وقال ما درى!
ثم إنّهم وَثَبوا عليه ومزّقوه.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:50 AM
ابن آوى المُحتـال

التقى ابن آوى بجملٍ فقال له: صباح الخير يا جَمَلي العزيز!
أهلاً وسهلاً، صباح الخير يا ابن آوى.
ماذا تفعل يا جَملي العزيز اليوم؟
أبحثُ عن طعامي.
أنّها فكرة. أنا أحبّ الأصداف والسّراطين وهي كثيرةٌ على الضّفة الأخرى من النهر... ما رأيك يا جَمَل؟
رأيي في ماذا؟
على الضّفة الثانية من النّهر زرعٌ كثيرٌ. لماذا لا نذهب إلى هناك فتأكل أنتَ وتشبع وآكل أنا من الأصداف والسّراطين؟
أذهب؟ لماذا لا تذهب أنتَ؟
أنا لا يهمّني ذلك. إنّ طعامي وافر. ولكنّ هناك قصب السّكر اللّذيذ. بإمكانك أن تأكله وتهنأ بطعمه اللّذيذ.
صحيح؟ أتقول الحقيقة يا إبن آوى؟
طبعًا، طبعًا يا جَملي الطّيب. ألم تذهب من قبل إلى هناك؟
لا.. للحقيقة لم أذهب.
ماذا تنتظر إذن؟ هيّا اذهب. اقطع النهر، الماء ضحل فتصل إلى الضفة الأخرى.
تعال معي يا إبن آوى، دلّني على مكان القصب.
أنا؟ أنا لا أستطيع أن أجتاز النهر. إنه عميق! اسمع! أنا لا أحسن السّباحة.
لا بأس.. لا بأس.. إذن اعتَلِ ظهري وأنا أجتاز بك النهر.
إذا كان الأمر كذلك، فلا بأس عندي، أجاب إبن آوى.
هيّا اقفز على ظهري، ولنمضِ.

حين وصل الإثنان ضفّة النّهر الثانية قفز ابن آوى إلى الأرض، وسأله الجَمل: أين القصب؟ أين قصب السكر يا أبن آوى؟
إنّه هناك في ذلك الحقل. إذهب إليه.
حسنًا.. حسنًا.. سأذهب إليه. ولكن قُل لي: إلى أين ستذهب أنتَ؟
أنا سألعب على ضفّة النهر وأتسلّى، وأصطاد بعض الأصداف والسّراطين.
هه.. لا بأس. لا بأس عندي، قال الجمل.

ذهب الجمل إلى حقل قصب السكر، ولم يكد يمضغ ثلاثة أعوادٍ من القصب حتى كان أبن آوى قد شبع من أكل الأصداف والسّراطين، وصاح: لقد انتهيت من الطعام ويجب أن أعود. فكيف العمل إذن؟ فالجمل يأكل من الحقل، وهو سيبقى وقتًا طويلاً. يجب أن أجعله يترك الحقل ويرجع إلى الضفة الأولى.
سمع إبن آوى صوت عصفورٍ فبدأ يعوي. فقال الجمل لنفسه: لماذا يعوي ابن آوى؟ ما سبب عوائه؟ غريب أمره. إنّه يطوف بالحقل في كلّ جوانبه ويعوي. ثم نادى إبن آوى: هيه! هيه! أنتَ ابن آوى! لماذا تعوي؟ اخفض صوتك لئلا يسمعك أصحاب الحقل، فيتنبّهون إلى وجودي هنا، فيُهاجمونني.
سمع أهل القرية صوت ابن آوى، فقال أحدهم: في حقل قصب السّكر أحد بنات آوى. إنّه سوف يحفر الأرض ويلحق بالمحصول ضررًا بالغًا، فلا بُدّ لنا من صيده.
سمع الجمل صوت القادمين من القرية، فقال: يبدو أنّ أهل القرية قادمون إلى الحقل بهراواتهم وعصيّهم وحجارتهم... وها هم قد بدأوا بمُهاجمتي.. إنّهم يقذفونني بالحجارة. آه يا أبن آوى!
وصاح بهم: أرجوكم أتركوني.. آه.. أكاد أموت.. آه.. سأموت من كثرة ضربكم!
ثم سمع أحد سكّان القرية يقول: إنّه يموت... بعد قليلٍ سيلفظ أنفاسه!
فقال الجمل لنفسه: آه.. آه.. يا للمصيبة! ضربوني.. ضربوني.. كادوا يقتلونني!
أقبل ابن آوى وسأل الجمل: ما بك جالس هنا؟ هيّا بنا.. آن لنا أن ننصرف.
كل ذلك بسببك. حسنًا سنذهب الآن، الآن عرفتك عن كُثُبٍ.
كيف وجدتَني؟
أوه! أنتَ نِعمَ الرّفيق (مُتهكّمًا)! هل لك أن تخبرني ما الذي دعاك إلى العواء والقفز حول الحقل على هذا النّحو؟
يضحك ابن آوى وهو يقول: للحقيقة لستُ أدري يا صديقي. إنّما عادتي أن أُغنّي بعد الطعام. وغنائي كما تعلم، عواء.
فأجاب الجمل: مِن عادتك أن تغنّي بعد الطّعام!؟
نعم... نعم. يا جَملي العزيز! هيا بنا نرجع.
صحيح... صحيح... سنرجع.. سنرجع. إذن هكذا فعلتَ، لأن من عادتك الغناء بعد الطعام.
نعم، وذلك حتّى أسهّل عملية الهضم.
حسنًا، حسنًا، لنعد الآن إلى مكاننا حيث كُنّا على الضفة الأخرى.
هذا ما أنتظره، قال إبن آوى.
حسنًا، هيّا اقفز فوق ظهري، ولنمض. هيا بنا.
ها قد قفزتُ. هيا. انطلق. ثم سأل آبن آوى الجمل: كيف وجدتَ الرّحلة؟
لا بأس.
أكلتَ جيّدًا؟
نعم.
هنيئًا مريئًا يا جَمل. ما بالك توقّفت عن السّير؟
الجمل: ألتقط أنفاسي (يضحكان). يا ابن آوى، هل تعلم؟
ماذا؟
تراودني فكرة يا صديقي. تراودني رغبة مُلحّة يا صديقي.
ما هي أيّها الجمل؟
يضحك الجمل ويقول: رغبةٌ ملحّةٌ (يضحك) لأتقلب في الماء!
خاف ابن آوى وصاح: إيّاك أن تفعل يا أخي لئلا تتسبّب في إغراقي. ماذا دعاك إلى هذه الفكرة؟ لماذا تريد أن تتقلّب؟
لستُ أدري! ولكن من عادتي أن أتقلّب بعد الطعام.
ماذا؟
صاح الجمل: نعم.. أنتَ من عادتك يا أيّها الأناني العابث أن تُغنّي بعد الطعام، وتسبَّبتَ في ضربي وطردي لكي تعود بسرعةٍ بعد أن أكلتَ وشبعتَ. والآن (يضحك) أقول لك، أنا، من عادتي أن أتقلّب بعد الطعام!
صاح ابن آوى (خائفًا): لا.. أرجوك.. أرجوك.. أرجوك..
فضحك الجمل طويلاً وقال: هذا جزاء العابث يا ابن آوى. ثم تقلّب في الماء، فغرق ابن آوى.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:51 AM
البطلان: قنفـذ وخلـد

قالت الرّاوية: حكاية اليوم تتناول مشكلةً قامت بين بطلين، هُما قنفذ وخلد.
كان القنفذ يتنزّه في الحقل حين شاهد أكوامًا صغيرةً من التّراب النّاعم الأملس.
قال القُنفذ: غريب! ما هذا التّراب؟ أسمع حفيفًا واهيًا قريبًا منّي. هه! مَن هذا الحيوان الصّغير الذي يحفر الأرض ويدفع التّراب بقوائمه ويقيم كومةً من التّراب جديدة؟
وجاء صوت الخلد: سه، سه، سه!
فصرخ القنفذ: مَن أنتَ يا مُسَأسِئ؟
أجاب الخلد: قُل لي مَن أنتَ أوّلاً لأقول لك من أنا ثانيًا؟
حسنًا. أنا القُنفذ، وأنتَ؟
وأنا الخلد، اسمي الخلد. ألَم تسمع بالخلد من قبل يا حضرة القُنفذ؟
فقال القنفذ: كم أنتَ رقيق وممتاز. أنا نادمٌ لأنّي لم أتعلّم أن أحفر بنفسي في التراب مثلك. والحقيقةُ أنّي لم أشاهد في حياتي كلّها خلدًا.
قال الخلدُ ضاحكًا: شكرًا لك على ثَنائك. والآن بعد أن شاهَدتَني أصبحتَ تعرف الخلد؟
نعم، وليَ الشّرف بذلك.
صاح الخلد: أخجَلَك تواضعي!
قال القنفذ: سأجلس هنا بالقرب من أوكارك وأرى كيف تقوم بالحفر وقلب التراب وتكديسه في أكوامٍ صغيرةٍ.
أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً. تفضّل، تفضّل. هل لك يا صاحبي القُنفذ أن تشرب فنجانًا من القهوة؟
لا شكرًا، بالأفراح.
ما بالك يا صاحبي الخلد؟
خطَرَت على بالي فكرة.
فكرة ؟ أيّة فكرة؟
ما رأيك أيها الصديق العزيز؟
رأيي؟ بماذا؟
أن نكونَ شريكَين معًا في زراعة القمح؟
شريكَين في زراعة القمح؟
بالضبط يا رفيقي. فأنا أملك حقلاً واسعًا، ولكنّي لا أجيد الحفر والحراثة وقلب التربة مثلك.
هه. هه، بدأت أفهم.
مُمتاز إذن. أنت يا عزيزي الخلد تحرث الأرض وأنا أبذرها وأتعهّدها بالسقاية والعناية. وسيكون عندنا بعد ذلك إنتاج وفير نتقاسمه بالتّساوي.
هاه...
هه! ماذا؟ لم تبد لي رأيك؟
موافق، موافق. هات يدك يا صديقي القنفذ نتصافح عربونًا للإخلاص والمحبّة والوفاء.
شدّ علي يديّ كما أشدّ على يدك.
يا صديقي أنا أعاهدك.
وأنا أعاهدك.
حرثَ الخلد الأرض بدقةٍ واهتمامٍ. وبعد أن بذر القنفذ القمح، أعاد الخلد حراثة الأرض مُجدَدًا حتّى تمكّن من طمر جميع البذور في التراب. وراح الإثنان ينتظران.
سأل الخلد: والآن أيها القنفذ العزيز، ماذا ستفعل؟
فأجابه القنفذ: سأهتمّ بالمزرعة، وأعتني بسقايتها وتعشيبها وحمايتها من فئران الحقول.
حسناً تفعل، وأنا أساعدك أيضًا.
طبعًا. فغدًا سينمو القمح، وستكون سنابله كثيرة وغنية بالحبوب.
وعندها سيكون نصيبُ كلّ منّا وفيرًا.
طبعًا، طبعًا.
كان الموسم وافرًا. وتعهّد القنفذ حصاده وجمعه أكداسًا كبيرةً، ثم درس القمح وذرّاه فصار كحبّات اللّؤلؤ. وحان أوان اقتسام المحصول.
قال الخلد: أرأيت ما أوفر الموسم؟
فأجابه القنفذ: طبعًا، طبعًا؟
هيا، هيا نقتسم الغلّة.
حاضر، حاضر.
ماذا تنتظر؟ هيا نقتسم، نصف الغلّة لي، ونصفها لك.
دعها للغد، وإن غدًا لناظره قريبٌ.
إذًا صباحًا نقتسم الغلّة.
ألم تسمع ما قلتُ؟
قلتَ غدًا.
وقلت أيضًا إنّ غدًا لناظره قريبٌ.

فكّرَ الخلد: إن غدًا لناظره قريب؟ ماذا يعني؟
قال القنفذ لنفسه: لِمَ يكون الخلد شريكي؟ ألم أعمل أكثر منه؟ إنّه لا يستحقّ نصف المحصول. أنا تعبتُ أكثر منه. يجب أن آخذ حصةً أكبر. وماذا يستطيع الخلد أن يفعل إن أخذتُ أكثر؟ فأنا عندي أشواك كثيرة حادّة تلفّ جسمي، أستطيع أن أقذفه بها وأحمي نفسي منه إن أراد أن يقاتلني. فلأذهب إلى الحقل وآخذ نصيبي.
وفي الحقل كان الخلد ينتظر من قَبل الفجر.

أراك جئتَ مبكرًا يا صديقي القنفذ؟
فكّر القنفذ لنفسه: ما به سبقني إلى الحقل؟ - ثم قال بصوتٍ عاديٍّ: جئتُ للإقتسام.
هيّا! باشر.
لماذا نتعب أنفسنا يا خلدي الجميل؟ سأعطيك حصّتك الآن، هذه حصّتك.
ماذا؟ حصّتي؟ حصتي؟ هذه حصتي؟ أراك أعطيتني كومةً صغيرةً وأبقيتً كلّ الغلّة لكَ.
طبعًا. فأنا اعتنيت بالموسم من أوّله إلى آخره.
وأنا حفرتُ الأرض وساعدتُك.
هذه حصّتك يا خلد وكفى!
ولكنّنا اشتركنا معًا على أساس أن يكون النّصف لي والنصف الآخر لك.
هذه حصّتك، وافعل ما تشاء!
أنا لا أقبل بهذا! لا، لا، لا أقبل.
لا تقبل؟ أنت حُر. هذا ما لك عندي. خذه وامش.
ما هذا الكلام يا قنفذ؟
هذا الكلام لكَ.
أنت لصّ خسيس ودنيء.
اسكت يا خلد وإلاّ لن تعرف ما يحلّ بك!
ماذا يحلّ بي؟
صاح القُنفذ: أقذفك بشوكي.
فأجابه الخلد: اسمع يا صاحبي. لم النّزاع؟ نرفع قضيتنا إلى الثعلب. فهو قد أقام مَحكمةً للنّظر في قضايا المظلومين، وما يقول نعمل به.
حسنًا. فلنذهب إلى الثّعلب.

ضحك الثعلب طويلاً، وقال: نعم، نعم، فهمتُ. هل لأيٍّ منكما أن يقول شيئًا آخر؟
قال الخلد: أريد حصّتي كاملةً.
وقال القنفذ: أنا تعبتُ وأريد نصيبي.
حسنًا، قال الثّعلب، دعاني أفكّر بالأمر، كي أصل بكما إلى حلٍ عادلٍ يرضيكما معًا. اذهبا الآن . غدًا في مثل هذا الوقت، نلتقي معًا في الحقل.

وجاء حكم الثعلب في الغد، فقال للقنفذ: أيّها القنفذ المسكين! لقد تعبتَ كثيرًا وبذلتَ مجهودًا كبيرًا تستحقّ المكافأة عليه. وحقٌ لك أن تستريح من عناء العمل الشّاق. فقد حصلتَ من جرّاء دراسة القمح وتذريته على قشٍ وتبنٍ كثير، تستفيد منه في بناء أكثر من بيتٍ لك، وفي صنع فرش عديدة تحميك شر البرد، وتوفّر لك الرّاحة والنّعيم الدائم. فكُلّ القش والتبن لك وحدك، لا يحقّ للخلد مشاركتك فيهما.
وقال للخلد: أمّا أنتَ أيّها الخلد الطّيب، فإنّك لستَ بحاجة إلى شيءٍ من القش والتبن. إنك بحاجةٍ إلى غذاءٍ يحميك من الجوع، تختزنه في بيتك لوقت الحاجة. خُذ هذه حفنة من حبّات القمح أمانًا لك من الجوع والفقر.
وأضاف الثعلب: أمّا أنا فسأكتفي بما تبقى من حبّات القمح هنا كأجرٍ لأتعابي في إحلال السّلام بينكما.
تساءل الخلد: يعني... لن يصيبنا شيء من قمحنا؟
وقال القنفذ: وتَعَبنا؟
فأجابهما الثعلب: هذا هو حكم الثعلب.
نظر الخلد إلى صديقه القنفذ وقال له: أرأيتَ؟ أرأيتَ ما حلّ بنا بسبب طَمعك؟
فأجاب القنفذ: أنتَ لم تقبل بما اخترتُ أنا.
ضحك الخلد وقال: ما أحلى ظلم القنفذ! إنّه خيرٌ ألف مرّةٍ من حكم الثعلب!
بينما تحسّر القنفذ على ما خسِر وقال: آه! ما ضَرّني لو لم أطمع وأستولي على حصّتي وحصّة شريكي!!

بلال نعيم
08-05-2009, 11:52 AM
مطحنة الملـح

كيف أصبحت مياه البحار والمحيطات مالحةً؟
هذا ما ترويه الجدّات لأحفادهنّ:
كان يعيش في قريةٍ صغيرةٍ أخوان، أحدهما إسمه "كريم" وهو رجلٌ صادقٌ يُحسن معاملة جيرانه ويساعد الفقراء كلّما منحه الله رزقًا، لكنّه لم يكن غنيًا. وكان يعيش مع زوجته وأولاده.
والثّاني اسمه "وحيد" وكان غنيًا يعيش في منزلٍ فخمٍ. لكنّه لم يكن محبوبًا. فهو بخيلٌ لا يساعد أحدًا.
عاد كريم ذات يومٍ إلى بيته عند العصر، فوجد زوجته حزينةً مهمومةً. ولمّا سألها عمّا بها، قالت: "لم نتناول طعام الغداء بعد، وليس لدينا نقود نشتري بها طعام العشاء. الأولاد جيّاع، ويجب أن نتدبّر الأمر".
حزن كريم عندما سمع كلام زوجته. فهو لم يوفّق يومها في عمله، ولم يجنِ إلاّ القليل من المال. وفي طريق العودة إلى منزله صادف رجلاً فقيرًا، فأعطاه ما كان معه، ولم يكن يعلم أنّ ما مع زوجته من نقودٍ قد نفذ أيضًا.
وقع كريم في حيرةٍ من أمره، وأخيرًا قرّر طلب المساعدة من أخيه وحيد. ووعد زوجته بأن يأتيها بالطّعام قبل أن ينام الأولاد.
لمّا دخل بيت أخيه، وَصلت إليه رائحة الطّعام الشّهي. ولما قابل أخاه، حكى له ما حصل معه، وطلب إليه أن يساعده. فأجابه وحيد: "أنتَ تُنفق أموالك ثم تأتي لتطلب المساعدة مني؟ هذه المرّة سأعطيك بعض الطعام، لكن إيّاك أن تكرّر طلبك هذا".
خرج كريم من منزل أخيه كسير الفؤاد حزينًا، وقال في نفسه: "سامحك الله يا أخي. أتلومني إذا أعطيتُ بضعة دراهمٍ لرجلٍ مسكينٍ؟"
في طريق عودته، رأى شيخًا جليلاً، أبيض الشّعر واللّحية، تبدو الطّيبة في وجهه. بادره الشّيخ قائلاً: "مساء الخير يا بُنيّ. ماذا تحمل في يدك؟"
-"بعض الطّعام للعشاء، إن شئتَ أعطيتك شيئًا منه".
-"شكرًا يا بُنيّ. إنّ مَن كان مثلك في الكَرَم وحُسن الخُلق لا ينساه الله. خُذ هذه المطحنة العجيبة. تستطيع أن تطلبَ منها ما شئتَ من ألوان الطّعام وسوف تستجيب لطلبك في الحال. ما عليك إلاّ أن تصفّق بيديك، ثم تقول لها: <<إطحني، أعطني كذا>>. وإذا أردتها أن تتوقّف عن العمل، صفّق بيديك مرةً أخرى".
دهشَ كريم عندما سمع هذا الكلام، وأخذ المطحنة بين يديه ليتفحّصها. وعندما رفع رأسه ليشكر الشيخ على هديته، لم يجده أمامه.
تابع كريم سيره وهو يشكر الله على هذه النّعمة، إذ بفضل المطحنة العجيبة لن يشعر أولاده بالجوع أبدًا.
ولما دخل المنزل، وجد زوجته وأولاده مُجتمعين ينتظرون الطعام. فقالت له زوجته: "لقد تأخّرتَ، وجاع الأولاد كثيرًا".
وضع كريم المطحنة على الطاولة، وصفّق بيديه وقال: "إطحني وأعطينا طعام العشاء".
وكَم دهش الجميع حين رأوا المائدة وقد حفلت بأصناف الطّعام. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story57.jpg
ومنذ ذلك اليوم صار كريم يدعو إلى مائدته أهل القرية، ويوزّع الطعام على المُحتاجين والفقراء..
وذات يومٍ، كان أخوه "وحيد" بين المدعوين. ولمّا رأى ما صارت إليه حال أخيه من خيرٍ وفيرٍ، ورآه بين الحين والآخر يدخل المطبخ، ثم يعود محمّلاً بما لذّ وطاب من الطعام، أخذه العجب والحسد، وقال له: "أخبرني، لقد كنتَ قبل أيّامٍ لا تملك ثمن رغيفٍ واحدٍ، فمن أين هَبَطت عليك النّعمة؟"
فأجابه كريم: "إن كلّ نعمةٍ هي من عند الله، فالحمد لله والشّكر".
لم يستطع وحيد أن يقاوم الحسد والطمع، فاختبأ في زاويةٍ مُظلمةٍ من زوايا المطبخ، وانتظر...
بعد قليلٍ، دخل كريم ليطلب إلى المطحنة مزيدًا من الحساء للضّيوف،‎ فعرف الأخ الجشع من أين يأتي أخوه بكلّ هذا الطعام. وما إن خرج كريم لِلَحظةٍ من المطبخ، حتّى كان وحيد قد حمل المطحنة بيديه، وهي ما تزال تعمل، وفرّ بها مسرعًا من منزل أخيه، يتبعه سيلٌ من الحساء أينما اتّجه.
ما إن وصل وحيد إلى منزله، حتى أسرع يبحث عن آنيةٍ ليضع فيها الحساء المُنسكب. وبقيت المطحنة تعمل، ووحيد يحاول أن يوقفها من دون جدوى. وسال الحساء على الطاولة ثم على أرض المنزل، حتّى كاد يغرقه، ووحيد ينطق بكلّ الكلمات التي تخطر على باله، لكنّ المطحنة لم تتوقف عن العمل. فما كان منه إلاّ أن حملها وركض عائدًا إلى منزل أخيه. ودهش مَن رآه على الطريق، وهو يجري، ويجري خلفه سيل الحساء وكأنّه الطوفان.
دخل وحيد منزل أخيه مسرعًا، وقال لأخيه: "إذا لم تُوقف هذه المطحنة فورًا فإنّها سوف تغرق القرية كلّها. لقد تعلّمتُ درسًا لن أنساه أبدًا. إنّ نتيجة الطمع والحسد وخيمةٌ. خُذ مطحنتك ولا أريد أن أراها بعد اليوم.
صفّق كريم بيديه فتوقّفت المطحنة عن العمل في الحال.
ذاع نبأ المطحنة العجيبة بين الناس، فكانوا يأتون من كلّ مكانٍ ليشاهدوها. وكان كريم لا يبخل على أحدٍ ويعطي الجميع.
وذات يومٍ، طرق بابه رجلٌ يرتدي ملابس غريبة، وكأنّه أتى من مكانٍ بعيدٍ جدًا، فاستقبله كريم بلطفٍ، وسأله عن طلبه، فقال: "أنا ربّان سفينةٍ كبيرةٍ، جئتُ من مكانٍ بعيدٍ إلى قريتكم، بعد أن سمعتُ عن مطحنتك العجيبة. وقد جئتُ أسألك: هل تُعطي مطحنتك ملحًا؟"
"طبعًا أجاب كريم. إنّها تعطيك كلّ ما تريد من ألوان الطّعام".
"لقد قضيتُ سنين طويلة من حياتي أقود سفينتي، وأنتقل من بلدٍ إلى آخر بحثًا عن الملح لأتاجر به. فهل تقرضني مطحنتك لأملأ سفينتي ملحًا، فتوفّر عليّ عناء السّفر؟"
وافق كريم على طلب الرّبان، وأخذ يشرح له ما يجب أن يفعل حتى تبدأ المطحنة بالعمل. لكنّ الرجل خاف أن يُغيّر كريم رأيه ويرجع عن وعده، فحمل المطحنة وخرج مُسرعًا قبل أن يشرح له كريم كيف يُوقف المطحنة عن العمل. تعجّب كريم للأمر وقال في نفسه: "إن هذا الرجل على عجلةٍ من أمره، ألا يعرف أنّ في العجلة النّدامة؟"
لما وصل الربان إلى السفينة، رفع الأشرعة، وأبحر بها. ثم وضع المطحنة على الطّاولة وصفّق بيديه وقال: "اطحني وأعطيني ملحًا".
بدأت المطحنة العمل، وتدفّق الملح على الطاولة، ثم فاض على أرضية السّفينة، وأخذ يرتفع شيئًا فشيئًا حتّى امتلأت السفينة، وصعد الملح على السّطح. عندها حاول الرّبان أن يوقف المطحنة، لكنّه لم يستطع، وظلّت تطحنُ وتطحن، والملح يرتفع ويعلو، حتّى خاف الربان أن تغرق السّفينة. فشقّ طريقه بين أكداس الملح، حاملا المطحنة ثم رماها في البحر، فغرقت في القاع، وهي ما تزال تطحن وتعطي الملح فتجعل مياه البحر مالحةً.
ويقول بعض الناس إنّها ما زالت هناك حتّى اليوم، تُجدّد ملح البحر باستمرارٍ.
هل عرفتم الآن أيّها الصّغار، كيف يروي الناس لبعضهم سبب ملوحة مياه البحار والمُحيطات؟
لكن هل تصدقون أنّ هذا هو السبب الحقيقي لملوحة هذه المياه؟
لا طبعا... فالنّاس يروون هذه الحكاية للتسلية والعبرة والموعظة. وقد تَخَيّلوها لأنهم كانوا في الماضي يجهلون السّبب الحقيقي لوجود الملح في البحر. أمّا اليوم فقد أصبحوا يعرفون جيدًا أنّ كل نهرٍ على سطح الأرض يصبّ في البحر أو في المحيط، وخلال سيره ، يجرف النّهر معه التراب ومواد أخرى، منها الملح. وعندما يصبّ النهر في البحر يجلب معه الملح. وخلال آلاف السّنين تراكم هذا الملح وكثر في البحار حتى صار طعم ماء البحر مالحًا...!
إذن... الأنهار هي التي تقوم بمُهمّة المطحنة العجيبة التي عرفناها من الحكاية.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:53 AM
البئر العجيبة

يحكى أنه كان لامرأة بنتان، أحداهما دائمة العمل والابتسام، واسمها " أمينة "، والثانية دائمة الغضب والصياح، اسمها " جميلة ". وكانت أمينة المبتسمة النشيطة تساعد أمها دائماً في كل عمل. أما جميلة العابسة، فكانت كسولة تتهرب من أي عمل.

كانت أمينة تحلب الأبقار وتنظف البيت وتصنع الزبدة والجبن وتخبز الخبز وتغزل الصوف. أما جميلة فلم تكن تحلب أو تنظف أو تغزل أو تقوم بأي عمل. وإذا ذهبت أمينة إلى السوق أو إلى المدينة المجاورة لشراء بعض حاجات المنزل من طعام أو أدوات، كانت جميلة تترك البيت من غير تنظيف، ووعاء الخبز فارغاً.

وذات صباح، توجهت أمينة المبتسمة إلى البئر لإحضار ماء بالدلو وركعت على حافة البئر، ومالت بجسمها فوق فتحتها لتسحب الدلو إلى خارجها، لكنها مالت بجسمها أكثر مما يجب ففقدت توازنها، وسقطت في البئر. وأخذت تسقط وتسقط إلى أسفل وأسفل. فقدت المسكينة وعيها. فلما أفاقت وجدت نفسها راقدة فوق حشائش خضراء يانعة في حديقة واسعة، تغمرها أشعة الشمس المشرقة، وتمتلئ بآلاف الورود الحمراء. وكم دهشت أمينة عندما وجدت دلو الماء ممتلئا بجوارها.

وقفت الفتاة ونفضت العشب عن ثيابها، فشاهدت ممراً وسط الورود والحشائش. وقبل أن تخطو خطوة باتجاه الممر، سمعت الورد الأحمر يناديها ويقول: " انتظري... العطش يقتلنا والماء بجوارك... امنحينا الحياة برش الماء علينا."
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story58.gif
تلفتت أمينة حولها، فوجدت الحديقة تمتلئ بآلاف الورود الحمراء، ومع ذلك لم تتردد في أن تستجيب لدعوة الورد الظمآن. رفعت الفتاة الدلو وأخذت تملأ كفيها بالماء وترشه على الزهور الحمراء. وتنتقل مبتسمة من مكان إلى مكان تروي ذلك العدد الهائل من الورد الأحمر.

وأخيرا فرغ الدلو من الماء، لكنها كانت قد منحت الماء لكل أزهار الحديقة. وعادت تتابع السير في الممر الذي كانت قد رأته، فسمعت الورد الأحمر يضحك ويقول: "ليجعل الله لوني الأحمر في وجنتيك ولا يجعله في عينيك!!"

سألت أمينة نفسها في حيرة: " إلى أين سيؤدي بي السير في هذا الطريق؟ " وفجأة رأت فرناً تشتعل النار في أسفله، وفي أعلاه عدد كبير من أرغفة الخبز الناضجة. ودهشت الفتاة إذ لم تجد أحدا بجوار الفرن ... وزادت دهشتها عندما نادتها الأرغفة من داخل الفرن في رجاء: " نرجوك ... أخرجينا من هنا، وإلاّ احترقنا تماماً... لقد نضجنا من زمن طويل."

عندئذ تقدمت الفتاة المبتسمة من الفرن وأمسكت بقضيب من الحديد وجدته بجواره، وأخرجت الخبز رغيفا بعد رغيف. ثم استأنفت سيرها.

عندئذ همس الفرن:" ليجعل الله لون قلب الخبز الأبيض في بشرتك ولا يجعله في شعرك. "

واصلت الفتاة سيرها، إلى أن مرت بشجرة برتقال امتلأت أغصانها بالبرتقال الأصفر الكبير. ودهشت الفتاة لهذا العدد الكبير من البرتقال الناضج، وزادت دهشتها عندما نادتها شجرة البرتقال قائلة : " أرجوك ... هزّيني .. هزّي أغصاني من فضلك.. لقد نضج برتقالي من زمن طويل، وسيفسد إذا ظل فوق أغصاني.. "

لم تتردد الفتاة المبتسمة، وهزت الشجرة، فتساقط البرتقال كالسيل. ثم استأنفت سيرها والشجرة تهمس : " ليجعل الله لون برتقالي الأصفر في شعرك ولا يجعله في بشرتك."

استأنفت الأخت المبتسمة سيرها، إلى أن وصلت إلى منزل صغير غريب الشكل تغطّي جُدُرَه مربعاتٌ بيضاء وسوداء، وقد أطلّت من إحدى نوافذه امرأة عجوز قبيحة الشكل. وعندما تطلعت أمينة إلى أعلى ورأت المرأة العجوز، ملأ الخوف قلبها، وأخذت تجري. لكن العجوز نادتها بصوت لطيف: " لا تخافي يا ابنتي العزيزة. أدخلي منزلي، وتعالي نتحدث معا."

ورغم القبح الذي كان عليه وجه العجوز، فقد بدت ملامحها بشوشة وصوتها يفيض طيبة ورقة، فزال خوف الفتاة، ودخلت المنزل. وعرضت العجوز على أمينة المبتسمة أن تعيش معها في منزلها وقالت لها: " يمكنك أن تساعديني في أعمال البيت، واذا وجدت منك المعونة الصادقة، سأعاملك كأنك ابنتي الحقيقية."

وافقت الأخت المبتسمة على أن تبقى في منزل السيدة العجوز.

قالت السيدة العجوز: " يمكنك أن تقومي بكل أعمال المنزل. فإذا قمت بها بطريقة ترضيني فستجدين عندي كل ما تحتاجين إليه. وأهمّ ما أوصيك به أن تعتني بفراشي عناية خاصة. إن عظامي هشة رقيقة، وإذا لم يكن الفراش ليّنا مستوياً، فسيؤلمني جسمي ولن أستطيع النوم."

أقبلت أمينة على العمل بأمانة وإخلاص بعد أن أحست بعطف السيدة العجوز وطيبتها وحلاوة حديثها. وأدّت الفتاة كل أعمال المنزل برضا وإتقان، خاصة تسوية سرير السيدة العجوز.

أعجبت السيدة العجوز بالطريقة التي كانت تسوّي بها الفتاة المبتسمة سريرها، كما أعجبتها طريقة الفتاة في القيام بكل أعمال المنزل, فعاملتها بكل حب وحنان، وأعطتها كل ما تريد.

هكذا عاشت أمينة أياماً سعيدة، ولم تسمع خلالها كلمة قاسية. ولكن بعد فترة من هذه الحياة الهانئة، أحست الفتاة بحنين إلى أسرتها وبيتها، فشعرت بالحزن والاكتئاب.

ورغم الفارق الكبير بين الحياة المريحة التي منحتها كل أسباب السعادة في بيت العجوز، وبين الحياة القاسية في بيت أمها، فقد ذهبت إلى السيدة العجوز وقالت لها: " لقد لقيت منك كل معاملة طيبة أثناء إقامتي هنا. لقد عاملتني كأنني ابنتك، لكنني أشعر بحنين شديد إلى أمي وأختي، لذلك أرجوك أن تسمحي لي بالعودة إلى أهلي."

قالت السيدة العجوز: " يسرني أنك ترغبين في العودة إلى أهلك يا أمينة! أيتها الفتاة المبتسمة . إن هذا وفاء منك لهم. وما أجمل الوفاء للأهل والأصدقاء. كما كنت وفية لي وأمينة على خدمتي... هيا تعالي معي."

أمسكت العجوز بيد أمينة وقادتها إلى المكان الذي وجدت فيه الفتاة نفسها بعد أن سقطت في البئر. والتفتت العجوز ناحية البئر وقالت: " يا بئر ... يا بئر .. اجعليها تلبس الذهب الكثير. يا بئر... يا بئر... اجعليها تلبس الحرير الكثير."

وما إن قالت العجوز هذه الكلمات حتى وجدت الفتاة نفسها ترتدي ملابس فاخرة من الحرير الغالي، وانهمر فوقها سيل من قطع النقود الذهبية، التصقت بكل أجزاء الملابس الحريرية الفاخرة حتى غطّى الذهب الفتاة من قمة رأسها حتى أطراف قدميها.

قالت السيدة العجوز: " هذا الذهب كله لك، خذيه معك. فهو المكافأة التي تستحقينها مقابل عملك معي ومساعدتك لي."

وفجأة اختفت العجوز، ووجدت أمينة نفسها في الطريق بالقرب من دار أهلها. وما إن بلغت فناء البيت حتى رأت الديك يقف على السور. وعندما رأى الفتاة المبتسمة يغطيها الذهب، وقد أحمرّ خدّاها وابيضت بشرتها وأصفرّ شعر رأسها، صفّق بجناحيه وصاح : " كوكو ... كوكو .. لقد عادت إلينا فتاتنا الذهبية."

دخلت أمينة إلى أمها وأختها وأخذت تحكي لهما ما حدث لها، وقالت: " لقد عشت في بيت سيدة عجوز، عاملتني بكل حب وحنان. لقد اعتبرتني كابنتها. إن كل هذه القطع الذهبية هي مكافأتي على الخدمات التي قدمتها إليها. خذي يا أمي كل هذا الذهب وسنعيش به سعداء معاً.

عندما سمعت جميلة، الأخت العابسة قصة أختها، ورأت الثروة العظيمة التي عادت بها، أرادت أن يكون لها مثلها، وشجعتها الأم قائلة :" اذهبي أنت أيضا يا جميلة لتعودي بالذهب."

انطلقت جميلة العابسة، وجرت إلى حافة البئر، ثم قفزت داخلها وحدث لجميلة ما حدث لأمينة. فعندما فتحت جميلة عينيها، وجدت نفسها فوق حشائش الحديقة الواسعة وسط الورد الأحمر وبجوارها دلو الماء. وكانت تريد أن تصل بأقصى سرعة إلى منزل السيدة العجوز، لكنها مع ذلك سمعت الورد الأحمر يطلب منها أن ترشه بالماء. وتلفتت جميلة حولها وعبست ثم قالت :" كيف أستطيع أن أروي كل هذا العدد الضخم من الورد؟ هذا عمل شاق يستغرق مني وقتا طويلا، وأنا أريد أن أصل بسرعة إلى بيت السيدة العجوز." وتركت الماء في الدلو وتركت الورد الأحمر يعاني العطش والذبول، وهرولت في الطريق إلى منزل السيدة العجوز. فهمس الورد الأحمر خلفها قائلا :" ليجعل الله لوني الأحمر في عينيك ولا يجعله في وجنتيك."

وصلت جميلة إلى الفرن، وسمعت الخبز يناديها راجياً إياها أن تخرجه قبل أن يحترق، ولكن جميلة قالت في عبوس: " أخاف أن تحترق أصابعي أو تتسخ ملابسي." وتركت الخبز يحترق في الفرن . فهمس الفرن خلفها: "ليجعل الله قلب الخبز الأبيض في شعرك ولا يجعله في بشرتك" .

وعندما قابلت شجرة البرتقال وسمعتها تقول: "من فضلك هزّيني." استمرت جميلة في سيرها وهي تقول عابسة: " سوف يقع البرتقال فوق رأسي ويؤلمني". وتركت البرتقال يفسد فوق الشجرة. وهمست الشجرة خلفها:" ليجعل الله لون برتقالي الأصفر في بشرتك ولا يجعله في شعرك".

وصلت جميلة العابسة إلى بيت السيدة العجوز، لكنها لم تشعر بأي خوف عندما وجدتها تطل من النافذة. فدعت العجوز جميلة العابسة أن تعيش معها وتساعدها، ووعدت الفتاة بأن تساعد العجوز، لكن أفكارها كانت منصرفة إلى قطع الذهب التي ستنالها في مقابل عملها.

أطلعت العجوز جميلة على كل ما يجب أن تعمله في المنزل. وفي اليوم الأول استجابت جميلة لطلبات السيدة العجوز، مدفوعة بأمل الحصول على الذهب الكثير، وقامت بتسوية الفراش كما يجب.

لكن في اليوم التالي، أخذت تتكاسل وتهمل في واجباتها، وتتظاهر بأنها تقوم بإعداد الفراش من غير أن تفعل شيئاً حقيقياً.

وفي اليوم الثالث، لم تعد تتظاهر بالعمل، بل استيقظت متأخرة، ثم بحثت عن مكان تختفي فيه عن بصر السيدة العجوز لتفكر في الذهب، ونسيت العمل. فنادتها السيدة العجوز وسألتها عن سبب امتناعها عن العمل، فعبست جميلة وقالت: " لماذا تطلبين مني أن أعمل؟ إن فراشك ليّن ومريح، فما الداعي لأن أقوم بتسويته كل يوم؟ والبيت لا تظهر فيه القذارة، فلماذا أنظفه؟ سأستريح اليوم من العمل.. "

وعندما ذهبت السيدة العجوز إلى غرفة جميلة، وجدتها مستلقية في كسل على فراشها، فقالت لها: " انهضي أيتها الفتاة، اليوم تعودين إلى منزلك".

لم تكن جميلة تريد أن تسمع إلا هذه العبارة، فقالت في نفسها: " سأحصل الآن على الذهب".

أمسكت العجوز بيد الفتاة العابسة، وقادتها إلى جوار البئر وقالت: " يا بئر... يا بئر... اجعليها تلبس الحبر الكثير ... يا بئر ... يا بئر ... اجعليها تلبس الخيش الكثير."

وما إن قالت العجوز هذه الكلمات حتى وجدت نفسها ترتدي ملابس خشنة من الخيش القاتم، وقد انهمر فوقها سيل من صبغة سوداء التصقت بشعرها وكل جسمها وملابسها.

وقالت السيدة العجوز: " هذه الصبغة السوداء هي المكافأة التي تستحقينها مقابل عملك معي ومساعدتك لي". وفجأة اختفت العجوز، ووجدت الفتاة نفسها في الطريق بالقرب من دارها. وعلى سور فناء البيت شاهد الديك الفتاة العابسة حمراء العينين، بيضاء الشعر، صفراء الوجه، تغطّيها الصبغة السوداء. فصفق بجناحيه وصاح: كو كو. لقد عادت إلينا فتاتنا السوداء."

وظلت البقع السوداء عالقة بالفتاة العابسة الكسولة إلى أن تعلمت كيف تتخلى عن الكسل والعبوس. لكنها لم تتعلم إلا بعد سنوات طويلة....

بلال نعيم
08-05-2009, 11:54 AM
الحصان الطّائر

كان ذلك الصّباح المُشرق من أيّام الربيع الجميلة، يوم عيد ميلاد الأمير فيروز، ابن حاكم البلاد وسلطانها.
جلس السلطان ياقوت، والد الأمير، في قاعة القصر، لإستقبال وفود المُهنّئين القادمين من كلّ أنحاء مملكته. ووقف عن يساره ابنه الأمير فيروز وجلست ابنته الأميرة زُمرّدة عن يمينه. وكان أركان الدّولة وأغنياؤها وكبار التّجار يجلسون في القاعة وهم يرتدون أجمل الثياب، ورائحة العطور الزّكية تفوح في الجو، بعد أن ارتفعت الزينات وأقواس الزهور فوق الأبواب وفي مختلف أرجاء القصر وحدائقه.
كانت وفود المُهنّئين تتوافد من البلاد والقرى إلى القصر لتهنّئه بهذه المناسبة السعيدة. وكان كل وفدٍ يحمل هديةً ثمينةً ليقدمها إلى سيّد القصر ياقوت، وابنه الأمير الشاب فيروز. فهذا تاجر يحمل بعض الجواهر الغالية، وذلك مُزارع يقدّم أطيب أنواع الفاكهة والثمار، وثالثٌ يجرّ فَرَسه الأصيلة لتكون في عداد خيل السلطان، ورابع يبدو عليه أنّه فقير يحمل صُرّةً تحتوي على هديةٍ متواضعةٍ.
وكان كلّ قادمٍ يدخل القاعة فيلقي التّحية على السّلطان ثم على الحاضرين، ويجلس في جانبٍ من القاعة. وكان السّلطان يردّ التحية مُبتسمًا ويسأل كلّ شخصٍ عن أحواله وأحوال قريته وأقربائه.
وبعد قليلٍ، دخل القاعة شيخٌ عجوزٌ مُقوّس الظّهر ذو هيئةٍ غريبةٍ وثيابٍ مُزركشة الألوان، دعت الجميع إلى الإلتفاف إليه. فإذا هو يجرّ وراءه حصانًا أسود اللّون فاحمًا، أصفر العرف والذّيل، يتحرّك تحرّكًا آليًا، ويقفز قفزاتٍ غريبةً. وكان رأسه يتحرّك إلى أعلى حينًا وإلى أسفل حينًا آخر، ويفتح فمه ويغلقه على شكلٍ غير معروفٍ لدى سائر الخيل.
انحنى الشّيخ بأدبٍ بين يديّ السّلطان الذي ما لبث أن توقّف عن تدخين نارجيلته، وحدّق في هذا القادم الغريب.
قال الشيخ: أيّها الحاكم العادل! لقد فكّرتُ كثيرًا في اختيار هديةٍ ثمينةٍ أقدّمها إلى الأمير فيروز في عيد ميلاده، فوَجَدتُ أنّ عظماء البلاد قد قدّموا أغلى الجواهر وأثمن الهدايا، وأن سائر الناس قدّموا أحسن ما عندهم من ثيابٍ أو ثمارٍ أو طيورٍ أو غزلان، فلم أجد خيرًا من أن أقدّم لمولاي السّلطان هذا الحصان العجيب. إنّه ليس كسائر الأحصنة. فهو يستطيع أن يسابق الرّيح وأن يرتفع في الجو ويطير في الهواء، فوق السهول والجبال والأنهار والبحار. إنّه لا يأكل ولا يشرب، ومع ذلك فهو قويّ لا يتعب ولا يضعف أبدًا.
ولهذا الحصان، أيّها السّلطان العظيم، سرّ لا يعرفه أحد. وستعمّ شهرتك الآفاق، بين الملوك، عندما أكشف لك عن هذا السر. وليس لي عندك إلاّ طلب واحد، هو أن توافق يا سيّدي السّلطان على أن أعمل في خدمتك في هذا القصر، فأكون وزيرًا لشؤون هذا الحصان.
وما إن سمع ابن السلطان، الأمير فيروز، هذا الكلام حتّى قفز بسرعةٍ إلى ظهر الحصان الذي انطلق فورًا إلى الخارج ثم إلى أعلى. وطار بالأمير فوق القصر واتّجه إلى الفضاء. وكان عباءة الأمير الحمراء الفضفاضة كأنّها مظلةٌ جميلةٌ فوقهما.
أخذ الأمير ينظر حوله وتحته فيرى الجبال والسهول، والأودية تمرّ تباعًا. وكان كلّ منظرٍ أجمل من سابقه. فهُنا نهرٌ تجري مياهه بسرعةٍ وتتلاطم أمواجه تحت أشعّة الشمس البرّاقة. وهناك أشجار ومزارع بألوانها الخضراء الزاهية، وهناك بيوت متفرّقة وقصور فخمة تظهر وتغيب تحت السّحاب المتحرّك.
وبعد قليلٍ انقلب سرور الأمير إلى تفكيرٍ ثمّ إلى اضطرابٍ، وتساءل في نفسه: كيف أستطيع العودة إلى الأرض؟ إنّ العجوز لم يطلعني على سرّ الحصان، وكيف يمكنني أن آمره بالهبوط.
أخذ الأمير يجسّ جسم الحصان، فيمرّ يديه على ظهره وعنقه، وشعره وكتفيه، من دون أن يظهر له شيءٌ، ومن دون أن يتغيّر اتّجاه الحصان وسرعته. وأخذ قَلَق الأمير يتزايد ويتعاظم: هل يظلّ في الجو وقتًا طويلاً من دون توقف، ومن دون طعامٍ وشراب؟
وكاد يتحوّل قلقه إلى غضبٍ شديدٍ، وكان يلعن السّاعة التي قبل فيها هدية العجوز.. ولكن يده لمست شيئًا بارزًا بين أذنيّ الحصان. إنّه أشبه بالمسمار الصّغير المغروس في رأس الحصان. فعبث الأمير بالمسمار وحرّكه. وما أعجبَ ما حدث! فقد عثر الأمير على الشّيء الذّي كان يبحث عنه. أخذ الحصان بالتّمهل في الفضاء، وبعد قليلٍ هبط شيئًا فشيئًا، حتى استقرّ على أرضٍ قريبةٍ من قصرٍ جميلٍ له قباب كثيرة، يدلّ على أنّ أصحابه من الأمراء أو كبار الأغنياء.

كان القصر الفخم لوالي المدينة، وكانت ابنةُ الوالي الأميرة بدُوُر، تنظر من نافذة غرفتها عندما وقع بصرها على منظرٍ عجيبٍ لم تر في حياتها مثله. رأت حصانًا أسود يطيرُ في الجوّ، وعلى ظهره فارس غريب ويهبط في مكانٍ قريبٍ من غرفتها. ففزعت وصرخت بأعلى صوتها: "النّجدة.. النّجدة.. النّجدة..!"
لم تستطع أن تقول شيئًا آخر. فقد انعقد لسانها من الخوف.. ولكنّ رجال حرس القصر كانوا قد سمعوا استغاثة الأميرة، فأسرعوا إلى نجدتها ورأوا الفارس الغريب وحصانه الأسود في حديقة القصر. عندئذٍ أسرعوا إلى أسلحتهم فحمل كلّ منهم سيفه أو رمحه، وامتطوا خيولهم واتّجهوا نحو الفارس الغريب.
شعر الأمير بالخطر، فقفز إلى ظهر حصانه وأسرع بالخروج من حديقة القصر. فتبعه رجال الحرس على خيولهم وهم يطلبون إليه الوقوف والإستسلام.
ولكنّ الأمير ظلّ يجري بحصانه من دون أن يردّ عليهم، كما ظلّ رجال الحرس يلاحقونه حتّى تجاوزوا أسوار المدينة وأصبحوا خارجها.
عندئذٍ اطمأنّ الأمير فيروز أنّ جميع الحرس أصبحوا بعيدين عن القصر، وأنّ الفتاة التي استغاثَت بالحرس أصبحت وحيدةً في غرفتها من غير حراسةٍ. فأسرع عائدًا إلى القصر على ظهر حصانه الذّي ارتفع في الجو، وما لبث أن حطّ على سطح الغرفة التي انطلق منها صوت الفتاة.
قال الأمير فيروز في نفسه: لا بُدّ أن تكون هذه الفتاة ذات مكانةٍ كبيرةٍ لكي يحرسها عددٌ كبيرٌ من الفرسان الأشدّاء ويحافظون عليها في هذا القصر الكبير.
نزل الأمير فيروز عن حصانه ودخل غرفة الأميرة بدُوُر التي فوجئت وحاولت أن تصرخ.
ولكنّ الأمير فيروز أسرع وخاطبها بأدبٍ وتهذيبٍ، وعرّفها بنفسه: إنّه فيروز، ابن سلطان البلاد. وروى لها قصّته كاملةً، وكيف أن عجوزًا أهداه في عيد ميلاده حصانًا عجيبًا يطيرُ في الجو، كما يجري على الأرض. وحدّثها كيف أعجبه صوتها عندما استغاثت برجال الحرس، وعزم على أن يعود إليها ليعرف مَن هي صاحبة ذلك الصّوت الجميل.
اطمأنّت الأميرة بدُوُر إلى الأمير فيروز، وأُعجِبَت بقصّته الخارقة. وأحبّت صدقه وأدبه وشجاعته. وأسرعت إلى أبيها الوالي، الذي كان في جناحٍ آخرٍ من القصر، وقالت له: سيّدي الوالد، أُقدّم إليك الأمير فيروز، ابن سلطان البلاد.
رحّب الوالي بالأمير وأحسَنَ استقباله، ورغب إليه أن يظلّ في ضيافته عدّة أيّامٍ.
وعندما عَلِم أبناء المدينة بوجود الأمير فيروز في ضيافة الوالي، أقبلوا من كلّ مكانٍ يرحّبون به، وأقاموا الزينات على الأبواب، وعلى مداخل الطّرق. وتجمّعوا حلقاتٍ حلقاتٍ يرقصون ويغنّون الأغاني الشعبية التي ترحّب بالضيف. وأقام الوالي مأدبةً كبيرةً على شرف الأمير الشّاب، حضرها تجار المدينة وشبانها. وكانوا كلّهم يتحدّثون عن شجاعة الأمير وحصانه العجيب.

وفي هذه الأيّام التي قضاها الأمير فيروز في ضيافة الوالي، ازدادت معرفته بالأميرة بدُوُر، وبأخلاقها الرّفيعة وحديثها الرقيق، وازداد إعجابه بها وأحبّها حُبًا شديدًا، وطلب إلى والدها أن يوافق على زواجها منه. فرحّب الوالي بذلك مسرورًا مُبتهجًا.
وبعد حفلة الزفاف الرائعة، تهيّأ العروسان للسّفر، واستأذنا الوالي الذي وقف يودّعهما وهما يمتطيان الحصان الأسود. وما هي إلاّ دقائق حتى ارتفع الحصان في الجو، متمهّلاً أوّل الأمر ثم انطلق مسرعًا بين دهشة الناس واستغرابهم. وما لبث أن غاب الحصان والعروسان عن الأنظار.
وبعد أن اجتاز الأميران العروسان الجبال والسهول، وحلّقا فوق القرى والأنهار، هبطا في حديقة قصر السلطان ياقوت، والد الأمير فيروز. ولمّا علم السّلطان بعودة ابنه مع عروسه أقيمت الأفراح والحفلات في عاصمة البلاد. وأقبل الناس يهنّئون السلطان ياقوت والأمير فيروز، ويستمعون إلى قصّة حصانه الطائر، وكيف تعرّف إلى عروسه الأميرة بدور.
كان كلّ النّاس فرحين بعودة الأمير وبزفافه، ما عدا واحدًا. لم يشارك في فرح العاصمة وأبنائها.. ذلك هو العجوز صاحب الحصان الطائر. وكان قد قضى أيّامه طوال مدّة غياب الأمير فيروز عن القصر في ظلمة السجن.
كان السلطان ياقوت قد غضب غضبًا شديدًا عندما رأى ابنه الأمير يقفز على ظهر الحصان ويطير به ويغيب عن الأنظار. فطلب السلطان إلى العجوز أن يعيد الحصان والأمير إلى الأرض. ولكن العجوز قال إنّ سرّ قيادة الحصان موجود في مسمار بين أذنيه، ولا يمكنه أن يفعل شيئًا ما دام الحصان بعيدًا في الجو. فلم يكن من السّلطان إلا أن أمر بحبس العجوز إلى أن يعود الأمير سالمًا. وهدّده بالموت إذا أصيب الأمير بمكروهٍ.
دخل العجوز السجن حزينًا غاضبًا من أمرين: من السّجن الذي وُضِعَ فيه، ومن السّر الذي لا بُدّ أن يكون الأمير قد اهتدى إليه. وهو يريد أن يحتفظ به لنفسه، لكي يبقى وزيرًا في القصر لشؤون الطّائر!!
ولمّا عاد الأمير فيروز، ابتهج السلطان بعودة ابنه الحبيب مع عروسه وأفرج عن العجوز وأكرمه، وهنّأه على حصانه الأعجوبة. ولكن العجوز لم يكن راضيًا بعد أن عرف غيره سرّ الحصان. كما إنّه لم يكن يستطيع أن ينسى أيّام السّجن المُظلمة وآلامه الطويلة فيه. إنه كان يتوقّع أن يصبح وزيرًا مُكرّمًا، فأصبح سجينًا مُعذّبًا. لذلك عزم على أن يتخلّص من الحصان الذي سبّب له هذا العذاب.
أخذ العجوز يجمع أكوامًا من القش والعيدان اليابسة، ويضعها في وسط حديقة القصر، وأشعل فيها النار. ثم أخذ يتلو كلامًا غير مفهومٍ ويردّده مرةً بعد مرةٍ... فاستغرب الذين شاهدوا النّار تشتعل وتساءلوا ماذا يريد العجوز أن يفعل، بينما كان الحصان يتّجه لوحده نحو النّار ويدخل فيها، ويشتعل معها. وما لبث أن غاب الحصان في النّار ثم أصبح رمادًا بعد أن خمدت. وهنا هرب العجوز واختفى عن الأنظار. وحزن الجميع لإحتراق الحصان العجيب.
أمّا الأمير فيروز، فقد التفت إلى زوجته الأميرة بدور، وقال: إنني لن أحزن.. فقد أدّى الحصان مهمّته، وجعلني أعثر على أجمل كنزٍ رأيته في حياتي، هو زوجتي بدور. ولستُ في حاجةٍ إليه بعد الآن. فَسُرَّت الأميرة بدُوُر بكلام أميرها وأجابته بدلالٍ: نعم، إنّك لستَ بحاجةٍ إليه، لئلا تأتي بزوجةٍ أخرى!

بلال نعيم
08-05-2009, 11:54 AM
الخروف روفو


صوت روفو: ماء ماء! أمي. ما هذا الذي يقوله الرجل لزوجته؟
وما لك ولهذه الأشياء؟ هذه الأمور لا تعنيك ولا تعنيني، يا روفو.
ماء! ماء! أنت دائما تخذلينني... أنا أريد أن أعرف.
لا أعتقد انه من اللائق أن تعرف كل ما يقوله الناس وما يتحدثون به. هذه عادة سيئة ولا يصح أن تقع فيها يا بنيّ.
ولكنني أريد أن أعرف ..
للحقيقة يا بني، إني لا أعرف، فكيف يمكنني أن أخبرك؟ ثم إنه لا يهمني ولا يهمك ما يقول الناس, فلنهتمّ بشوؤننا.
أمي! أمي!! هل سمعت؟
ماذا؟
قالوا إن السماء ستمطر قططاً وأرانب.
من قال ذلك؟
سمعت ذلك في الدرب بينما كنت أسير صباحاً. سمعت شخصاً يتحدث إلى آخر ويقول ذلك.
لا أعتقد يا بني. ثم ليس كل شيء تسمعه صحيحاً، أتفهمني يا بني؟
لا أدري. أنا هكذا سمعت.
أنت يا روفو مشكلة المشاكل. فمتى نضع حدا لهذه المشاكل يا صغيري؟

واستمرت أم الخروف روفو تفكر في حالة ابنها. إنه مخلوق فضولي حشري، يريد أن يتدخل في كل شيء، سواء كان الأمر يعنيه أم لا. وفوق هذا، فهو يصدق كل ما يسمع وكل ما يقال. ابنك يا أبا روفو يجب أن نحل مشكلته. يجب أن نجد طريقة تجعله لا يتدخل في أمور سواه، وفي الوقت ذاته تجعله لا يصدق كل ما يسمعه.

ماء! أنا نبهته كثيراً ولم يمتثل، قال الأب.
التنبيه لا يكفي.
ماذا نفعل إذن؟http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story59.gif
لست أدري. سأحاول أن أعالجه بطريقة أو بأخرى. المؤسف أنه بسيط لكن قلبه طيّب.

هذه حسنات الإنسان، ولكن يخشى أنه إذا كان على بساطة كبيرة أن يصبح أبله!

ابني أبله؟! لا لا . أنت مخطئة.

إذن دعه يكف عن التدخل في ما لا يعنيه واجعله لا يصدق كل ما يقال, بل يشغّل عقله.

الدنيا تعلّم يا زوجتي العزيزة.

لا، لا يجب أن نعالجه نحن!

كيف ؟
أعتقد أننا إذا حكينا له الحكايات المناسبة، استطعنا أن نجعله يدرك ويفهم ويعي.
إذا كان الأمر كذلك فهاتي ما عندك!

نادت الأم: روفو روفو .

نعم يا أمي!

يا خروفي الحبيب! قالت ضاحكة.

ماذا يضحكك يا أمي؟

سمعت الآن قصة أضحكتني وأريد أن أرويها لك!

قصة؟ .. عجّلي، عجّلي يا أمي، أنا أحب سماع القصص.

قالت: وصل مسافر في المساء مع حصانه إلى إحدى القرى في وقت كان البرد فيه قارصاً لا يحتمل.

نعم يا أمي .

دخل المسافر إلى مطعم القرية حيث تشتعل نار في الموقد، ولكنه لم يجد مكاناً له، وهو بحاجة ماسة إلى دفء النار، فقد جلس عدد من المزارعين حول الموقد، وراحوا يتبادلون الأحاديث في أجواء دافئة. حدّق المسافر إلى الحاضرين وقال في نفسه: لا أحد يتحرك أو يفسح لي مكاناً قرب النار. أنا بردان! أكاد أسقط من بردي. ثم قال لأحدهم: اسمع يا سيد! أين صاحب المطعم؟

نعم ماذا تريد؟ أنا صاحب المطعم.

مرحبا يا عم!

أهلاً,أهلاً وسهلاً! أهلا وسهلا!

هل لديك ما يؤكل يا معلم؟

آه... عندي.... طبخة فاصوليا، أنزلتها الآن عن النار، إنها من أشهى المآكل يا أخ.

حسنا. هل لك إذا سمحت يا صاحبي أن تسكب صحنا من الفاصوليا وتقدمه إلى حصاني المنتظر في الخارج؟ إنه جائع جدا.

ماذا تقول؟ ماذا تقول يا سيد؟

ألم تسمعني يا رجل؟

لم أفهم ما تقول.

قلت: هل لك إن سمحت يا صاحبي أن تصبّ لي صحنا ساخناً من الفاصوليا وتحمله إلى حصاني المنتظر في الخارج، فهو جائع جدا.

ضحك صاحب المطعم وقال: وهل يأكل الحصان فاصوليا؟

حصاني يأكلها. خذ الصحن سريعاً.

دع المزاح جانباً أيها المسافر الكريم، فلسنا بسطاء إلى هذا الحد.

قلت لك بوضوح إن حصاني يأكل الفاصوليا المطبوخة، ويأكل كل الأطعمة التي يأكلها الإنسان. قل لي كم تريد ثمن صحن الفاصوليا لأدفع لك الآن؟

ليس دفع الثمن هو ما يثيرني يا سيد، إنني أكرر سؤالي: أيأكل الحصان الفاصوليا؟ أم م...

خذ له الصحن وسترى إن كان سيأكله أم لا.

ملأ صاحب المطعم صحناً من الفاصولياً وحمله إلى الحصان، فنهض المزارعون ليروا كيف يأكل الحصان الفاصوليا.

فرح المسافر وضحك قائلاً: ما أسخف عقولهم!! الآن خلا لي الجو، وبالإمكان الآن أن آخذ مقعداً لي قرب النار وأدفأ.

ضحكت أم روفو وقالت: عاد صاحب المطعم بعد قليل والصحن بين يديه وهو يقول: يا سيد يا سيد. قضم الحصان الفاصوليا ولم يأكل شيئا.

إنه تصرف غريب، قد يكون حصاني متضايقا من أمر ما. وبما أنه لم يأكل الفاصوليا فهاتها لآكلها وأنا جالس هنا قرب النار.

ضحك روفو وقال: ما أسخف عقولهم! هل صدّقوه؟

أرأيت يا روفو؟ ما كل ما تسمعه يصدّق.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:55 AM
الدب دبدوب

أنا دب صغير، بني اللون. أنا دبدوب: بطل؟ بطل؟! أنا بطل.. يعيش البطل! يعيش! يعيش! يعيش!

وفجأة سمع صوت أمه تناديه: دبدوب! يا دبدوب! أين أنت يا حبيبي يا دبدوب؟
أوه! هذه أمي! أنا واثق أن عندها مطلباً! يا ألله! كيف أستطيع أن أتهرب من تنفيذ مطلبها؟!
عادت الأم تناديه: تعال يا دبدوب! تعال حالاً ساعدني في حمل السلّم! إنه يكاد يسقط من يدي!
سلّم؟ وهل أنا متفرغ لمثل هذه الأعمال (لنفسه)؟، ثم لأمه: ماذا تريدين يا أمي؟
قول أسرع! عجل! يكاد السلم يفلت من يدي ويحطم كل شيء..
حسنا! أنا قادم.. قال دبدوب. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story60.gif
أسرع! أسرع يا دبدوب!
قلت لك أنا قادم يا أماه.
(وقع السلم، يسمع صوت وقوعه).
ما هذا؟ ماذا حدث يا أمي؟
ماذا حدث؟ سقط السلم وحطم كل شيء! أنا حين أناديك يا دبدوب أكون بحاجة ماسة جداً إليك! أتسمع ما أقول؟
ن..ن.. نعم يا أمي.. أنا أسمع..
ولماذا لم تأت حالا؟
اعتقدت أنك تطلبين مني عملاً أستطيع أن أنجزه بعد حين!
قال الأم بغضب: دبدوب! تصرفاتك لا تعجبني أبداً.
أنا آسف يا أمي!
أنا آسف يا أمي؟ أليس عندك عبارة أخرى غير أنا آسف يا أمي؟ لقد سمعت هذه العبارة أكثر من مليون مرة. وبحياتك كلها لم تتعلم أن تلبي ندائي بسرعة!
أنا آسف يا أمي!
أرجوك لا تقل أنا آسف. قم وساعدني في جمع ما تحطم!
حالا: حالا وسريعا يا أمي!

قام دبدوب بمساعدة أمه وهو يعتذر ويعدها أنه سيلبي طلباتها في الحال، ولن يكون دباً مهملاً بعد الآن..

قال دبدوب لأمه: هذا وعد شرف يا أمي!
ضحكت الأم وقالت: ذكرتني يا دبدوب بقصة الدجاجة النشيطة.
ماذا فعلت الدجاجة يا أمي؟..
لماذا أحكيها لك أنا؟ دع الراوية تحكيها لك، وأنا أمثل معها الأدوار المطلوبة.
حسنا! أنا سامع..

حكيت الأم: عاشت دجاجة صغيرة مع بطة وإوزة. وكانت كل من البطة والإوزة مضرب مثلٍ في الكسل.

قالت الإوزة: لا، أنا لا يمكن أن ألبي طلبات الدجاجة دائما.. فهي تطلب إلي أن أقوم بأعمال وأعمال.. هذا كثير!
قالت البطة: وأنا أيضا.. لا أستطيع أن ألبي طلباتها! إنها كثيرة الطلبات!
وقالت الدجاجة: هه! ماذا سأعمل؟ أنا مضطرة أن أعمل كل شيء في المنزل! أمري للهَ!

وفي أحد الأيام سألت الدجاجة: من منكما تشعل لي النار؟
قالت البطة: نشعل النار؟ الحقيقة أنا البطة لا أقدر.
وقالت الإوزة: الصراحة.. أنا الإوزة.. لا أستطيع. أنا مشغولة.. هل أنا متفرغة لطلباتك؟
أجابتهما الدجاجة: كما تريدان، أنا أقوم بنفسي بإشعال النار.
(تنفخ).. ها قد أشعلت النار، والآن.. من منكما ستحضر الكعكة للفطور؟
أوه.. أنا البطة لن أحضر شيئا، فأنا مشغولة.
وأنا الإوزة لن أحضر شيئا، فأنا أيضا مشغولة.
أه.. لا بأس.. أنا أحضر الطعام.

وفعلاً، قامت الدجاجة بتحضير كعكة صغيرة للفطور. وحين كانت تخبز الكعكة سألت الدجاجة: والآن.. من يعد المائدة منكما؟
أنا البطة أعتذر، لا يمكنني أن أعد المائدة، فأنا تعبة جداً، رأسي يؤلمني.
وأنا الإوزة لا أستطيع أن أعد المائدة، فأنا تعبة ورأسي يؤلمني.
لا بأس قالت الدجاجة.. أنا أقوم بإعداد المائدة بنفسي.

أعدت الدجاجة المائدة، وأنزلت الكعكة، ووضعتها في طبق، وحملتها إلى المائدة، ورتبت كل شيء، وسألت: والآن يا بطة، ويا إوزة، من يأكل هذه الكعكة؟

قالت البطة أنا آكل الكعكة!
قالت الإوزة آكل الكعكة.. آكلها كلها!
قالت الدجاجة: إنكما لن تأكلا منها شيئا!
قالت البطة والإوزة معا: إلى أين تأخذين الكعكة؟
أجابت الدجاجة: هذا أمر لا يعنيكما، لم تساعدني أي منكما فكيف أطعمكما؟

حملت الدجاجة الكعكة وذهبت بها إلى مكان بعيد وجلست لتأكلها. ولكن رائحة الكعكة كانت شهية للغاية، فشمها الثعلب كما شم رائحة الدجاجة، فأمسك بالدجاجة، فأخذت تصيح: أتركني، أتركني يا ثعلب! أرجوك!

وضعها الثعلب في كيس وحملها على ظهره وأخذها إلى البيت ليطعمها لأولاده. وراحت الدجاجة تفكر وهي في الكيس: أه، سأعطس.. هه! أين منديلي؟ كان في جيبي! (عطست)..

ضحك الثعلب وقال: إنها سمينة.. لكنني تعبت.. فلأسترح قليلا هنا قرب الحجارة..

أنزل الكيس ووضعه على الحجارة واستراح قليلا، فيما كانت الدجاجة تقول: حين مددت يدي إلى جيبي لأبحث عن المنديل، وجدت المقص الذي أستعمله في الخياطة. إذن سأقص الكيس وأخرج منه وأضع مكاني حجرا. وهكذا فعلت.

حمل الثعلب الكيس إلى بيته ولم يعرف حقيقة ما جرى إلى حين فتح الكيس ووجد فيه حجراً بدلاً من الدجاجة!

في تلك الأثناء، كانت الدجاجة قد عادت إلى بيتها، وراحت تقول لرفيقتيها البطة والإوزة: أهكذا فعلتما؟ لم تساعداني، فأخذت طعامي بعيدا عنكما، وكاد يأكلني الثعلب لو لم أكن متيقظة!
قالت البطة: أنا آسفة يا صديقتي الدجاجة! من الآن فصاعداً سأفعل ما تطلبينه حالا، وسأساعدك لكي تبقي معنا.
وقالت الإوزة: أعذرينا! لن نكون خاملتين بعد الآن. سنعاونك دائما كي تبقي معنا.

دبدوب يضحك ويقول لأمه: كانت البطة والإوزة تفعلان كما أفعل أنا. صدقيني يا أمي، من الآن فصاعداً لن أتهامل، وسأحضر كل ما تطلبين مني لكي تبقي معي وأبقى أنا معك.

فرحت الأم وقالت: عافاك يا دبدوب يا أحلى وأطيب دب.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:56 AM
العلجوم والسرطان

زعموا أن علجوماً عشّش في أجمة كثيرة السمك، فعاش بها ما عاش، ثم هرم، فلم يستطع صيدا، فأصابه جوع وتعب شديد. فجلس حزينا يلتمس الحيلة في أمره، فمرّ به سرطان، فرأى حالته وما هو عليه من الكآبة والحزن، فدنا منه، وقال: " ما لي أراك أيها الطائر هكذا حزينا كئيبا؟ "
قال العلجوم: وكيف لا أحزن وقد كنت أعيش مما أصطاد من السمك وإني قد رأيت اليوم صيادين قد مرّا بهذا المكان، فقال أحدهما لصاحبه: إن ها هنا سمكا كثيرا، أفلا نصيده أولا؟ فقال الآخر: إني قد رأيت في مكان آخر سمكا أكثر من هذا السمك، فلنبدأ بذلك، فإذا فرغنا منه جئنا إلى هذا المكان.
انطلق السرطان من ساعته إلى جماعة السمك فأخبرهن بذلك. فأقبلن إلى العلجوم فاستشرنه، وقلن له: إنّا أتيناك لتشير علينا، فإن ذا العقل لا يدع مشاورة عدوه.
قال العلجوم: أمّا مكابرة الصيادين فلا طاقة لي بها، ولا أعلم حيلة إلا المسير إلى غدير قريب من هنا، فيه سمك ومياه عظيمة وقصب. فإن استطعتن الانتقال إليه كان فيه صلاحكن وخلاصكن.
فقلن له: لا يساعدنا بذلك غيرك.
فجعل العلجوم يحمل في كل يوم سمكتين حتى ينتهي بهما إلى بعض التلال فيأكلهما.
حتى إذا كان ذات يوم جاء ليأخذ السمكتين فجاءه السرطان، فقال له: إني أيضا أريد أن أترك هذا المكان، فاذهب بي إلى ذلك الغدير. فحمله وطار به، حتى إذا دنا من التل الذي كان يأكل السمك فيه، نظر السرطان فرأى عظام السمك مجموعة هناك، فعلم أن العلجوم هو صاحبها، وأنه يريد أن يأكله أيضا. فقال في نفسه: إذا لقي الرجل عدوّه في الأماكن التي يعلم أنه فيها هالك، سواء قاتل أم لم يقاتل، يحق له أن يقاتل عن نفسه حفاظا عليها، ثم أطبق فكّيه على عنق العلجوم فعصره ، فمات . وعاد السرطان إلى جماعة السمك فأخبرهن بذلك.

بلال نعيم
08-05-2009, 11:57 AM
الفلاح الغبي

حكايتنا اليوم تنقلنا إلى إحدى المزارع حيث يعيش فلاح غبي طمّاع متسرّع، لا يشغّل عقله أبداً. كل همه أن يصبح غنيا وبسرعة.

عندها سمعوا صوت إوزة: كواك، كواك، كواك.

هذه إوزة جاءت إلى المزرعة من حيث لا يدري الفلاح.

فقال الفلاح: كيف جاءتني هذه الإوزة الجميلة؟ ومن أين جاءت ؟ كيف دخلت مزرعتي؟ هل طارت فوق السياج وحطت عندي؟ أم هبطت على من السماء؟

الحقيقة أنه لا يعرف كيف جاءت الإوزة إليه، ولكنه في صباح اليوم التالي سمعها تقوقئ، فتوجه إليها.
- كواك، كواك، كواك...
- ما بك يا إوزتي الحلوة اليوم؟ لماذا هذه القوقأة؟ هل وضعت لي بيضة. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story63.gif
- كواك، كواك، كواك. لقد بضت لك بيضة ذهبية اليوم يا صاحبي.
- ماذا تقولين؟
- أقول إني وضعت لك بيضة ذهبية.
- ذهبية؟
- نعم ذهبية!
- هذا أمر لا يصدق! إوزة وتبيض بيضة ذهبية؟
- إذا كنت لا تصدق تعال وانظر!

ونهضت الإوزة عن بيضها فإذا تحتها بيضة ذهبية. وكاد الفلاح أن يفقد عقله، وراح يصيح: بيضة ذهبية؟ هذه ثروة هبطت علي من السماء.

لكنه تمالك، فهو لا يريد أن يكشف سر هذه الظاهرة الفريدة وقرر أن يخفي الأمر عن الناس جميعاً خوفاً من أن يسرقوا الإوزة منه.

مضت بضعة أيام والإوزة تستمر في وضع بيضة ذهبية كل يوم. وذات يوم خاطب الفلاح نفسه قائلاً: إوزتي تبيض بيضة واحدة كل يوم، فلماذا لا تبيض البيض كله في يوم واحد فأصبح أغنى أغنياء العالم دفعة واحدة بين ليلة وضحاها؟
- كواك، كواك, كواك.
- يا لك من إوزة عظيمة! إنك لو فعلت ذلك لجعلتني من أغنى أغنياء الدنيا على الإطلاق!
- كواك، كواك، كواك.
- بيضي، بيضي يا إوزة، بيضي يا إوزة. بيضي الآن، أرجوك! هيا..
- كواك، كواك، كل يوم لك بيضة. هذا رزقك فاقنع به.
- لا، لا. أرجوك يا إوزة، بيضي أكثر! اجعليني أغنى أغنياء العالم!
- كواك، كواك، كواك، كواك.

لم يقتنع الفلاح بنصيبه. كان يفكر كل الوقت كيف يمكنه أن يحصل على كل البيض الذي في بطن الإوزة دفعة واحدة. فقال في نفسه: لا بد أن أذبح هذه الإوزة لآخذ ما في بطنها فأبيعه ويتم لي ما أبتغي.

وهكذا في صباح أحد الأيام بعدما أمضى الفلاح ليلته وهو يفكر في الموضوع، أحضر الجاهل سكيناً حادة ونادى الإوزة:

- تعالي، تعالي يا إوزتي. يجب أن يتم ما قررته بشأنك.

- ماذا تريد يا فلاحي الذي أعماه الطمع، ماذا تريد؟

- ماذا أريد؟ كم مرة قلت لك ضعي بيضك كله مرة واحدة فلم تقبلي؟

- المال الذي يأتيك يوما بعد يوم أيها الفلاح الجاهل هو خير من المال الذي يأتيك دفعة واحدة وينقطع عنك.

- اسمعوا يا ناس!( يضحك ساخرا)، إوزة تريد أن تعلمني الحكمة! وتتفلسف علي! أسكتي. سأذبحك الآن والسكين بيدي.

- حرام عليك يا صاحبي! أتركني أعيش لأبيض لك كل يوم بيضة.

- لا، لا، لا يا إوزة! هذا لا يكفي! أريد أن أستولي على كل ما في بطنك من بيض ذهبي!

- اسمع مني، إنك إذا ذبحتني فلن تجد في جوفي بيضاً ذهبياً.

- ماذا أجد إذن؟

- البيضة لا تنمو ولا تكبر إلا يوماً بعد يوم. وفي كل يوم أضعها لك حين تكبر.

- أنت لا تفهمين شيئا.

- أنا أفهم أكثر منك يا فلاحي القاسي القلب.

- لا تتكلمي أيتها الإوزة الفيلسوفة، لا بد من ذبحك!

- فكّر! فكّر! فكر يا صاحبي الكريم في عاقبة عملك! فإن البيض الذهبي يأتي كل يوم، وليس في بطني كنز من البيض.

- أنت لا تعرفين شيئاً.

توسلت الإوزة إليه قائلة: اسمع مني، لا تقدم على عمل قد تندم عليه. أنت اليوم تأخذ بيضة ذهبية كل يوم، وغداً إن قتلتني فلن تأتيك البيضة الذهبية كالمعتاد.

- ولكني سأجد كل البيض في داخلك يا إوزة. يكفي، يكفي، لن أتراجع عن قراري.

وأخذ الفلاح السكين يريد أن يقربها من الإوزة، فانتفضت بين يديه وهربت، ثم خفقت جناحيها وطارت.

- إلى أين ستذهبين؟ لا يمكنك أن تطيري، سأمسك بك وأقضي عليك!

- كواك، كواك، كواك.

- انتهى الأمر! سأستولي على كل البيض الذي في داخلك.

- كواك، كواك، كواك.

- أنت لن تفلتي من يدي، أمسكت بك يا خبيثة!

- كواك، كواك، كواك.. ( تكاد تبكي ) صدقني. لا تقتلني! لن تجد فيّ شيئا!

- الفلاح (يضحك): لا تحاولي أن تقنعيني. انتهى كل شيء، الآن ستكون نهايتك.

- كواك، كواك، كواك. ستندم! ستندم يا فلاح، كواك، كواك، كواك.

وبلمحة عين قبض عليها بيديه وقضى عليها. وحين فتح بطنها لم يجد إلا بيضة واحدة صغيرة جداً. فوقف الفلاح حزينا يائسا يقول: يا لغبائي! ذبحت إوزتي المسكينة بيدي! ولم أجد فيها بيضا. أين البيض الذهبي الذي وعدت نفسي به لأبيعه وأصبح غنيا؟

بكى طويلاً وهو يقول: ما أغباني! لقد عدت كما كنت فقيراً. ليتني صدقت كلامها ولم أقض عليها.

ابك! ابك! ابك. فما فات مات أيها الأحمق الجشع المتسرع!!..

بلال نعيم
08-05-2009, 11:58 AM
الفيل الصغير

في بلاد الفيلة، شعرت فيلة أن ابنها الصغير يمتنع عن الطعام. خافت عليه كثيراً ونادته: " تعال... تعال يا فيلي الصغير. تعال كل هذا الطبق اللذيذ يا حبيبي. طبخته لك خصيصاً يا حبيبي...

أجابها الصغير: لا لن أضع في فمي شيئاً منه، بل أريد موزاً.

حسنا. هذا موز. خذ كل، كل ما تشاء.
لا لن آكل شيئا.
ما بك يا بني؟ طلبت موزا، فقدمت لك الموز. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story64.gif
لا، لا أنا أريد موزا.
هذا موز يا صغيري،خذ وكل.
هذا موز أصفر.
كل الموز أصفر يا حبيبي.
أنا أريد موزا أحمر.
ليس هناك موز أحمر يا ولدي، خذ وكل .
أصرّ الصغير قائلاً لا ،لا،لا أريد موزا أصفر، أريد موزا أحمر، أريد موزا أحمر.
فأجابته أمه: من أين آتيك بالموز الأحمر؟ في الدنيا كلها لا يوجد موز أحمر. خذ يا حبيبي كل. كل...فيه الصحة والعافية.
لا،لا لن آكل إلا الموز الأحمر.
غضبت الأم وصاحت: إسمع! ستأكل هذا الموز وإلا....!
لا ، لا لن آكل إلاّ الموز الأحمر.

وقعت الأم الفيلة في حيرة، ماذا تفعل؟ إنها تريد أن يأكل ابنها، وليس في الدنيا كلها موز أحمر، وتشاورت مع زوجها الفيل الكبير وقالت له: ماذا نفعل؟ من أين نحضر للصغير موزا أحمر؟

أجابها الزوج: المسألة في غاية البساطة. نحضر موزاً ونطليه باللون الأحمر.
فرحت الأم وقالت: فكرة رائعة يا زوجي العزيز، إنك حقا فيل ذكي.

أحضرت الأم دهاناً أحمر وطلت الموزة به وقالت لابنها: تعال يا حبيبي. هذا موز أحمر. تعال! أسرع, أسرع!
صحيح؟ أين الموز الأحمر؟ هاتي! سأرى. هاه...لا ، لا يا أمي. هذه موزة عادية مطلية باللون الأحمر.
أنت طلبت موزاً أحمر، وهذا هو الموز الأحمر أمامك، قالت الأم بصبر.
لا، لا . أريد موزاً أحمر حقيقياً، هذا موز أنتم دهنتموه باللون الأحمر.
غضبت الأم وقالت: أقول لك كل وإلاّ....
لا، لا لن آكل، أريد موزاً أحمر.... أريد موزاً أحمر..

ازدادت الأم الفيلة حيرة مرة أخرى. ابنها الصغير يرفض أن يأكل شيئا ويريد موزا أحمر. فما العمل ؟
لجأت إلى زوجها وقالت: ما العمل يا زوجي؟ ما العمل أيها الفيل الكبير، يا والد الفيل الصغير..
أجاب الفيل: عجيب! عجيب!! دهنّا الموز باللون الأحمر فلم تنطل عليه الحيلة. ما العمل ما العمل؟؟ سأبحث معه في الأمر.

ذهب الأب إلى أخيه وأطلعه على الأمر.
ضحك العم ثم قال: " هكذا قال صغيرك يا أخي؟ لن يأكل غير الموز الأحمر؟ دع الأمر لي. أنا سأتحدث إليه في القضية. دع الأمر لي، لا عليك"

***

سُمع صوت قرع على الباب في بيت الفيل الكبير، فنادى الفيل الصغير: من؟
أنا الفيل العم.... أين ابن أخي؟
أجابت الفيلة: أهلاً وسهلاً.. تفضل .. تعال يا بني الصغير. جاء العم الفيل يريد أن يراك .
أنا لا أريد شيئاً. أريد موزاً أحمر، قال الفيل الصغير.
ضحك العم وقال: فعلاً. أنا جئت خصيصاً لأحضر لك الموز الأحمر.
صحيح؟ أحقا يا عمي؟
نعم، نعم.
أين الموز الأحمر يا عمي؟
فأجابه العم: إن من طلب شيئا عليه أن يسعى للحصول عليه.
ماذا؟ لم أفهم يا عمي.
أقول يا صغيري... أن من طلب شيئاً، عليه أن يسعى للحصول عليه .
قال الصغير متعجباً: كيف؟
أعني أنت إن طلبت قطعة من الحلوى، عليك أن تذهب إلى بائع الحلوى وتحضرها من عنده .
وقال الصغير: وإذا أردت لوحاً من الشوكولاته، ذهبت إلى البقال وأحضرته من عنده.
فأجاب العم: ودفعت ثمنه.
نعم. نعم.. هذا صحيح يا عمي.
وأنت الآن تريد موزاً أحمر.
طبعاً. كم ثمنه؟
ثمنه أن تسعى إلى الموز الأحمر، وهناك تقطفه وتعود.
أنا حاضر يا عمي. هيّا بنا.
ولكن مكان الموز الأحمر بعيد... بعيد ... قال العم.
بعيد؟
نعم. وعلينا أن نسير على أقدامنا مسافة طويلة لنصل.
حسناً. أنا جائع وأريد أن آكل موزاً أحمر.

***

طالت الطريق على الصغير فصاح: آخ...عمي... متى سنصل؟ تعبت جداً.. نحن نسير منذ الصباح، وقد أشرفت الشمس على المغيب!
أجابه العم: طبعاً يا حبيبي. من طلب شيئاً نادراً، عليه أن يتحمّل المشاق للوصول إليه.
آه ... هل ما زال المكان بعيداً؟ صاح الصغير.
لا، لا يا ابن أخي، أنظر هناك... عند الأفق أشجار الموز...
قال الصغير فرحاً: نعم، نعم، آه إنها أشجار الموز.
وهناك أعتقد أننا سنجد بعض الموز الأحمر قال العم.
بعض الموز الأحمر؟
نعم يا صغيري! فالموز الأحمر نادر جدا. هيّا أسرع، أسرع لنصل قبل غروب الشمس.
ولكني يا عمي لا أقوى على المشي، وأنا جائع، لقد تعبت حقا.
قال العم: خذ، كل لقمة من هذا الزاد الذي أحمله معي.
أجاب الصغير: لا لن آكل. أريد موزاً أحمر.
سنصل عما قريب.
أوه! أوه!... كم أنا سعيد! سنصل! سنصل!

***

وفعلاً وصل الفيل العم ومعه الفيل الصغير مرهق تعب.

صاح الصغير: آخ... آخ... أين الموز الأحمر يا عمي؟
أجاب العم: سنبحث يا صغيري. هيا ابحث معي.
اعترض الصغير: ولكن كل الموز المتدلي من الشجر هنا أخضر.
فأوضح له العم أن الأخضر موز لم ينضج بعد.
وهناك موز أصفر. قال الصغير.
والأصفر موز ناضج. هيا كل موزة.
لا. أريد موزاً أحمر.
مهلاً، سنبحث. سنبحث .. قال العم.
هاه، هناك قرط موز أصفر وفيه موزة!
نعم.. نعم. إنها الموزة التي نبحث عنها. إنها موزة حمراء.
صاح الصغير: هاه، سأقطفها.
فقال العم: افعل يا صغيري.

سأقشرها وآكلها.
أسرع.
هم. هم ..... (وهو يأكل ).
هل أعجبتك الموزة الحمراء يا صغيري؟
بكى الصغير.
فقال العم: ما بك تبكي يا صغيري؟
الموزة فاسدة، وطعمها كريه أجاب الصغير.
فقال العم: الآن فهمت يا صغيري ما قلناه لك إنه لا يوجد في الدنيا كلها موز أحمر.
الموز الأحمر هو الموز الفاسد الذي يقتم لونه ثم يدكن حتى يصبح مهترئا.
إذن لا موز أحمر؟
لا موز أحمر.
وأنا كنت مخطئاً؟
كنت مخطئاً ومعانداً ولم تقتنع.
فسأل الصغير: فلماذا إذن أحضرتني إلى هنا؟
لكي تلمس بنفسك أنه لا يوجد موز أحمر في الدنيا يا صغيري، أوضح العم.
أوه.... كم أنا جائع!
جائع وغلطان.
أريد أن آكل.
أمامك الموز الأصفر، فكل ما تريد وإياك أن تطلب المستحيل.

ذاق الصغير الموز وهمهم: آه ما أطيب الموز! ما أطيب الموز!!!

بلال نعيم
08-05-2009, 11:59 AM
العنقود الذّهبي

كان لرجلٍ سبع بناتٍ. ولما أراد أن يحجّ، جمع بناته حوله، فطلبت كلّ منهن أن يحضر لها الهدية التي ترغب فيها. لكنه استغرب عندما طلبت إليه الصّغرى عنقود عنب مصوغًا من الذّهب.
توجّه الرجل إلى بيت الله الحرام ولما انتهى من أداء فريضة الحج، اشترى لبناته السّت ما طلبنه، ونسيَ أن يشتري هدية الصغرى منهن.
وعندما ركب السّفينة الراسية على شاطئ البحر عائدًا إلى بلاده، لم تتحرّك السفينة وبقيت في مكانها.

طلب الرّبان إلى الحجاج الراكبين معه أن يتذكّروا أمرًا نسوه. فالسّفينة لا تتوقف هكذا إلاّ إذا كان أحد الحجّاج قد نسي شيئًا ما. وهنا تذكّر الأب ما أوصته به بنته الصغرى، فقال: نسيتُ هدية بنتي الصّغرى، وهي عنقود عنبٍ مصوغ من الذّهب.
ظهر عندها مارد أسود طويل قرب السفينة، فخاف الحجّاج والرّبان، لكن المارد طمأنهم. وكان يحمل في يده عنقود عنبٍ، يعكس بريقهُ ذهبٌ خالصٌ، واتّجه نحو الأب قائلاً: هذا ما طلبته بنتك الصّغرى. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story62.gif
استغرب الأب، لكن المارد خاطبه: أيّها الحاج، هل تأخذ هذا العنقود مقابل أن تتزوّجني بنتك الصّغرى؟
ارتعب الحاج ورفض العرض. لكن السّفينة ظلت واقفةً في مكانها لا تتحرّك. فألح بقية الحجاج ليوافق على طلب المارد، وإلا تأخّروا عن العودة إلى الوطن.
اضطرّ الأب إلى الموافقة، وهو غير راضٍ. وسأل المارد عن الطريقة التي سيتمّ بها الزواج، فأجابه المارد: ضع ابنتك فوق سطح البيت عند عودتك بكامل زينتها وسأخطفها.
عاد الأب مُحمّلا بهداياه، وَبِهَمٍ ثقيلٍ على قلبه. وقد فرحت البنت الصغرى بهديتها عندما تسلّمتها. لكنها لمحت الدموع تنهمر من عينيّ أبيها، فاستغربت وسألته عن السرّ.
حكى الأب القصة لإبنته، فطمأنته، وبدت راضيةً بما قسمه الله لها. وتزيّنت زينة العرائس، فبدت في غاية الجمال، وراحت تبتسم وأبوها وأخواتها يذرفون الدّموع.
صعدت البنت الصغرى إلى سطح الدار في تلك الليلة الحالكة، وفجأةً ظهر المارد، وكان له جناحان عظيمان هذه المرّة، فحملها على أحد جناحيه، ووضع أمتعتها وما جلبته معها على جناحه الثاني، وطار إلى حيث لا تدري. وفجأةً، حط المارد في قصرٍ فخمٍ واسع الأنحاء. وكان في القصر سبع غرفٍ، تقع كلّ واحدةٍ منها داخل الأخرى، وتنتهي بغرفةٍ مقفلةٍ.
كان المارد يدلّها على ما في البيت من أسرارٍ. فتح لها كلّ الأبواب، ورأت كل الأشياء، إلاّ ما هو في الغرفة السّابعة. فتساءلت عن سرّ بقاء الغرفة السّابعة مُقفلة.
قال لها المارد إنّ بإمكانها أن تفعل كلّ شيء إلا فتح الغرفة السّابعة، فهي سرّ يجب أن يظل مُغلقًا.
لم تهتم البنت للغرفة السّابعة أوّل الأمر. لكنها في الأيام التالية ظلت تتساءل: "لماذا هذه الغرفة مُغلقة؟ ما هو سرها؟ وقد زادت من حيرتها أنّ المارد كان يخاطبها على أنّها سيدته، لا زوجته. كما أنّها لاحظت أن هذا المارد يحضّر لها كلّ مساء ليمونةً. وبمجرّد أن تتناولها تروح في نومٍ عميقٍ، لا تحسّ بعده بشيءٍ، ولا تستيقظ إلاّ فجر اليوم التالي. وزادت حيرتها حين أحسّت أنها ستصبح أمًا، وأنّ في بطنها جنينًا لا تدري مَن هو أبوه، فقرّرت أن تَطّلع على السّر مهما كان الثمن.
تأهّبت المرأة لإستقبال ليلةٍ حاسمةٍ. فأحضرت ليمونةً غير تلك اللّيمونة التي يحضرها المارد. وتظاهرت أمامه بأنّها تناولت اللّيمونة التي جلبها لها. ولم يلاحظ المارد شيئًا.
انطلت على المارد حيلة المرأة التي تظاهرت بالنّوم، حتى ذهب إلى فراشه، واستغرق في نومٍ عميقٍ. فلاحظت سلسلة مفاتيحٍ يحملها في عنقه، ونجحت في أخذها.
ذهبت إلى الغرفة المُغلقة، وأخذت تجرّب كل المفاتيح، حتى تمكّنت من فتح الباب المُغلَق. ودهشت كثيرًا عندما رأت شابًا جميلاً ينام في سريرٍ في وسط الغرفة.
كان الشاب عاري الصّدر، وفي وسط صدره لاحظت شيئا يشبه القفل، فجرّبت أن تفتحه بمفتاحٍ صغيرٍ، فانفتح. ووجدت نفسها أمام عالمٍ سحريٍ مليء بلعب الأطفال وملابسهم. وأحسّت حينذاك أنّ هذا الشاب الراقد في السرير هو زوجها مِن غير أن يستيقظ. لكنّ الشاب أحس بها، فهَبّ واقفًا، وأبدى دهشته لوجود زوجته معه. فصرخ بها: لماذا فعلتِ هذا؟ ألم ينهك المارد عنه؟
توسّلت إليه الزوجة، وطلبت أن يسامحها، لكنّه ظلّ غاضبًا ونادى المارد ووبّخه، وأمره بأن يلقي بها في أرضٍ بعيدةٍ، ليس فيها إنس ولا جان.
نفّذ المارد رغبة سيّده، فوجدت الفتاة نفسها وحيدةً، وأخذت تسير على غير هدًى طوال النهار وهي تبكي. وعندما جاء الليل رأت أنوارًا تتلألأ من بعيدٍ، فأسرعت نحوها على الرغم من تعبها الشديد. فصلت إلى قصرٍ عامرٍ، فجلست أمام بابه، وطرقته بضعفٍ شديدٍ. رحّب بها أهل الدار وقدّموا لها الطعام، فأحسّت بشيءٍ من الرّاحة.
وفي سكون اللّيل، بعد أن ذهبوا للنوم، سمعت حوارًا يدور بين أخٍ وأخته. كان الأخ يأخذ رأي أخته صاحبة الدار بخصوص زوجته التي فضحت سرّه وعصت أمره. وعرفت الفتاة أن الأخ هو زوجها، وانتظرت ردّ شقيقته بفزعٍ. وممّا أكّد مخاوفها أنّ الأخت طلبت إلى أخيها أن يسلّمها هذه الزوجة العاصية كي تعاقبها.
عندما سمعت الفتاة هذا الكلام، خرجت بسرعةٍ من غير أن يحسّ بها أحد، وظلّت تمشي وتمشي. ولمّا حل مساء اليوم التالي، لاحت لها أنوار أخرى، ووجدت نفسها أمام قصرٍ استقبلها أهله بترحابٍ.
وفي جوف اللّيل سمعت زوجها يحدّث أخته بالكلام السابق ذاته. وعرفت أنّ هذه أخت زوجها الثّانية. فهربت ووصلت إلى قصرٍ ثالثٍ، دخلته وسمعت صوت زوجها في الليل، يحدّث أخته الصّغرى بقصّة زوجته.
أرادت الفتاة أن تهرب، لكنّها سمعت الأخت الصغرى تلوم أخاها وتلقي الذّنب عليه وتعطي الحق، كلّ الحق للزوجة، فهي لم تفعل ذلك إلاّ عندما أحسّت بأن زوجها يخفي عنها أسراره، ويكتم ما في صدره. ولهذا اقتحمت الغرفة، فلو لم تفعل ذلك، لَبَقِيَت في حيرةٍ، لا تعرفُ مَن هو زوجها. أهو المارد أم هو مجهول؟
تسلّلت كلماتُ الأخت الصغرى إلى قلب أخيها الشاب، ورقّ قلبه لزوجته. وكان يعلم بوجودها في بيت أخته، ويعلمُ أنّها تستمع إليه، فدخل عليها حيث كانت جالسةً، وعانقها واعتذر إليها.
وعاش معها في قصر أخته الصّغرى سعيدًا مُنتظرًا المولود الجديد.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:00 PM
الناسك وابن عِرس

جلست الأسرة في إحدى ليالي الشتاء حول الموقد، وقالت الجدة: سأروي لكم الليلة قصة الرجل العجول في أمره، العامل بغير تثبيت ولا رويّة.

فقال الأب: من لم يكن في أمره متثبتا يندم. ومن أمثال ذلك مثل الناسك وابن عرس.

فقال الابن: وكيف كان ذلك؟

فقالت الجدة: زعموا أنه كان بأرض جرجان ناسك، وكانت له امرأة لبثت عنده زماناً لا تحمل، ثم حملت فاستبشر الناسك بذلك وقال لها: أبشري. فإني أرجو أن تلدي غلاما وتسعديه، وسأقوم بالبحث عن مرضعة له، كما سأختار له اسما حسنا.

قالت المرأة: أيها الرجل! من علمك أن تتكلم في ما لا تدري؟ ومن يعلم أيكون المولود ذكرا أم أنثى؟ أسكت الآن، وارض بما سيقسم الله لنا، فإن الرجل العاقل لا يتكلم في ما لا يدري. فمن تكلم بما لا يدري أصابه ما أصاب الناسك الذي انصبّ على رأسه السمن والعسل.

قال الناسك: وكيف ذلك؟

قالت المرأة: زعموا أن ناسكاً كان يرسل إليه أحد التجار رزقاً من السمن والعسل. وكان يحفظ من ذلك السمن والعسل في كوز علقه، حتى امتلأ الكوز. وارتفع ثمن السمن والعسل. فقال: " سأبيع ما في هذه الجرة بدينار على الأقل، فأشتري بالدينار عشرة أعنز، فيحملن ويلدن لخمسة أشهر ".

وحسب ما سيصير لديه بعد خمس سنين فوجد أنه سيكون أكثر من أربعمائة عنز في حسابه.

ثم قال: فأشتري مئة بقرة بكل أربع عنزات ثوراً وبقرة. فأنتفع بالثيران في الزراعة وأنتفع بما تلده الإناث وبألبانها. فلا يأتي عليّ خمس سنين إلا وقد أصبت منها ومن الزرع مالا كثيرا. فأبني بيتا فاخراً وأشتري عبيداً ورياشاً ومتاعاً. فإذا فرغت من ذلك تزوجت امرأة ذات حسب ونسب، ثم تلد لي ابنا مباركا فأسميه اسماً حسنا وأؤدبه أدبا حسنا وأشدّ عليه في الأدب. فإن رأيته عقوقا ضربت رأسه بهذه العصا وهكذا.

ورفع العصا يشير بها فأصابت الكوز فانكسر وانصب السمن والعسل على رأسه وذهب تدبيره وكل أمانيه باطلا.

ضربت لك هذا المثل لتنتهي عن التكلم فيما لا تدري وما لا يوافق القدر فاتعظ بما اتعظ الناسك.

ثم إن المرأة ولدت غلاماً سوياً فسرّ به أبوه حتى إذا كان بعد أيام قالت المرأة لزوجها: أقعد عند الصبيّ حتى أغتسل وأرجع إليك.

وذهبت المرأة. وبعد قليل جاء الرجل رسول السلطان فذهب به، ولم يترك مع ابنه أحداً.

إلا أنه قد كان له ابن عِرس داجن عنده، يعتني به كما يعتني المرء بابنه. فتركه الرجل عنده وذهب إلى السلطان. وكان في بيته جحريّة، فخرجت الحية تريد الولد، فوثب عليها ابن عرس فقطعها إرباً إرباً.

وأقبل الناسك عندما انصرف من عند السلطان، وأتى بيته فتلقاه ابن عرس كالمبشر له بما صنع.

فلما رآه الناسخ متلطخاً بالدم سلب عقله ولم يلبث ولم يتبين الأمر، وضرب ابن عرس ضربة على رأسه بعصاه، فوقع منها ميتا. ودخل الناسك بيته فرأى الغلام والحية مقطعة فعرف الأمر، وصار يلطم صدره ويشد شعره ويقول: ليت هذا الغلام لم يولد ولم أغدر بابن عرس، فدخلت المرأة وهو يبكي...

فسألته عن السبب فأخبرها وقال:

هذه ثمرة العجلة، ومثل من يعمل بغير رويّة في أمره. وقد صدق المثل القائل: "في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة".

بلال نعيم
08-05-2009, 12:00 PM
بنت البيضان
كان في قديم الزّمان ملك له ولد وحيد، وقد أعطى الملك ابنه فرسًا، فكان الأمير يركب الفرس ويدور في الولايات. وفي أحد الأيام مرّ الأمير بكوخٍ تسكن فيه امرأةٌ عجوز فقيرة الحال، وكانت تحمل بيدها صحنًا فيه دبس وتتكئ على عصا وهي تدخل الكوخ.
اصطدم الشاب بالعصا فانسكب الدبس من الصحن، فدعت عليه المرأة قائلة: أدعو الله أن تقع في حُبّ ابنة البيضان. فسألها الشّاب: يا خالة، مَن هي بنت البيضان؟
طَلَبت إليه نقودًا لتشتري طعامًا، بعد ذلك تخبره عنها. فأعطاها ما أرادت وأخبرته مَن هي بنت البيضان. وأخذ الشّاب يفكّر في بنت البيضان، حتّى هزل جسمه وشحب وجهه.
أحضر الملك أشهر الأطباء لمعالجة ابنه، وبعد أن فحصه الطّبيب قال للملك: ابنك يحبّ يا سيّدي.
فقال الملك: أنا مُستعدّ أن أزوّجه بِمَن يرغب.
أخذت الملكة تلحّ على الملك لمعرفة حقيقة الأمر، فأخبرها بحكاية بنت البيضان. فلما سمعت الأم إسم بنت البيضان، أخبرته أن رغبته صعبة التحقيق. فأكّد الشاب لأمه أن ذلك لا يهمّ، وأنّه مُصرّ على البحث عنها، وكلّ ما يطلبه هو السّماح له بالذهاب لمعرفة مكانها. وبعد إلحاحٍ شديدٍ، أذِنَ له والده. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story66.gif
استعدّ الشاب للسّفر، وأخذ معه المتاع اللازم، وامتطى صهوة فرسه القوي وخرج قبل شروق الشمس وكان يشعر بالسّعادة. وفي المساء، وصل إلى منطقةٍ فيها كثير من النخيل، بالقرب منها قصر، يقف بجانبه رجل قوي يقطع النخلة ويقسمها قسمين ويأكل كلّ قسم دفعة واحدة. وكان هذا الرّجل يقضي يومه في أكل النّخيل.
خاف الأمير من هذا الرجل وقال: إن كان يأكل نصف النخلة دفعة واحدة، فلا شك أنه سيأكلني أيضًا، واختبأ خلف القصر.
عند الغروب، رجع الرّجل القوي، وفي طريقه إلى القصر رأى الشاب، فسأله عن سبب جلوسه هناك، فتوسّل إليه الشاب حتى لا يأكله، ودعا الله أن يحفظه.
أخذ الرجل الشّاب وفرسه وأدخلهما القصر، وقدّم للشاب الطعام والشراب، وأمّنه على نفسه، وقال له: قم واسترح. وأعطاه فراشًا لينام، فنام. وفي الصباح، أخبره الأمير أنه سيذهب بعد يومين ليبحث عن بنت البيضان. فقال له الرّجل: "هذه الصّحراء مملوءة بالصّخور التي كانت بشرًا، حوّلتهم بنت البيضان إلى هذه الحال ورمت بهم في الصحراء. لا تذهب إليها وتحرُم شبابك. فقال الشّاب: هذا لا يهم.. أريد الزّواج منها.
وقبل شروق الشمس، قدّم الرجل للشّاب متاعًا، وقطع له ثلاث شعرات من رأسه وقال له: إذا شعرت بضيقٍ أشعل شعرة، وسأكون عندك في الحال.
شكره الشاب وودّعه وانطلق في الطريق. وفي المساء، وصل منطقةً وَجَد فيها رجلاً يحفر الأرض ويأكل التّراب، حتى صار بجانبه حفرةً كبيرةً، فتعجّب الأمير واختفى وراء قصرٍ قريبٍ من المنطقة، وظلّ يراقب الرّجل.
رأى الرجل الشاب وأخذه إلى قصره، وأطعمه وتركه ينام ليستريح، ثم سأله عن وجهة سيره، فحكى له الشّاب قصّته.
أخبره الرجل، كما أخبره الرّجل الأول، بأنّ بنت البيضان تُحوّل الرّجال إلى صخورٍ. لكنّ الشاب أصرّ على الذهاب إليها. فأعدّ الرجل للشّاب ما يلزمه للسفر. وقبل شروق الشمس، قبل أن يودّعه، أعطاه ثلاث شعراتٍ من رأسه، وقال له: إذا شعرتَ بضيقٍ، أشعل واحدةً، وسأكون عندك في الحال.
وتابع الأمير سيره.
وفي المساء رأى الأمير رجلاً أمامه قدرٌ كبيرٌ، يطبخ كميةً كبيرةً من الأُرُز ويأكله كُلّه. فتعجّب الشّاب. وعندما رآه الرجل أخذه إلى قصره، واستمع إلى قصّته، ثم قال له: "عندما تصل إلى المدينة ستجد قصرًا فيه امرأة عجوز. قُل لها إنّ أخاك فُلانًا بَعَثني إليك. واقض ليلتك عندها. وعندما تذهب إلى بنت البيضان، لا تركب فرسك، بل اذهب إليها على قدميك. إنّها تسكن قصرًا في وسط الصحراء.
وصل الشاب حيث توجد المرأة العجوز، فرحّبت به وقدّمت له طعامًا. وتحدّث الإثنان طويلاً، ثم قالت له: اذهب مشيًا ولا تكلّم أحدًا، فإن رأتك بنت البيضان وأُعِجَبت بك، فسترسل إليك وتصعدك إلى غرفتها. أمّا إذا لم تعجبها فإنّها ستحوّلك إلى صخرةٍ. لكن إذا كنتَ لا ترغب في الذهاب فيمكنك أن تبقى معي وتعيش مُعزّزًا مُكرّمًا.
لكنّ الأمير أصرّ على الذّهاب.
وفي الصباح، استحمّ ولبس ملابس جديدةً، وذهب في اتّجاه القصر المنشود. وعندما رأته بنت البيضان من الشّباك أعجبت به، وأرسلت خادمتها إليه، وأخذته إلى غرفة سيّدتها.
جلسا يتحدثان، فسألته عن الولاية التي قدم منها، وهل هو ابن الملك؟ وطلبت إليه أن يذهب إلى أبيها الملك الذي سيطلب منه أشياء، إذا حقّقها فستتزوّج منه. أمّا إذا لم يستطع تحقيقها فستحوّله إلى صخرةٍ.
أخذت الخادمة الأمير إلى الملك، فدخل وسلّم عليه وعلى الوزراء. وعندما طلب يد الأميرة طلب إليه الملك ثلاث مطالب، إنّ حقّقها فسيُزوّجه ابنته، فوافق الأمير.
قال الملك: الطّلب الأول هو أن تأتيني برجلٍ يستطيع أن يقلع النّخلة ويأكلها.
قال الشاب: هذا أمر بسيط جدًا. وأخرج شعرةً وأشعلها، فجاء الرجل آكل النخيل، وأخذ يأكل نخلةً بعد أخرى.
خاف الملك أن يأكله هذا الرجل، فطلب إلى الأمير أن يأمر الرجل بالكفّ عن أكل النخيل.
ثم طلب الملك إلى الأمير أن يأتيه برجلٍ يستطيع أن يلتهم تراب حفرةٍ كبيرةٍ، فأشعل الأمير شعرةً، وجاء الرجل آكل التّراب، وأكل كميةً من التراب أكثر بكثيرٍ ممّا توقّع الملك.
وأخيرًا قال الملك: المطلب الأخير هو أن تأتيني برجلٍ يستطيع أن يأكل كيسًا كبيرًا من الأُرُز في جلسةٍ واحدةٍ.
فأشعل الأمير شعرةً، فجاء الرجل آكل الأرز، والتهم ثلاثة أكياسٍ لا كيسًا واحدًا.
فقال الملك: ابنتي لك الآن.
أخذ الأمير بنت البيضان، وعاد بها إلى مملكة أبيه، وتزوّجها وسط الأفراح التي عمّت المملكة سبعة أيامٍ وسبعة ليالٍ.
وعاش الزّوجان عيشةً سعيدةً.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:01 PM
بيت الزّرافات

يُحكى أنّ زرافةً غنيةً كانت، لسوء الحظ، تميل إلى الكسل وتحبّ الراحة وتكره العمل.
نادت أم الزّرافة زوجها: يا أبا زرافة!
أجاب الزوج: نعم، نعم، ماذا تريدين؟
قالت الأم: ابنتك زرافة كسلانة.
قال الأب: أعرف، أعرف.
أجابت الأم: نحن إذا تركناها على هذه الحال، اعتادت الكسل وشبّت تكره العمل. وفي هذا كما تعلم يا زوجي العزيز ضرر عليها الآن وفي المستقبل.
نعم قال الأب. ما العمل؟ ما العمل إذن يا زوجتي العزيزة؟
ردّت الأم: تكلّم معها، أفهمها.
قال الأب: هذا دورك أنتِ. هذا دوركِ يا زوجتي. أنتِ تعرفين أنّني إذا نبّهتها ولم تعمل بما أطلبه إليها تعرّضت للإهانة والضّرب، فلا تُدخليني في هذا الموضوع.
حسناً قالت الأم. أنا أتحدّث إليها. (تنادي): زرافة! زرافة! أين أنتِ يا ابنتي؟
صاحت زرافة: نعم يا أمي. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story67.gif
أجابت الأم: أنا أبحث عنكِ يا حبيبتي.
نعم. ماذا تريدين؟
أنت الآن يا ابنتي أصبحتِ كبيرة تقوين على العمل، فاعملي أيّ شيء تحبّينه حتى تعتادي العمل من الصّغر.
أجابت زرافة: لكن يا أمي أرجوك! أرجوك أن تعفيني من العمل الآن، واسمحي لي بالذهاب إلى الحديقة والتّمتع بمناظرها الجميلة بعض الوقت.
قالت الأم: أه يا زرافة! أنتِ زرافة غريبة الأطوار حقًا!
أرجوك يا أمي. غضّي الطرف عن مطلبك ودعيني أذهب إلى الحديقة، وأعدك أن أفكّر بشيءٍ أعمله.
حسنًا يا زرافة! اذهبي وعودي بعد قليلٍ.
ذهبت الزرافة إلى الحديقة فرأت طائرًا أحمر اللّون، فقالت له: مرحبًا أيها الطائر الأحمر! أليس لك عمل تعمله؟ هل كلّ ما تفكر فيه أن تأكل البندق من الصباح إلى المساء؟
أجابها الطائر: أتظنّين يا آنسة زرافة أنني لا أعمل الآن؟ لا، لا، لا. أنتِ مُخطئة، فأنا أعمل دائما، ولا أنقطع يومًا عن العمل. فكيف أتهاون وأتكاسل وعندي أسرة كبيرة أعيلها وأجمع قوتها الذي يكفيها طوال الشّتاء.
ولكن ماذا تفعل الآن؟ قل لي؟ قالت الزرافة.
أنا الآن أجمع قوتي وقوت أسرتي.
هذا شيء حسن، أجابت الزرافة.
إلى اللقاء يا آنسة زرافة.
مع السلامة، (لوحدها): يا له من طائرٍ نشيطٍ، هه..
فلأنطلق في الحديقة وأغنّي مع الطّيور.
فسمعت الزرافة أصوات طيورٍ ونحلٍ، فقالت: ما هذا؟ إنّها لا شك نحلة. (تنادي) يا نحلة، هيه أنتِ يا نحلة.
ماذا تريدين يا زرافة؟
أخبريني هل عندك أيّ عملٍ تقومين به؟
نعم قالت النحلة. عندي أعمال كثيرة في الحقيقة، فأنا أطير من زهرةٍ إلى زهرةٍ وأجمع رحيق هذه الأزهار، وأُخرِجُ منه طعامًا لذيذًا لصغار النّحل وللناس أيضًا.
وما هو هذا الطعام الذي تخرجينه يا نحلة؟ سألت الزرافة.
أجابت النّحلة: ألا تعرفين ما أنتجُ؟
لا، قالت الزّرافة.
إنّه العسل! ألم تذوقي العسل، عسل النّحل، من قبل؟
آه! صحيح. أهذه أنت التي تنتج لنا هذا العسل؟
نعم، نعم. قالت النحلة. لا تؤاخذيني يا عزيزتي، يجب أن أنطلق إلى العمل، فأنا مشغولة جدًا جدًا، بالإذن. أرجو عدم المؤاخذة لأنّي سأتركك.
مع السّلامة يا نحلة.
وقالت الزرافة لنفسها: ما أنشطها من نحلةٍ! إنّها عاملة عظيمة. ثم سمعَت صوتًا يُنادي: زرافة! زرافة!
مَن؟ مَن يناديني؟
هذه أنا! النّملة..
حسنًا، لكنّي لا أراك، أين أنتِ؟
أنا تحت، على الأرض، قرب قدميك. أناديك حتى تنتبهي إليّ ولا تدوسيني.
وماذا تفعلين يا نملة الآن؟ أراك تحملين حملاً ثقيلاً. أليس ثقيلاً هذا الحِمل؟
نعم. نعم، ولكنّه عَمَلي.
أتركي حملك الآن، وتعالي إلعبي معي وارتاحي.
لماذا أرتاح؟ أنا مسرورة جدًا لحصولي على هذا الطعام مهما يُكلّفني من المشقّة والتعب، وليس عندي وقت للّهو واللّعب بما لا يفيد.
صاحت زرافة: هه! هذا أمر غريب حقًا! نملةٌ ولا تحبّ اللّعب؟!
فأجابت النملة: اتركيني أرجوك! فقد داس رجلٌ قاسي القلب مسكننا ومأوانا وخرّبه وأصبحنا في حالةٍ يُرثَى لها. ولكنّنا... اسمعيني جيدًا.
قالت زرافة: ماذا أسمع؟
فقالت النملة: ...ولكننا قرّرنا ألا نستسلم لليأس، وعزمنا على البحث عن مسكنٍ آخر آمنٍ نستريح فيه. ولذلك لا تؤاخذيني إن أنا لم أقبل دعوتك للعب، فعندي أعمال كثيرة تنتظرني ويجب أن أنجزها. إلى اللقاء يا زرافة.
أجابت الزرافة وقالت: مع السلامة. (لنفسها): يا لها من نملةٍ! إنّها تسير في دربها نحو عملها. كلّ مَن رأيتُ اليوم مُنهمك في عمله، وكلّ واحد منهم يلقي عليّ درسًا بليغًا: الطائر الأحمر والنحلة والنملة وكل المخلوقات. كلّها تعمل وتعمل إلاّ أنا! أنا الزّرافة الطريفة الحلوة لا أعمل شيئًا!
كانت زهرةُ قرنفلٍ تنظر إلى الزرافة، فصاحت هذه الأخيرة: زهرة القرنفل! زهرة القرنفل!
قالت الزهرة: نعم، ما بك يا زرافة؟
عندي سؤال لك يا زهرة!
ما هو سؤالك يا زرافة؟
قالت: هل تعملين أنتِ أيّتها الزهرة الجميلة؟
قالت زهرة مُتعجّبة: أنا؟
نعم أنتِ! هل تعملين؟
نعم طبعًا أعمل، وأعمل كثيرًا! فأنا أجمع في الصباح أشعة الشمس وأحتفظ بها في أوراقي. وإنّ جذوري تمتدّ في الأرض تطلب الغذاء والماء. إنّ كل جزءٍ من أجزائي يعمل يا زرافة!
قالت الزرافة: إذن، لماذا لا أعمل أنا؟
لماذا تسألين يا زرافة؟ اذهبي واعملي الآن؟
حالاً، حالاً أنا ذاهبة.
سمعت الزرافة صوت أبيها وأمها يضحكان، فقالت: أمّي، أبي، أين أنتما؟
قالت الأم: هذا صوت زرافة!
وقال الأب: ها! ما بها زرافة؟
صاحت الأم: إنّها تنادينا.
أمي! أبي! أمي!
ما بك يا عزيزتي؟
أمي العزيزة! أبي العزيز! لقد فهمتُ فائدة العمل. عرفتُ أنّه سلاح فعّال لِمَن يريد الحياة. أنا أعتذر عن كسلي في الماضي، ومُستعدّة لأن أعمل ما تأمراني به.
هذا خبر مُفرح حقًا، قالت الأم. أمّا الأب فقال: أنا سعيد جدًا لمعرفتك هذه الحقيقة يا ابنتي!
وَدَعتها أمّها: يا حبيبتي! تعالي ساعديني في ترتيب البيت وطبخ الطعام.
هيّا يا أمي! وأنا على أتمّ استعدادٍ، وسأبقى هكذا دائمًا.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:02 PM
جميل وجميلة

يُحكى أنّ فتاةً اسمها "جميلة" كانت تعيش مع جدّيها بعد وفاة والديها. وكانت جدّتها تحبّها كثيرًا ولا تسمح لها باللّعب مع الفتيات حتى لا يصيبها مكروه.

كانت الفتاة "جميلة" رائعة الجمال. وعندما كبرت خطبها ابن عمها جميل. وكان في القرية التي تعيش فيها ستّ فتياتٍ، غير جميلات مثلها، ولم يحببنها. كانت الغيرة تأكل قلوبهن، وكُن يحسدنها لأنّها على وشك الزواج، ولم يتقدّم أحد لخطبتهن.

ذهبت البنات الحسودات إلى جدّة جميلة ورجونها أن تسمح لها بالخروج معهنّ لجمع الحطب، فسمحت لها. وجمعن الحطب.

في طريق العودة، توقّفن عند نخلةٍ تحمل بلحًا، بعضه أحمر وبعضه أخضر، لا يصلح للأكل. وتمنّت البنات أن يجمعن شيئًا منه لكنّهن لم يستطعن، فتسلقت جميلة النخلة وألقت بالبلح والرَّطَب إلى صديقاتها، فملأن سلالهن من التّمر وملأن سلّتها بالبلح الأخضر الذي لا يُؤكَل.
ثم وصلن بئرًا وقُلن: إنّ رميَ الحُلي في هذه البئر يجلب الحظ الحَسن، وتظاهرن بإلقاء حليهن فيها، ورمين أحجارًا. أمّا جميلة فألقت عقدها وقرطها وخلخالها.

وأكلن في الطريق بعض التّمر، أمّا جميلة فلم تأكل لأنّ بلحها لا يؤكل. ثم أخرجن حليهن وتزينّ بها. فعرفت جميلة أنّهن خدعنها، فطلبن منها العودة إلى البئر لإخراج حليها منها، وكان الوقت مساء، وهُنّ يعرفن أن غولاً شريرًا يذهب إلى البئر في اللّيل ويُحوّل من يَجده وحشًا مثله.

جاء الغول، فرجته جميلة ألا يأكلها، وأخبرته أنّها تريد حليّها، فوعدها بإعادتها إليها إذا وافقت على الذهاب معه غدًا في رحلةٍ على حصانه الأسود. فوافقت. وشرب البئر وأخرج الحلي وسلّمها لها. وأعطاها جريدة نخل لتضعها على باب بيتها ليعرفه.

في اليوم التالي، حضر الغول وخرجت جميلة معه على حصانه، والغول على شكل أمير. وكان جدّاها نائمين.
وفي اليوم التالي كان العرس، وبحثَ جميل عن جميلة فلم يجدها، وأمضى سنةً يبحث عنها، وأخيرًا أخبرته سيدةٌ عجوز أنّها رأت مع الغول فتاةً جميلةً في وجهها علامة صغيرة، فعرف جميل أنّها جميلة، ورجا العجوز أن تساعده لينقذها.

أخبرته العجوز أنّ الغول يستيقظ شهرًا وينام شهرًا، وموعد نومه بعد ثلاثة أيّامٍ. وقالت إنّ جميلة الآن نائمة نومًا مسحورًا، وقد طال شعرها وأظفارها، فعليه أن يقصّ شعرها ويقلّم أظفارها، وعندها يزول عنها السّحر. كما أخبرته أنّ للغول كلبًا عليه أن يقتله. فالغول إذا نام لا يستيقظ ولكن كلبه قد يطارده. وقالت: ولكن لأنّك تحبّ جميلة، وجميلة طيّبة القلب، فسأعطيك ثلاثة أشياء: قطعةً صغيرةً من الحجر ووعاءً صغيرًا فيه ماء وقطعة من الخشب. فإذا تبعك الغول فاقذف قطعة الخشب بينك وبينه، ثم قطعة الحجر، ثم آنية الماء، واهرب منه بأسرع ما تستطيع. فشكرها جميل. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story68.gif

بعد ثلاثة أيامٍ، ركب جميل حصانه قاصدًا بيت الغول، وكان نائمًا، وكذلك جميلة، فقصّ شعرها وقلّم أظفارها، وفتحت عينيها، وصاحت فرحةً: "جميل.. أخيرًا جئت لتنقذني". ونَسِيَ أن يقتل الكلب، فلمّا أركب جميلة فوق حصانه وشعر بهما الكلب، عضّ الغول وأيقظه من نومه، وتبعهما الغول والكلب.

رأت جميلة من بعيد شيئًا أسود ولكنّه يقترب بسرعةٍ. وبعد قليلٍ عرفت أنّه الغول وكلبه يجري بجواره، فرمت قطعة الخشب فتحوّلت إلى غابةٍ كثيفةٍ. وتقدّم الغول وصار يقطع الأشجار بسيفه ويلقيها على الجانبين يساعده كلبه حتّى شق لنفسه طريقًا بين الأشجار.

اقترب الغول والكلب بسرعة السّهم، فرمى جميل قطعة الحجر الصغيرة، فتحولت في الحال إلى سورٍ ضخمٍ ارتفع بينهما وبين الغول.

لم يستطع الغول أن يقفز فوق السور، فأخذ ينزع أحجار السور حجرًا حجرًا وكلبه يساعده، إلى أن أحدث ثغرةً استطاع أن ينفذ منها ويواصل مطاردته لجميل وجميلة.

وفي المرّة الثالثة، صاحت جميلة: أرى الغول وكلبه يسرع بجواره وسرعتهما تزداد وكأنّهما الريح.
عندئذٍ ألقى جميل خلفه بإناء الماء، وفي الحال ظهر بحر عظيم بينهما وبين الغول. توقف الغول عند الشاطئ وقال: إذا كنتُ لا أستطيع عبور هذا البحر فإنّني أستطيع أن أشربه. وبدأ هو وكلبه يشربان ماء البحر.

أخذا يشربان ويشربان... وانتفخ بطن الغول وظلّ ينتفخ؛ وانتفخ بطن الكلب وظلّ ينتفخ، وفجأةً دوّى صوت انفجار عظيم. لقد انفجر بطن الكلب، ثم انفجر بطن الغول أيضًا.

عاد جميل وجميلة إلى قريتهما سالمين، وعرف الناس جميعًا ما فعلته الفتيات الشّريرات لجميلة، فلم يتقدّم أحد لخطبتهن، وأخيرًا تركن القرية ليعشن في قريةٍ أخرى...

أمّا جميلة فقد تزوّجت جميلاً، وظلّت تزداد جمالاً على جمالها..

بلال نعيم
08-05-2009, 12:03 PM
صابغ الثياب

كان في سالف الزمان رجل نشيط اسمه المعلم حسن، يعيش في مدينة من مدن الهند. وكان للمعلم حسن أخلاق طيبة وسمعة نظيفة وعلاقة رضيّة مع الناس. وكان عمله صبغ الثياب أو غسلها أو تننظيفها. وكانت كل الثياب التي تخرج من بين يديه ثيابا وكأنها رجعت جديدة لشدة نظافته وحبه لعمله.

للمعلم حسن عائلة من زوجة طيبة وصغار سبعة، أربعة أولاد وثلاث بنات. وكان المعلم حسن ينفق كل ما يربحه من عمله على عائلته لأنه يحبها حبّا جمّا، ولا يهمل لها أي طلب، فهي كل حياته. يتركها عند الصباح، وعندما يعود مساء يعود مشتاقا لرؤيتها كما يفعل كل أب يحب عائلته.

اشتهر المعلم حسن ووسّع عمله وازداد ربحه، وانتقل من فقر إلى غنى، وانتقلت معه حال عائلته، فازداد اهتمامه بها و وسهره عليها.

وكان للمعلم حسن جار خزّاف اسمه حامد، وهو عامل كسول. يجلس طيلة النهار عند باب محله يراقب المارة ويتحدث مع من يراه كسولا مثله. ويعود آخر النهار إلى البيت فارغ اليدين إلا من القليل من عمله. وغالباً ما كان المعلم حسن يحثه على العمل، و لكن عبثا.

أما حامد، فكان يغار من المعلم حسن ويحسده ويحلم أن يكون له محلاً كمحله. ولكن، كيف الوصول إلى ذلك وهو متخاذل، كسول، ضعيف الإرادة، يفضّل أن ينام طيلة النهار ويحسد غيره طيلة الوقت على أن يصنع ولو أبريقا صغيرا.

مرّ الزمان والمعلم حسن يزداد شهرة وغنى، وحامد يزداد حسداً وغيرة. وراح حامد يفكر بحيلة يوقع فيها المعلم حسن فيخسر كل شيء.

كان حامد يفكر في الحيلة الشريرة في الليل والنهار، وهو يأكل ويشرب ويحدث الناس، حتى تفتقت له فكرة فرح لها، وانتظر شروق شمس اليوم التالي لينفذها.

في صباح اليوم التالي، نهض حامد وقصد قصر حاكم المدينة، وحاول أن يدخله، فطلب إذناً من الحاجب وانتظر. غير أن حاكم المدينة كان كثير العمل، فلم يستطع حامد أن يقابله. وبعد يومين، مرّ الحاكم في شوارع المدينة على ظهر فيل مزيّن بألوان جميلة.

رآه حامد، واشتد تصميمه بأنه يجب أن يراه بأي ثمن. فنهض مسرعاً ثم وقف أمام الحاكم، وقال بصوت مرتفع:

- يا سيدي الحاكم!

فانتبه الحاكم لصوت حامد الذي قال: أريد أن أراك لأمر لا بد أنه سيسرك، ولكن حاجبك يرفض أن يدخلني عليك".

فقال الحاكم لمرافقه: " قل لهذا الرجل إني أنتظره غدا."

وفي الغد، ذهب حامد إلى القصر. وعندما حضر بين يدي الحاكم قال له: " صباح الخير يا سيدي الحاكم."

فقال الحاكم: أوقفتني البارحة وقلت إن لديك فكرة ستعجبني، فما هي؟

إن لك يا سيدي الحاكم فيلاً جميلاً، إلا أنه يشبه كل الفيلة، فلو صبغته بلون أبيض، لكان أجمل فيل بين كل الفيلة وكل المدن."

سرّ الحاكم بفكرة حامد وقال له: " إنها فكرة جميلة، ولكن كيف السبيل إلى تنفيذها؟"

فقال حامد: " إن جاري يا سيدي الحاكم صبّاغ ماهر مشهور، وهو وحده الذي يستطيع أن يصبغ الفيل ويحوله من لونه الأصلي إلى اللون الأبيض، من غير أن يتبدّّل لونه أو يبوخ بعد ذلك."

أمر حاكم المدينة بإحضار المعلم حسن إلى القصر. وعندما حضر المعلم حسن بين يدي حاكم المدينة، قال له الحاكم: " علمت أنك صبّاغ ماهر، فقد أخبرني بذلك جارك حامد الخزّاف، وإن لي طلبا إليك."

فانحنى المعلم حسن احتراما وقال: " أرجو أن ألبّي طلبك يا سيدي الحاكم."

قال الحاكم: "أحب أن أغيّر لون الفيل الذي لدي. أريد لونه أبيض."

أحنى المعلم حسن رأسه، وعرف أن هذه الفكرة هي فكرة جاره حامد الخزّاف، فهو يريد أن ينتقم منه. وطالت انحناءة المعلم حسن. فقال له حاكم المدينة: " أراك يا معلم حسن تطيل التفكير."

فقال المعلم حسن: "إني أفكر بأمر مهم، وهو أنني إذا أردت أن أصبغ لك الفيل، عليّ أن أغسله في وعاء مصنوع من الفخّار يكون حجمه أكبر من حجم الفيل، يتّسع له عندما ندخله فيه. ولا يستطيع أحد أن يصنع هذا الوعاء إلا حامد الخزاف."

أرسل الحاكم وراء حامد، وطلب إليه أن يصنع وعاء كبيراً يسع الفيل عندما سيغسله المعلم حسن.

ازداد غضب حامد وعرف الحيلة التي أوقعه فيها المعلم حسن جزاء له. غير أنه لا يستطيع إلا أن يلبي ما طلبه الحاكم منه، فذهب إلى محله وراح يعمل ليل نهار هو وبعض العمال حتى فرغ من صنع الوعاء، فعاد إلى الحاكم وأخبره أن الوعاء جاهز. وكان قد مضى على عمل حامد في الوعاء ثلاثة أشهر.

جاء المعلم حسن بالفيل وأدخله في الوعاء وحامد ينظر إليه مغتاظ القلب. لكن ما إن دخل الفيل في الوعاء حتى تكسّر قطعا قطعا. فأعلم المعلم حسن الحاكم بذلك. فأمر الحاكم حامد أن يصنع وعاء آخر.

فراح حامد يعمل ستة أشهر هذه المرة، ويقوّي من الخزف خوفا من أن ينكسر عندما يدخل فيه الفيل. ولما انتهى وجاء المعلم حسن بالفيل وأدخله الوعاء عاد الوعاء، وأنكسر مجدداً.

غضب الحاكم غضباً شديداً وأمر حامد الخزاف أن يصنع وعاء لا ينكسر وإلا فسيحكم عليه بالسجن.

عاد حامد إلى العمل وهو ممتلئ بالحقد والغيظ على المعلم حسن الذي يمضي النهار في العمل الذي كان يعمله من قبل وهو مسرور.

مرت سنة كاملة، أنهى حامد العمل في الوعاء وأخبر الحاكم بذلك. وجاء المعلم حسن بالفيل وأدخله في الوعاء إلا أن الوعاء عاد وانكسر، واشتدّ غضب الحاكم وأمر أن يسجن حامد، فسجن.

أما المعلم حسن فأخبر الحاكم أن الفيل لا يصبغ كما قال حامد. غير أن حامداً لحسده وغيرته، أراد أن يوقعه في مشكلة يقنع حاكم المدينة بها .

أدرك الحاكم حيلة حامد، وأمر أن يسجن سنة كاملة. وطلب إلى المعلم حسن أن يلازم قصره.

وهكذا كان زجّ حامد الخزّاف في السجن، وأما المعلم حسن فقد أصبح أعزّ صديق لحاكم المدينة.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:04 PM
صانع الأعاجيب


قالت شهرزاد :

في ليلة شديدة الحر، عاد الخليفة هارون الرشيد إلى قصره مهموما محزونا، وانتصف الليل ولم يظفر بالنوم. فنادى مسروراً، خادمه الأمين، وأمره أن يستدعي وزيره "جعفرا" لعلّه يعينه على السهر، ويزيل ما به من الضجر بما يقصه عليه من الطرائف.

حضر جعفر وطلب إليه الخليفة أن يحدثه بما عنده من المليح والأعاجيب. فأخبره جعفر أنه سمع لتوّه قصة عجيبة من رجل زاره مع الأصمعي اسمه " بدر الدين حسن " ،وأنه يرغب في أن يسمع الخليفة القصة أيضا، وطلب الإذن للرجلين بالمثول في حضرته.

فأمره الخليفة بالإسراع في إحضار ضيفيه. ولما حضرا قال بدر الدين: إن قصتي يا أمير المؤمنين تكاد لا تصدّق لفرط غرابتها، ويتوهم من يسمعها أنها من نسج الخيال، ولكن الشخصين اللذين أسمهما فيها لا يزالان يعيشان اليوم في دار السلام (بغداد). فقد أسدى إلي هذان الرجلان "سعيد" و"سعد " معروفا لا أنساه مدى الحياة، ولولاهما لقضيت العمر بائساً فقيراً .

تشوقٌ الخليفة لسماع القصة، وطلب إليه أن يبدأ بروايته، فقال بدر الدين:

يعيش في دار السلام في عهدك السعيد يا أمير المؤمنين صديقان حميمان، اسم أحدهما " سعيد"، واسم الآخر" سعد"، كانا متفقين في كل الأمور، ولم يفترقا في حلّ أو ترحال، فدعاهما الناس بالشقيقين. وكلاهما صافي النفس، عاقل، ثري، وكان سعيد الأغنى. كان " سعيد " يرى أن المال وحده هو مصدر السعادة كلها، وأنه وسيلة النجاح في الحياة، وليس للسعادة والنجاح طريق غيره، حتى أحسن صاحبه استثماره وتعهده. فإذا حرم الإنسان المال ولم يتيسّر له مهما يبلغ به العقل والحظ أن يرتقي إلى مرتبة الأغنياء مهما يبذل من جهد وعناء.

وكان " سعد " يوافق "سعيدا" في رأيه في قيمة المال وأثره في النجاح متى تعهده وأشرف على تثميره وتنميته. ولكنه لم ير أن هذا وحده هو كل شيء في الحياة. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story70.jpg

وكان رأي "سعد"، يا أمير المؤمنين، أن المال والعقل لا يكفيان وحدهما للنجاح إذا خذلهما الحظ. فكل واحدة من المال والعقل والحظ لازمة للنجاح. فقد يجلب الحظ لصاحبه المال الوافر، فلا تلبث الحماقة أن تضيّعه، ولطالما جلب العقل المال ثم بدّده نحس الطالع، وسوء البخت وما يجرّانه من مفاجئات لا حيلة لأحد في دفعها.

وتناقشا مراراً في هذا الأمر. وأخيرا استقر رأي سعيد على أن يقنع صاحبه بصدق ما يقول بطريقة عملية تضع حدا لهذه المناقشات العقيمة، وذلك بأن يمنح عاملاً فقيراً مقدارا من المال ليهيئ له سبيل الغنى، فإذا أخفقت التجربة ترك لسعد الفرصة ليختار ما يراه من الخطط لاختيار رأيه.

وبعد أيام، مرّ سعد وسعيد بالحي الفقير الذي أقطنه، فرأياني دائبا على العمل في فتل الحبال، هذه المهنة التي ورثتها عن أبي وتعلمتها منه، كما ورثها أبي عن جدي وتعلمها منه. فكانت هذه كفيلة بتلبية حاجاتي الأساسية الضرورية للحياة الكريمة.

أقبلا عليّ، وسألني سعيد عن مهنتي، وهل عندي ما يكفيني ويكفي أسرتي، وهل أدّخر شيئا من المال. فأجبته باسماً: إني لا أدّخر درهماً واحداً لأيام المرض، لأن ما أكسبه لا يسمح بالادخار. وأسعد أيامي هو اليوم الذي نحصل فيه على ما يكفينا من الخبز اليابس وقليل من الخضر، ومن الثياب ما يقينا غائلة البرد . وأسرتي مؤلفة من زوجة وخمسة أطفال، أكبرهم لا زال غير قادر على مساعدتي في عملي، فأنا أعولهم جميعاً، ولكننا سعداء هانئون بما هيّا الله لنا من رزق حلال يغنينا عن سؤال الناس، وغرس في نفوسنا القناعة التي نجد فيها سعادة عظيمة.

قال سعيد: "إن سرّ سعادتك هو قناعتك. ولكن لو منحتك هذا الكيس بما يحويه من ذهب هدية خالصة لك، أتراك قادرا على الانتفاع بهذه الثروة؟ إن في هذا الكيس مائتي دينار إذا أحسنت استغلالها في توسيع عملك، جلبت لك الثروة والغنى وراحة البال".

شكرته وقلت له: إن قليلاً من المال يكفي لسد حاجتي وسأنتفع به وأستثمره. سأبني به مصنعاً ناجحاً سيصبح على مرّ الأيام بفضل المثابرة والإتقان والإخلاص في العمل أكبر مصانع البلاد.

أعجبته قناعتي، ولكنه أصر على أن يسلّمني المبلغ كله. ودعا الله أن يبارك لي في هذا المال. وكرر توصيته بأن أحقق ما وعدته به.

فرحت بهذه الهبة السخية، ولم أدر أفي يقظة أنا أم في منام! ودعوت للرجل بطول العمر.

ولم أجد مكاناً أميناً أخبّئ فيه المبلغ، ثم قررت أن أودعه طيّات عمامتي، كما يفعل الفقراء أمثالي. وأخذت عشرة دنانير لأشتري طعام العشاء، وربطت الدنانير الباقية في قطعة من الكتان كنت ألف بها عمامتي

مشيت في طريقي إلى البيت أحمل ما اشتريته من لحم، وبعد خطوات قليلة هجم عليّ بازيٌّ كبير الحجم، يحاول خطف ما في يدي من طعام، فتشبثت بما أحمل، وحلّق البازيّ فوق رأسي، وزلّت قدماي فكدت أسقط، ووقعت عمامتي على الأرض، فأسرع البازي إليها وخطفها وطار بها في الفضاء. صرخت واستغثت، فتجمّع حولي المارة وحاولوا مساعدتي، ولكن البازي استمر في طيرانه، وترك في قلبي حسرة كبيرة.

تبدّدت أحلامي، وانهارت آمالي في الغنى. واشتريت عمامة أخرى وخيطا أفتل منه الحبال. وحرت فيما سأقوله لسعيد إذا ما سألني عما صنعت بماله. وبعد أيام كنت قد أنفقت الدنانير العشرة، وكان الجميع يسخر مني ولا يصدقني إذا سمع قصتي.

بعد ستة أشهر، مرّ سعيد وسعد بالحي الذي أقطنه، وتوقّع سعيد أن يكون حالي قد تغيّر وصرت في حالة من النعيم . فقال سعد لسعيد: إن صاحبك على حاله من الفقر كما تركناه منذ نصف عام. لعلّك تتبيّن أني كنت على صواب حين قررت أن المال ليس كل شيء في الحياة، وأنه ليس الطريق المضمون لبلوغ الثروة. وأقبل علي سعد يسألني: كيف أنت؟ وكيف عجزت الدنانير المائتان عن تغيير حياتك؟

فقصصت عليهما قصة البازي وكيف خطف عمامتي وما بها من ثروة.

لم يقتنع سعيد بما سمع، واتهمني بتبديد المال وبعثرته بلا حساب، فتألمت لأني لم أقنعه بصدق ما أقول. ولكني كنت واثقا بأنه لا يقصد بهذا اللوم الجارح إلا إصلاحي، ولولا ذلك لما فكّر في مساعدتي.

أقبل سعد على صاحبه يحدّثه بما يعرفه من عجائب الطرف عن أخلاق البازيّ حتى زال ما علق بنفسه من الشك. فأخرج سعيد من بين ثيابه كيسا آخر به مائتا دينار، وقدّمه لي راجياً أن أحقق به الثروة بما لي من عقل ومثابرة، وانصرف قبل أن يسمع ثنائي عليه.

حرصت على وضع هذه الثروة في مكان أمين يصونها من الضياع. أسرعت إلى بيتي وأخرجت من الكيس عشرة دنانير ولففت الباقي بقطعة قماش، وبحثت عن مكان أمين أضعها فيه، فلم أجد في بيتي غير إناء قديم من الفخار في ركن حجرتي، فوضعتها في تلك الجرة، وكانت زوجتي حينئذ خارج المنزل، فلم أنتظر عودتها، ولم أتمهّل لأخبرها بما ظفرت به من ثروة طائلة، وخرجت مسرعا لأشتري بعض ما أحتاج إليه.

عادت زوجتي إلى الدار في أثناء غيبتي، ولم تكن تعرف شيئا عن قصتي. ومر بالبيت تاجر جوال من تجار الكحل، فاستدعته زوجتي واشترت منه بعض الكحل، ولم تجد في بيتها درهما تشتري به الكحل، ولم تجد أمامها إلا الجرة القديمة ثمنا لما أخذته منه. ولما عدت إلى البيت نظرت إلى ركن الحجرة، فلم أر أثراً للجرة.

عجزتُ عن الكلام يا أمير المؤمنين، ولمّا أخبرتني زوجتي بقصتها مع بائع الكحل تأكدت من وقوع ما كنت أخشاه.

دهشت زوجتي مما رأته على أسارير وجهي من الجزع وسألتني عمّا روّعني، فلما أخبرتها، اشتد بها الجزع، وبكت نادبة حظها حسرة على ثروة لم تكد تظفر بها حتى أضاعتها.

خفّفت من حزنها إذ خشيت أن تفقد عقلها أو حياتها، وقلت لها: هكذا أراد الله سبحانه وتعالى، وليس أمامنا إلا أن نصبر ونسلّم أمرنا إلى الله. ولعلّه يعوضنا عن هذه الخسارة الفادحة خيرا عميما. وقلت لها: الصبر مفتاح الفرج، ونحن والحمد لله نتمتع بصحة جيدة، ولا ينقصنا شيء من ضرورات الحياة. ولكني مع ذلك كنت أشعر بالارتباك والحيرة كلما تمثلت سعيداً وسعداً قادمين ليسألاني عمّا صنعته بالهبة الثانية، وكيف أضعتها؟

وتخيّلت نفسي أمامهما وقد زاد شكّهما فيّ، فليس من السهل أن يصدّقا أن المصادفة السيئة وحدها كانت السبب في إضاعة الثروة.

طالت غيبة الصديقين عنّي حتى إني فكرت أنهما سافرا إلى غير عودة، وتبينت فيما بعد أن سعيداً تعمّد ذلك ليتيح لي فرصة واسعة لاستثمار المال وتنمية الثروة.

وكان سعد يشعر أن كل محاولة يبذلها صاحبه للنهوض بي من الفقر إلى الغنى لن تكلل بالنجاح. فقد كان يرى أن النجاح لا يتم إلا إذا تهيأت له الوسيلة وصحبه التوفيق، فإذا أعدّ الإنسان للأمر عدته، ونسي أن يستعين بالله على النجاح، عرض له من المفاجئات ما يعوقه عن غايته، وهو أقرب ما يكون إلى بلوغها والظفر بها.

لقد وقع ما تخيّله سعد. فقد كان يحسن الفراسة، ولم يشك أن الله سبحانه قد أعدّ لي من المفاجئات السارة أضعاف ما أعدّه لي من المفاجئات المحزنة، وأن الله لن يبدّل عسري يسرا إلا بعد أن ييأس صاحبه من قدرة المال على إسعادي.... وحققت الأيام صدق فراسته.

وذات صباح، أقبل الصديقان بعد مرور زمن طويل على زيارتهما الثانية. وما كدت أراهما حتى هممت بالفرار منهما. تقدّم سعد منّي وحيّاني، ودهش لأنه وجد حالي كما تركني. نكست رأسي خزياً وخجلا، وقصصت عليهما ما حدث لي في المرة الثانية. وأخبرتهما أن الجرة بقيت كما هي في مكانها من الدار منذ وضعها جدي الأكبر، وورثتها عن أبي، كما ورثها جدي عن أبيه ولم يزحزحها أحد من مكانها. فما بال زوجتي لم يخطر لها أن تستبدل بتلك الجرة شيئا من بائع الكحل قبل اليوم؟ وما بال حظنا التاعس يأبى إلا أن يذهب بما نالنا من ثروة طائلة بمصادفة غريبة.

وشكرت لسعيد ما قدمه الي من جميل ومعونة مرتين. فقال سعيد: سأحاول أن أقنع نفسي بصدق ما حدّثتني به، ولامني على إضاعة فرصة الاستفادة من المال. ثم قال لصاحبه: " لقد عرفت الآن أن المال عاجز عن النهوض بهذا الرجل من بؤسه إلى الغنى مهما نبذل، وقد جربت مساعدته ولم أنجح. فجرّب أنت." فقال سعد: كنت مسرفا في التفاؤل في البداية، وأنت الآن تسرف في اليأس، والاعتدال خير من الغلو. ولعل تجربتي يكتب لها النجاح."

ثم قدم لي سعد قطعة صغيرة من الرصاص، وقال:" ليس لقطعة الرصاص هذه قيمة مادية، ولكن لعلها تنفعك ذات يوم، وتذكرك بما أبديت من صبر واحتمال لقضاء الله وقدره، وأنا واثق أن الله سيجزيك على صبرك، فينقلب عسرك يسرا. ولا تنس أن الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك."

وضعت قطعة الرصاص في جيبي وشكرته. ثم عدت إلى عملي بإخلاص وصبر.

ولمّا عدت إلى البيت، وضعت قطعة الرصاص على الرف. وعند الفجر، دق الباب، فإذا بسلمى زوجة جارنا خالد الصياد تطلب قطعة رصاص ليثبّت بها زوجها شبكة الصيد. واعتذرت لإزعاجنا في ذلك الوقت المبكر، فالسوق لا تزال مغلقة، ولم تجد طلبها عند أي من الجيران. فهوّنت عليها ما تكابده من خجل، وأعطيتها قطعة الرصاص، ووعدتني بأن تهبني كل ما تخرجه الشبكة من البحر كثيراً كان أم قليلاً.

أسرع خالد إلى البحر، وصاد سمكة كبيرة جداً، ثم صاد كثيراً غيرها، وزيّن له الشيطان أن يستأثر بالسمكة الكبيرة وأعطاني سمكة مما اصطاده في المرات التالية. فشكرت له هديته. وقامت زوجتي تنظف السمكة، فعثرت في جوفها على جوهرة ثمينة حسبتها قطعة من الزجاج، وكانت تنوي أن تقذف بها خارج الدار. ولها عذرها. فهي لم تر شيئا من الأحجار الكريمة طول عمرها. ولو كانت زوجة الصياد وفت بوعدها لكانت الجوهرة من نصيبها ونصيب زوجها.

فرح أولادنا بالجوهرة، وصاروا يتقاذفونها كالكرة، وعلت أصواتهم. كل يريد أن تكون له. فلما استفسرت عن سبب تهافتهم على تلك الزجاجة قالوا لي: إنها تشع في الظلام ويمكن أن تضيء الحجرة.

وكان لنا جار من الصاغة تشرف حجرة نومه على دارنا، وقد أزعجه وزوجته ضجيج أولادي الذي حرمهما النوم. فجاءت الجارة تخبر زوجتي بما عانته وزوجها، فاعتذرت لها زوجتي، وقصت عليها قصة الزجاجة التي عثرت عليها في جوف السمكة.

أخبرتها زوجة الصياد أنها من زمن بعيد وهي تبحث عن زجاجة مثلها، وحاولت أن تشتريها منها فرفض الأولاد. وطلبت الجارة من زوجتي ألا تطلع أحداً على الزجاجة، ووعدتها بأن تشتريها بثمن يرضيها.

أخبرت زوجة الصائغ زوجها بما رأت، فطلب إليها أن تعود لشراء الجوهرة ورسم لها خطة: أوصاها أن تعرض علينا أول الأمر ثمنا قليلا حتى لا نفطن إلى قيمة الجوهرة، فإذا لم نقتنع ضاعفت الثمن، حتى نرضى. ولكن زوجتي تعلمت درسا من بيع الجرة القديمة لبائع الكحل دون إذن مني، فاعتذرت إلى حين استئذاني.

عند الظهر، جاءت الجارة وعرضت علي عشرين ديناراً ذهباً ثمنا للجوهرة. فسكتّ. فظنّت أن الثمن لم يعجبني، فعرضت خمسين ديناراً، ثم مائة دينار ولكني طلبت مائة ألف، وعرضت هي خمسين ألفاً. رفضت. فطلبت أن تستشير زوجها.

جاءني الزوج في المساء وطلب أن أطلعه على الجوهرة، وتفحّصها في روية، ولم يكتم فرحه برؤيتها، وأثنى عليها، وعرض مبلغ سبعين ألف دينار، ولكني أصررت على مائة ألف ...

استمهلني الصائغ إلى اليوم التالي ريثما يجمع ثمنها، ودفع ألفي دينار عربونا. وفي الغد أحضر بقية الثمن.

كنت أتمنى أن أهتدي إلى قصر سعد لأشكره، ولأشكر لسعيد أيضا ما بذله لي من مال. وكان فرح زوجتي لا يقل عن فرحي.

طلبت زوجتي أن أشتري لها ملابس وحلي. فقلت لها: " الأفضل أن نحتفظ برأس المال فلا نقصر في وضع أساس البناء والبدء بإنشاء ما يدر علينا الربح من العمل المثمر الناجح. ولا تنسي أن المال معرّض للنفاد إن لم نحسن تدبيره، وسأضع نصب عيني الحكمة القائلة: من اشترى ما لا يحتاج إليه، باع ما يحتاج إليه."

أحضرت عمالا لصنع أنواع مختلفة من الحبال، وعمالا آخرين لأعمال أخرى، فاتسعت تجارتي، وصار الجميع يستمد بضاعته مني، فزاد دخلي، فاشتريت أرضا فسيحة أنشأت فيها مخزنا كبيرا وبنيت بالقرب منه قصراً فاخراً وحوله حديقة غنّاء.

كنت أتذكر سعيدا وسعدا على الدوام. وقد اشتاقا هما إلى معرفة الجديد من أخباري، فبحثا عني في الحي حيث كنت أقطن، فلما علما أني في بغداد أسرعا إلي. وكان سعيد يعتقد أن دنانيره الأربعمائة هي سبب سعادتي وغناي، وقال لسعد: لقد حاول بدر الدين أن يكذب علينا وحسب أننا صدّقناه في قصتيه عن ضياع المال الذي أعطيته له."

فقال سعد: ألا يمكن أن تكون قطعة الرصاص مصدر الثروة؟ لماذا تسقط الحظ من حسابك؟

طرقا باب القصر، فأدخلهما البواب حجرة الاستقبال، وفرحت بلقائهما، ولم أدر كيف أثني عليهما جزاء ما أسديا إلي من فضل.

شكرتهما لمحاولتهما رفعي من قعر الفقر إلى ذروة الغنى. وذكرتهما بحكمة طالما تمثّل بها أبي وهي: إذا أراد الله أمراً هيأ له أسبابه."

وطلب سعيد إليّ أن أخبره لماذا ضللته مرتين، ولماذا حرصت على كتمان سري.. فردّ عليه سعد أن يستمع إلى ما سأخبرهما به.

فقلت: إني أعلم أن حديثي غريب، وأن ما في قصتي من الأعاجيب التي لا تخطر بالبال جديرة أن تشكّك سامعها لأول وهلة، فإذا فكّر فيها، أدرك صدق ما سمع!" وقصصت عليهما قصتي كلها ولم أغفل شيئا مما وقع لي.

فقال سعيد والدهشة مستولية عليه:"إن قصة سمكة جارك والجوهرة... تذكرنا بقصة عمامتك وجرّتك ..." ثم قال: أنت تؤمن أن قصتك فاسدة وباطلة. وما جئت إلا لأهنئك بما صرت إليه من عظيم الثراء." وحاول أن يتعجّل سعدا بالانصراف.

دعوتهما إلى بيتي الجديد في الريف، فقبلا الضيافة. وهناك أطلعتهما على حجرات البيت وما فيها من نفائس وتحف وآثار. فكررا التهاني... وكررت القول بأنهما مصدر الثروة وبعد العشاء صدحت الموسيقى وسعدنا معا كأننا أصدقاء.

وفي اليوم التالي، تنقلنا بين الحدائق والمروج، ثم وصلنا إلى القصر، وجلسنا في الحديقة في حجرة صغيرة مفتّحة الجوانب. وجاء اثنان من أولادي إلى القصر، وأبصرا عشاً كبيراً في رأس شجرة عالية، فأمرا أحد الخدم أن يأتي بالعش الذي في أعلاها.

وأدهشهما أن العش مؤلف من عمامة. وكانت دهشتنا كبيرة... إذ كان العش يتألف من عمامتي التي خطفها البازي. وفتحتها فوجدت فيها الدنانير وعددها مائة وتسعون دينارا.

فقال سعد لسعيد: " لقد عشت طوال عمرك تؤمن بسلطان المال، فهل أدركت الآن أن المال والعقل لا يصنعان الأعاجيب إلا إذا صاحبهما التوفيق؟"

تغدّينا واسترحنا. وبعد الظهر ركبنا ثلاثة من الخيل عائدين إلى بغداد. ونسي السائس أن يعد الغداء لجيادنا. فحاول شراء شيء من الشعير للخيل. وبحث عنه في الأحياء المجاورة، واشترى جرة من الفخار مملوءة شعيرا. ولكنه بعد أن أفرغ كل ما فيها من شعير، فوجئ بأن الجرة لا تزال ثقيلة.

رأى السائس في داخل الجرة صرة من الكتان مثبتة في قاعها، وقدمها إلي. فلم أكد أصدق عيني، ولم أدر أحالم أنا أم يقظان؟ وقلت: " لقد أعدّ لي الحظ السعيد في عالم الحقيقة ما لا يكاد يحصل مثله في عالم الخيال. فالحمد لله أن هيأ لكما فرصة لا نظير لها ليطلعكما على الحقيقة قبل أن تبرحا الدار حتى لا يبقى لديكما أدنى شك في صدق ما أقول." وفككت خيوط الكتان وعددت ما تحويه الصرة من الدنانير فإذا هي مائة وتسعون دينارا.

قال سعيد لصاحبه : " الآن آمنت بكل ما قلته لي، وأدركت أن المال ليس وحده صانع الأعاجيب، وأن الحظ قبل المال هو الجدير بأن يطلق عليه صانع الأعاجيب."

رجوت سعيداً أن يتفضل مشكوراً بقبول دنانيره بعد أن ردها الله إليه، فأبى أن يسترد هديته.

وقضينا ليلة هانئة. وفي صباح اليوم التالي ودّعني الصديقان بعد أن توثقت بيننا أواصر الصداقة والمحبة.

ولا أزال أزورهما أعترافا بالجميل.

وهنا قال الخليفة: "ما أجدرك بشكر الله على ما وهبك من حظ سعيد. صحيح أن للحظ أثراً كبيراً في تقرير مصائر الناس، ولكن لا تنس أن العقل أكبر المغانم، وأعظم المواهب، وأن من أوتي العقل أوتي خيرا كثيرا. وبالعقل يخدمك المال، وبه يتيسر لك الحظ المنشود، وتتم لك الآمال." وأضاف: "إن قصتك المملوءة بالأعاجيب يضيف إليها حظك السعيد أعجوبة أخرى. إن تلك الجوهرة التي بدلت عيشك من الشقاء إلى الهناء قد ساقها القدر إلي، وجعلها من نصيبي. فقد باعها إلي جارك الصائغ بضعف ما أعطاك من ثمن. ويسرني أن تدعو صاحبيك غدا إلى قصري ليسمعا نهاية القصة.

وقد أمرت أن تكتب قصتك مفصّلة الوقائع كما حدّثتني بها لتوضع مع الجوهرة في خزانة النفائس. فكلتاهما مثال نادر الشبه لا يجود بمثله الزمان" .

بلال نعيم
08-05-2009, 12:05 PM
عاقبة المكر

زعموا أن رجلين اشتركا في تجارة، وكان سامي مكّارا. وسافرا معا ذات يوم. وبينما كانا في الطريق تخلّف ماهر ليقضي بعض أموره، فوجد كيسا فيه ألف دينار فأخذه. فأحسّ به سامي. ورجعا إلى بلدهما. ولما اقتربا من المدينة، قعدا لاقتسام المال فقال ماهر: خذ نصفه وأعطني نصفه. وكان سامي قد قرر في نفسه أن يأخذ الدنانير كلها، فقال لماهر: لا نقتسم، لكن نتقاسم بعضاً منها وندفن الباقي عند جذور هذه الشجرة، فهو مكان أمين. وإذا احتجنا أنا وأنت نأخذ حاجتنا منه، ولا يعلم بموضعه أحد.

أخذ كل منهما مبلغاً قليلاً ودفنا الباقي عند جذر الشجرة. ودخلا البلد. ثم إن سامي تسلل إلى الدنانير فأخذها وسوّى الأرض كما كانت. وجاء ماهر بعد ذلك بأشهر فقال لسامي: قد احتجت إلى مال، فتعال معي لنأخذ حاجتنا. فقام معه سامي، وذهبا إلى المكان، فحفرا فلم يجدا شيئا، فصار ماهر يبكي ويضرب وجهه ويقول: " لقد سبقتني إلى الدنانير فأخذتها ." فجعل سامي يحلف ويلعن آخذها. وماهر يزداد بكاؤه وقال: ما أخذها غيرك!

ترافعا إلى القاضي، وقصّا عليه قصتهما، فادّعى سامي أن ماهراً أخذها، وأنكر ماهر ذلك. فسأل القاضي سامياً: هل لك على نكرانك دليل؟

قال: نعم: الشجرة التي كانت الدنانير عندها تشهد لي أن المغفل أخذها. وكان سامي قد أمر أباه أن يذهب فتوارى في جوف الشجرة، بحيث إذا سئلت أجاب. فذهب أبو سامي ودخل واختبأ في جوف الشجرة.

ولمّا سمع القاضي ذلك من سامي، نظر إليه بتقدير، وانطلق هو وأصحابه وسامي وماهر معه، حتى وصلوا إلى مكان الشجرة. فسألها القاضي عن الخبر، فقال الشيخ من جوفها: نعم، ماهر أخذها.

اشتدّ تعجّب القاضي، ودعا إلى جمع حطب، وأمر أن تحرق الشجرة، فأشعلت حولها النيران. استغاث أبو سامي عند ذلك، فأخرج وقد أشرف على الهلاك. فسأله القاضي عن القصة، فأخبره بالحقيقة. فضرب سامي وأباه، وحكم بأن تؤخذ الدنانير من سامي وتعطى إلى ماهر.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:06 PM
هدايا فيروز

كان شعبان رجلاً فقيرًا يعيش مع زوجته في قريةٍ تجاور الجبل، عيشةً غايةً في الضِّيق، ولم يكن لهما أولاد. وكان يعمل في البحث عن الملح بين صخور الجبل ويبيعه إلى أهل القرية.
وذات يومٍ، راحت زوجته تملأ علبة الملح من الكيس الذي أحضره، فرأت بين حبّات الملح شيئًا يلمع، فأسرعت لتُريه لزوجها وقالت: أنظر هذا الحجر، إنّه يبدو مثل فُص ألماس الذي في خاتم زوجة رئيس القرية.
فقال زوجها: إذا كانت هذه ماسة حقيقيّة، فإنّها تكون كنزًا ثمينًا رَزَقَنا الله به، وسنصبح من الأغنياء.
في تلك اللحظة، طرق الباب طارق. تردّد شعبان في فتح الباب، ثم أخفى الماسة المُتلألئة في جيبه وفتح الباب فوجد امرأةً عجوزًا يبدو عليها المَرض والتّعب. قالت: أعطوني ممّا أعطاكم الله.
أسرع شعبان يقول: ليس عند... وقاطعته زوجته، فتوقّفت الكلمة على شفتيه، إذ تذكّرت الزّوجة الطيبة أنّ الله قد أعطاها كنزًا منذ لحظاتٍ! وتحيّر شعبان كيف يعطي المرأة ممّا أعطاه الله وقطعة الماس لا تتجزّأ. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story72.gif
أنقذته زوجته من حيرته وقالت للعجوز: تفضّلي يا خالة، لقد أعطانا الله خيرًا، لكنّنا لا نعرف كيف نعطيك منه الآن.
وفجأةً، استقامَت المرأة العجوز، وزال كثير من تجاعيد وجهها، وابتسمت وقالت: أنا وضعتُ الحجر الثّمين في كيس الملح، لأنّكما أبديتما استعدادًا ليُشارككما الآخرون في ما أعطاكما الله، فسيرزقكما الله بالمولود الذي تشتاقان إليه.
وقبل أن ينطق شعبان وزوجته بكلمةٍ كانت المرأة الغريبة قد اختفت!
تحقّق كلام العجوز ورَزَق الله شعبان وزوجته بنتًا جميلةً ذكيّةً سمّياها "فيروز". وكلّما كبرَت ازداد جمالها وذكاؤها.
اتّفق شعبان وزوجته أن يحتفظا بالحجر الثمين إلى حين تكبر فيروز ويحين ميعاد زواجها.
وظلّ شعبان يعمل في البحث عن الملح. وانقضت عدّة أيامٍ من دون أن يعثر على شيءٍ منه، فقالت فيروز لوالدها، وقد أصبحت فتاةً باهرة الجمال: أود أن أخرج معك للبحث عن الملح يا أبي. فقال والدها: إنّني أسير مسافاتٍ طويلةً في الجبل وستتعبين وتلفحك الشّمس بِحَرّها. فقالت: لن أتركك تعمل وحدك من أجلنا. وخرجت معه.
وفي ذلك اليوم، وجدا شِقًا كبيرًا في الجبل مملوءًا بكمياتٍ كبيرةٍ من الملح، فملأ شعبان كيسه وبدأ رحلة العودة إلى البيت قبل أن ينتصف النهار.
وفيما هُما يسيران، أوقفهما فجأةً رجل وبجواره كلب ضخم، وصاح قائلاً: قِفَا!
فوقفا.
تقدّم الغريب من شعبان وبيده سيف وقال له: عليك أن تختار... إمّا أن تزوّجني ابنتك، وإمّا أن تزوّجها لهذا الكلب.
قال شعبان في دهشةٍ شديدةٍ: وهل من المعقول أن أزوّج ابنتي لهذا الكلب؟
قال الرّجل الغريب: إنّه ليس كلبًا، إنّه أمير وأنا تابعه!
قال شعبان وهو يراقب السّيف الموجّه إليه: وإذا وافقتُ على زواجها من الكلب ثم أردتُ أن أراها، فكيف أراها؟ وما إن قال شعبان هذه الجملة حتى وقف الكلب على رجليه الخلفيّتين وشيئًا فشيئًا تحوّل إلى أميرٍ وسيمٍ رشيقٍ، وقال لشعبان: أنتَ إذن لا تعترض على زواجي من ابنتك؟
قال شعبان: هي ابنتنا الوحيدة وستحزن أمّها كثيرًا إذا ابتعدَت عنها. فقال الأمير: إذا لم أتزوّج ابنتك سأصبح حيوانًا مرةً أخرى.
وهنا تدخّلت فيروز وقالت لأبيها: حرام أن نتركه يا أبي يعود إلى الصّورة التي شاهدناه عليها منذ لحظاتٍ. ففهم والدها أنّها توافق على الزّواج منه، فوافق هو أيضًا.
وفورًا انشقّ الجبل بجوارهم، ودخلوا فيه كلّهم، ووجد شعبان نفسه في مدينةٍ كبيرةٍ كلّها مبنية من البلّور الثمين. وتمّ الزفاف في احتفالٍ كبيرٍ.
وبعد الزفاف، سأل شعبان زوج ابنته: كيف أستطيع أن أرى ابنتي عندما أودّ زيارتها؟
فأعطاه الأمير قطعةً من جريد النّخل وقال له: عندما تحبّ أن ترى ابنتك، اضرب الأرض عن يمينك بهذه الجريدة، ثم اضربها عن يسارك ضربةً أخرى، عندئذٍ ترى ابنتك.
وما إن أمسك شعبان قطعة الجريد بين يديه، حتّى وجد نفسه بجوار الجبل، في المكان الذي قابل فيه الأمير وتابعه.
عاد شعبان إلى بيته. وما إن رأته زوجته عائدًا وحده حتى صرخت: أين ابنتي؟ أين تركتها؟ ابنتي حبيبتي.. ماذا حدث لها؟
قال شعبان: لقد تزوّجت ابنتك رجلاً عظيمًا. تعالي معي لرؤيتها.
ضرب شعبان الأرض بقطعة الجريد عن يمينه وعن يساره فانشقّت الأرض، وظهر سلّمٌ طويلٌ نزلا عليه ووصلا إلى مدينة البلّور.
فَرِحَت فيروز بزيارة أمّها، ورأت الأم أن عند ابنتها كل ما كانت تحلم به: حليّ غالية وملابس كثيرة متنوعة وقصر عظيم.
زار الأب وحده فيروز فقالت له: ليس من العدل يا أبي أن أعيش في كل هذا النعيم وأتمتّع بالراحة والسعادة وتعيش أنتَ وأمي في فُقرٍ وتعبٍ. فأخبرها أنّه بعد عودته سيبيع الماسة الثّمينة وسيعيش مع أمها في هناءٍ وسعادةٍ.
فقالت له فيروز: اذهب إلى زوجي واطلب منه الجحش الصّغير وقُل له: زوجتك فيروز تطلب إليك ذلك.
وبغير تردّدٍ أعطاه الأمير الجحش الذي طلبته فيروز. فلمّا عاد إلى ابنته قالت له: إنّه جحش صغير لا يصلح للركوب، لكنه يساوي وزنه ذهبًا. فما عليك إلاّ أن تضع تحت فمه صندوقًا ثم تقول: أسمعنا صوتك الجميل. ومع أن صوته لن يكون جميلاً، إلاّ أنّ قطع الذّهب ستتساقط من فمه حتّى تملأ الصّندوق.
أوّل ما عمله شعبان هو الذّهاب إلى صاحب فندقٍ في قريةٍ مجاورةٍ ليردّ له مبلغًا كبيرًا من المال كان قد اقترضه منه. وأخبر صاحب الفندق أنّه سيردّ إليه المال وطلب غرفةً يستريح فيها. والحقيقة أنّه أراد أن يقيم في مكانٍ لا يراه فيه أحد.
دُهِشَ صاحب الفندق من هذا الطلب، لأنّه يعرف أنّ شعبان فقير لا يستطيع دفع أجر المَبيت في غرفةٍ، وهو أفقر من أن يتمكّن من سداد ديونه كلّها دفعةً واحدةً. وسأله: هل ستأخذ هذا الحيوان معك إلى الغرفة؟ فقال شعبان: إنّه صغير جدًا وسأحتفظ به معي.
قال صاحب الفندق لنفسه: يجب أن أعرف سرّ هذه الثروة التي هبطت فجأةً على شعبان. وتسلّل وأخذ ينظرُ من ثقبٍ بالباب، فشاهد شعبان يضع صندوقًا تحت فم الجحش ويقول له: أسمعنا صوتك الجميل. وسرعان ما شاهد الصندوق يمتلئُ بقطع الذّهب التي تساقطت مع نهيق الجحش.
كاد صاحب الفندق يجنّ من الدّهشة، لكنّه تمالك نفسه، واعتزم أن يستولي على هذا الجحش. وأسرع يبحث في القرية حتى وجد جحشًا حديث الولادة، فأخذه وعاد به إلى الفندق، وانتهز فرصة دخول شعبان إلى الحمّام وقد ترك جحشه في الغرفة، فأسرع وأخذ الجحش العجيب ووضع مكانه الجحش الآخر.
سدّد شعبان دَينه لصاحب الفندق، وعاد إلى بيته، ونادى زوجته وقال لها: لقد انتهى عهد الفقر. أنظري إلى فم هذا الجحش الصغير. تطلّعت الزّوجة إلى زوجها في دهشةٍ واستنكار، وهو يمسح على رأس الجحش ويقول: أسمِعنا صوتك الجميل. لكن فم الجحش بقي مُغلقًا، ولم تتساقط منه القطع الذّهبية. وظنّت الزّوجة أن زوجها فقد عقله، بينما اشتدّت حيرة شعبان، وأدرك أن جحشه العجيب قد سُرِق منه. فعاد يضرب الأرض بقطعة الجريد ليزور ابنته فيروز.
دُهِشَت فيروز عندما رأت علامات الحزن على وجه والدها. ولما قصّ عليها ما حدث، قالت له: لا شكّ في أن هناك مَن استبدل جحشًا آخر بالجحش الذي أعطاه لك الأمير. على كلّ حال، اذهب إلى زوجي الأمير وقُل له إنّني أطلب إليه أن يعطيك مطحنة القمح الصغيرة.
قال شعبان: وماذا أفعل بمطحنة قمحٍ صغيرةٍ؟ لسنا بحاجةٍ إلى مطحنةٍ فلدينا واحدة. فأصرّت فيروز على أن يطلب المطحنة ففعل. فوضعها شعبان في جيبه، وأخبرته ابنته أن المطحنة ستعطيه كلّ ما يتمنى من أصناف الطعام.
أخذ المطحنة وذهب إلى الفندق ليستريح وليسأل عن الجحش العجيب، وفي الطريق استراح مرّات وكانت المطحنة تقدّم له أشهى المأكولات.
وصل شعبان الفندق ولم يخطر بباله أن صاحب الفندق هو الذي استولى على جحشه، وأراد أن يجعل صاحب الفندق يساعده في البحث عن جحشه الغالي، فدعاه إلى غداءٍ فاخرٍ، كان يريد أن يحدثه في أمرٍ مُهمٍ ودخل غرفته ليستريح.
أمّا صاحب الفندق فتساءل: مِن أين يأتي شعبان بالمال بعد أن أخذتُ جحشه العجيب؟ وأسرع يتجسّس على شعبان من ثقب الباب، فرآه يدير المطحنة الصغيرة والمطحنة تقدّم له أنواعًا مُختلفةً من الطعام. ذهب فورًا إلى بائع الطواحين وفرح كثيرًا عندما عثر عنده على مطحنةٍ صغيرةٍ تُشبه مطحنة شعبان، وكان البائع قد أعدّها ليلعب بها ابنه الصغير، فاشتراها منه وعاد إلى فندقه.
تغدّى شعبان وصاحب الفندق. وبعد الغداء غافل الرجل شعبان ووضع له في كوب شرابه مسحوقًا مُخدّرًا، وأثناء نوم شعبان أخذ صاحب الفندق المطحنة الصغيرة في جيبه ووضع مكانها المطحنة التي اشتراها من بائع الطّواحين.
استيقظ شعبان وسأل كثيرًا عن جحشه ولم يجد مَن يدلّه عليه. وعاد إلى منزله وقال لزوجته: سندعو كلّ أصدقائنا وجيراننا إلى وليمةٍ حافلةٍ. حاولت الزوجة أن تعترض، لكنّ زوجها أصرّ على تنفيذ اقتراحه، وهو واثق أنّه سيقدّم لهم طعامًا لم يأكلوا مثله في حياتهم.
وقبل حضور المدعوين، وضع شعبان المطحنة في وسط الدار وأدارها. وكانت صدمته كبيرة عندما لم تقدّم المطحنة أيّ شيءٍ. وأدرك أنّ هناك مَن استبدل هذه المطحنة بمطحنته العجيبة عندما كان نائمًا في الفندق.
بدأ الجيران والأصدقاء يتوافدون إلى المنزل وشعبان يحسّ بالحرج والخجل. لذلك أسرع يستعمل جريدة النّخل، وضرب بها الأرض يمينًا وشمالاً ليذهب إلى ابنته فيروز. وحكى لها قصّته فقالت له: أعتقد أن صاحب الفندق يعرف مكان الجحش العجيب والمطحنة السّحرية، لذلك إذهب إلى زوجي الأمير وقُل له: زوجتك فيروز ترجو منكَ أن تعطيَني العصا المُطيعة.
قال شعبان: وبماذا تفيدني العصا التي تقولين عنها؟
قالت فيروز: لن تخسر شيئًا إذا أخذتَ تلك العصا.
استجاب الزوج فورًا لطلب الأب، وأعطاه العصا داخل صندوقٍ جميلٍ من الخشب الثّمين الأسود اللاّمع.
عاد الأب إلى ابنته فيروز، وفتح الصندوق وتأمّل العصا، ثم قال لإبنته: لستُ في حاجةٍ إلى هذه العصا، فهي لا تختلف عن غيرها، والصّندوق يصلح لأن أضع فيه شيئًا أثمن من العصا.
قالت فيروز: لماذا تحكم على الأشياء من ناحية الشّكل يا أبي؟ هذه عصا تطيع صاحبها، فإذا ظَلَمك شخص أو أصبح قاسيًا عليك فانظر إلى الصندوق وقُل للعصا: أخرجي من فراشك، فإنّها سرعان ما تقفز مِن الصّندوق وتتّجه نحو الظالم، وتنهال عليه ضربًا، ولن تكفّ عن الضّرب إلاّ إذا صحتَ بها قائلاً: عودي إلى نومك يا عصا، فإنّها تكف عن الضرب وترجع إلى الصّندوق.
شَكَر شعبان ابنته على هديتها المُفيدة، وقفل الصّندوق وانطلق فورًا إلى الفندق الذي فَقَد فيه الجحش والمطحنة السّحرية.
ما إن وصل شعبان حتّى قال صاحب الفندق لنفسه: سأدعوه أنا إلى العشاء الليلة لأعرف ماذا يحمل هذه المرّة، فقد تكون معه أداة سحرية جديدة.
قصّ شعبان على صاحب الفندق قصصًا كثيرةً أثناء العشاء ثم قال له: هل تعلم أنّ هناك جحشًا ينهقُ ذهبًا، ومطحنةً تُقدّم طعامًا عندما تديرها؟ لقد سمعتُ عن هذه الأشياء، وهي أشياء مُدهشةٌ حقًا، لكنّها لا تساوي قيمة ما أحمله في هذا الصندوق.. إنّ في هذا الصندوق شيئًا لا يعادله شيءٌ في قيمته وفائدته.
وعندما سمع صاحب الفندق حديث شعبان فكّر في ما يوجد في الصّندوق. وقال لا بد أن أحصل على هذا الصّندوق بأيّة وسيلةٍ.
نام شعبان تلك الليلة في الفندق، ووضع الصّندوق تحت رأسه وأغمض عينيه وتظاهر بالنّوم العميق. وبعد فترةٍ تسلّل صاحب الفندق إلى الغرفة، ثم اقترب من الفراش وأمسك بالصّندوق ليأخذه. لكن شعبان لم يكن نائمًا، بل كان ينتظر مجيء السّارق،‍ وما إن وضع الرجل يده على الصندوق حتى قفز شعبان صائحًا: "أخرجي يا عصا من فراشك".
وفي الحال انطلقت العصا المُطيعة من الصندوق وانهالت على صاحب الفندق ضربًا على رأسه وظهره وذراعيه ويديه. فخرج من الغرفة يصرخُ مُستغيثًا. لكنّ العصا كانت تتعقّبه حيثما ذهب وتضربه بغير شفقةٍ ولا رحمةٍ، وشعبان يتبعهما ويراقب ما يحدث.
رجا صاحب الفندق شعبان أن تكفّ العصا عن ضربه، وكاد يموت من الألم، فقال شعبان: أعطني الجحش الذي يتساقط الذّهب من فمه، والمطحنة التي تقدّم الطعام، وإلاّ فلن تكفّ العصا عن ضربك.
ازدادت آلام الرّجل، وكلّما حاول شخص أن يبعد العصا عنه نالته من العصا ضربة قويّة تبعده. وأخيرًا اضطرّ صاحب الفندق إلى أن يقول لشعبان، وقد استلقى على الأرض مُستسلمًا بعد أن أصبحت آلامه لا تُطاق: سأردّ لك كلّ شيءٍ. دع العصا تكفّ عن ضربي.
لكن شعبان لم يأمر العصا بالكف عن ضربه إلاّ بعد أن استعاد المطحنة والجحش.
في اليوم التالي، عاد شعبان إلى زوجته ودعا جيرانه وأصدقاءه إلى داره، وقدّم لهم طعامًا شهيًا لم يسبق أن أكلوا مثله. ثم أخذ الجحش إلى غرفةٍ بعيدةٍ في الدار، ووضع صندوقًا تحت فمه وقال له: أسمعنا صوتك الجميل. فأخذ الجحش ينهقُ، وقطع الذهب تتدفّق من فمه. فأخذها شعبان وأعطى كلّ واحد من الحاضرين كميةً كبيرةً من قِطَع الذهب، فانصرفوا شاكرين مُهلّلين فرحاً وهم يقولون: لا شكّ أنّ شعبان قد عثر على كنزٍ كبيرٍ في الجبل أثناء بحثه عن الملح. إنّه حقًا رجلٌ طيّبٌ، يُحبّ أن يشاركه الآخرون في ما أعطاه الله. بارك الله فيه وأسعده كما أسعدَنا!

بلال نعيم
08-05-2009, 12:06 PM
وادي شمس
كان غيلان يذهب كلّ صيفٍ إلى القرية. فما إن ينتهي العام الدّراسي حتى يقصد غيلان الريف الهادئ الجميل ويخرج من ضجيج المدينة. وفي كلّ سنةٍ كان يقضي أيامًا سعيدةً يمرح في السّهول بين الأشجار والجداول، ويسهر في الليل يسمع أجمل الحكايات من جدّته الطيبة.
وكان يساعدها في بعض الأعمال كأن يحمل معها الماء ويُطعم الدّجاجات وينشر الحَبّ للحمام ويرعى البقرة في المروج القريبة. وكان إسم قرية الجَدّة "السعادة". وكان الفلاّحون يعملون بنشاطٍ وفرحٍ، لا يُعكّر صفو حياتهم أيّ شيءٍ.
سأل غيلان جدّته ذات يومٍ: لماذا سُمّيت هذه القرية بـ"السّعادة "؟ هل هناك سبب لهذه التّسمية؟ أم إنّ الأمر عادي ليس فيه سرّ؟
رفعت الجدّة قامتها، فقد كانت مشغولةً بإصلاح القنّ، وقالت: سأجيب عن سؤالك في السّهرة.
في المساء، دعت الجدّة غيلان وبدأت تحدثه: يقولون يا عزيزي غيلان إنّ قريتنا اسمها "السعادة" وإنّها ستظلّ سعيدةً دائمًا لأنّها نشأت منذ البداية على الصّدق والوفاء والتّضحية.. وقد جاء الوقت لأحكي لك قصة التّسمية كما سمعناها عن آبائنا وأجدادنا.
ذات يومٍ كان يعيش في قريتنا رجُلان، أحدهما اسمه صالح وآخر اسمه محمود، ولكلٍ منهما أسرة من عدّة أبناء وبنات. ولم تكن القرية حقيقية بل بقعة من الأرض ليس فيها سوى بَيتين، هُما بيت صالح ومحمود. وقد استصلح كلّ منهما قطعة من الأرض وراحا يزرعانها بجدٍ ونشاطٍ.
وفي إحدى السّنوات، مرض محمود وعجز عن العمل، فقال لصالح: خُذ يا أخي نصف قطعة الأرض وازرعها، واترك النصف الآخر لزوجتي وأبنائي، وتعطينا نصف المحصول الذي تنتجه.
وافق صالح. ولمّا نضج الزرع حصده صالح وأولاده. وفي آخر أيام الحصاد شاهد صالح ثعبانًا كبيرًا دخل في حجرٍ، فحمل مِعوَله وأسرع ليقتل الثعبان. وعندما حفر أكثر، شعر أنّ معوله أصاب جسمًا قاسيًا، فواصل الحفر. وإذا بجرةٍ مطمورةٍ في التراب.
وضع صالح الجرة جانبًا، وظلّ يحفر حتى اهتدى إلى مكان الثعبان. وبعد ضرباتٍ من معوله، تمزّق الثعبان إلى قِطَعٍ.
عاد صالح بعد ذلك إلى الجرّة، وعندما قلبها إذا بليراتٍ ذهبيةٍ تتساقط منها.
أعاد صالح اللّيرات إلى الجرة، وغطّاها جيدًا وحملها إلى البيت.
ولما انتهى صالح من أعمال الحصاد ودراسة السنابل، حمل حصة محمود وتوجّه إليه وأعطاه إيّاها. فشكره وأثنى عليه وعلى أمانته... وأخبره صالح أنّ هناك ما هو أثمن من الحبوب، وأخبره عن الجرة المليئة باللّيرات الذّهبية. فقال محمود: ولكنّك يا صديقي أنتَ عثرتَ عليها، فهي من حقك!
لم يقبل صالح أن يأخذها، فعاد محمود ليقول: خُذ نصفها وأنا آخذ النّصف الآخر.
فقال صالح: الجرّة يا عزيزي، من حقّك وحدك، فأنا لم أتعب في الحصول عليها، إنّما وجدتها مطمورةً في التراب بأَرضِكَ.
طال الجدال بينهما، وأخيرًا قرّرا أن يعيدا الجرّة إلى مكانها في الحقل، ويذهبا إلى الملك ليحكم بينهما.
توجّها إلى المدينة، وطلبا أن يُقابلا الملك، فطردهما الوزير صائحًا: الملك مشغول وليس لديه وقت لحلّ مشاكلكما.
فقال صالح: المسألة مهمّة يا حضرة الوزير، فنحن مُختلفان حول جرّةٍ مليئةٍ بالذهب. وما إن سمع الوزير بالذهب حتى جحظت عيناه، وجرى مُسرعًا إلى الملك. وبعد لحظاتٍ كانا في حضرة الملك الذي قال: سمعتُ أنّكما اختلفتما على جرّةٍ من ذهبٍ، من أين لكما جرّة الذهب؟ لا شكّ أنّكما لصّان.
فقال محمود: لا يا مولاي.. لسنا لصّين. جاري صالح زرع قطعة أرضي، وفي أثناء الحصاد وجد جرّةً مليئةً بالذهب، ويقول إنّها من حقّي، وأنا أقول هي من حقّه. وعرضتُ عليه أن يأخذ نصفها فلم يقبل. لذا جئنا إليك لتحكم في الأمر.
ضحك الملك ضحكةً مدويةً، وقال: المسألة بسيطة وحلّها سهل جدًا. فرح الفلاّحان وشَكَرا الملك الذي أضاف: "الجرّة لي... فأنا الملك، وهذه الكنوز من حقّي وحدي.
صمت الفلاحان ولم يتكلّما.
استفسر الملك منهما عن المكان، وأرسل معهما عددًا من جنوده ليحضروا الجرّة.
وصل الجنود إلى مكان الجرة، وأخرجوها بعد أن أزاحوا عنها التراب، ومدّ أحد الجنود يده إلى الجرة بسرعةٍ، فقد أراد أن يستمتع بمنظر اللّيرات الذهبية، لكنه صاح صيحة ألمٍ قويةً، ثم وقع ميتًا. فلم يكن في الجرة سوى مجموعة من الثعابين. فلم يقترب بقية الجنود من الجرّة.
عاد الجنود إلى الملك وأخبروه بما حدث، وأنّ الرجلين كذبا عليه. غضب الملك وأخذ يصيح بالجُند:
إنّكم لصوص.. تريدون خداع الملك، لقد سرقتم جرّة الذهب وجئتم تقولون إنّ الجرة مليئة بالأفاعي. إنكم قتلتم ذلك الجندي لتغطّوا على سرقتكم! سآمر بإعدامكم فورًا...
فقال أحد الجنود للملك، وهو يرتعش من الخوف: مولاي جلالة الملك، إن كنتَ لا تصدّقنا، فتعال معنا لترى الجرة بنفسك، فهي ما زالت في مكانها.
استغرب الأمر كلّ مِن صالح ومحمود. فبعد أن عاد الجنود تقدّما ونظرا داخل الجرّة، وإذا بها مليئة باللّيرات الذهبية وليس بها ثعبان واحد. وعادا إلى بيتهما.
وبعد ساعاتٍ قليلةٍ حضر الملك وجنوده إلى بيتيّ صالح ومحمود، وسألهما بصوتٍ غاضبٍ: هل صحيح أن الجرّة مليئةٌ بالذّهب؟
قال صالح: نعم يا مولاي!
قال الملك: ولماذا مات الجندي الذي مدّ يده إلى الجرة؟
ردّ محمود: لقد لسعه ثعبان في الجرّة.
سأل الملك: وهل في الجرة ثعابين؟
فردّ صالح: لا يا مولاي. لقد نظرنا داخل الجرّة بعد أن ذهب جنودك فلم نر إلاّ اللّيرات الذهبية.
ولم يستطع الملك أن يفهم ما يقوله الرجلان، فأمر بالتوجه إلى مكان الجرّة.
اقترب الملك من الجرة ونظر إلى داخلها، فإذا بها ممتلئة بالثّعابين. تراجع الملك وصاح: ما هذا؟ ثعابين؟ صحيح ما قاله الجنود.. أنتما كاذبان... أتتجرّآن بالكذب علي؟ سيكون عقابكما عسيرًا.
تقدّم صالح، وإذا بليراتٍ ذهبيةٍ تملأها.. ليس غير.. فحمل الجرّة بهدوء وقال للملك، الذي كان ينظر إليه مدهوشًا لأنّه يحمل جرةً تملأها الثعابين: يا جلالة الملك، أنظر.. ليس في الجرة ثعابين، ليس فيها سوى ليرات ذهبية...
نظر الملك وكاد يُغمَى عليه، إذ شاهد ليرات ذهبية، ومدّ يده وأمسك بليرةٍ ذهبيةٍ وراح ينظر إليها. ثم قال: لا شكّ أن في الأمر سرًا كبيرًا.. علينا أن نستشير أحد الحكماء..
أرسل الملك يطلب كبير الحكماء إلى القصر، فاستمع هذا إلى كلام الملك ثم قال: هل تعطيني الأمان يا مولاي لأقول الحقيقة؟ أجاب الملك: لك الأمان يا كبير الحكماء!
هنا قال كبير الحكماء: إعلم يا مولاي أنّ الجرّة لا تحوي سوى ليراتٍ ذهبيةٍ، ولكن الطمع هو الذي كان يحوّل الذّهب إلى ثعابين. فعندما كنتم تريدون أخذ الجرّة، كانت تمتلئ بالثعابين، وعندما تعود إلى صاحبيها تعود ممتلئةً ذهبًا.
أنصت الملك إلى هذا الكلام وأدرك أنّه لن يستطيع أخذ الجرة لأنّها ستمتلئ عندئذٍ بالثّعابين...
وصرف الملك كبير الحكماء والجُند، ونفسه ما تزال عالقة بالجرة والذهب...
قال صالح لكبير الحكماء: يا سيدي نريد حلاّ، فأنا لا أقبل الجرة، وكذلك صاحبي محمود، أنا أقول إنّها من حقه، وهو يقول إنها من حَقي...
صمت كبير الحكماء برهةً، ثم سأل محمود: هل لك ولد شاب غير متزوّج؟
أجاب محمود: لا يا سيدي، بل عندي فتاة شابة اسمها شمس.
وهنا سأل صالح: وأنت هل لك شاب غير متزوج؟
قال صالح: أجل يا سيدي، اسمه "وادي".
هنا قال الحكيم: الآن يمكنني أن أحلّ المشكلة. يتزوّج "وادي" "شمس"، وبهذا تكون الجرة لإبنيكما.
فرح الفلاحان من قلبيهما لهذا الحل، وقبّل أحدهما الآخر وعادا إلى القرية...
وأقيمت حفلة صغيرة شاركت فيها أسرتا "صالح ومحمود" وبذل الجميع أقصى جهودهم لبناء دارٍ صغيرةٍ سكنها "وادي" مع زوجته " شمس".
وأكملت الجدة حديثها: مرّت سنوات وسنوات... وكانت شمس تعمل في الحقل إلى جانب زوجها "وادي". ورَزَقَهما الله أولادًا وبنات، وظلّ الجميع يتذكّرون أنهم أبناء صالح ومحمود... وقد توارثت هذه القرية الصّدق والأمانة والعدالة، ولهذا أطلقوا عليها إسم "قرية السّعادة". ولكن لا أعرف مَن الذي سمّاها بهذا الإسم.
سأل غيلان جدته: هل انتهت الحكاية يا جدّتي؟
فقالت الجدة: لا لم تنته يا ولدي العزيز... مازال الناس إلى الآن يعتقدون أن الجرّة الذهبية مطمورة تحت التراب، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يبحث عنها، بل على كلّ واحد في القرية أن يحصّل قوته بعرق جبينه، وأنّ الذهب إذا وجده الإنسان في التراب فقد يجعله طمّاعًا أو كسولاً إذ تأتيه الثروة من غير جُهدٍ. كما أنّ الأطفال يا بُنَيّ مايزالون يذهبون إلى وادي شمس ويصيح كلّ واحد باسمه فيجيبه الصدى، فيعتقد الطفل مثلاً أنّ "وادي" يردّ عليه، وتعتقد الطّفلة أن "شمس" تردّ عليها.
نام غيلان تلك الليلة ولكنه لم يحلم بالذّهب ولا بالجرة، بل شاهد فارسًا على حصانٍ جميلٍ وخلفه عروس بثيابٍ بيض، هُما وادي وشمس، وصاحا بِغِيلاَن: تعال معنا أيها الصّغير...
ركض غيلان نحوهما... ولكنّهما ابتعدا، وظلّ يركض ويركض ويصيح: وادي.. شمس.. وادي.. شمس..
لكن نورًا دافئًا أيقظ غيلان، فوجد نفسه قرب النّافذة، وضوء الشمس يغمرُ وجهه فرفع رأسه، ونظر من النافذة.
كان كلّ شيءٍ في القرية جميلاً. المروج الخُضر وصياح الدّيك والعصافير وبقرة الجدة والنّاس الذاهبون والآتون، ومن بعيدٍ كان يبدو "وادي شمس".

بلال نعيم
08-05-2009, 12:07 PM
بنت الصّياد

كان في قديم الزّمان امرأة تعيش مع زوجها في مملكةٍ يحكمها ملك عادل، وكانت هذه المرأة حزينةً طوال الوقت لأنّها لم تُنجب أطفالاً. وكانت تطلب من الله دائمًا أن يرزقها مولودًا، ولدًا كان أم بنتًا، فاستجاب الله دعاءها، ورَزَقها بنتًا. وكبرت البنتُ وصارت فتاة رائعة الجمال.
وذات يومٍ، بينما كان والدها يصطاد في الغابة، خرج إليه الأسد القوي الذي يملكه غول الغابة الضّخم، فرماه الرجل برمحٍ في رأسه فقتله.
وعندما عاد الغول إلى بيته، رأى أسده مضرّجًا بدمه، وقد مات. فغضب غضبًا شديدًا، وقال: سوف أعرف مَن قَتل أسدي. ثم التفت إلى غرابه المُقيم في بيته وسأله: "مَن قَتل أسَدي الجميل القوي؟"
أجاب الغُراب: "قتله رجلٌ أستطيع أن أدلّك على بيته".
فقال الغول: "سأتنكّر على هيئة هرٍ، وسأحوّلك إلى عجوز تحملني".
حوّل الغول نفسه إلى هرٍ، وحوّل الغراب إلى عجوز. ثم ذهبا معا، ودلّه الغراب على بيت الرجل. فقال الغول للغراب: "إذهب إلى البيت، حتّى أنتهي من الإنتقام من هذا الرجل الذي قتل أسَدي".
دخل الغول البيت، فلم ير الرّجل ولا امرأته، وكان الإثنان قد ذهبا إلى السوق، وتركا ابنتهما وحدها. فقال الغول: "سأنتقم من البنت". فسَحَرها وحوّلها إلى حجرٍ، وهرب.
وعندما عاد الوالدان، لم يجدا ابنتهما الجميلة والوحيدة، بل وجدا حجرًا يشبهها. وعرف الأب والأم ما صنعه الغول، فأخذا يبكيان.
وفي تلك اللحظة، كان الملك وابنه الأمير يتفقّدان أحوال الرعية، فرأيا الوالدين يبكيان، فسألهما الملك: "لماذا تبكيان؟"
أجابا: "لقد حوّل الغول الشرير الضخم ابنتنا إلى حجرٍ!"
فقال الأمير: "سوف أنتقم لكما".
وقال الملك: "لا يا بُنيّ.. إن غول الغابة كبير، وأنت لا تستطيع قتله!"
قال الأمير: "إنّي مُصّر على الذهاب يا أبي". وكان الملك لا يردّ رغبة ولده لأنه كان وحيده. وشَكَرَ الوالدان الأمير، وتمنّيا له التوفيق في مهمّته.
جهّز ابن الملك متاعه وحاجيّاته التي تفيد في سفره، وذهب قاطعًا الغابة بحثًا عن الغول الشّرير. وبينما هو سائر رأى كهفًا، فقرر أن يستريح فيه وينام.
عندما دخل الكهف رأى فيه امرأةً عجوزًا، فقال لها: "هل أستطيع المبيت عندك؟" فأجابته العجوز: "تفضّل... على الرّحب والسّعة".
كان الأمير مُتعبًا، فاستلقى على فراشٍ وَجَدَهُ في ركن الكهف ونام نومًا عميقًا. وفي الصّباح استيقظ الأمير، فوجد العجوز ما زالت نائمةً، فأخذ يقطع الحطب وأشعل النار ليعدّ الفطور.
استيقظت العجوز، فوجدَت كلّ شيءٍ جاهزًا فشكرته وقالت: "أنتَ شابٌ طيبٌ. سوف أُلبّي كلّ طلباتك".
وبعد أن انتهيا من تناول الفطور، سألته العجوز: "إلى أين أنت ذاهب في هذه الغابة المُوحشة؟"
أجاب الأمير: "جئتُ لأقتل الغول".
فردّت العجوز: "لن تستطيع".
قال: "لماذا"؟
أجابت العجوزة: "لأنّك لا تملك السّيف السحري والحصان الطائر".
فقال الأمير: "بل أستطيع قتله بسيفي القوي وحصاني السّريع".
هزّت العجوز رأسها وقالت: "إن السّيف السحري قادر على تقطيع الغول، والحصان الطائر يستطيع أن يطير على ارتفاع يماثل ارتفاعه".
فسألها: "وأين أجد الحصان والسيف؟"
أجابته العجوز: "إن السيف والحصان عند الثعبان القاتل، وعنده أيضًا كنوز كثيرة. لكنّني أحذّرك، لأنّها تُحوّل كلّ مَن يلمسها إلى حجرٍ".
فشكرها الأمير وودّعها، بعد أن دلّته على بيت الثعبان القاتل.
ولمّا دخل الأمير بيت الثعبان القاتل، هجم عليه الثعبان، والتفّ حول رقبته وحاول قتله. لكن الأمير كان شجاعًا قويًا، فسحَب خنجره من غمده وطعن الثعبان. ثم التفت فرأى الكنوز الثمينة والسيف والحصان، فلم يلمس الكنوز، وإنّما أخذ الحصان والسيف وذهب.
وفي الطريق ظهر الغول، فسحب الأمير السّيف وطار بالحصان عاليًا. ثم انقضّ على الغول، وطعنه في عينه، ففقأها. وقال له: "إن لم تُرجِع البنت إلى ما كانت عليه، قتلتك".
فاضطر الغول للإستجابة إلى طلبه وأعاد البنت إلى حالتها الأولى. لكنّ الأمير قتل الغول تخلّصًا من شره. ثم عاد إلى بلاده مصطحبًا الفتاة الجميلة معه.
استقبله أهله فرحين بنجاته. وفرح الوالدان برجوع ابنتهما الوحيدة. ولم يكن لدى الصياد شيء يقدّمه للأمير أغلى من ابنته زوجةً له.
فرح الأمير بذلك وأقيم حفل زواجهما في بهجةٍ وفرحٍ، وعاشا حياةً سعيدةً.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:08 PM
عصفور وجرادة

يُحكى أنّ أسكافيًا فقيرًا اسمه "عصفور" كان يعيش في مدينة بغداد القديمة. وكانت له زوجة اسمها "جرادة"، تُذكّره كل يومٍ بفقره وعجزه عن توفير حياة مريحة لها.
وذات يومٍ، رأت جرادة وهي تتجوّل في السوق، سيدةً ترتدي ملابس فاخرةً وتتجمّل بالحلي من ذهب وماس ولؤلؤ وحولها مجموعة من الخادمات الجميلات. وسألت عن المرأة فقالوا لها: إنّها زوجة رئيس المُنجّمين عند الملك. وسألت مرة ثانية: وماذا يفعل المنجّم؟ فقالوا لها: يتطلّع إلى النجوم في السّماء ثم يتنبّأ بما سيحدثُ في المستقبل ويقرأ أفكار الناس، ويعرف أماكن الأشياء المفقودة.
قالت جرادة لنفسها: ولماذا لا يصبح زوجي "عصفور" مُنجّمًا حتى أصبح غنيةً كهذه السيدة؟! وأسرعت إلى المنزل.
رأى الإسكافي وجه زوجته المتلهّف فسألها: ماذا حدث يا عزيزتي؟ فأجابت بغضبٍ: لماذا اخترت مهنة الإسكافي التافهة؟ هل ستظل طول حياتك تصلح الأحذية؟ لماذا لا تصبح مُنجّما فتربح مالاً كثيرًا فينتهي فقرنا وجوعنا؟
صاح عصفور: هل أنت مجنونة يا زوجتي؟ كيف أصبح مُنجّمًا وأنا لا أعرف شيئًا عن النّجوم؟!
قالت الزوجة: كفى كلامًا... إذا لم تعمل من الغد مُنجمًا، فسأعود إلى منزل أسرتي ولن أعيش معك بعد اليوم!
احتار الأسكافي في ما يفعل.. إنّه يحب زوجته ولا يريد أن يفقدها. لكن كيف يصبح مُنجّمًا؟؟
أمّا الزوجة التي تحلم بالثراء، فقد جمعت له بعض الكراريس القديمة واستعارت سجادة صغيرة من بيت والدها، وقالت: هذا كل ما تحتاج إليه لتصبح مُنجّما. وألحّت عليه ليجلس بين المُنجّمين في السوق. فذهب ونفّذ ما تريد.
كانت زوجة السلطان تنتظر مولودها الأول، وذهبت لتشتري ملابس للطفل، فرأت "عصفورًا" يجلس وحده، فأرسلت خادمتها لتستفسر منه عن صناعته. ولمّا علمت أنه مُنّجم جديد أرسلت إليه دينارا مع الخادمة وسألته: هل المولود الذي تنتظره السّلطانة ذكر أم أنثى؟
فرح عصفور بالدّينار الذي يمسك به لأول مرة في حياته! ثم صار يُقلّب في كراساته، ويعضّ شفته وهو ساكت لا يتكلّم. وقال في نفسه:
سأجيبها بأسلم إجابةٍ، قد يخطئ نصفها ولا تخطئ كلّها. إذا قلتُ إنها ستلد ولدًا فقد تلد بنتًا، وان قلت بنتًا فقد تلد ولدًا. أمّا إذا قلت إنّها ستلد ولدًا وبنتًا، فإن نصف إجابتي فقط ستكون مخطئةً سواء وُلدت ولدًا فقط أو بنتًا فقط، أو ولدين أو بنتين، وستكون إجابتي صحيحةً إذا ولدت ولدًا وبنتًا. لذلك رفع وجهه إلى السماء وهز رأسه وقال: ولد وبنت ليس كمثلهما في الأرض أحد.
أسرعت الجارية وأخبرت السلطانة بإجابة "الشيخ عصفور المُنجّم".
وقبل أن يطلع الصباح كانت السلطانة قد ولدت ولدًا وبنتًا كما قال "عصفور" المًنجم ، وامتلأ القصر بالفرح والإبتهاج.
وفي اليوم التالي، أرسلت السلطانة مع بعض خدمها بغلةً وملابس فاخرة، وألف دينار هدية للمنجم عصفور، وطلبت إليهم أن يبحثوا عنه ويسلّموه الهدية ويحضروه إلى القصر لتشكره على أنّه بشّرها بهذا الميلاد المُبارك.
أمّا عصفور المنجم، فما إن تركت الجارية الدينار في يده وانصرفت، حتى جمع الدفاتر والسّجادة وهرب إلى البيت، وقال لزوجته: "لقد أخذتُ اليوم دينارًا، لكنّي كذبت على زوجة السلطان. غدا ينكشف كذبي ويشنقونني. خُذي هذا الدينار، وإذا جاء أحد يطلبني فقولي إنني لستُ هنا وأعطيهم دينارهم ليذهبوا عنّا.
وبات عصفور مهمومًا حزينًا، يفكّر فيما يمكن أن يحدث له في الغد.
وفي الصباح، أقبل خدم السلطان يسألون عن المُنجم الجديد. فسمعهم عصفور وقد امتلأ قلبه رعبًا وقال لإمرأته: هذه نتيجة مشورتك! تقولين لي إعمل مُنجمًا، ولا تتدبرين العواقب!! اذهبي قابليهم إذن، وخذي أنتِ الصفع والركل! قولي لهم إني رجل مجنون، لا أدري ما أقول. ثم أسرع واختبأ داخل الدار.
لما فتحت الزوجة الباب قال لها خدم السلطان: زوجة السلطان تطلب المنجم عصفور. فتظاهرت الزوجة بالمذلّة والمسكنة وقال لهم: هو رجل مسكين مجنون، لم يكن يدري ما يقول، خذوا الدينار وسامحوه!
فقال لها رئيس الخدم، وهو لا يفهم معنى قولها: إنّك أنت المجنونة يا امرأة! السلطانة ترسل له معنا ألف دينار وبغلة وملابس غالية. دعيه يخرج ليأخذها ويذهب معنا.
صارت المرأة تصرخ بأعلى صوتها وكأنّما أصابها مس من الجنون: الثّروة وصلت يا عصفور... السلطانة أرسلت لك ألف دينار وبغلة!
فقال عصفور من مخبأه: سأكون أنا البغل إن صدّقتُ أنا هذا الكلام.
عندها أمسكت جرادة زوجها من ملابسه وجرّته جرًا إلى الباب، وهي تقول لخدم السلطانة: هذا هو المُنجّم عصفور.
فأخذوه إلى الحمّام وألبسوه الملابس الجديدة وأركبوه البغلة، وأعطوه الألف دينار في كيس كبير وضعه أمامه على ظهر بغلته.
سار عصفور وخلفه جمعٌ كبير، يغنّون ويرقصون. وهكذا بين يومٍ وليلةٍ، أصبح الشيخ عصفور أشهر مُنجّمٍ في المدينة.
حدث في اليوم التالي أن كان السلطان يتناول الطعام في حديقة قصره. وعندما قام ليغسل يديه فوق البركة، كان في إصبعه خاتم السلطنة، وبه ماسة قيمتها ألف دينار، فنسي الخاتم على حافة البركة، فجاءت بطة عرجاء وبلعت الخاتم. وكان للسّلطان خادم صغير، شاهد البطّة وهي تبتلع الخاتم، لكنه لم يذكر شيئًا عن ذلك عندما سأل السلطان عن خاتمه. كان الخادم يريد أن ينتظر بضعة أيامٍ حتى تهدأ ضجّة البحث عن الخاتم، ثم يذبح البطّة ويأخذ الخاتم.
أمر السلطان بإحضار المُنجّمين وأخبرهم أنّ خاتم السلطنة فقد وأنه سيعطي ألف دينار لمن يرشد إليه، فهو عزيز عليه جدًا، وقد ورثه عن أبيه وجدّه. ولما لم يعرف المُنجّمون مكان الخاتم، طلب السّلطان أن يحضر له الخدم مُنجّم السلطانة.
خاف عصفور عندما رأى خدم السلطان، وجفّ ريقه، وقال لزوجته: إن كانت الصّدفة أنقذتني في المرة السابقة، فهل ستنقذني الصدفة هذه المرة؟ وخشيَ أن يشنقه السلطان إذا ظهر كذبه.
شجّعته زوجته على استخدام الحيلة والذّكاء، فقد تخدمه الصدفة هذه المرة أيضًا. فقال لها: إذا خانتني الحيلة والذكاء سأخبرهم أنك السبب في تظاهري بالحكمة والمعرفة، وسأجعلهم يعطونك النّصيب الأكبر ممّا أستحقه من الصفع والركل.
ثم اتّجه إلى قصر السلطان ودخل قاعة الإنتظار حتى يأذن له السلطان بالدخول.
وكان على نوافذ القاعة ستائر من حرير، منقوش عليها رسوم لبعض الطيور والحيوانات من بطٍ وحمامٍ وغزلان وأرانب وغيرها. وكان عصفور يُفّكر في أمره، وأخذ يحدّق إلى الستائر ويهز رأسه.
في هذه اللحظة، تسلّل الخادم الذي كان قد شاهد البطة ليراقب الشيخ عصفورًا، وقد سمع عن قصّته مع السلطانة وبراعته في معرفة الأشياء. ولما رأى عصفورًا يحدّق إلى الستائر، اضطرب قلبه وقال في نفسه: هذا المنجم البارع يحدّق إلى رسم البطة فوق الستار! لقد عرف أنّها هي التي بلعت الخاتم وسيعرف أنّني شاهدتها وهي تبلعه، وأخفيت ذلك، وسيخبر السلطان فيشنقني!
دفع الخوف الخادم فاقترب من عصفور وهو مضطرب ورجاه ألاّ يقول عنه شيئًا للسلطان.. وقال:لقد خشيت أن أذكر للسلطان أن البطة العرجاء بلعت الخاتم من فوق حافة البركة عندما كان يغسل يديه ونسي الخاتم هناك.
فقال عصفور للخادم: لقد عرفتُ الحقيقة كلها من النجوم، ولو لم تعترف لي الآن لأخبرتُ السلطان بالحقيقة فيقتلك. لكن ما دمت قد اعترفت لي، فلن أخبر السلطان بشيءٍ.. وإياك أن تقول شيئًا عن هذا الموضوع وإلاّ جعلت السلطان يقطع رقبتك.
دخل عصفور على السلطان، فوجد حوله كل الوزراء والمُنجمين. فطلب إليه السلطان أن يعرف أين ذهب خاتمه، وأخبره أن الجميع عجزوا عن معرفة مكانه، "فاذا عرفت مكانه لك ألف دينار".
فسأله عصفور: أين كنت أيها السلطان عندما ضاع منك الخاتم؟ قال السلطان: كنتُ في البستان. قال عصفور: قُم بنا إلى البستان. فلمّا دخلوا إلى البستانن قال عصفور: أريد أن يمرّ أمامي كل مَن في البستان من أناسٍ وطير وحيوان. وتغامز بقيّة المنجّمين ساخرين، لكن السلطان أمر بتنفيذ طلب عصفور.
مرّ من أمام السّلطان وأمام عصفور موكب كل الخدم والغلمان الذين يعملون في البستان. ثم الغزلان والأرانب التي تعيش في الحديقة. ثم مرّت أمامهم أنواع الطّير من الوزّ والحمام والطواويس. ثم جاء دور البط في النهاية. وعندما مرّت أمامهم البطة العرجاء، حدّق إليها عصفور بعينيه تحديقًا شديدًا، وهزّ رأسه، ورفع ذراعيه إلى أعلى وصاح: أمسكوا هذه البطة. وهنا انطلق بقية المنجمون يضحكون منه ويسخرون!
كان السلطان قد اعتاد أن يتسلّى بمنظر هذه البطة. فكان كلّما رآها، يضحك من طريقة سيرها، فقال لعصفور: هذه البطة أتفاءل بها، ولا أسمح لأحد أن يؤذيها.
قال عصفور: إن كنت تريد الخاتم، فهو في بطنها. فقال السلطان: وإن لم نجد الخاتم في بطنها؟ قال عصفور: إفعل بي ما تشاء.
أمر السلطان بذبح البطة، وهو يشعر بالأسف الشديد عليها ويقول لنفسه: والله إذا لم نجد الخاتم في جوفها، لأقتلنّه في التو والسّاعة.
لكنّهم وجدوا الخاتم في حوصلتها!! وعندما رآه السلطان فرح جدًا وقال لعصفور: والله لا يوجد في الدنيا مثلك. إنّك تستحق ألفين من الدنانير لا ألفًا. وأخذ عصفور الألفين وأسرع إلى بيته وهو يكاد يطير من الفرح. أما بقيّة المنجمين فيكادون يموتون من الغيظ والحسد.
أخبر عصفور زوجته بما حدث وقال لها: هيا نذهب إلى بلدٍ بعيدٍ، ونكتفي بما آتانا الله من ذهب ودنانير. إنني أخاف أن أتعرض لتجربةٍ ثالثةٍ، أذهب معها إلى القبر.
رفضت زوجته الخروج من البلد الذي أتاها منه كلّ هذا الخير.
عاش عصفور وزوجته ينفقان بسخاءٍ من الثّروة التي هبطت عليهما، والمُنجّمون يحسدونه ولا يجرأون على إيذائه. لكنهم اجتمعوا يومًا إلى السلطان وقالوا له: أيّها السلطان العظيم. كيف تقدّم عصفورًا علينا؟ إنّه جاهل لا يفهم شيئًا. فأجابهم السلطان: لقد عرف ما عجزتم عن معرفته. قالوا: لقد خدمته الصدفة. قال السلطان: إذن أقيم تجربةً لأحكم بينكم وبينه. سأذهب إلى البستان، أخفي شيئًا، فإن عرفتموه حكمتُ لكم، وإن غلبكم فلن أسمع منكم كلمةً ضدّه بعد اليوم. فقبلوا بحكم السلطان.
دخل السلطان إلى البستان، وإذا بأحد العصافير الصغيرة يطارد جرادة، فأسرعت الجرادة ودخلت تحت ذيل ملابس السلطان، فاندفع العصفور ودخل وراءها. فأسرع السلطان وأمسك الإثنين تحت ملابسه، ثم خبّأهما بين يديه، وقال للمُنجّمين: َمن استطاع أن يعرف ما في يديّ حَكمتُ بتفوقه على خصمه. هيّا استدعوا الشيخ عصفورًا.
أسرع الخدم ليحضروا عصفورًا من منزله. فخاف عصفور وقال لزوجته: الثالثة هي القاضية. هذه المرة سيشنقني السلطان، ويأخذ منك الذهب! فقالت له زوجته: ثق بالله وتوكّل عليه.
وَدّع عصفور زوجته وهو واثق أنه لن يعود إليها سالمًا هذه المرّة. وعندما وصل إلى السلطان، وجده يضمّ يديه فوق ملابسه، وواحد من المنجمين يقول: في يدك أيها السلطان زهر ريحان، ويقول آخر: بل ورق شجر أخضر. وقال ثالث: بل ثمار ليمون. وأخذ كلّ واحد يذكر شيئًا والسلطان يقول لكلّ واحدس منهمٍ: غير صحيح.. غير سليم...
ولم يبق إلاّ عصفور، جالسًا يفكّر في المأزق الذي أوقعته فيه امراته، فقال السلطان: لماذا لا تتكلّم يا شيخ عصفور؟ لقد جاء دورك. قال عصفور وكأنه يحدّث نفسه، وقد ازداد همّه بسبب ما دفعته إليه امرأته: وماذا أقول أيّها الملك؟ لولا جرادة ما وقع عصفور اليوم في يد السّلطان!!
هنا صاح الملك: ليس في العالم مثلك يا شيخ عصفور.. أنتَ سلطان الحكمة والمعرفة! وأخرج السلطان من يده الجرادة والعصفور، ثم قال: أعطوه ثلاثة آلاف دينار.
واستغرب المُنجّمون وقالوا: حقًا لا يوجد في الدنيا مثله قط.
انتشر خبر انتصار عصفور على منافسيه، لكن عصفورًا لم يسعد بهذا، بل ذهب إلى زوجته وقال: إنك ترفضين أن تغادري هذا البلد، وأنا أخشى أن ينكشف خداع الكذب والتّنجيم. لذلك إذا سأل عني أحد، قولي له إني مُتّ فيكفّ الناس عني وينسون أمري، ونعيش بما لدينا من ثروةٍ في أمان ونعيم. ولأول مرةٍ وافقته زوجته، فقد بدأت هي الأخرى تخشى ما يخبّئه المستقبل لهما.
انقطع عصفور عن زيارة السلطان، فأرسل يسأل عنه، فقالوا له: لقد مات عصفور منذ ثلاثة أيامٍ. وأسرع عصفور وزوجته ينتقلان إلى مسكنٍ بعيدٍ.
وحدث أن خرج السلطان متنكرًا ذات ليلة ليتعرّف إلى أحوال رعيته، وساقته الصّدفة إلى شاطئ النّهر، فاشتاق أن يأكل سمكًا ممّا يشويه الصيادون بعد صيده مباشرةً، فجلس على الشاطئ ينتظر خروج الصيادين بالصيد. وفجأة سمع السلطان رجلاً يجلس قريبًا منه يقول: يجب أن نسافر من هذا البلد يا جرادة. وسمع امرأة تجيب محدّثها: قريبًا ينساك الناس يا عصفور، فالكلّ يعتقد الآن أن المُنجّم عصفورًا قد مات.
عرف السّلطان أن هذا الشخص هو الشيخ عصفور، فطلب إلى بعض خدمه أن يتعقبوه ليعرفوا مكان بيته.
في اليوم التالي، ذهب السّلطان متخفيًا إلى بيت عصفور وطرق الباب، ففتح عصفور وهو لا يتوقّع أن يكون هناك مَن عرف بيته الجديد، وإذا به يُفاجَأ بمن يقول له: أين زوجة الشيخ عصفور؟
كاد عصفور ينكر ويقول إنّه لا يوجد في البيت أقارب للشيخ عصفور. إلاّ أن السلطان المُتخفّي أضاف: لقد أرسلنا السلطان لنقوم بواجب العزاء في وفاة زوجها، ولنقدّم لها مبلغًا من المال تستعين به على الحياة.
هنا خشي عصفور من شجار زوجته إذا صرف هؤلاء الذين جاءوا يعطونها مالاً، فأدخل الزائرين، وأسرع إلى زوجته يقص عليها الخبر.
تظاهرت الزوجة بالحزن، وخرجت تستقبل الزائرين ودموعها تتساقط من عينيها، لكنّها فوجئت بالزائر يسأل: إذا كان الشيخ عصفور قد مات، فمن الذي فتح الباب؟
وسكتت المرأة، فقد أحست أن السؤال ستتلوه أسئلة أخرى!
وعندما لاحظ السلطان أن الزوجة سكتت، أسرع يلقي سؤاله الثاني: أيتها المرأة.. أجيبي عن سؤالي وقولي الصّدق. أليس الشيخ عصفور هو الذي فتح لنا الباب؟
أدركت المرأة أنّ كل الخطط التي وضعتها مع زوجها قد انهارت، فأسرعت تخرج من الغرفة، وقد اعتزمت أن تهرب مع زوجها من باب المنزل الخلفي.
ارتفعت ضحكات السلطان ووقف ينادي: يا شيخ عصفور... أنا السلطان... أعطيك الأمان!
عندئذ عرف الشيخ عصفور صوت السلطان، واطمأنّ قلبه عندما سمعه يعطيه الأمان، فأمسك بيد زوجته وعاد إلى حيث يجلس السلطان.
ضحك السلطان مرة ثانية وسأله: لماذا فعلت هذا يا شيخ عصفور؟ لماذا أذعت خبر موتك؟
قال عصفور: يا مولاي، سأقول لك الحقيقة... التنجيم كله كذب وادّعاء، وزوجتي هي التي دفعتني إلى أن أصبح منجّمًا، وقد خدمتني الصدفة أحيانًا والحيلة في أحيانٍ أخرى. لكنّي رفضت أن أستمر في هذا الدجل والعبث.
عندئذ انطلق السلطان يضحك ويقهقه وقال: أنتَ تستحق على صراحتك، مكافأة أكبر من كل ما أخذته مقابل تظاهرك بمعرفة المستقبل والغيب. وأمر له بخمسة آلاف دينارٍ.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح عصفور نديمًا للسلطان، يحكي له أطرف النوادر والنكات، ويسلّيه بالقصص والحكايات، بعد أن كفّ عن التّنجيم والإدعاءات..

بلال نعيم
08-05-2009, 12:10 PM
عروس البحر والصياد

تجمّع الأطفال حول أبيهم وراحوا يسألونه:
أبي... ما الذي ستشتريه لنا في العيد؟
قالت سُعاد: أريد ثوبًا، وقالت علياء: أريد حذاءً، وقال جميل: أريد معطفًا.
سكت الأب وانحدرت على خدّيه دمعتان. فقد كان صيادًا فقيرًا لا يستطيع أن يشتري لأولاده ما يطلبونه. وفي المساء نام حزينًا، ورأى في حلمه بأنه يصطاد عروس البحر ويقصّ من شعرها الذّهبي خصلةً، فيبيعها في السوق ويشتري لأولاده الثياب والحلوى.
وعند الفجر، استيقظ وأخذ شبكته وأتّجه إلى الشاطئ، وركب زورقه الصغير وراح يجدّف في عرض البحر، ثم توقف وألقى شبكته في الماء، وانتظر قليلاً، ثم أخذ يجذبها فوجدها ثقيلةً جدًا، وقال في نفسه: لا بُدّ أنّها سمكة كبيرة. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story75.gif
ولمّا أخرج الشبكة وجد فيها قمقمًا فأحسّ بالخيبة، وهَمّ بأن يعيده إلى البحر، ولكنّه توقف حين سمع من داخل القمقم صوت استغاثة وقرّر أن يفتحه. ولما فتحه تصاعد منه دخان كثيف ورأى من خلاله ماردًا.
خاف الصياد. لكن المارد ابتسم له وقال: لا تخف أيها الصّياد الطيّب. كنت محبوسًا في هذا القمقم آلاف السّنين، وكنت أستغيث، إلى أن جئتَ أنتَ وحرّرتني. فاطلب منّي ما تريد.
قال الصياد: أريد عروس البحر.
فقال المارد: هذا أمرٌ سهل. إركب على ظهري وسآخذك إلى جزر عرائس البحر. سأطير فوق الماء حينًا، وأغوص في الماء حينًا آخر. وعليك ألا تتكلّم أبدًا أثناء الطريق، وإذا سئلت فلا تُجَب، لأنّك إن نطقت بكلمةٍ واحدةٍ، فستسقط عن ظهري وتغرق.
ركب الصياد على ظهر المارد، فطار به فوق سطح الماء مدةً، ثم أخذ يغوص شيئًا فشيئًا في أعماق البحر.
رأى الصياد أنواعًا كثيرةً من حيوانات البحر، منها حوت ضخم. فقال في نفسه: لواستطعت اصطياد هذا الحوت، فإنّ ثمنه سيجعلني غنيًا. فأحسّ بزلزلةٍ وكاد يسقط من فوق ظهر المارد.

رأى سمكةً من أسماك القرش المفترسة فخاف. فقال له المارد: لا تخف، تمسّك بي جيدًا.
ورأى ثعابين الماء وهي تنساب في مجموعاتٍ راسمةً أشكالاً جميلةً. اقتربت منه سلحفاة كبيرةٌ، وطلبت إليه أن يركب على ظهرها بدلاً من ظهر المارد. ولم يردّ الصياد، لأنه تذكر ما قاله له المارد.
وبعد قليلٍ، أقبل كلب البحر وطلب إلى الصياد أن يلعب معه. وكاد الصياد أن يتكلّم، لكنه أغلق فمه خوفًا من أن يسقط عن ظهر المارد.
ثم رأى نجم البحر، وقد ظنّ الصّياد هذا النّجم سمكةً غريبةً.. وفجأة التفّ أخطبوط على رجله، فخلّص الصّياد نفسه منه.. ولم يتكلّم.
أخذ الماردُ يرتفع قليلاً قليلاً حتّى صار على وجه الماء. وسمع الصياد أصوات غناءٍ من بعيد. نظر أمامه فرأى جزرًا صغيرةً متقاربةً. فقال المارد:
لقد وصلنا جُزر عرائس البحر، انزل وابحث عن عروس البحر. أمّا أنا فسأتحوّل إلى شجرة صنوبر ونادني عندما تصبح جاهزًا. وتحوّل المارد إلى دخانٍ، وصار شجرة صنوبر. وسار الصياد على الشاطئ يبحث عن عروس البحر.
فجأةً، رأى فتاةً جميلةً تخرج من الماء، وشعرها الذّهبي يتدلى على صدرها وظهرها. وعندما صارت الفتاة على الشاطئ، تعجّب الصياد، لأن نصفها إنسان ونصفها سمكة، وعرف أنّها عروس البحر. فهجم عليها بسرعةٍ وأمسكها من شعرها فخافت وأخذت تصرخ. أمّا الصياد، فاستمرّ يتأمّل شعرها المصنوع من الذّهب الخالص.
قال لها الصياد: لن تهربي منّي يا عروس البحر.
قالت عروس البحر: لا تقتلني أرجوك.. إنّ لحمي لا يُؤكَل...
قال لها الصياد: لا أريد أن أقتلك... أريد فقط خصلةً من شعرك الذهبي.
بكت عروس البحر ورجته ألاّ يقصّ شعرها لأنه سرّ جمالها..
وجاءت عرائس البحر وأمامهن تسير الملكة وأحطن بالصياد.. فخاف. فقالت له الملكة: لا تخف أيها الصياد. أخبرني لماذا تمسك ابنتي من شعرها؟
أخبرها الصياد أنه رجل فقير، ويريد أن يبيع الشعر الذهبي حتى يشتري لأولاده الملابس والحلوى بمناسبة العيد.
طلبت إليه الملكة أن يترك شعر ابنتها، وقالت له: عُد إلى عملك، فعمل الإنسان هو كنزه الذّهبي. ووعدته أن تضع له في الشبكة مساء كل يوم عيدٍ جوهرةً كبيرةً، يبيعها ويشتري بثمنها ما يريد، شرط أن يعمل بجدٍ وإخلاص.
وافق الصياد ولكنّه سألها: هل أعود اليوم إلى أولادي فارغ اليدين وغدًا العيد؟
فقالت الملكة: ستعود اليوم بربحٍ وفيرٍ. سنمشّط شعرنا. خُذ ما يتساقط منه وبِعه في السوق.
فرح الصياد بهذا. ولما تمشّطت عرائس البحر، جمع الصياد ما تساقط من خيوط الذهب، وجاء إلى شجرة الصّنوبر فهزّها، فعادت دخانًا وتكاثف، فصار ماردًا.
ركب الصياد على ظهر المارد وراح يلوّح بيديه مودعًا عرائس البحر، التي أخذت تلوّح بالمناديل للصّياد الفقير العائد إلى وطنه.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:11 PM
الذّئب المغرور والنّعجة الذكية

قال الذئب: أنا جائع، أريد أن آكل.
الحقيقة أنّ الذئب كان يعيش حيث لم يستطع أحد أن يقيم، بل ابتعد الجميع عنه. ومع ذلك كان يقطع الطّرق ويجرّ إلى بيته كل ما يلتقيه من حيوانٍ من دون تفرقةٍ بين مُذنبٍ وبريءٍ. وكان يزعج الأسماع بعوائه المكروه.
أنا جائع، صاح الذّئب.
قال الرّاعي: يا له من صوتٍ مُخيفٍ! حتّى الحيوانات المُفترسة تسدّ آذانها كلّما لَعلَع صوته في البرية. "أُسكت يا ذئب!"
لكنّ الذئب ظلّ يعوي، وقال: ما أجمل صوتي! إنه أجمل أصوات حيوانات البريةّ! أنا جائع، وقد انقضى اللّيل من غير أن أتمكّن من العثور على شيءٍ آكله. وقد دبّ النعاس في عينيّ ولم أجد بعد شيئًا يشبعني. سيطلع الصّباح من دون أن آكل.
رآه ثعلب صغير فقال له: أراك واقفًا هنا يا ذئب!
نعم، إنّي أنتظر.
ماذا تنتظر؟
أنتظر طعامي!
ماذا تحمل بين فكّيك يا ثعلب؟
هذه؟ إنّها دجاجة، ألا تفرّق بين الدجاج والحيوانات الأخرى؟
من أين أحضرتها يا ثعلب؟ أخبرني. إنّ بطني يكاد يتقطّع جوعًا.
قال الثعلب ضاحكًا: أنتَ حقًا يا ذئب مخلوق مسكين.
غضب الذّئب وصاح: لماذا تقول اننيَ مخلوق مسكين يا ثعلب؟
أجابه الثّعلب: أتقف هنا تنتظر أن تمرّ بك الطرائد، والسّهل عند طرف النّهر يعجّ بالقطعان.
قطعان؟ أيّ قطعان؟

كان الذّئب الأغبر يعيش في غابةٍ قرب قريةٍ فيها الكثير من قطعان الغَنَم، وكان كلّما أحسّ بالجوع، يفترس نعجةً تنفرد عن القطيع. وذات يومٍ، لاحظ أن القطيع يرعى بلا راعٍ وبلا كلاب حراسة. فانقضّ الذئب على القطيع، واختار منه نعجةً ليفترسها، فقالت له: سيّدي الذئب!
ماذا تريدين؟
عفوًا، قبل أن تفترسني، هل لك في أن تصنع لنا جميلاً؟
أيّ جميل؟
إصنع لنا معروفًا، فلن ننسى جميلك.
أيّ معروف؟ وهل يُنتظر من الذئب أن يصنع معروفًا؟
القضية أيّها الذئب المُحترم أنّنا في حاجةٍ إلى مُنشدٍ، ونحن جماعة تحبّ الغناء، وكلّ ما نرجوه هو أن تساعدنا في الغناء، وحين نُغنّي نأمل بعد ذلك أن تهنأ بألف صحةٍ وصحّة.
أغنّي؟ قال الذئب مُتعجبًا.
نعم يا سيّدي... فليس ذلك بمتعذّر عليكَ. فأنتَ مُطرب مشهور، وصوتك نسمعه كلّ ليلةٍ، فلا يمكننا النومّ.
ها! ها! ها! ها!
نعم يا سيدي. نعم يا سيّدي، قبل أن نموت نريد أن نغنّي، ونريدك أن تغنّي معنا.
لم تتمكنوا من النوم بسبب صوتي؟
نعم.
هل كان يخيفكن صوتي؟
جدًا جدًا.
مساكين. كلامك جعلني أشفق عليكن.
هل لك إذَن أن تغنّي مَعَنا قبل أن تأكلنا؟
نعم نعم. قطّعتن قلبي شفقةً عليكنّ. هيّا. واحد، اثنان، ثلاثة. وعلت أصوات العواء.
عندها اندفع السّكان والرّعاة والكلاب في المنطقة وهجموا على الذّئب وقضوا عليه بفضل ذكاء هذه النّعجة وجرأتها.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:12 PM
العصفورة البيضاء

يُروَى أنّ عصفورةً بيضاء بَنَت عشّها في شجرةٍ خضراء مزهرةٍ عند سفح أحد الجبال، حيث الجداول الرّقراقة وحقول العشب والرّوابي المُغطّاة ببُسُطٍ خضراء طيلة أيّام الرّبيع.
وكانت هذه العصفورة تطير من مكانٍ إلى مكانٍ، وتجمع لعشّها خيوط صوف المراعي والقش الرّقيق، وتمرّ ببيوت القرية الهادئة هناك، فتجمع منها ما سيجعل من عشّها بيتًا دافئًا لفراخها التي ستطير بعد زمنٍ لتملأ جوّ هذا السفح أغاني حلوة، وزقزقات تتناغم مع ألحان الجدول الرّقيقة.
بَنَت العصفورة البيضاء عشها الدافئ، ثم وضعت فيه بيضها، وراحت تضمّه فتراتٍ من النّهار طويلة، بينما تحلم بالفراخ وكيف سيكون لها مجموعة من العصافير ترافقها في أوّل طيرانها إلى الحقول القريبة والشجر المُثمر والمياه المُنسابة حتّى يشتدّ فيها الرّيش فتنطلق من بُعدٍ كما تنطلق كل العصافير بعيدةً عن أَعيُن الصّيادين.
وكان في جوار الشّجرة، التي بَنَت العصفورة البيضاء عشّها فيها، كوخ صغير يعيش فيه فلاّح وحيد، غالبًا ما كانت تأكل من بين يديه كسرات الخبز وتلتقط من حقله الصّغير حبوب القمح.
وفي ليلةٍ من الليالي، بينما كان الفلاّح نائمًا، سمعت العصفورة عواء ذئب راح يقترب، وكلّما أحسست باقتراب صوته لَملَمت جناحيها على بيضها ودبّ فيها الذعر من هذا الذئب الشرس. وفكّرت أن تنقل عشّها وبيضها إلى شجرةٍ ثانيةٍ، إلاّ أنّها وجدت أنّ ذلك مستحيل، وسيؤدّي ذلك إلى نهاية كلّ شيء. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story79.gif
وفي هذه الأثناء، كان الذّئب يقترب من الكوخ ، فخافت العصفورة على الفلاّح، فأسبلت جناحيها وطارت إلى شبّاك الكوخ، فوجدت الفلاّح يغطّ في النوم، فطارت من الشّباك حتى حطّت على وسادته، ثم راحت ترفرف بجناحيها فوق جبينه، فأفاق.
فجأةً، سمع صوت الذئب، فعلم أن العصفورة جاءت تنبّهه على الخطر المُداهم.
أمّا العصفورة فغادرت إلى عشّها وراحت تراقب الكوخ بخوفٍ. وجمع الفلاح المسكين نفسه، وأسلم رجليه في طريقٍ تبعده عن الذئب.
دخل الذئب الكوخ، فلم يجد إلاّ كسرات خبز وحبّاتٍ من الزيتون، وهرّة قابعة في زاويةٍ معتمةٍ، ما لبثت أن قفزت من الشباك واختفت.
أمضى الذئب ليلته في الكوخ. وعندما أشرقت الشمس، وبينما هو خارج من باب الكوخ، شاهد العصفورة مصادفةً تحوم فوق الشجرة، فالتفت يستطلع ما في الشجرة، فرأى العش والعصفورة قد حضنت فيه بيضها. وبسرعةٍ كالبرق، قفز على الشّجرة ووصل إلى العش وضربه بيده، فوقع البيض تحت الشجرة بينما كانت العصفورة تحوم مذعورةً باكيةً تحاول إبعاد الذئب عن بيضها.
ونزل الذئب عن الشجرة بسرعةٍ، ووصل إلى البيض وأكل بِنَهَم الجائع، فطارت العصفورة باكيةً وقالت له: "كيف تأكل بيضي أيّها الذئب؟"
فقال: "إنّني جائع، ولا أجد ما آكله إلاّ هذا البيض". وحاول أن يضربها بيده، إلاّ أنّها طارت مسرعةً وحطّت في مكانٍ بعيدٍ، وراحت تبكي بيضها وتندب أحلامها وترى كيف تحوّلت الدنيا في نظرها من فرحٍ إلى حزنٍ.
مرّت الأيام والعصفورة حزينة، والذئب يلاحق فريسته كلّ يوم ويجلبها إلى الكوخ ليأكلها. أمّا الفلاّح فقد رأته العصفورة في مكانٍ بعيدٍ، وقد بنى كوخًا جديدًا. ففرحت لأنّه لم يقع فريسة الذّئب الملعون.
جاء الشّتاء، وكانت الأشجار قد عُرّيت من أوراقها، وراح الثّلج يُجلّل الأرض بوشاحٍ أبيض جميلٍ، واضطرّ الذئب أن يبقى في الكوخ لا يبرحه إلاّ قليلاً لشدّة البرد.
وفي يومٍ مُشمسٍ، طارت العصفورة وراحت تشدّ بجناحيها صعدًا حتّى وصلت إلى قمة الجبل. وهناك نظرت نحو السفح، فرأت الكوخ وهو مُكلّل بالثلج، والشّجرة عارية، فتذكّرت بيضها وراحت تبكي.
وتساقط من عين العصفورة دمعةٌ كبيرةٌ حطّت على حبّة ثلجٍ، فتدحرجت حبّة ثلج على حبّة ثانيةٍ، ثم تدحرجتا معًا على حبةٍ ثالثةٍ،... وهكذا دواليك، حتّى شكّلت حبات الثلج كرةً بيضاء صغيرةً، راحت تتدحرج نحو السّفح. وكانت كلّما تدحرجت كبرت، والعصفورة فوق، تراقبها.
ازدادت سرعة الكرة، وكبرت كثيرًا حتّى أصبحت كأنّها صخرةً كبيرةً. وفجأةً انقضّت كرة الثلج الكبيرة على الكوخ، وكان الذئب بداخله، فمات.
وهكذا انتقمت الأقدار للعصفورة البيضاء من الذّئب المُفترس. وطارت العصفورة فرحةً إلى الفلاّح، وأخبرته بما حدث للذّئب، وكيف تحوّلت قطرة الدّمع إلى كرة ثلجٍ كبيرةٍ. ففرح الفلاّح بذلك، وعاد يبني كوخه مُجدّدًا.
أمّا هي فعادت إلى بناء العش، حيث سيكون لها هذه المرّة فراخ بعيدة عن الذئب المُفترس.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:12 PM
الربّان الصغير

خالدٌ فتى في الخامسة عشرة من عمره، وله أختان: ماجدة في العاشرة، ورانيا في الخامسة. ووالدهم أستاذ في الجامعة، والوالدة ربّة بيتٍ ممتازة.
قضى خالد ورانيا الأسابيع الأخيرة يدرسان بجدٍ ونشاطٍ حتّى ينجحا بتفوقٍ آخر العام، وهُما الآن ينتظران النّتيجة التي يستحقّان.
كانت الأسرة تتأهّب لتناول طعام الغداء لدى وصول الوالد. ولمّا وصل، أخبرهم بفرحٍ بأنّ الجامعة وافقت على مشروعه الذي تقدّم به لدراسة الأحياء البحرية في شواطئ بلاده وأنّها وضعت في تصرّفه زورقًا خاصًا للأبحاث.
فقالت الوالدة: يبدو أنّك نسيت أنّنا وعدنا الأولاد بعطلةٍ جميلةٍ!
فقال: لم أنس أبدًا. وسنقضي العطلة على متن هذا الزورق. فهو زورق كبير وحديث، وفيه كلّ وسائل الرّاحة. وبذلك نجمع بين المتعة والعمل.
سألت رانيا: هل ستسمح لنا بالسّباحة ونحن على متن الزّورق؟ http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story78.jpg
فأجابها الأب: طبعًا، عندما نتوقّف يمكنكم جميعًا أن تفعلوا ما تشاؤون.. يمكنكم أن تسبحوا وأن تصطادوا السّمك، وغير ذلك..
وسأل خالد: وماذا سأفعل يا أبي أثناء الرّحلة؟ كنت أعتقد أننا سنقضي العطلة على شاطئ البحر، حيث مجال التّسلية أكبر.. أمّا على ظهر الزورق، فماذا يمكنني أن أفعل؟ سيكون الأمر مملاً بالنّسبة لي.
فأجاب الأب: أنتَ مخطئ تمامًا يا عزيزي.. أنا أضمن لك أنّك ستكون مشغولاً دومًا أثناء الرحلة، ولن تشعر بأيّ مللٍ، لأنّي بحاجةٍ إليك أثناء قيامي بأبحاثي. ستُساعدني أثناء الغوص وفي قيادة الزورق. وعندما لا يكون لديك أيّ عملٍ آخر، يمكنك أن تستمع إلى الموسيقى. خذ معك جهاز التّسجيل وكل الأشرطة التي تحب الإستماع إليها. ما رأيك الآن؟
حسنًا.. وهل ستعلّمني قيادة الزورق؟ وهل ستسمح لي بقيادته بنفسي؟
قبل أن تتمكّن من قيادته يجب أن تعرف كلّ شيء عن الأجهزة الإلكترونية التي تساعد على الملاحة. إنّه زورق كبير وحديث، وقيادته ليست سهلة كما تتصوّر.
فصاح خالد مسرورًا: عظيم، عظيم،.. شكرًا يا أبي.. أعدك أن أكون مُطيعًا، وأنفّذ كل ما تقوله لي.
أتمّت الأسرة استعدادها، وانطلقت في اليوم المُعيّن على متن الزورق المُتّجه نحو وسط البحر. وكان الطقس صافيًا والبحر هادئ الموج.
وقف الأب في داخل غرفة القيادة ممسكًا بالدّفة وبجانبه خالد، يتطلّعان إلى الأفق أمامهما.. هذه هي أول مرةٍ يرى فيها خالد غرفة الرّبان.. إنها تشبه غرفة قيادة الطائرة التي رآها في سفره، فيها أجهزة وساعات وأزرار في كلّ مكانٍ.
ضغط الأب أحد الأزرار، تاركًا عجلة القيادة، فسأله خالد: ألا يجدر بك يا أبي أن تمسك عجلة القيادة؟ ربّما شَرَد الزورق عن مساره.
ضحك الأب وقال: لا تخف. إنّ الزر الذي ضغطتُ عليه يجعل الزّورق يسير بطريقةٍ مُستقيمةٍ من غير حاجةٍ لإمساك عجلة القيادة.
فقال خالد: لكنّه ربّما صَادَفَت الزورق عقبة في طريقه.. صخرة أو سفينة.. ماذا سيحدث عندئذٍ؟
أطلّ الأب من نافذة الغرفة مُشيرًا إلى الأعلى، وقال: انظر إلى أعلى السّارية، هل ترى هذا الجهاز الذي يسير ببطء؟ إنّه العين الساهرة التي تنبّه إلى كل العوائق التي تعترض سير الزورق. إنّه جهاز الرّادار الذي يدور فاحصًا في كلّ الإتّجاهات، وعندما يعثر على أيّة عقبةٍ، فإنّه ينبهني إلى ذلك قبل أن نصل إليها.. إذ يطلق جرسًا صغيرًا ينبهني إلى وجود عائق أمامي، وعندها أتدخل وأغيّر سير الزّورق.. مسألة سهلة كما ت‍‍‍‍‍‍‍رى.
قال خالد: كلّ المسائل الصعبة تصبح سهلةً عندما يتدخّل العِلم.. أليس كذلك؟
بالتّأكيد.. في الماضي كانت المراكب مثل صناديق عائمة لا تتحرّك إلاّ بقوة الإنسان. أمّا الآن فالعمل لا يحتاج إلا لمراقبةٍ بسيطةٍ، والآلات تتكفّل بالباقي.
أوقف الوالد الزورق، وبدأت رانيا بإخراج صنّارتها لتصطاد.. وجلس يتحدّث إلى أفراد الأسرة وقال: سنتّجه إلى جزيرةٍ صغيرةٍ تبعد من هنا حوالى أربع ساعات.. وهي جزيرة مهجورة، لكن الأحياء البحرية تعيش حولها بكثرةٍ. وسأقوم بدراسة هذه الأحياء وأعطي شرحًا مُفصّلاً لطريقة حياتها وتكاثرها. فسألته ابنته الكبرى ماجدة: ما الفائدة من دراسة الأحياء البحرية الموجودة في هذه الشواطئ؟
فأجابها: إنّ هذه الدراسة ستكون ذات فائدة كبيرة لكلّ المُجتمع.. وأيّ بحثٍ علميٍ، مهما كان نوعه له فائدة، إن لم يكن اليوم ففي المُستقبل. وعندما كان عالم الفيزياء المعروف "أينشتاين" يقوم بأبحاثه المضنيّة على أجزاء المادة والذّرة وطريقة تركيبها، لم يكن أحد يعلم أنّ هذه الأبحاث ستكون ذات فائدةٍ، إلاّ العلماء الذين يريدون التّعمق في دراسة المادة والفيزياء. وقد أفادت أبحاث أينشتاين العالم فائدةً عظيمةً، لم يكن أحد يتصوّرها، وهي الطاقة الذّرية. فهناك اليوم مصانع ضخمة لتحلية المياه تعمل بالطاقة الذرية، ومحطات لتوليد الكهرباء تعمل بالطاقة الذرية، وسفن ضخمة تسير بقوة الطاقة الذرية. والأبحاث التي أقوم بها الآن ستفيد الصّيادين لأنها ترشدهم إلى أماكن تجمّع الأسماك والمواسم الأفضل لصيدها وطريقة تنقلها، كما إنّها ستعلّمنا الطريقة الأفضل للمحافظة على هذه الثروة السمكية.
قالت رانيا الصّغرى: أشكرك يا أبي على هذه المعلومات.. وأفتخر بأبي الذّي يقوم بعملٍ عظيمٍ لخدمة المجتمع.
عاد الزّورق إلى المسير، وتبع خالد أباه إلى غرفة القيادة. إنّه يحب البحر، وطالما حلم أن يصبح ربانًا عظيمًا، يقود أضخم السّفن مُتنقلاً من ميناءٍ إلى ميناء. ووقف بجانب أبيه يراقبه وهو ممسك بعجلة القيادة وقال: أبي.. هل قيادة السّفن أمر صعب؟
هذا يتعلّق بنوع السّفينة التي تقودها. وبدأ يطلعه على كيفية تشغيل المُحرّك، وجهاز التّحكم بالسرعة، ومهمّة عجلة القيادة، وأراه البوصلة الإلكترونية، ولوحة الرّادار، وجهاز "السّونار" وجهاز اللاّسلكي، وهي أهم الأجهزة الموجودة في غرفة القيادة.
فسأله خالد عن مهمّة جهاز "السونار".
فقال الوالد: إنّ مهمة جهاز السّونار تشبه مهمّة جهاز الرادار تمامًا، مع فارقٍ بسيطٍ، وهو أنّ الرادار يُستعمَل في الهواء، وأمّا السونار فينحصر عمله في أعماق المياه، أيّ إنّه يحدّد وجود الأشياء التي لا يمكن رؤيتها في المياه، وهو جهاز ذو فاعلية كبيرة.
وطلب خالد إلى والده أن يحدثه عن السّفن القديمة التي استعملها الإنسان. فقال الأب: لقد مارس الإنسان التّنقل فوق الماء منذ عشرات الألوف من السّنين. ففي البداية -أي عندما كان الإنسان بدائيًا يعيش على الفطرة- صنع زورقه من جذع شجرةٍ ضخمٍ، يقطعه نصفين، ثم يجوّف النصف بأدواته البدائية حتى يصبح على شكل زورقٍ صغيرٍ. وكان يتنقل بواسطته في الأنهار والبحيرات المُجاورة لمسكنه. وقد علّمته التجربة والملاحظة أنّ الخشب يطفو على وجه الماء ولا يغرَق.
ومع تطوّر الإنسان، تعلّم أن يصنع زوارق أفضل وأكبر، إلى أن تمكّن من صناعة السفن الضخمة، وكان يصنعها كلّها من الأخشاب. وبالتّجربة والملاحظة، تعلّم الإنسان أنّ بإمكان الريح أن تساعده، ولذلك صنع السّفن ذات الأشرعة.
سأل الولد، قبل أن يعرف فائدة الأشرعة: كيف كانت السّفن تسير؟
أجاب الوالد: كان الإنسان قبل ذلك يسيّر زورقه بواسطة التّجذيف، وإذا كان الزورق صغيرًا، اكتفى بالتّجذيف بنفسه، أما إذا كانت سفينة ضخمة، فكان يعتمد على بحّارة مُكلّفين بالتجذيف، يجلسون في كل جانب صف، وهم يجذفون على قرع الطّبول المُنتظم. وفي ما بعد استُعمِلَت الطّريقتان: طريقة التجذيف والأشرعة معًا، وخاصةً في السّفن الحربية التي كان عليها أن تسير بسرعةٍ كبيرةٍ.
ما التطور الذي حصل بعد ذلك على صناعة السفن؟، سأل خالد.
إنّ التطور الأكثر أهمية الذي طرأ على صناعة السّفن، كان اختراع المُحرّك البخاري الذي بإمكانه أن يقوم بمهمة التّجذيف ودفع السفينة والرياح بطريقةٍ أفضل وأكفَأ. وصارت السّفن تُصنَع من المعادن بدلاً من الخشب السريع العطب، وزُوّدت بالمحرّكات البخارية بدلاً من الأشرعة. ثم حلّ محرّك الإحتراق الدّاخلي و"الدّيزل" محل المحرّك البخاري الذي كان يعمل على الفحم. وشيئًا فشيئًا صارت السفينة أكبر حجمًا، وأكثر قوةً، ويمكنها أن تحمل مئات الألوف من أطنان البضائع، وتنقلها بين المرافئ والبحار.
أَيَعني أنّه يجب أن تكون هذه السّفن كبيرة جدًا، بحجم المدن، لكي تتمكّن من حمل هذه الأثقال الضّخمة‍؟، سأل خالد.
هذا صحيح، فعلاً هي ضخمة جدًا، وأضخم السّفن في عصرنا الحاضر هي السّفن الحربية، وبخاصةٍ حاملات الطّائرات التي يمكن تشبيهها بالمدن العائمة. فهي تحتوي على مدرجٍ لهبوط الطائرات وإقلاعها، وفيها ما لا يقلّ عن ثمانية طوابق، وفيها ملاعب رياضية، وصالات تسلية، وسينما. ويمكن للواحدة منها أن تحمل أربعين طائرة وثلاثة ألاف رجلٍ على الأقل.
هذا غير معقول يا أب‍ي!! كم يجب أن تكون قوّة المحرّكات التي تسيّر مثل هذه السّفن؟ هل هي محركات بخارية أم محركات تعمل بالنّفط؟
إنّها تعمل بواسطة محرّكات الدّيزل، وبعضها ممّا صُنِعَ حديثًا، يعمل بالطّاقة الذرية.
وبعد وقتٍِ قصيرٍ، وصل الزّورق جزيرةً صغيرةً، وقرّر الأب أن تخيّم الأسرة على شاطئها الهادئ. لكن سؤالاً كان يُحيّر خالدًا وهو: عندما يصبح الإنسان وسط البحر، وتضيع كل المعالم المُحيطة به، ولا يجد حوله سوى المياه، كيف يمكن للربان أن يعرف الإتّجاه الصحيح الذي يجب أن يسير به؟
فأجابه والده: في الماضي، كانت البوصلة هي الجهاز الوحيد الذي يعتمد الربان عليه في تحديد الإتّجاه. والبوصلة، كما تعلم، تشير دومًا إلى جهة الشمال، مهما كان وضعها. فإذا كان المرفأ المتوجّه إليه يوجد في الشّرق مثلاً، فإنه يستطيع فورًا أن يستنتج جهة الشرق. ولا شك أنّك تعرف أنّنا عندما نتّجه بوجهنا إلى ناحية الشّمال، فإن الشّرق يكون عن يميننا، والغرب عن يسارنا والجنوب وراءنا. وكان الرّبان يستعين بالنّجوم في اللّيالي الصافية ليهتدي إلى طريقه، كما كان يستعمل بعض الأدوات الفَلَكية البدائية مثل "الأسطرلاب" أو غيره.. أمّا اليوم، فالأمر مُختلف تمامًا.. إذ أصبح من الضروري أن يعرف الرّبان استعمال الأجهزة الإلكترونية الحديثة التي تساعده في عمله، ويتعلّم طريقة عملها، بالإضافة إلى العلوم البحرية الأخرى المتعلّقة بأحوال الطقس والفلك وقوانين البحار.
ماذا تقصد بقوانين البحار يا أبي؟ أعطني مثالاً منها.
مِن قوانين البحار الطّريفة أنّ الذي يجد سفينةً مهجورةً في وسط البحر وخارج المياه الإقليمية، يصبح نصفها بكلّ ما تحويه من حمولةٍ ملكًا له!
وما معنى المياه الإقليمية؟
أنتَ تعرف أن لكلّ دولةٍ من الدّول حدودًا برّيةً تفصل بينها وبين الدّول الأخرى المجاورة لها، فإذا كان لهذه الدّول شواطئ بحرية، فإن حدودها لا تنتهي عند شواطئها، بل تمتدّ إلى البحر مسافةً معيّنةً، وهذه المسافة يحددها القانون الدّولي للبحار.. ولذلك فإنّ كلّ سفينة توجد داخل الشواطئ الإقليمية لأيّة دولةٍ تسري عليها قوانين تلك الدولة، أمّا خارج الشواطئ الإقليمية، فلا يسري عليها سوى قانون البحار..
لكن.. أخبرني، مَن يمتلك المياه التي تقع خارج الحدود الإقليمية؟
لا أحد.. ولذلك فإنّ لها قوانين خاصة تختلف عن قوانين اليابسة.
هل هناك أمثلة أخرى من قوانين البحار؟
نعم.. فرُبّان السّفينة يُعتَبر قائدًا عسكريًا يجب على البحّارة التّقيد بكلّ أوامره عندما تكون في أعالي البحار، وبإمكانه أن يأمر بسجن أيّ راكب أو بحّار إذا قام بعملٍ مخالفٍ للقانون إلى أن يصل إلى الميناء فيسلّمه إلى السلطات. وبإمكان الرّبان أيضًا إجراء معاملات الزّواج.
على هذا، لا بد أن يكون الرّبان مُتميّزًا عن غيره.
طبعًا، يجب أن يكون للرّبان صفات قيادية وقدرة على تحمّل المسؤولية..
اقترب الوالد بالزورق من الشاطئ، وأوقفه بعيدًا عند حوالى مئتيّ مترٍ. فسأل خالد: لماذا أوقفت الزّورق بعيدًا يا أبي؟
لن نتمكّن من الإقتراب من الشاطئ أكثر من ذلك، لأنّ المياه أصبحت قليلة العمق، ومليئة بالصخور الناتئة. وإذا تقدّمنا أكثر، فسيصطدم قاع المركب بها.
فسأل خالد مُستغربًا: كيف عرفت ذلك وأنتَ لم تر قاع المياه؟
هذه مهمة جهاز "السّونار".. فهو الذي دلّني على عمق المياه، فعرفتُ أنّها قليلة العمق من دون أن أراها!
انصرف الأب والإبن إلى إنزال الزّورق الصغير ليذهبا لإستكشاف المكان الذي سينصبون فيه خيمتهم، فيما كانت رانيا مصمّمةً على صيد السمك، وأسرعت إلى قصبتها ورمت بها في الماء..
أخذ خالد ووالده يجذفان باتّجاه شاطئ الجزيرة، ولمّا وصلا إليه، بدآ يبحثان عن مكانٍ مُناسبٍ للتّخييم. وفجأة سمع خالد صرخةً ورأى أباه ينحني إلى الأرض متألمًا. فأسرع إليه، وقد أصابه الذّعر...
شاهد أفعى ضخمة تنسلّ مبتعدةً، بينما تكوّر الأب وهو يمسك ساقه اليُمنى ويصرخ من الألم. وقال بكلماتٍ مخنوقةٍ: الأفعى.. لقد لدغتني الأفعى..
تمالك خالد وأسرع، فأخذ مدّية والده وكشف عن السّاق الملدوغة وقال: سأجعل سمّ الأفعى يخرج من الجرح.
وبسرعةٍ أيضًا سحب حزامه الجلدي، ثم ربط رِجل والده الملدوغة فرفعها من ناحية الفخذ، وشدّ جيدًا، ثم شقّ مكان اللّدغة بالسكين وجعل الدّم يسيل بغزارةٍ. وبعد لحظاتٍ، غاب الأب عن الوعي.
لقد طبّق خالد ما تعلّمه في المدرسة.. إنّ سم الأفعى قاتل إذا انتشر في أنحاء الجسم. لذلك يجب شقّ مكان اللّدغة وترك الدم يسيل، آخذًا معه سمّ الأفعى إلى خارج الجسم..
سحب خالد والده بصعوبةٍ إلى الزّورق، وجذف بقوةٍ، عائدًا إلى الزّورق الكبير.
أسرعت الأم والبنتان عندما وصل الزّورق، وتعاون الجميع على نقل الأب إلى السّفينة، وكان عليهم أن يسرعوا في إسعاف الأب الذي كان فاقد الوعي.
وأسرع خالد إلى غرفة القيادة وأدار المحرّكات، فاندفع المركب يشقّ الموج، وكان خائفًا. فهذه أوّل مرةٍ يقف فيها وراء عجلة القيادة، وقلقًا على حياة والده..
وزاد هياج البحر وارتفاع الموج الأمور سوءًا.
كان خالد يتوقّع كل شيءٍ.. إلاّ حدوث العاصفة التي جعلت حياة الأسرة كلّها، وليس حياة أبيه فقط، بين يديها.
تصرّف خالد بشجاعةٍ، حتّى مرّت العاصفة بسلامٍ، فشعر بسعادةٍ، وذهب إلى حيث والده ليطمئنّ إلى وضعه، كانت حرارة الوالد مرتفعةً، وما يزال غائبًا عن الوعي.
وصل خالد بالزورق إلى شاطئ الأمان، وفجأةً سمع هدير محرّكات قويةٍ وشاهد في الظّلام زورقًا آخر يقترب منه.. وأضيء كشّاف ضوئيّ على الزورق الغريب، وسمع صوتًا ينادي من مُكبّر الصّوت يطلب إليه أن يخفّف السرعة.. وعرف أن هذا الزورق تابع لدّورية خفر السّواحل..
أوقف خالد الزورق، واقترب منهم زورق الدّورية، وطلب قائد الدورية إليهم أن يعرّفوا بأنفسهم وماذا يفعلون في هذا الليل.. فأخبره خالد أنّهم ضلّوا الطريق، وأنّ والده مريض وبحاجةٍ إلى إسعاف. ولما سأله القائد عن عمره، عَلِم أنّه كان مضطرًا لقيادة الزورق بسبب اللّدغة التي لدغتها الأفعى لوالده.
قاد أحد رجال الدورية الزورق، فيما اتّصل هو بسيارةٍ للإسعاف تنتظرهم، وانطلق الزّورقان باتّجاه الميناء.

زار خالد والده في المستشفى، وقدّم له باقة وردٍ وحَمَدَ الله على سلامته.
سأله والده: ما رأيك الآن في مهنة البحر؟ هل أعجبتك أيّها الرّبان؟
فضحك خالد وقال ممازحًا: إنّ هذا زورق صغير. انتظروا حتى أكبر وأصبح ربانًا يقود أضخم السّفن!
ابتسم الوالد وقد شعر بسعادةٍ كبيرةٍ، وأوصاه خيرًا بوالدته وأختيه إلى حين خروجه من المستشفى...

بلال نعيم
08-05-2009, 12:14 PM
العصفور عصفر

هذا هو العصفور الصّغير عَصفر، وهو يعيش فوق نافذة الحمّام، وراء إطارها الخارجي، في عشٍ دافئٍ من القش والزّغب والورق، وغير ذلك من الأشياء النّاعمة، ولم يكن قد حاول أن يطير بعد، ولكنه كان يخفق بجناحيه، ويطلّ برأسه من العش كثيرًا.
قال عصفر: أوه، كم أحبّ أن أتعرّف إلى دنيا الله الواسعة لأرى ما فيها.
قالت الأم لنفسها: أنا تركتُ صغيري في العشّ، يجب أن أذهب إليه حالاً.
عصفر: أمي.. أمي.. أريد أن أخرج مثلك وأطير.
الأمّ، تضحك: أتسمعون ما يقول؟ إنّه يريد أن يطير.
عصفر يُزقزق.
خاطبته الأم: تعال يا صغيري، تعال. افتح فمّك لأزقّ لك لقمةً يا صغيري.
ما هذه يا أمي؟
هذه دودة يا صغيري! خُذ، كُلها. كم فتّشت حتى جئتك بها!
شكرًا، شكرًا يا أمّي. (يحاول أن يقول شيئًا)...
نعم يا عصفر؟
متى أطير مثلك يا أمي؟
حين يصبح جناحاك قوييّن.
أنظري! أنظري يا أمي! أنا أطلّ برأسي إلى الخارج!
احذر يا عصفر! لا تطلّ برأسك إلى الخارج!http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story80.gif
لماذا يا أمي؟
لئلا تقع.
أقع. كيف أقع؟ ما معنى أقع؟
تسقط على الأرض فتتأذّى وتتألّم.
أنا لا أقع.
بلى! تقع وتأتي الهرّة فتأكلك! تلتهمك فورًا!
تأكلني الهرة؟
نعم.
ما هي الهرة يا أمي؟
حيوان يعيش في المنازل، هَمّه أن يلتقط العصافير وخاصّةً الصّغيرة منها.
يأكلني أنا؟
نعم! ولذلك أقول لك: لا تفكّر يا عصفر بالخروج من العش إلاّ بعد أن تصبح قادرًا على استعمال جناحيك لتطير بهما بعيدًا عن كلّ أذى.
ولكنّني أحبّ أن أطير مثلك يا أمي!
انتظر يا صغيري! فمَع الأيّام ستنمو وتكبر، وتصبح مثلي قادرًا على الطّيران والتّحليق.
هَه! أنظري! إنّني أحرّك جَناحي بقوّةٍ. هَه!
لا، لا، لا، هذا لا يكفي. لا تفكّر الآن في هذا الأمر، بل ابق في العشّ، لا تخرج منه. أنا سأعلّمك الطّيران حين تصبح قويًا. فهمت؟
نعم يا أمي.

سمع عصفر صوت ريح عاصفة فخاف وقال: ما هذا يا أمي؟
احتَمِ بي يا صغيري! شدّ نفسك إليّ! ابقَ إلى جانبي!
ما هذا يا أمي؟ لماذا؟
هذه هي الرّيح يا صغيري تهبّ علينا، وأن لم تخبّئ نفسك في داخل العش فإنّها ستحملك وتلقي بك إلى الأرض، فتأتي الهرّة وتأكلك يا حبيبي.
أه! لماذا تتحرّك الأشجار؟ لماذا تهتزّ؟ لماذا لا تتوقّف عن الإهتزاز؟ فتتوقّف الريح وأرتاح!
لا يا صغيري! لا! الرّيح تهبّ فتهز الأشجار وتهزّنا كلّنا!
لا، لا. قولي للريح أن تتوقف يا أمي! إنّها تزعجني!
لا، لا يا عصفر! أنا لا أستطيع أن أفعل شيئًا مع الرّيح. إنّها هي التي تعصف بنا وتهزّنا!
مرّ في تلك اللحظة فلاّح راجع من عمله إلى بيته. فنظر عصفر إليه، وقال: أمي! أمي! أنظري! هذا ليس له جناحان؟ إنّ الهرّة أمسكت به وقصّت له جناحيه!
ضحكت أمّه وقالت: هذا إنسان يا عَصفر! والإنسان ليس له جناحان مثلنا!
لماذا يا أمي؟
الإنسان يعيش بلا أجنحة، فهو يسير على رجليه.
لماذا ليس له أجنحة؟
قالت الأم لنفسها: إنّه يحرجني بأسئلته، ولا أجد له جوابًا مُقنعًا!
سأل عصفر مِن جديد: لم تخبريني يا أمّي.. لماذا ليس للإنسان جناحان؟
الأمّ، مُحاولةً الإجابة: آه.. صحيح.. لو كان له جناحان لطار إلينا واصطادنا، كما أصطاد أنا وأبوك الحشرات لإطعامك!
غريب! قال الصغير مُتعجبًا! لا بدّ أن يكون للجميع أجنحة مثلنا! ربّما الحياة على الأرض أسوأ منها في الجوّ! أنا حين أصبح كبيرًا، سأجعل الجميع يطيرون مثلي تمامًا. هكذا.. هَه.. أنا يا للأسف لا أستطيع الطّيران بعد!..

جلس عَصفر على حافّة العش، وجعل ينشد أشعارًا من تأليفه وتلحينه، بأعلى صوته، صوت زقزقة: مسكين! مسكين الإنسان! يمشي على رجليه، ولا أجنحةً له، وأنا الفرخ الصّغير غدًا أطير لأبحث عن طعامي وآكله لأصبح مثل العصفور الكبير.
وراح عصفر يردّد أغنيته ويكرّرها، ويتحمّس لها، ويرفرف بجناحيه، ثم صاح: أنا أطير! أنا أطير! أنظروا... آه! آه! لا أستطيع أن أرتفع! أنا أسقط! أنقذوني.. أنقذوني..
سقط عصفر من العش على الأرض، ولحقت به أمّه العصفورة، ولكن يا للواقعة! القطّة الحمراء ذات العينين الخضراوين كانت له بالمرصاد. نشر عصفر جناحيه ووقف يرتعد أمام القطة ويقول: أ.. أ.. أنا عصفر، تشرّفت بمعرفتك .. ليَ الشّرف، أنتِ الهرة.. أليس كذلك؟
صَرخت الأم خائفة: عصفر! عصفر! ابتعد عنها! أنا سأطير حولك وأدفعك بعيدًا عنها! فهمتَ؟ ابتعد عنها.. واتركني أتدبّر أمري مع الهرة!
ماذا ستفعلين بها؟
لا عليك! ابتعد عنها! حاول أن تطير! رفرف بجناحيك وطر! طر إلى الشباك. عُد إلى عشّك. أنا سأنقر الهرة في عينيها وألهيها عنك وعنّي.
ومن شدة خوف عصفر، خفق بجناحيه.. وطار وحطّ على النافذة.
صاحت الأم: عصفر! عصفر! لقد نجوتَ يا حبيبي! ونجوتُ أنا أيضًا!
أمّي! أمي! ما أقواك يا أمي!
وأقبلت الأم إليه بمنتهى السعادة، ولكن القطة كانت قد قطعت لها ذيلها!
ها! لقد قطعت القطة ذيلك بسببي يا امي . بسببي يا أمي أنا (بتأثّر).. بسبب جَهلي..
قالت الأم: من أجلك يا صغيري كلّ شيء يهون!
على كل حال.. تعلّمتُ يا أمي!
صحيح! المرء لا يتعلّم كل شيء دفعةً واحدةً.
سأكون حذرًا في المستقبل حتّى لا أقع ولا أتورّط ولا أورّطك!
عافاك يا عصفر!
وفيما كانت الأم تحضن صغيرها كانت القطة تموء وتقول: عصفور ناعم صغير، ولكنّني لم أتمكّن من أن أمسك به!
أرأيت ما كانت تريد القطة منك؟ الحمد لله سلمت أنتَ ولم أصب أنا بأذى كبيرٍ! قالت الام.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:14 PM
رحلة في البرّية

رحلتنا اليوم في البرية، وأبطال حكايتنا ثلاثة: ديك وثعلب نَسمعهما يتحاوران، وكلب نسمع بإسمه فقط، لا نراه ولا نسمع منه حتّى عواءه.
كيكي كيكي، كيكي كيكي. أنا الدّيك، أنا الديك، ليس مثلي في الدنيا. أنا الديك، أفسحوا لي الدرب والطّريق.
كان الديك يسير في أرض المزرعة مُتباهيًا بعرفه الأحمر الكبير الذي يتوّج رأسه، ويصيح بأعلى صوته، حين خطر له أنه سيّد المكان إطلاقًا.
كيكي كيكي... كيكي كيكي... أنا الديك... أنا الديك. أنا سيّد هذا المكان.
قال الثّعلب: ما أنت إلاّ ديك عادي.
لا،لا، أنا الدّيك القوي المُزركَش بالألوان، أنا سيد هذا المكان. وسأريك أنّي أملك هذه المزرعة وكلّ جوارها.
ماذا ستفعل؟ قل لي، أجابه الثعلب. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story82.gif
سأطير إلى تلك الصّخرة العالية التي لا يصل إليها أحد غير الطّيور التي تحلّق في الجو. ومِن هناك سأشرف على مملكتي كلّها. وهناك ستأتي إليّ الحيوانات وتحني رأسها لي باحترامٍ ووقارٍ.
ضحك الثعلب وقال: عُد إلى حالتك الطبيعية يا ديكي العزيز، وإيّاك أن تسمح للغرور أن يعتمر صدرك. انتبه، فالدّنيا فيها الكثير من المُخادعين الذين يتربّصون بك الدوائر، فابق هنا لا تطر. أتسمعني؟
كيكي كيكي... كيكي كيكي... لن أبقى.. لن أبقى.. أنا الدّيك... أنا... أنا.
طار الديك من مزرعته حتّى هبط على صخرةٍ شاهقةٍ، وكلّ الطرق إليها مسدودة، لأنّ جوانبها تقف كالجدران لا يمكن أن يتسلّقها أحد. وقال مُتفاخرًا: هنا أنا السّيد ولن يصل إليّ أحد.
هكذا اعتقد الديك نفسه. ولكن ما إن حطّ على الصخرة حتى رآه ثعلب كان في الجوار وجذبه صياحه... فقال: هذا هو صوت الديك. هو مَن أسعى إليه. آه لو كان بإمكاني أن أطير إليه.
عاد الديك يصيح: كيكي كيكي... كيكي كيكيييي...
دنا الثّعلب من الصّخرة وقال: غنّ أكثر... غنّ أكثر... صيحةً ثانيةً أرجوك. دعني أطرب من صوتك الشّجي.
مَن يتكلّم في منطقتي؟، قال الديك.
مَن؟ أتسأل مَن؟ أنا الثّعلب، صديقك الثّعلب.
أجاب الديك: لا صداقة بين الديَكة والثعالب.
لا، لا لا أنتَ مخطئ يا صديقي! لا خلاف بعد اليوم بين الحيوانات الكبيرة والصّغيرة.
مَن قال هذا القول؟
ألم تسمع الأخبار؟ قال الثعلب ضاحكًا. أنتَ عائش في غير هذه الدنيا.
أجابه الديك: هاتِ أخبرني، ما هي الأخبار التي تتحدّث عنها؟
اليوم أعلن سيّد الغابة الأمان بين جميع أبناء الحيوان إطلاقًا، من دون تفرقةٍ بين جنسٍ وآخر.
هذا كلام ليس له أساس من الصّحة.
صدّقني يا رفيقي الدّيك المُكرّم.
كيف أصدّقك؟ هذا الأمر لا يمكن أن يحدث.
ضحك الثّعلب: هُوُ هُوُ هُوُ... صار الهرّ اليوم صديقًا حميمًا للفأر، والذّئب صديقًا للحَمَل، ومشت الدّجاجة مع الثّعلب جنبًا إلى جنبٍ.
لا يمكن. هذا أمر لا يُصدّق.
إنّها الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، ولذا أطلب إليك يا أخي الدّيك أن تتفضّل وتنزل من على صخرتك هذه وتطير إليّ لكيّ نتصافح معًا ونصير أصدقاء وأحبّاء.
لا لا لا، هذا أمر لا يمكن أن يصدّقه عقلي. أتركني وشأني أرجوك، يا ثعلب.
إلى أين تطير؟ إلى أين ذاهب؟
أريد أن أبتعد عنك خوفًا من أن تغريني فأصدّقك.
الثّعلب: لا، لا، لا. تعال... تعال.
لم يأبه الدّيك بأقوال الثّعلب، فطار إلى صخرةٍ عاليةٍ منزلقةٍ لا يمكن أن يصل إليها الثّعلب، وراح يفكّر في أعماق نفسه: أنا مخلوق ذكيّ، يجب أن أحترس من كلام الثعلب لأنه لا يريد لي إلاّ الشّر.
وفكّر الثعلب في نفسه، وراح يتسلّق الصخور ليكون قريبًا مِنَ الديك ويقنعه بكلامه المعسول الرّقيق.
قال الثعلب لنفسه: يبدو أنّ هذا الديك ذكيّ وصعب الإقناع. فلأحاول مرةً ثانيةً أن أقنعه. وصاح: ما بالك يا ديك؟
مَن؟ أهذا أنتَ مرّةً أخرى، أيها الثّعلب اللّعين.
أنا نفسي.
ماذا تريد أن تقول الآن؟
لا أريد منك شيئًا. ولكن أحبّ أن أقنعك أنّ سيد الغابة أصدر أمرًا بأن تعيش كلّ حيوانات الغابة وكأنّها إخوة. هذا كلّ شيء.
فكّر الديك قليلاً ثم قال: أراك صادقًا فيما تقول يا ثعلب!
أرأيتَ؟ أنا ليس عندي أيّة غايةٍ، أنا أريد فقط أن أنقل المعلومات الصّادقة بأنّنا أصبحنا إخوةً، وعلى قَدَم المساواة.
طبعًا، طبعًا، وصداقتنا ضرورية.
بل هي ضرورية جدًا. هيّا رفرف بجناحيك من مكانك وطرّ إلي. هيا يا شاطر.. هيّا.
ضحك الديك وقال: ستفعل، سأفعل. وها هي الحيوانات تسير بأمانٍ لا يؤذي بعضها بعضًا.. وها هو الكلب يركض نحونا ليسلّم علينا.
ارتعب الثعلب وصاح: ماذا؟ كلب؟ تقول كلب؟ أين الكلب؟ أين الكلب؟
إنه قادم من بعيد، وأنا أراه وأنا هنا على هذا المرتفع.
أحقًا ما تقول يا ديك؟
صدّقني، صدّقني، ولكن ما بك يا صديقي الثّعلب؟ إلى أين.
وأطلق الثعلب قوائمه للرّيح وولّى هاربًا.
ضحك الدّيك قليلاً وقال: أين أنتَ يا ثعلب؟ لماذا تركض؟ ما بك يا صديقي؟ أما قلتَ إنّنا أصبحنا إخوة؟
نعم، نعم، قلت ذلك، ولكنني أخاف من هذا الكلب الخبيث.
ولماذا تخاف منه يا صديقي؟ التفِت نحوي وأخبرني قبل أن تغيب عن ناظري.
لأنّه، لأنه... لم يسمع نداء سيّد الغابة بعد.
ضحك الديك وقال: لم يسمع نداء سيّد الغابة؟؟!... إيّاك أن تصدّق ما يُقال. لا تأمَن أحدًا حتّى تجرّبه..
كيكي كيكي... كيكي كيكي... كيكي كيكي...

بلال نعيم
08-05-2009, 12:15 PM
الغزال الحزين

يُحكَى أنّ حربًا طاحنةً قامت في قديم الزّمان بين مملكتين عظيمتين، نَجَمَ عنها خسائر مادية وبشرية كبيرة. وقد راح ضحية الحرب صياد وزوجته، أتت النار على كوخيهما واحترقا فيه.
وكان للصياد المسكين فتاة وفتى. الفتاة اسمها سهاد والفتى اسمه هاد، وقد نجوَا من الموت بأعجوبةٍ، حيث كانا في الغابة يجمعان الحطب.
حزنت سهاد على فقدان والديها حزنًا شديدًا. ومضت الأيّام وهي تحاول بصعوبةٍ تدبير أمرها وأمر أخيها. فكانا يتعاونان على جمع الثّمار الجافة التي تسقط على أرض الغابة، أو يقتلعان جذور بعض الحشائش التي تُؤكل ليدفعا عنهما شبح الجوع...
وذات يومٍ، جلست الأخت سهاد وقالت لأخيها هاد: يا أخي الحبيب، لقد أصبحت الحياة شاقة، وتكاد لا تُطاق هنا. أظنّ أنّه من الأفضل لنا أن نغادر إلى مكانٍ أوفر غناء وأكثر ماء.
هزّ هاد رأسه علامة الإيجاب، فتناولت الأخت راحته وسارا باتجاه المجهول. أخذا يطويان المسافات، يتسلّقان تلالاً ويهبطان أوديةً حتّى أنهكهما التعب، فقال هاد لأخته، وقد شعر بالعطش الشديد: أختي، أختي! أنا عطشان، أريد ماء! فردّت سهاد: اصبر يا أخي الصّغير على الظمأ، فإنّنا بعد حينٍ سنصل إلى نبعٍ تنساب منه مياهٌ غزيرةٌ فتشرب منه ما تشاء. وتابعا سيرهما، والغابة صارت خلفهما، لكنّهما لم يقعا على نبع ماء.
ارتفعت الشّمس في قبة السّماء، وصار الهواء أكثر حرارة وجفافًا، واشتدّ عطش هاد الصغير وعيل صبره فوقع نظره على حفرةٍ صغيرةٍ مليئة بالماء، فانكبّ ليشرب بلهفةٍ، فمنعته أخته قائلة: إياك! إياك يا أخي أن تشرب من هذا الماء! فإنّك إن شربت تحولت في الحال إلى جَمَلٍ، لأنّ الحفرة فيها آثار أقدام جمل، فقد سحرتها عجوز لعين.
امتنع هاد عن شرب الماء وتحامل على عطشه وتابع السّير. وأخذت الحرارة تزداد، وأصبح الهواء يشتدّ سعيره، والعطش يتملّك من الصّغير ساعةً بعد ساعةٍ. وبعد برهةٍ من الزّمن، اعترضت الطريق حفرةً صغيرةً فيها ماء، فهرع هاد ليشرب. ومرةً أخرى منعته سهاد وقالت: انتبه! لا تشرب من هذه الحفرة واصبر على عطشك يا أخي، فقد مضى الكثير ولم يبق إلاّ القليل. وإذا أنتَ شربت من هذه الحفرة، سوف تنقلب فورًا إلى حصان، لأنّ الساحرة الشريرة أجرت سحرها ووضعت آثار حدوته في الماء.
حزن هاد وهو يمشي خلف أخته، وقد أخذت خطواته تتباطأ وأنهك العطش قواه.
وبعد حينٍ رأى حفرةً صغيرةً فيها بعض الماء. فهجم عليه يشرب بنهمٍ من دون أن يلتفت إلى تحذير أخته. وما إن استقرّت جرعة الماء في معدته، حتى انتفض في الهواء وانقلب إلى هيئة غزالٍ صغيرٍ.
أدركت سهاد أن سحر الساحرة الشريرة قد وقع، فبكت بكاءً مرًا وجلست على العشب حزينةً. وراح الغزال يدور حولها وقد اغرورقت عيناه بالدّموع. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story81.gif
حلّ الظلام واحتضنت الأخت أخاها الغزال حتى طلوع الفجر. وعندما استيقظت سهاد، رأت في الأفق شبح فارسٍ يقترب منها، فاضطربت وطوّقت عنق أخيها الغزال خوفًا من مكروهٍ يلحقه الفارس به. لكن الفارس كان أميرًا عظيمًا، تأثّر لمنظر الأخت والغزال. وثارت عاطفة نبيلة في نفسه، فتقدّم منهما وقال: "أيّتها الحسناء، هل تقبلين صحبتي إلى قصري؟ فأنا أمير هذه البلاد، سوف تنعمين بعيشٍ رغيد".
أطرقت الفتاة هُنيهةً قبل أن تردّ على الأمير، قائلةً: أقبل عرضك الكريم مع الشّكر، ولكنّ بشرط. استغرب الأمير وقال: وما هو هذا الشرط؟ فأجابت سهاد: إن أنتَ قبلتَ برفقة الغزال لي وعدم مفارقته أبد الدّهر.
عاد الأمير إلى قصره مُصطحبًا معه سهاد وأخاها الغزال. وعاش الجميع وسط مظاهر الفرح والبهجة.
وذات يومٍ، حضرت إلى القصر ساحرةٌ ماكرة وهي متخفّية في صورة امرأة طيّبة، وقد أوقعت سهاد تحت تأثيرها حين ادّعت لها أنها تستطيع إعادة الأخ الغزال إلى صورته الأولى، ولكن إن هي حفظت السّر ورافقتها إلى كهفها خارج المدينة، ووعدتها أنها ستحضّر العبارات اللاّزمة التي تفوق القوى التي سحرت هاد إلى غزال.
انطلت الخدعة على سهاد. وعندما وصلت الساحرة الشريرة بضحيّتها إلى الكهف، دفعتها إلى قعر بئرٍ كبيرة وأغلقت بابها بحجرٍ ضخمٍ. ثم حوّلت الشريرة نفسها إلى صورة سهاد، فارتدت ثيابها وعادت إلى القصر طمعًا بالفوز بقلب الأمير والزّواج منه عندما يحين الأوان.
وفعلاً، لم يلحظ الأمير ومَن كان معه في القصر أي اختلافٍ في سهاد الجديدة. وراحت تأمر الخدم وتنهر الحرس ولا أحد يعلم من أمرها شيئًا، وإن كان الجميع باتوا يستغربون تصرّفاتها.
أمّا سهاد التعيسة، فقد بقيت في قاع البئر لا أحد يدري بأمرها. الغزال وحده عَرَف أنّ التي في القصر وعلى هيئة أخته ليست سهاد وأدرك أن أمرًا خطيرًا قد حلّ بأخته. وصار، كلّما رأى الأمير، يدور حوله ويثغو ثغاء حزينًا والأمير لا يفهم ما يقصده الغزال. ولشدّة حزنه، امتنع الغزال عن الطعام، وبات لا يقرب العشب ولا الماء بل صار يخرج إلى الكهف قبل الفجر ويقف أمامه ويثغو ثغاء حزينًا ويعود إلى القصر قبل أن يستيقظ أهله.
في هذا الوقت، لاحظت الساحرة تبدّل تصرفات الغزال، فشكّت في أمره. وعندما راقبته مراقبةً شديدةً رأته يخرج إلى الكهف ويثغو ثغاء حزينًا، ثم يعود قبل طلوع الشمس، فخشيت أن يفتضح أمرها لدى الأمير، وأضمرت للغزال شرًا مُستطيرًا.
ألحّت السّاحرة الشريرة على الأمير بذبح الغزال ودعوة الأمراء والأعيان إلى حفل عشاءٍ فاخرٍ يطلق البهجة في أجواء القصر. ثم أمرت الخدم بإيقاد النار تحت القدور النّحاسية وشحذ السّكاكين لذبح الغزال. اكتشف الغزال أمر ذبحه، فهرب إلى الكهف وأخذ يبكي بكاء مرّا ويطلق أصواتًا حادةً حتى تمكّن من النطق بلغةٍ فصيحةٍ، فهَتَف وقال: أختي الحبيبة سهاد،‍ اخرجي من قاع البئر وساعديني لأتخلّص من يد الساحرة الشريرة. لقد أشعلت النيران ووضعت القدور النّحاسية ملأى بالماء فوقها؛ لقد شحذت السكاكين ودعت أصدقاء الأمير الطّيب إلى حفل هذا المساء وقد زُيّن القصر وسيكون لحمي طعامًا لهم!
بلغ صوت هاد مسامع أخته سهاد وهي في أعماق البئر، فصرخت بأعلى صوتها: أخي، أخي الحبيب هاد‍، إن كتفي أختك سهاد مشدودتان بحبلٍ غليظٍ، وإنّ قدميها مربوطتان إلى حجرٍ ثقيلٍ. هي في قاع بئرٍ عميقةٍ لا تقوى على مساعدتك.
وخرج صوت سهاد من الكهف عاليًا وقويًا وتردّد صداه في أرجاء الوادي، فبلغ مسامع بعض الجَبَلييّن، فأسرعوا إلى القصر وأبلغوا الأمير بالأمر العجب. فهَرع الأمير إلى الكهف وأخرج سهاد من البئر. وعندها، أسرع الغزال يمرّغ خدّيه على خدي أخته. وهنا حصل الأمر العجيب.‍
فعندما امتزجت دموع الغزال الحزين بدموع أخته، عاد إلى صورته الإنسانية، فَسَرَت موجةٌ من الفرح الشّديد في الحشود التي وقفت خلف الأمير. وعاد الجميع إلى القصر، بعد أن أعلمت سهاد الأمير بقصّتها.
أمّا الساحرة الشريرة، فقد رُبِطَت إلى حجرٍ ثقيلٍ، وأُلقِيَت في البئر، وصارت الآبار المهجورة حتّى يومنا هذا مدفنًا للسّاحرات الشّريرات.
عاش الأمير- بعد أن تزوّج من سهاد- سعيدًا ونَعمَ الجميع بالطّمأنينة، وصار هاد بعد أن أصبح شابًا وزيرًا عند الأمير. وعمّ الخير والسّرور الإمارة كلّها...

بلال نعيم
08-05-2009, 12:16 PM
سدّ سـبأ العظيم

كان في قديم الزّمان، في بلاد اليَمن، ملك عظيم اسمه "يعرب بن قحطان". وقد استطاع هذا الملك، وبقيادته الحكيمة، أن يتغلّب على أعدائه جميعهم ويحكم مدّةً طويلةً من الزمن. وكان له عدد كبير من الإخوة والأبناء اعتمد عليهم في تسيير أمور البلاد الواسعة التي حكمها.
خلف "يعرب" في الملك ابنه "يشجب". وكان ملكًا عادلاً يملك قصرًا جميلاً بُنِيَ فوق ربوةٍ عاليةٍ، وزُيِّن بالصّوَر والنقوش الهندسية، وكان له ولدٌ ذكيّ اسمه "سَـبأ".
كان الإبن يشبه أباه في أخلاقه وحبّه للشّعب، ولكنّه كان يكره الحفلات والإجتماعات الصاخبة التي كانت تجري في قصر أبيه الملك. لذلك كان يقضي معظم أوقاته في الحقول والبساتين مع العمّال والفلاّحين، يُشاركهم حياتهم ويتحسّس آلامهم، ويفكّر في حلّ مشاكلهم.
جعل ذلك السلوك الملك يخاف على مستقبل ابنه. فالآباء لا يهمّهم شيء في الحياة أكثر من مستقبل أولادهم. لذلك قرّر مفاتحة ابنه في الأمر. فقال له: "يا بُنَيّ، إنّ غيابك عن الإجتماعات التي تُعقَد في القصر، يضيّع عليك فرصة التعلّم واكتساب الخبرة، فتعجز في المستقبل عن إدارة شؤون الدّولة". فأجابه سَبـأ: "أنتَ على حقٍ يا أبي، يجب على الإنسان أن يتعلّم. لكن اكتساب الخبرة يجب أن يكون عمليًا، ومِن الأفضل للحاكم أن يختلط بالشّعب ليتعرّف إلى آلامه وحاجاته فيُعالجها".
اقتنع الملك بوجهة نظر ابنه ودعا له بالتّوفيق.
وذات يومٍ، خرج سبأ من قصر أبيه، ومشى نحو الحقول مُطرقًا يفكّر في أمرٍ مهمٍ هو: كيف يمكن توفير المياه للبلاد عندما تنحبس الأمطار؟
وقف على قمّة جبلٍ، وأخذ يتأمّل جدولاً صغيرًا ينساب في أعماق الوادي، فحدّث نفسه قائلاً: "إذا كانت قطرات المطر الصغيرة تتجمّع فتشكّل سيولاً جارفةً، أفلا يمكن خزن مياه هذا الجدول في الشّتاء فتتجمّع مياه كثيرة ندخرها ونستعملها حسب الحاجة؟". وأراد أن يجري تجربةً، فنزل إلى الجدول، وأخذ يردم مجراه بالحجارة والتراب، فلاحظ أنّ المياه تتجمّع ثم تجرف الجدار الصغير الذي أنشأه.
عندما تعب من تكرار العمل، جلس في ظلّ شجرةٍ قريبةٍ وأخذ يفكّر في ما يجب عليه عمله. وبينما هو على هذه الحال، وقع نظره على يمامةٍ تحلّق في الفضاء وهي تحمل في منقارها قشّةً صغيرةً، ثم تقف على رأس شجرةٍ عاليةٍ، فتضع القشّة بين أغصانها، ثم تطير وتغيب عن النّظر لتعود بعد قليلٍ، وقد أحضرت قشةً أخرى تضعها مع الأولى. وهكذا استمرّت تفعل طوال النهار. فقال في نفسه: "إذا كانت هذه اليمامة الضّعيفة تستطيع بفضل حكمتها وصبرها أن تحقّق هدفها وتبني عشّها، فكيف لا أستطيع أنا بمساعدة الشّعب كلّه أن أبنيَ سدّا عظيمًا يجمع مياه الجداول والأمطار؟"
عاد سبأ إلى أبيه، وأخذ يشرح له أفكاره، لكنّ الملك لم يهتم كثيرًا لحديث ابنه لإنشغاله بأمورٍ أخرى، الأمر الذي أزعج سبأ وجعله يفكر في التخلي عن مشروعه. لكنه لما عاد إلى نفسه، تذكّر كفاح اليمامة في بناء عشها، فلم ييأس، بل ذهب إلى المهندس البابلي المشهور " حبيب " وشرح له مشروعه وأفكاره.

كان حبيب مُهندسًا بارعًا وكان يهتم بأيّة فكرةٍ تُطرَح عليه. لذلك خرج مع سَبأ إلى الوادي، ووقف معه عند المكان الذي حاول فيه سبأ بناء سدّه الصغير، فحَسَب عدد العمّال الضّروريين لبناء السّد، وكمية المياه التي يمكن خزنها وكيفية بناء الأنفاق والأقنية لنقل المياه إلى المزارع والحقول. وعندما انتهى من حساباته، هتف بصوتٍ عالٍ: "يا إلهي، كيف لم أتنبّه لهذا الأمر؟" ثم التفت إلى سبأ وقال: "أيّها الأمير، إن أقامة سدٍ في هذا المكان ستكون أعجوبة العصور. وأنّني أطمح أن أظهر مواهبي هنا في "اليمن السّعيد" فأشتهرُ كما اشتهرت في بلادي بابل العظيمة".
وحَدَث أن انحبَست الأمطار في تلك السّنة، وحلّ القحط بالبلاد، وبدأت مياه الآبار تجفّ. وبينما كان النّاس يهجرون قراهم مُتّجهين إلى أماكن تجمع المياه الصغيرة في الجبال، كان المهندس البابلي حبيب يضع مع سبأ مخطّطات المشروع العظيم.
وعندما دعا الملك "يشجب" كبار قومه إلى الإجتماع في القصر لتدارس الأمر، والبحث عن حلٍّ يحميهم من الكارثة التي حلّت بهم، حضر سبأ والمهندس البابلي ومعهما خرائط مشروعهما، وجلسا بين النّاس يستمعون إلى المناقشات.
بَدأت الجلسة، واحتدم النّقاش، ولم يستطع المجتمعون الوصول إلى نتيجةٍ. فبعضهم أشار بالهجرة إلى بلاد ما بين النهرين في العراق حيث تكثر المياه والمراعي، ومنهم مَن اقترح هجرةً قريبةً إلى أماكن تجمع المياه في الجبال بانتظار هطول الأمطار، ومنهم من قدّم اقتراحات غريبة لا تقبلها العقول السّليمة..
ولمّا عَلَت أصوات القوم بالنقاش، وقف المهندس البابلي وقال بصوتٍ هادئٍ: "أيّها القوم، إنّ أفضل حلٍ لمشاكلنا هو نجاحنا بالإحتفاظ بمياه الشّتاء في خزّانٍ كبيرٍ، ثم نَقلِها واستعمالها عندما تدعو الحاجة إليها في فصل الصيف".
ولمّا سمع القوم المُجتمعون هذا الكلام، حدث هرج ومرج، وعلت بعض الأصوات: لا مجال للمزاح الآن وإضاعة الوقت! ولكن هدوء حبيب جعل جميع الحضور يصمتون، ثم قال أحدهم: "وكيف نجمع المياه وننقلها".
ردّ حبيب: "الجواب عند الأمير سبأ".
تطلّع الجميع إلى الأمير سبأ بإكبارٍ، فأخذ الأمير يشرح لهم مشروع السد، مُستعينًا بالمخطّطات التي أعدّها المهندس البابلي حبيب.
ودار النقاش مُجددًا، وتضاربت الآراء، ثم انفض الإجتماع بالإتفاق على إقامة "سدّ سبأ" في الوادي الكبير، وهو السّد ذاته الذي يسمّونه أيضًا: "سدّ مأرب".
خرج أهالي اليمن كلّهم، رجالاً ونساءً، يعملون في السّد بإشراف سبأ والمهندس حبيب. ولم يمض طويل وقت حتى بدأ السد بالإرتفاع شيئًا فشيئًا.
واهتم الملك بتنفيذ المشروع، فصرف كلّ ما لديه من أموالٍ في بناء السّد. وعندما انتهى بناؤه بعد شهورٍ وسنينٍ طويلة من العمل الشّاق، كان آيةً في الجمال وأعجوبةً هندسيةً لا مثيل لها في ذلك الزّمان.
وبينما كان اليمنيون يحتفلون بانتهاء البناء، هطلت الأمطار بغزارة وبدأت المياه تتجمّع خلف السد.
وعندما أقبل الربيع، بدأت المياه تنساب في الأقنية من السدّ العظيم لتسقي المزروعات، وعمّ الخير جميع الفلاحين، وحافظ اليمن على اسمه "اليمن السّعيد".
ومرّت الأيام، ومات الملك يشجب وسبأ والمُهندس حبيب، لكنّ إسم "سـبأ" بَقي على مرّ الأيام، حتّى بعدما تهدّم سدّه العظيم. وهكذا يُخلّد كلّ عملٍ عظيمٍ صاحبه على مرّ الأيّام والعصور.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:17 PM
سرّ الثوب الأَسوَد

كان في قديم الزّمان، في أحد بلاد آسيا حاكمٌ عظيم الشأن، وكان له ولد وحيد اسمه إبراهيم.
عندما تقدّم الحاكم في السّن استدعى ولده الوحيد، وقال له: "لقد كبرتُ يا ولدي وصرتُ هرمًا، ولن أستطيع الإستمرار في الحُكم. لذا يجب أن تستعدّ لتتسلّم الحكم قريبًا". وتابع الأب كلامه: "وعليك قبل ذلك أن تتزوّج، وتصبح رب عائلةٍ... وأنصحك بالبحث عن فتاةٍ عاقلةٍ ذكيةٍ تصلح لأن تشاركك مسوؤليات الحياة والحكم".
اقتنع الأمير إبراهيم بكلام والده، فامتطى حصانه، وسار يبحث عن فتاةٍ تصلح أن تكون زوجةً له. وفي طريقه صادف كثيرًا من الفتيات الجميلات، ولكنّه لم يعجب بأيّة واحدةٍ منهنّ. وتابع طريقه. وإذا به يرى، ذات يومٍ، فتاةً مزارعةً تقطف ثمار التّفاح من أحد البساتين. فأعجبه وجهها الجميل الحزين.
نزل الأمير عن حصانه، واتّجه نحو الفلاّحة الجميلة الحزينة وسألها: "مَن أنتِ؟"
فأجابت: أنا مُزارعة أهتمّ بهذا البستان، وأقطف ثماره، وأنتَ ماذا تعمل ؟". فأجابها: "أنا أبحث عن فتاةٍ أتزوّجها... هل تقبلين الزّواج مني؟"
احمرّت وجنتا الفتاة، وصمَتَت لحظةً. ولكنّها استعادت رباطة جأشها وقالت: "حسنا... ولكن ألا تستطيع أن تصنع شيئًا ما بيديك؟" أجابها الأمير: "أنا لم أفكّر بهذا الأمر من قبل".
استغربت الفتاة كلام الأمير وقالت له: "أنا لا أتزوّج رجلاً ليست له مهنة، أو عمل مُعيّن". فكّر الأمير في كلام الفتاة مليّاً، وامتطى حصانه بسرعةٍ وعاد إلى قصر أبيه ليخبره بما جرى معه، مُبديًا إعجابه بالفتاة المزارعة لأنّها ذكية وعاقلة وتصلح لأن تشاركه حياته العائلية والسّياسية. وقال لأبيه: "أريد أن أتعلّم مهنةً نافعةً لكي أنال إعجابها فتوافق على الزّواج منّي..".
فما كان من الوالد العجوز إلاّ أن أحضر لإبنه أعظم نسّاجٍ للثياب في البلدة ليعلّمه هذه الحِرفة. واستطاع الأمير خلال مدةٍ قصيرةٍ أن يتعلّم هذه المهنة، وأن يصنع ثوبًا جميلاً أخضر.
أخذ الأمير الثّوب الجميل وسار قاصدًا الفتاة ليثبت لها أنّه تعلّم مهنةً تجعله زوجًا مناسبًا. وكان الثوب مُتقَن الصّنع، فأعجب الفتاة ووافقت على الزّواج من الأمير. وعادا معًا إلى القصر لإتمام مراسيم الزّفاف.
بعد الزواج، طلبت الفتاة إلى الأمير أن يتعرّف بمشاكل الناس وأن يسعى لحلّها، فوافقها. وارتدى ثيابًا تدلّ على أنه نسّاج، وسار وسط الناس، لكنّه وقع في يد عصابةٍ من قطّاع الطرق، ولمّا عرفوا أنه ابن حاكم البلاد طمعوا في أمواله، وأصرّوا على ألا يتركوه حتى يعطيهم ما يطمعون به..
طلب إليهم إبراهيم أن يعطوه فرصةً لصناعة ثوبٍ يبيعه للأميرة وهي تعطيهم ما يشاؤون من الأموال. واستطاع الأمير أن ينتهي من صناعة الثوب خلال مدةٍ قصيرةٍ.
أخذ زعيم العصابة الثوب وسار به إلى قصر الأمير وسلّمه إلى الزّوجة، فأدركت أنّ الثوب من صُنع زوجها، وأن اللّون الأسود يدلّ على أنّه في خطرٍ. فتسلّمت الثوب وأعطت زعيم العصابة كيسًا من المال، وأمرت الجنود أن يلحقوا به ويستدلّوا على مكان وجود الأمير. وبالفعل، استطاع الجنود أن يقبضوا على زعيم العصابة وأعوانه.
وهكذا خرج الأمير من سجنه وعاد إلى القصر، فاستقبلته زوجته الذّكية بالترحاب والحفاوة.
ازداد إعجاب الأمير بزوجته، وعاش الزوجان حياةً ملؤها السّعادة والهناء، وأنجبا بنات وبنين.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:20 PM
طـرفـة

خرج أعرابي قد ولاّه الحجّاج بعض النواحي فأقام بها مدةً طويلةً. فلمّا كان في بعض الأيام، وَرَدَ عليه أعرابيٌّ من حَيّه فقدّم له الطّعام وكان إذ ذاك جائعًا، فسأله عن أهله وقال: ما حال ابني عُمَير؟
قال: على ما تحبّ قد ملأ الأرض والحيّ رجالاً ونساءً.
قال: فمَا فَعَلَت أم عُمَير؟
قال: صالحة أيضًا.
قال: فما حال الدّار؟ قال: عامرةً بأهلها. قال: وكلبنا أيقاع؟ قال: قد ملأ الحيّ نباحًا. قال: فما حال جَملي زريق؟ قال: على ما يسرّك.
التفتَ عندها إلى خادمه وقال: إرفع الطّعام. فرفعه ولم يسمع الأعرابي. ثم أقبل عليه يسأله، وقال: يا مبارك النّاصية، أعد عليّ ما ذكرت. قال: سل ما بدا لك. قال: فما حال كلبي أيقاع؟ قال: مات. قال: وما الذي أماته؟ قال: اختنق بعظمةٍ من عظام جَمَلك زريق، فمات. قال: أَوَمات جملي زريق؟ قال: نعم. قال: ما الذي أماته؟ قال: كثرة نقل الماء إلى قبر أم عُمير. قال: أَوَماتت أم عمير؟ قال نعم! قال: وما الذي أماتها؟
قال: كثرة بكائها على عُمير. قال: أَوَمات عُمير؟
قال: نعم. قال: وما الذي أماته؟ قال: سَقَطَت عليه الدّار.
قال: أَوَسقطت الدّار؟
قال: نعم. فقام له بالعصا ضاربًا فولّى هاربًا!

بلال نعيم
08-05-2009, 12:21 PM
قوة بالإتحاد

يحكى أن المهلب بن أبي صفرة أراد أن يوصي أولاده بوصية تنفعهم في حياتهم حينما قربت منيته، فجمعهم في مكان وأحضر كثيراً من الرماح، ووضع بعضها بجانب بعض، وأمر واحداً منهم ليكسرها فلم يقدر. ثم أعطى آخر إياها ليكسرها فلم يقدر أيضاً. وهكذا فعل مع البقية. ثم فرّق بعضها عن بعض وأعطى واحداً رمحاً فكسره، وأعطى الثاني آخر فكسره، وهكذا مع الباقين.

ثم قال لهم: يا بني! أنتم كهذه الرماح. إن عشتم في وئام وائتلاف لا يستطيع العدو إذلالكم، وإلا خذلكم وشتت شملكم.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:22 PM
القرصة

كان لامرأة سبعة أولاد، وكانوا يتمنون أن ترزق أمهم أختا لهم، تعينها على أعمال البيت، ويفرحون بها.

وكانت الأم ذات يوم توشك أن تلد من جديد.

خرج الأبناء للصيد بعد أن اتفقوا مع أمهم أنها إذا أنجبت ولداً أن تعلق بندقية عند مدخل البيت، وإذا أنجبت بنتا أن تعلق المنخل، حتى يعرفوا ماذا وضعت قبل أن يصلوا إلى البيت.

خلال النهار وضعت الأم بنتا جميلة، وعلقت على الباب بندقية بدلا من المنخل. وفي المساء لما رأى الأولاد البندقية، اعتقدوا أن أمهم وضعت ولدا وقرروا أن يقوموا برحلة كانوا فكروا بها قبل فترة. ويبدو أن البلد التي سافروا إليها أعجبتهم فعاشوا فيها ولم يعودوا إلى بلادهم.

كبرت البنت وأخذت تسأل عن إخوتها السبعة الذين سمعت عنهم ولم ترهم، وكم كانت تتمنى عودتهم.
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story86.jpg
وذات يوم ذهبت البنت إلى الفرن لتخبز قرصة صغيرة. وفي طريق عودتها سقطت القرصة من يدها وأخذت تتدحرج والبنت تجري وراءها حتى استقرت بباب بيت، فدخلته ورأت أن المكان مهمل وقذر، فرتبت الثياب والفراش، وأعدت الطعام، وملأت الجرة بالماء، ثم اختبأت وراء الفراش.

جاء الأولاد، فدهشوا لبيتهم المرتب ولرائحة الطعام الشهي. فقالوا: لا بد أن في البيت امرأة.

وصاح أحدهم: يا من رتبت البيت.. لا تخافي.. لن نؤذيك.. أخرجي، فنحن نريد أن نراك ونشكرك.

خرجت البنت من مخبئها، وحكت للأولاد قصتها. فقال احدهم: والله هذه أختنا.. ما اسم أمك يا بنت؟ قالت فلانة..

وما اسم أبيك؟ قالت: فلان..

فتأكدوا أنها أختهم، فبقيت معهم تعتني بهم وتقوم بكل ما يحتاجون إليه. وذات يوم، كانت الصبية تجلس إلى جوار النار تأكل حبة فاكهة وبجوارها قطتها. فقالت لها القطة: أطعميني مما تأكلين وإلا أطفأت النار. فقالت لها الصبية: لقد أكلت آخر قطعة منها ولم يبق معي شيء. فأطفأت القطة النار. ولم يكن لدى البنت ما تشعل به النار، فبدأت تبحث عن شيء توقد به النار، فرأت في الجبل المقابل نارا، فذهبت إليها.

لما وصلت المكان، وجدت غولاً كبيراً قد أشعل شجرة ليشوي عليها بقرة ليأكلها. فسلمت عليه البنت وطلبت منه شعلة نار. فأعطاها وعادت إلى منزلها. وتبعها الغول حتى يعرف بيتها.

وفي اليوم التالي، ذهب الغول إلى بيتها بعد خروج إخوتها، ودق الباب وطلب منها أن تخرج إصبعها ليمصه. فأطاعته، ومص قليلا من دمها. وصار يعود إليها كل يوم ويمص شيئا من دمها، حتى ضعفت. وسألها إخوتها عن سبب ضعفها، فحكت لهم حكايتها مع الغول. فقال الأخ الأكبر: سأبقى اليوم في البيت مع أختنا، اذهبوا أنتم للصيد. فذهب الإخوة وظل الكبير مختبئا خلف الباب.

جاء الغول كعادته، وطلب من البنت أن تمد إصبعها ليمص دمها، لكنها رفضت أن تفتح الباب وقالت له: لن أمد إصبعي. إن كنت قويا اخلع الباب. فخلع الغول الباب، فضربه أخوها بسيفه فمات، وجره الإخوة إلى الوادي.

كانت للغول أخت، أخذت تبحث عن أخيها، وتنكرت في شكل عجوز. وذات يوم لقيت الغولة البنت، وأخذتا تتحدثان، فأخبرتها البنت أثناء الحديث أن غولا كان يمص دمها كل يوم، وأن أخاها الأكبر قتله ورماه في الوادي. فكتمت الغولة ما في نفسها وقررت أن تنتقم.

وفي اليوم التالي تنكرت الغولة في ثياب أخرى وتظاهرت أنها تبيع الأحذية. فاشترت البنت سبعة أزواج منها لإخوتها. وبمجرد أن لبس إخوتها الأحذية تحولوا إلى ثيران.

فوجئت البنت بما حدث، وأخذت تبكي وتنوح، ولكن ذلك لم يغير من الأمر شيئا. فأخذت الثيران ومشت حتى بلغت قصرا عظيما جلست تستظل بظله.

رأتها خادمة القصر، فأسرعت تخبر سيدها عن الحورية الجالسة بقرب القصر. فأمر ألسلطان بإحضار البنت، فلما رآها أعجب بها وعرض عليها أن تتزوجه. فوافقت على شرط أن تبقى الثيران السبعة معها لأنها عزيزة عليها ولا تستطيع أن تفارقها. فوافق السلطان وتزوجا وهجر السلطان كل الناس. فأثار تصرفه غيرة زوجاته القديمات. فقررن أن يتخلصن منها.

وذات يوم كانت الصبية جالسة بجوار بئر وكان ابنها في حضنها، فدفعتها ضرائرها إلى الماء، فبلعها الحوت هي وابنها.

وكان السلطان يتجول في حديقة القصر، ومر بجوار الإسطبل فرأى الثور الصغير يبكي. فغضب لبكائه وأمر بذبحه. فصاح الثور: يا أختي، يا أختي، لقد أحضروا السكاكين لذبحي وهيأوا القدور لطبخي.

فردت عليه أخته وهي في بطن الحوت بصوت سمعه كل من في القصر: يا أخي الحبيب، أنا في بطن الحوت وابن السلطان في حضني.

أسرع السلطان ورجاله لإنقاذها وأخرجوها من بطن الحوت هي وابنها. وفرح السلطان بهذه الثيران التي كان أحدها سبب إنقاذ زوجته وابنه.

وذات يوم جاءت الغولة إلى زوجة السلطان على هيئة ماشطة وقامت بتمشيط شعرها، فتحولت إلى حمامة طارت في الفضاء. وبحث السلطان عن زوجته فلم يجدها. وذات يوم رأى السلطان ابنه يركض وراء الحمام ويحمل حبات من القمح في راحتي يديه ويطعم حمامة معينة.

فسأله السلطان: لماذا تطعم هذه الحمامة
فرد الولد: إنها أمي.

ضحك السلطان وأمسك بالحمامة، وصار يداعب ريشها، فاصطدمت يده بمشط صغير. ولما أخرج المشط من بين الريش انتفضت زوجته واقفة أمامه.

ذهل السلطان لما رأى، وسأل زوجته عن سر ما حدث، فقالت وهي تبكي: الغولة يا سلطان!! الغولة سحرت إخوتي ثيرانا.. وحولتني إلى حمامة.. الغولة تتبعني من مكان إلى مكان.

أمر السلطان عسكره بالبحث عن الغولة في كل مكان وإحضارها إليه. وعندما عاد العسكر بالغولة قال لها السلطان: أعيدي إخوة زوجتي كما كانوا وإلا أحرقتك.

رفضت الغولة. فأخذ السلطان يهددها. وأثناء الكلام دخل أحد الحراس وقال: كنا نصب الماء على أحد الثيران فانقلب إلى شاب رائع الجمال.

فرح السلطان بالخبر، وفرحت الزوجة، وصبوا الماء على باقي الثيران فعادوا شبابا..

ونادى المنادي في عاصمة السلطان: من يحب السلطان وزوجة السلطان فليأت بحزمة حطب وشعلة نار.

فأشعلوا نارا عظيمة، وألقوا الغولة فيها لتحترق.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:23 PM
النبتة الصغيرة

تغلغلت أشعة الشمس في التراب فانتعشت بذرة رطبة ترقد في جوف الأرض وخرجت إلى سطحها نبتة صغير خضراء .

علا صوت نبتة: آه ما أجمل أن تخرج النبتة من تحت الأرض إلى ما فوق الأرض. وغرّدت العصافير فرحة.
من هذا الذي يغرّد هنا ؟ قالت النبتة.
هذا أنا العصفور. ما بالك يا نبتة تتكلمين وحدك؟
أنت العصفور‎؟
نعم.
شرّفت يا عصفور. سألتني لماذا أتكلم وحدي. السبب يا عصفور هو أني مسرورة جدا. فلقد خرجت لتوي من تحت سطح الأرض ووجدت أشعة الشمس منعشة وكل شيء فوق الأرض جميل هنا .
هو، هو،‍ ماذا تقولين؟ لو تشاهدين ما أشاهده من الدنيا وأنا أحلق في الجو وأطير من مكان إلى مكان ؟
أحقّا ما تقول يا عصفور؟
صدقيني يا نبتة .
احك لي. ماذا رأيت؟
رأيت بيوتا وأشخاصاً وأشجاراً وسيارات وأولادا وتلاميذ وحيوانات.. آه... ماذا أقول يا نبتة؟ إنها دنيا عظيمة أراها كل مرة أطير من مكان إلى آخر.
قالت حبّذا لو بإمكاني أن أطير مثلك. اسمع يا عصفور.
ماذا يا نبتة .
لماذا لا تنقلني من مكاني وتحملني بمنقارك وتطير بي لأرى الحياة كما تراها أنت؟
لا، لا لا أستطيع أن أفعل ذلك .
لماذا؟ http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story88.gif

أولا أنا لا أقوى على حملك، وثانيا لا أقوى على اقتلاعك من مكانك .

آه ! ليتك تقدر يا عصفور.

وتطلعت النبتة حولها وأخافتها المسافات المترامية الملونة، وهزّ أوراقها شيء لم تره ولكنها أحسّت به يمر فوقها.
قالت: آه... ما هذا الذي يحركني؟
هذا أنا. أنا النسمة .
ما أنعشك يا نسمة!
أنا أمر في كل مكان وأنعش الأجواء في كل مكان أمر به.
تمرين في كل مكان يا نسمة؟
نعم يا عزيزتي.
إذا كان الأمر كذلك فأرجوك أن تنقليني معك.
كيف أنقلك؟ أنا خفيفة، لا أستطيع أن أحملك.
آه ليتني أستطيع أن أتحرك وأسير من مكاني لأتفرّج على العالم.

كانت طموحات النبتة كبيرة، ولأنها لم تتمكن من تحقيقها فراحت تبكي .
من يبكي على ضفتي؟ ها ...!
هذه أنا... أنا النبتة ... من أنت؟
أنا النهر يا عزيزتي. إنما أخبريني... لماذا تبكين؟
أبكي لسوء حظي يا نهر.
لماذا؟
حكى لي العصفور عن الدنيا التي يطير فوقها فطلبت منه أن يقتلعني ويحملني معه لأتفرّج على العالم فرفض. وكذلك فعلت النسمة، وحجتهما أنهما لا يقويان على حملي.
ضحك النهر: ها ها ها، أحقا تريدين أن تتفرجي على العالم؟
طبعا يا نهر .. وبكت.
لا تبكي... فأنا أحكي لك عنها ... أنا أجتاز الحقول وأجاور الجبال وتلامس مياهي جوف البحر في كل يوم .
أرجوك يا نهر إن تأخذني معك، سأكون لك شاكرة.
قال النهر: ولكن الأرض تتشبث بك، فأنت بنت الأرض أيها النبتة. حملتك في جوفها وغذتك وما زالت تغذيك.
ولكنك أنت ترحل، والعصفور يرحل، فلماذا أبقى أنا هنا ثابتة في الأرض؟
أنت مخطئة أيتها النبتة ! فالعصفور يعود آخر كل يوم إلى عشه، وأنا لا أغادر ارضي، وأسقيها باستمرار. فمائي دائم التدفق ومجراي باق أبدا، ومهما بعدت فإن مياهي تعود محمولة فوق الغيوم وتغذي الينابيع والأرض من جديد.
أرجوك ، خذني معك يا نهر!
آه... لا .. لا .. لا يا نبتة. ابقي حيث أنت في أرضك.

استمرت النبتة تبكي وتبكي من أعماق صدرها. ومر أرنب بقربها. فاستوقفه بكاؤها....
هه ... ما بك يا نبتة؟ لماذا تبكين ؟
من أنت أولا لأقول لك ما بي .
أنا الأرنب.
أجابت النبتة : أنا أبكي لأني أريد أن أترك الأرض وأرحل لأتفرج على العالم. أرجوك ساعدني يا أرنب.!
كيف أساعدك يا نبتة؟
اقتلعني من مكاني، أرجوك. واقذف بي في النهر، فيحملني إلى حيث أستطيع أن أرى العالم.
حسنا، إذا كان هذا مرادك، فليكن ما تريدين. هه ، ها قد اقتلعتك .
شكرا لك يا أرنب.

اقتلع الأرنب النبتة كما يقتلع جزرة من الأرض ورمى بها في النهر.

فرحت النبتة وصرخت: أنقلني جيدا يا نهر! هيا أنقلني!
ضحك النهر وقال: أنا قد حملتك فوق مياهي، فتمتعي بمشاهدة هذه المناظر الجميلة!

كان الفرح يمتلك النبتة وهي تشاهد الغيوم والحقول والأزهار والعصافير والجبال، ولكنها شعرت بعد مدة ببرودة الماء تسري في كل أجزائها، وافتقدت دفء الأرض.

أرجوك يا نهر أرجوك ..!
ماذا تريدين؟
أرجوك أن تلقيني على الضفة. أنا بردانة!...
حسنا، حسنا، اذهبي إلى الضفة .
شكرا يا نهر وصلت. ولكن يا نهر، أخبرني لماذا لا أقوى على النهوض على ساقي؟
لأن الأرض لا تمسك بك، قال النهر.
أذن فأنا لن أستطيع الوقوف؟ أشعر أن أوراقي بدأت تذبل. أرجوك يا نهر...
ماذا تريدين؟
كنت حمقاء حين تركت أرضي. وأنا أطلب منك يا نهري العزيز غدا حين تعود إلى مكاني أرجوك ألا تدع أخواتي النبتات تغادر أرضها .

أن لا حياة لنا من دون الأرض، آه ! لن أنسى ولن أدع أحدا ينسى أن لا حياة للمخلوقات إذا كانت بعيدة عن أرضها .

بلال نعيم
08-05-2009, 12:23 PM
الهر طبّوش

سُمع صوت مواء قطط...
طبوش... يا طبّوش... أين أنت يا حبيبي؟
نعم يا أمي! أنا هنا. [يقول بنفسه، بدأت بطلباتها].!!
ماذا قلت يا طبّوش؟
أقول أنا هنا يا أمي، ماذا تريدين؟
تعال... تعال يا صغيري.... تعال ساعدني يا طبوش....
بماذا تريدين أن أساعدك؟ ( لنفسه): آه... لقد عادت تعمل على تسخيري!
ماذا قلت يا طبوش؟
ماذا تريدين مني؟
اذهب إلى النبع يا بني واملأ هذه الجرة ماء.
ماذا يا أمي؟
اذهب، واملأ هذه الجرة من النبع.
استلقى الولد وقال لأمه: اريد أن أتشمّس! دعيني مرتاحا.
ماذا ؟ تريد أن ترتاح؟
أقول أنا لا أحب أن أنزعج!
تنزعج؟ إنك لا تحب أن تنزعج! قالت الأم مستغربة.
لا أعني ذلك! ولكن الجرة ثقيلة، والطريق إلى النبع بعيدة، يا أمي!
أوه! كم أتمنى أن أطلب منك شيئا دون أن تتأفف أو تتذمّر.
آه .. أنت دائما تريدين أن أقوم بأعمال لك!
أنا أريد أن تساعدني يا طبوش في هذه الخدمة!
في هذه الخدمة! كم أتمنى أن يمضي يوم واحد دون أن تطلبي مني خدمة!
يا طبوش، الحياة كلها خدمات...ألا أخدمك أنا؟ ألا أطبخ لك الطعام؟ وأهتمّ بك؟ وأسهر على راحتك؟
نعم يا أمي .
أنا أطلب منك أن تخدمني قليلا فترفض.

أنا لا أرفض، لكنني تعب.
طيّب! إذا كنت لا تريد أن تساعدني فانتظر مني ما يسرك يا طبوش. قالت الأم بلهجة فيها تهديد.
بكى طبوش وقال كم أنا تعيس!
اسمع يا طبوش! الجرة هنا قرب الباب، ستنهض وتحملها وتذهب بها إلى العين لتملأها ماء وتعود بها. معك عشر دقائق لا أكثر ولا أقل! إن عدت ووجدتك لم تنفذ طلبي سترى ما لا يسرّك! أفهمت؟
هذا كثير!
أنا ذاهبة الآن، وسأعود لأرى هل نفذت أمري أم لا. مفهوم يا طبوش؟


سمع طبوش صوت أرنب.
قال الأرنب: ما بك يا طبوش؟ لماذا تبكي؟ أخبرني.... هل أستطيع أن أساعدك؟ عهدي بالهررة الصغيرة أنها لا تبكي، بل تلعب وترقص.
استمر طبوش في بكائه وأجاب: ماذا أقول لك يا صغيري الأرنب؟ أنا أبكي لأن أمي طلبت مني أن أملأ لها الجرة ماء... ومن أين؟ من النبع ! والنبع بعيد..... بعيد .... يبكي.
وماذا في ذلك يا طبوش؟
الجرة ثقيلة، والنبع بعيد!
هل تتعب يا طبوش؟
طبعا أتعب!
عليك أن تطلب المساعدة من الآخرين إذن!
هاه ..إذن لماذا لا تساعدني أنت يا أرنب؟ تحمل الجرة من أذن وأنا من الأذن الأخرى، ونذهب معا إلى النبع، فنتسلّى، وفي الوقت نفسه تكون قد ساعدتني...
أجاب الأرنب: يا ليت! ولكني مشغول يا طبوش... بإمكاني أن أرشدك!
ترشدني؟ بماذا ترشدني؟
خذ الجرة بيدك وسر بها إلى هناك... أترى جارك الحمار هناك؟
نعم أراه!
طلب منه أن يأخذك إلى النبع ويعيدك. فالحمار مخلوق طيّب، يحب المساعدة ، ولكن عليك أن تكون لبقا في كلامك!

ضحك طبوش وقال: فكرة... فكرة حلوة.!
إذن حدّثه وأطلب منه بلطف. إنه طيّب جدا لا يرد طلبا لأحد.
هه هه! فكرت بطريقة حلوة.

علا صوت نهيق حمار

مرحبا يا صديقي الحمار ... كيف حالك؟
من هذا؟ من يكلمني؟ صاح الحمار.
هذا أنا! هذا أنا جارك، الهر طبوش...
نَهق الحمار: تشرفنا...
آه ما أحلى صوتك يا حمار! إنه جميل! جميل جدا جدا!
ماذا تقول؟ (مستغربا)
أقول أن صوتك جميل جدا جدا، لم أسمع في حياتي أجمل منه!
همس الأرنب: طبوش! طبوش!
ما بك يا أرنب؟ لماذا لحقتني؟
لحقت بك لأرى ماذا ستفعل.... وأراك الآن تكذب يا طبوش!
أكذب؟
نعم، تكذب على الحمار، وتقول أن صوته جميل مع أن صوت الحمار قبيح!
أسكت أنت! هذه طريقة أجعله بها يساعدني وينقلني مع جرتي إلى النبع.
ولكن هذا كذب!
نهق الحمار من جديد وقال: ما لك يا طبوش سكت؟ ماذا تريد مني؟
آه .. آه ! لو تعلم يا حمار! أنا مريض!
الحمار: مريض؟ أنت مريض؟ لا أرى فيك شيئا يدل على المرض!

هاه ... صدقني... صدقني... أنا مريض، وفي الوقت ذاته عطشان ... فهل لك أن تنقلني على ظهرك إلى النبع لأملأ الجرة ماء؟

أجابه الحمار: في الحقيقة يا طبوش أنا مخلوق أحب أن أساعد الآخرين، وخاصة المرضى منهم، والصغار الذين لا يكذبون....
أنا مريض صدقني . صدقني يا صاحب أجمل صوت في العالم .!
أنا صاحب أجمل صوت في العالم؟
طبعا... طبعا... صوت ولا أروع.
حسنا! ماذا تريد؟
انحن إلى الأرض قليلا أيها الحمار لكي أتمكن من أن أعتلي ظهرك!
اقترب أنت يا طبوش من رجلي، أجابه الحمار. اقترب يا طبوش وتسلقها تصل إلى ظهري!
حسنا، سأتسلق رجلك وبيدي الجرة... مدّ رجلك..
ضحك الحمار وقال: هه! خذها مني( يرفس طبوش فيقع وتنكسر الجرة)
صرخ طبوش من الألم وصاح: رفستني يا حمار؟ لماذا فعلت بي هذا ؟ كسرت فكّي وكسرت جرتي....وأخذ يبكي متألما ...
أنا أكره الكذابين يا طبوش .
ماذا قلت أنا؟
قلت أن صوتي جميل، مع أني حمار وأعرف أن صوت الحمير من أنكر الأصوات...
تسائل طبوش: ماذا سأقول لأمي الآن بعد أن انكسرت الجرة وتلقيت رفسة على فكّي آه! يا لتعاستي !...
قال الأرنب: هذا جزاؤك لأنك كذبت عليه!
أجاب طبوش: معك حق .. أنا نادم جدا.
ألن تكذب بعد الآن؟ سأل الأرنب. اعتذر للحمار.
أبدا... أبدا أنا آسف يا حماري العزيز. لن أكذب بعد الآن!
لن تكذب بعد الآن؟
أبدا.. أبدا ... لن أكذب.
حسنا، يكفي بكاء! كفّ عن البكاء وكفكف دمعك. خذ جرتي واصعد على ظهري، وهيّا بنا لنحضر الماء.
صحيح ؟ ألن ترفسني؟ سأله طبوش
لن أرفسك ما دمت لا تكذب.
شكرا لك.
هيّا هيّا ... ماذا تنتظر؟
لا لا! شكرا يا حمار، لن أزعجك! سأذهب بنفسي كي أثبت لأمي أني لست متكاسلا.
أضاف الحمار: وبهذا تكون قد أحسنت صنعا.
قال الأرنب: أحسنت يا طبوش!
سألت الأم: طبوش! هل ملأت الجرة؟
أجابها طبوش ( فرحا) : نعم يا أمي!
الأم: هاه .. ولكن الجرة ليست جرتنا.
طبوش: نعم يا أمي ، هذه جرة الحمار .. آه ليتك يا أمي تعرفين ما حدث لي.
الأم: نعم ... نعم ... أعلم كل شيء ... لقد كنت أراقبك من بعيد، وشاهدت الحمار يرفسك . كم خفت أن يؤذيك؟
صدقيني يا أمي كان درساً لن أنساه، ولن أكون خاملا ولا كاذبا..
أحسنت يا طبوش !! هكذا أريدك يا بني!!

بلال نعيم
08-05-2009, 12:24 PM
برقوق والموز

برقوق .. برقوق .. ماذا تفعل؟ نادت الأم ابنها.
آكل موزة، يا أمي.
ومن أين جئت بالموز؟
أنا أحب الموز يا أمي.
أعرف... ولكن من أين جئت بالموز؟
قال الولد: أخذتها من صحن الموز.
ألا تعرف يا صغيري أن صحن الفاكهة هذا نبقيه للعشاء. فقد أكلت عند الظهر موزتين. ألم يكفيك ذلك؟
أنا آسف يا أمي. منظر الموز في الصحن أغراني.
حسنا، لا تعد إلى ارتكاب هذا الخطأ مرة أخرى.
طبعا يا أمي. أعدك وعداً صادقا.
عال... والآن...ماذا أريدك أن تفعل؟
قولي يا أمي، وسترين أني أنفذ لك كل ما تقولين.
ماذا أريد منك؟ ماذا أريد منك؟ صحيح... إذهب يا ولدي. إذهب يا ولدي إلى بيت جدّك وأحضر لي وعاء الغسيل.
على رأسي، يا أماه.
لا لا! إحمله بيدك. إنه ليس ثقيلا.
على رأسي، يا أماه.
بيدك يا برقوق! بيدك.
طبعا يا أمي و على عيني.
بسرعة لا تتأخر يا صغيري.
طبعا يا أمي، سأعود حالا.
[يرى برقوق في طريقه دكان موز]
ما أطيب الموز! لو كان لي أن آكل هذا الموز!
ماذا تفعل هنا أيها القرد الصغير؟
لا شيء.
هيّا إذهب.. إذهب من هنا!
[يرى برقوق الشرطي]
تعال أيها القرد. تعال هنا.
ماذا تريد مني أيها الشرطي؟
إلى أين أنت ذاهب؟ ومن أنت؟
أنا ذاهب إلى بيت جدي لأحضر وعاء الغسيل لأمي. أنا القرد برقوق، ألا تعرفني؟
أخبرني الآن يا برقوق ماذا تضع تحت قميصك؟
تحت قميصي؟ لا شيء أبدا!.
ولماذا صدرك منتفخ إذن؟
صدري منتفخ من الأساس..
منتفخ من الأساس؟ دعني أراه.
لا،لا. أتركني، أتركني.
ماذا تخبئ تحت قميصك؟ موز؟ لماذا تخبئ الموز تحت قميصك يا برقوق؟ أعتقد أنك أخذته دون أن تدفع ثمنه. أنت لص يا برقوق! وأنا أعرف كيف أتعامل مع اللصوص!
لا،لا، أنا لست لصا.
تعال، تعال معي يا برقوق.
إلى أين؟ إلى أين؟
تعال معي. سر أمامي إلى دائرة الشرطة.
[في دائرة الشرطة]
أخرج الموز من تحت قميصك وضعه على الطاولة، يا برقوق.
ها هي كلها، قال برقوق.
واحدة , 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9, 10. ما هذا؟ عشر موزات؟ من أين أحضرت هذا الموز يا برقوق؟
وجدتها، وجدتها كلها.
وجدتها؟ ما هذا الكلام يا برقوق؟ أنا لا أصدّق ما تقول، كنت تخبئ الموز، ووجهك يقول لي أنك تكذب وأنك سرقت. فقد احمر وجهك يا برقوق!
صحيح، صحيح ما تقول يا حضرة الشرطي! يا للواقعة.
عليّ أن أذهب إلى المدير. انتظرني . سأعود إليك بعد قليل، وسأترك الموز أمامك على الطاولة. أتفهمني يا برقوق؟
نعم، نعم أفهمك.
إنها تشهد على أنك أخذتها من دون أن تدفع ثمنها.
وجدتها....أنا وجدتها ... لم أسرقها.
أنت سرقتها من البائع.
لا، لا، أنا برقوق... أنا...
لا يهمّ ما تقوله أنت. أنا عائد إليك.
بكى برقوق وقال: ماذا سيحلّ بي الآن؟ ليتني لم آخذ الموزات. سيدخلني الشرطي إلى السجن. ما العمل؟ ماذا أفعل؟ عشر موزات هي أثبات دامغ بأني لص. قال الشرطي إنها برهان على سرقتي. آه... ليتني أستطيع أن أقذف بها إلى الشارع. ليتني أستطيع إخفاء هذه الموزات. ليس هناك أي مكان أخبئ الموزات فيه سوى أن ...إيه؟..
يا للواقعة! هل أستطيع؟ سأجرّب... سآكل واحدة ... هذه واحدة أكلتها... وهذه الثانية، والثالثة. آه ... لكنني امتلأت.. فلآكل قبل أن يأتي الشرطي... أين أخفي البقية؟ أخاف أن يأتي الشرطي ويثبت علي السرقة... هذه الرابعة... وهذه الخامسة... السادسة... آخ... أشعر أن معدتي ستنفجر، وهذه الموزة السابعة... ثم .....التاسعة ... آه ... لم يعد بإمكاني أن آكل أكثر... آه.... انتفخت.... آه... يا للمصيبة.... لا أستطيع أن أنظر إلى الموز... كرهته... كرهته...آه ... ولكن ما زال أمامي موزة واحدة ... فلآكلها.... آه...
[رجع الشرطي]
والآن يا برقوق ، أنت سرقت هذه الموزات، وعندي الإثبات لأرسلك فورا إلى المحكمة فالسجن.!
[برقوق يتألم من معدته]
بطني... بطني...
ماذا بك؟ ما المشكلة؟ أين الموزات يا برقوق؟
أرجوكم أنقذوني! خلصوني.... بطني .... بطني...
أين الموزات يا برقوق؟ ماذا فعلت بها يا برقوق؟
آه ..... آه...
هل أكلت كل الموزات يا برقوق؟
نعم! نعم ... أكلتها.
أكلتها بقشرها أيضا؟
نعم... آه... بطني... بطني...
في الحقيقة لا أستطيع أن أثبت عليك شيئا الآن وأرسلك إلى السجن، قال الشرطي.
ولكني أعتقد أني أموت من وجع بطني. أرجوكم... أرجوكم.. أنقذوني.. أكاد أنفجر، أكاد أنفجر كالبالون، صرخ برقوق.
لا.. لا تنفجر هنا، إذهب إلى بيتك وانفجر هناك. لن أرسلك إلى السجن لتتعلم أن السرقة حرام وأن السارق إنسان دنيء يلقى العقاب الذي يستحق. لقد أخذت عقابك.... هل ستستولي على أموال غيرك؟ هل ستسرق بعد الآن؟
لا .. لا... أبدا. لن أسرق بعد اليوم... التوبة... التوبة يا سيدي... صدّقني... هذا وعد صادق.
إذهب الآن إلى بيتك وانفجر، أمره الشرطي.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:25 PM
أمانة تاجر

كانت بغداد مدينة عظيمة، يُحمل إليها كل طريف من نتاج العقول، ومن ثمرات الأرض، وتنصبّ فيها الخيرات والتحف وكل ما هو جميل.
وكان في بغداد تاجر من تجار الكرز، على الضفة الغربية من دجلة، يعامل الخراسانيين. فكان يفد عليه كل سنة في موسم الحج تاجر كبير من أهل خراسان بتجارة عظيمة يبيعها له، وكان يعامله بصدق وأمانة، فيربح ألوفا من الدنانير يعيش بها إلى الموسم القادم.
انقطع هذا الخراساني سنة، ولم يحضر مع الحجّاج، فأثر ذلك في حال التاجر البغدادي. ولم يحضر في السنة التي بعدها، وامتد انقطاعه سنين، فأفلس التاجر البغدادي وأغلق دكانه وتوارى عن الناس، وبقي هو وأهله في ضيق من أمرهم.
خرج التاجر هائما على وجهه حتى وصل إلى نهر دجلة، وكان يوماً حاراً، ولم يكن أحد هناك. فنزع ثيابه ونزل إلى النهر وقد وسوس إليه الشيطان أن يقتل نفسه. ثمّ تذكّر أن الانتحار عمل لا يقبله المؤمن، فغيّر رأيه، واستغفر الله ممّا فكّر فيه. وفيما هو يخرج من الماء تعثر بكومة رمل، انكشفت من تحتها قطعة جلد مدفونة في الأرض. فما زال يحفر من حولها ويسحبها، حتى أخرجها، فإذا هي كمر، فأخفاه تحت ثيابه وجاء به الدار، ففتحه فإذا فيه ألف دينار من ذهب.
فقال يا ربّ! إني محتاج إلى هذا المال وسآخذه، ولك علي متى أصلحت حالي، بحثت عن صاحبه ورددت إليه ماله. وأخذ المال واحتفظ بالزنّار، ووفى ديونه وعاد ففتح دكانه. ومرّت أيام طويلة وهو يبحث عن صاحب الزنار ولم يعثر عليه.
وفي ليلة باردة ممطرة من ليالي الشتاء، وكان به صداع لا يستطيع النوم، سمع من الطريق صراخا وبكاء، فنظر فإذا برجل يبكي ويلطم وجهه ويصيح. فسأله عمّا به . فأجاب: "صحن فيه حلبة مغلية وزيت، سقط وانكسر".
قال: هل هذه الضجّة كلها من أجل حلبة وزيت ما تساوي فلسين؟
فأزداد الرجل بكاء وقال: "والله ما أبكي لفلسين، ولكن زوجتي تضع مولوداً ، وليس معنا شيء. وإن لم تأكل فستموت. والله والله... لقد حججت سنة كذا، فضاع منى زنّار فيه ألف دينار وجواهر، فما بكيت، واحتسبته عند الله. وأنا الآن أبكي من أجل فلسين. فلا يغترّ أحد بالغنى ولا يهزأ أحد بالفقر. فربما افتقر الغني، وأثرى الفقير".
قال: " صف لي زنّارك".
فقال له: يا رجل أتركني وحالي. أتسخر مني وأنت ترى ما أنا فيه من الفقر والآلام والقيام في المطر؟
ومشى وهو يتّجه بقلبه إلى الله وحده، يرجو منه الفرج. وشعر التاجر بقوة خفيّة تدفعه ليلحق بالرجل، فركض وراءه وقال له :" قف"، فحسبه سيعطيه شيئا فوقف. فلما وصل إليه قال له: "صف لي زنّارك". فوصف له. فعرفه أنه ذاته الخراساني الذي كان يتعامل معه. فسأله: أين امرأتك؟ فأخبره عن مكانها في الفندق. فبعث من جاء بها، وأدخلها إلى أهله، وأحضر لها القابلة، وعني بها، وأدخل الرجل الحمّام وبدّل ملابسه.
وخشي أن يفاجئه بالزنّار وأن يعرّفه بنفسه حتى لا يقتله الفرح. وصار يقدم له كل يوم عشرة دنانير من ذهب، والرجل متعجّب من هذا الكرم. ولمّا انقضت أيام قال له: قصّ عليّ قصتك.
فقال: كنت في نعمة واسعة ومال كثير. وكنت أحج كل سنة وأجيء بتجارة عظيمة أعود بها بأرباح طائلة. فجاء لي أمير بلدي في إحدى السنين وقال: " إنك معروف بالأمانة، وأعهد إليك بأمر لا يقوم به غيرك. عندي قطعة ياقوت لا مثيل لها، وليس هناك من يشتريها أو يعرف قدرها، ولا تصلح إلا للخليفة، فخذها معك فبعها لي في بغداد" . جعلتها في زنّار صفته كذا وكذا وجعلت معها ألف دينار وربطته في وسطي. فلمّا جئت بغداد نزلت أسبح في الجزيرة عند سوق يحيى وتركت الزنار مع ثيابي بحيث أراهما. فلما صعدت وقد غربت الشمس، لبست ثيابي ونسيت الزنار، ولم أتذكره إلا في اليوم التالي فذهبت لأحضره فلم أجده، وكأن الأرض ابتلعته. فهوّنت المصيبة على نفسي وقلت: أنا رجل غني، ولعلّ قيمة الحجر خمسة آلاف دينار أؤديها من مالي.
ولمّا قضيت حجي وعدت إلى بلدي. خبّرت الأمير بما حدث وعرضت عليه خمسة آلف دينار، فطمع وقال: الحجر يساوي أربعين ألف دينار.
بعت أملاكي وتجارتي وأثاث بيتي، ولم أتخلص منه. ثم قبض علي وأنزل بي صنوف المكاره، وحبسني سبع سنين، كل يوم منها بسنة حتى تمنيت الموت. ثم تشفع بي آهل بلدي فأطلقني. فصرت أرحل مع القوافل أنا وزوجتي أسأل الناس بعد الغنى واليسر. فلما كانت الليلة، أتاها الوضع في خان خرب، وما معي إلا فلسان وما معنا أحد، فقالت: يا رجل، الساعة تخرج روحي، فاذهب وهيئ لي شيئا أتقوّى به. فخرجت ووجدت بقالا عطف علي، ففتح دكانه وأعطاني ما كان في الصحن.
فقال التاجر البغدادي: " إن الله فرّج عنك وقد انتهت محنتك، فتمالك ولا تضطرب، فإني مخبرك بأمر عجيب. ولكن أنظر إلي، أما تعرفني"؟
قال، لا.
فقال التاجر: أنا عميلك الذي كان يبيع تجارتك.
فنظر إليه ووثب يعانقه ويشكر له فضله.
قال: لا تشكرني. فأنا الذي يجب أن أشكرك. فقد أحياني الله بسببك. وسيحييك بسببي، وما أعطيتك من الدنانير ليس من مالي بل من مالك، فإن لك عندي ألف دينار.
قال: ومن أين جاء ذلك الدين؟
قال: إني وجدت زنارك بعينه. وجاء بكيس فيه ألف دينار.
فرح الرجل وبرقت عيناه وسأل: هل الزنار نفسه عندك؟
قال: نعم.
فشهق شهقة بدا كأن روحه خرجت معها، وخرّ ساجدا لله، ثم رفع رأسه وقال: هاته. فجاءه به، وطلب سكينا. فأعطاه السكين. فخرق جلد الزنار واستخرج منه حجر ياقوت أحمر شعاعه قوي جدا، وترك الدنانير ومشى وهو يدعو لي.
قلت: خذ دنانيرك.
فحلف ألاّ يأخذ منها شيئا إلا ثمن ناقة ونفقات السفر. فألحّ عليه التاجر، فأخذ ثلاثمائة دينار وسامحه بالباقي.
وفي السنة التالية جاء على عادته، وقد أعاد الحجر إلى الأمير واستعان عليه بوجوه البلد، فخجل ورد إليه ماله كله وعوّضه وعاش الجميع بالمسرات. وكان ذلك بفضل الصدق في المعاملة، والإخلاص في الدعاء، وصحة التوجه إلى الله عند الشدائد.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:26 PM
حكاية بدندر
كان في قديم الزمان راعي غنم يعيش من خيرها. قال لزوجته ذات يوم: ضجرت من هذه الشغلة. .. أريد أن أفتش عن غيرها.
حاولت زوجته أن تغّير رأيه، لكنها لم تنجح. فباع غنمه بأربعين ليرة ذهبا. وقرر الذهاب إلى بغداد ليبحث فيها عن عمل.
وفي الطريق كان يسأل من يقابله عن بغداد.
رآه رجل بغدادي محتال فسأله: ماذا تريد من بغداد؟
حكى له الراعي قصته، ففكر البغدادي مع نفسه، وقال: هذا غبي... سأحتال عليه وآخذ فلوسه. ثم قال للراعي: أنا بغداد... أطلب ما تريد...أنت الآن تعبان. تعال إلى البيت لترتاح.
فرح الريفي ودعا للرجل بأن يحفظه الله، وذهب معه إلى داره. وجلس الاثنان يستريحان في غرفة. وذهب البغدادي بعد ذلك إلى زوجته وقال لها: جلبت لك صيدا سمينا. أحضري سطلا واربطيه بحبل.. وسأجلس أنا والراعي على السطح، وبين فترة وأخرى أنزلي السطل فأقول أني أريد حاجة، فتضعين الحاجة التي أطلبها في السطل وأرفعه أنا. وتفاهم معها على الحاجات التي سيطلبها .

جلس البغدادي المحتال مع الراعي فوق السطح يتحدثان، ثم قال البغدادي: "سنتعشى الآن.. اغسل يديك ووجهك قبل العشاء. ثم أنزل السطل من السطح، وقال: يا سطل ... أجلب لنا ماء للغسيل." وبعد برهة رفع السطل وهو مملوء بالماء، فاغتسل الراعي. ثم أنزل المحتال السطل وقال: "يا سطل ... إجلب لنا العشاء". وسحب السطل، فكان مليئا بما لذ وطاب.
أخذ الراعي يأكل، وهو مستغرب وحائر من أمر هذا السطل العجيب، ورجا البغدادي أن يبيعه إياه مقابل الأربعين ليرة التي معه.
فقال البغدادي: " يبدو لي أنك رجل طيّب وابن حلال.. سأبيعك السطل ... وحاذر أن يأخذه أحد منك. إنه سطل لا مثيل له"..
شكر الراعي المحتال، وأعطاه ما معه من الليرات، وعاد إلى أهله سعيداً بالسطل.
وفي المساء، دعا جيرانه وأصدقاءه وجلسوا جميعا فوق سطح الدار. وبعد فترة أنزل السطل، وصاح: " قهوة... قهوة ." ثم رفع السطل فإذا هو فارغ..
ثمّ أنزله ثانية، وطلب شايا، لكنه رجع فارغا. وهكذا تكرر الأمر عدّة مرات والسطل يعود فارغا. فجلس الراعي يبكي على فلوسه.
وفي فجر اليوم التالي، ذهب يفتش على بغداد الذي احتال عليه، ودخل مدينة بغداد، وهو يصيح: "من يدلني على بغداد"؟
التقت به امرأة عجوز فسألته: "ماذا تريد من بغداد"؟


حكى لها الراعي حكايته. فقالت له: أنا أستطيع أن أمسكه لك وأعيد إليك ليراتك، ولكن بشرط أن تقول لكل من يكلمك أو يسألك " بدندر".
وافق الراعي وذهب معها. أخذته إلى الحلاق، فحلق له شعره، واشترت له بدلة جندي، ثمّ ذهبت معه إلى صاحب أكبر محل بيع أقمشة في بغداد وقالت له: "بعثتني سيدتي زوجة الوالي لكي آخذ منك أحسن الأقمشة وأجملها". فرح بائع الأقمشة واختار لها أحسن وأغلى ما عنده فقالت له: "سأريها لسيدتي وسيبقى هذا الجندي هنا حتى أعود".
ذهبت المرأة، ومضت ساعات وساعات ولم تعد. فأمسك صاحب القماش بالراعي وسأله عن المرأة ، فقال: "بدندر... بدندر".
أخذ بائع القماش الراعي إلى الشرطة. وهناك حكى قصته للشرطي الذي رقّ له قلبه، فأخذه إلى الوالي .
حزن الوالي عليه، وأعطاه أربعين ليرة ذهبا، وأعطى بائع الأقمشة ثمن أقمشته. وذهب كل منهما إلى سبيله. وعشتم سالمين ...

بلال نعيم
08-05-2009, 12:27 PM
خالد و رباح

كان رباح شاباً قوياً، مات أبواه تاركين له أخا صغيرا راح يوليه كل عنايته ويقدّم له كل الحب ويرعاه. كان فيه رقة الأم وحنان الأب. وكان لرباح دكان صغير يبيع منه أهل القرية ما يحتاجون إليه.

أصاب رباح ربحاً كبيراً في عمله فوسّع دكانه وبنى قربه ملحمة كبيرة باتت تأتي إليها القرى المجاورة فتبتاع من قصّابها اللحم وتشتري من الدكان ما يتوفر فيه من الحاجيات.

وكان رباح بين شهر وشهر يركب عربته التي يجرها حصان قوي ويذهب إلى المدينة فيشتري منها كل ما ينقصه ويأتي بالكثير الكثير من أفخاذ الضأن والماعز. وللمدينة طريق واحدة بعيدة وموحشة، ويقع على جنبات الطريق واد عميق غالبا ما كان ينظر إليه رباح وهو خائف.

أما شقيق رباح، خالد، فكانت الأيام تمر وهو يكبر. فأدخله رباح المدرسة حيث أظهر حبا للدرس، وحيث وجد له في صفه أصدقاء يحبهم ويحبونه ويمضي معهم أوقات جميلة في نزهات آخر الأسبوع.

كان خالد بين الحين والحين يساعد أخاه رباح في الدكان والملحمة فأحبه الزبائن، وهو بشوش الوجه رقيق الكلام قريب الشبه بأخلاقه وتصرفاته من أخلاق رباح وتصرفاته.

وفي يوم وكان رباح يستعد للذهاب إلى المدينة، ألح عليه خالد كي يأخذه معه، فرفض رباح لأن الطريق موحشة ويخاف عليه من اللصوص ووحشة الطريق. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها خالد أن يرافق رباح إلى المدينة، فلقد طلب منه من قبل مرات عديدة أن يرافقه. غير أن رباح كان يقنعه بأنه لم يزل صغيرا لزيارة المدينة.

غير أن اليوم كبر خالد فهو في الثامنة عشرة من العمر ويجب أن يشاهد شوارع المدينة ومخازنها والأزياء التي يرتديها سكانها. وازداد إلحاح خالد مما جعل رباح يرضى بأن يأخذه معه إلى المدينة .

جهّزا طعاماً لهما وارتديا ثياب السفر وحملا معهما علفاً للحصان وركبا العربة وانطلقا في الطريق إلى المدينة.

وفي الطريق راح خالد يتأمل المشاهد التي لم يرها من قبل وكان رغم وحشة الطريق فرحا بهذه الزيارة للمدينة ومتشجعا لوجود رباح معه.

وصلا المدينة عند غياب الشمس، وكان منظر المدينة ساحراً. فالأسواق ملأى بالمخازن، والشوارع مزدحمة بالمارة والأعمدة تتدلى منها القناديل بعد أن غربت الشمس. ودخل رباح وخالد إلى مطعم فيه أطعمة شهية فتعشّيا، ثم قاما بنزهة إلى حيث الألعاب والحدائق، وعادا إلى الفندق الذي ينزل فيه رباح عادة كلما جاء إلى المدينة.
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story93.gif

في اليوم التالي، اشترى رباح كل ما يحتاجه دكانه، كما اشترى الكثير من أفخاذ اللحم وجهّز كل شيء في العربة. وبعد أن اشترى لخالد ثيابا جميلة وألعابا كثيرة وحلوى طيبة، صعدا إلى العربة وراح الحصان ينهب الطريق للعودة إلى القرية. ولكم كان خالد مسرورا بهذه الزيارة التي يحفظ الكثير من صورها في ذاكرته والتي بات مشتاقا للوصول إلى القرية ليخبر رفاقه عنها.

وفي الطريق وبينما كان الحصان مسرعا أحسّ رباح بأن العربة تسير مختلة الحركة فخفف من سرعة الحصان، إلا أن اختلال العربة راح يزداد. وفجأة تعطل أحد دولابي العربة وتوقف الحصان ونزل خالد ورباح، وراح يساعد كل منهما الآخر في إصلاح دولاب العربة. مر الوقت مسرعا، إلا أن الدولاب لم يكن جاهزا بعد لاستئناف الطريق. ومالت الشمس إلى الغروب وبدأ خالد يشعر بشيء من الخوف، غير أن الانتهاء من أصلاح الدولاب وتركيبه بسرعة أعاد إليه شيئا من الهدوء وسلام القلب خاصة وأن رباح قوي الجسد، قوي الإرادة .

استأنف الاثنان المسير. غير أن الشمس غابت وساد الظلام، ولم تزل الطريق طويلة.

راح رباح يحدث خالد لأنه شعر بأن أخاه خائف، وغالبا ما كان يتلعثم بكلامه وهو يرد على أسئلة رباح.

وفجأة سمع الاثنان صوت ذئب. فارتعد خالد. إلا أن رباح طمأنه فارتاح قلبه. غير أن أصوات الذئاب صارت تتكاثر إلى أن شاهد رباح ذئبا يلاحق العربة. فراح يضرب الحصان بالكرباج ويشد اللجام له، ويرخيه.

إلا أن الذئاب تكاثرت، وكان عواؤها يثير الرعب في قلب خالد الذي عبّر عن خوفه في ما كان يحدّث فيه أخاه رباح. أما رباح فلم يكن يفكر إلا بطريقة ينقذ بها أخاه من أنياب الذئاب.

خطرت لرباح فكرة، فقال لأخيه: قد أنت العربة واضرب الحصان بقوة، أما أنا فسأبعد الذئاب بأن أرمي لها فخذا فخذا من هذه اللحوم.

راح خالد يقود العربة، ويضرب الحصان ليزيد من سرعته. أما رباح فكان يرمي بين الفينة والفينة فخذا كي تتلهّى به الذئاب، ثم ما تلبث أن تسرع خلف العربة، فيعود رباح إلى رمي فخذ آخر لها.

وكان الحصان يسرع وكان السباق محتدما بين سرعة الحصان وسرعة الذئاب. ومرت فترة لم يبق فيها من اللحم إلا فخذان. فرمى رباح أول فخذ ثم رمي الثاني.

ومن بعد لم يجد رباح في العربة ما يرميه للذئاب. وبات الخطر يزداد، وبات رباح يفكر بطريقة يجب أن ينقذ بها أخاه خالد على الأقل.

قال رباح لخالد: لا تنظر إلى ورائك. قد العربة بالسرعة التي تقودها بها حتى تصل القرية.
وراح خالد يقود العربة ويجلد ظهر الحصان حتى شارفت العربة مدخل القرية وكان خالد مسرورا إذ أن أصوات الذئاب قد اختفت.

وصل خالد بالعربة إلى مدخل البيت، فتوقف الحصان وترجل خالد إلى الأرض، وقال لرباح : لقد وصلنا بخير.
غير أن أحدا لم يجبه. فنظر في العربة فلم يجد أحدا. صرخ خالد: رباح رباح !

ومن بعد، أدرك خالد أن رباح رمى بنفسه إلى الذئاب كي ينقذ أخاه من أنيابها.

ودارت الحكاية، وكان لرباح دمعة سقطت من جفن كل شخص في القرية.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:28 PM
خيانة العهد

كان في قديم الزمان رجل طموح غدّار اسمه رديف، يعيش في مدينة صغيرة.

قرر رديف أن يسافر إلى مدينة أخرى لعله يكسب أكثر، بعد أن قل العمل في مدينته. لكنه كان خائفا من السفر وحده، إذ كان السفر في ذلك الوقت موحشا ومخيفا. وبعد تفكير وبحث عن صاحب يرافقه سفره، ويأمن جانبه، توصل إلى معرفة شاب فقير عاطل عن العمل اسمه إحسان. أقنعه رديف بالسفر معه.

طلب إحسان من زوجته، وكانت حاملا في ذلك الوقت، أن تهيئ له متاع السفر. وكانت الزوجة تنتظر في شوق أن يحصل زوجها على عمل ليوفر لها نفقات الولادة القريبة. فرضيت بسفره بعد أن أكّد لها أن سفره لن يطول، وأنه سيعود محمّلا بالثروة وكل ما تشتهيه نفسها من حرائر ونفائس.

في صبيحة يوم حار، انطلق المسافران، كل منهما يحمل متاعه على كتفه، سالكين طريقاً قيل لهما إنه يؤدّي إلى تلك المدينة التي سمع رديف بها وتاق للوصول إليها.

وبعد مسيرة طويلة، جلسا ليأكلا، فقال رديف لصاحبه: " لنبدأ بطعامك وشرابك أولا، لأنك لا تقدر على حمل المتاع، ولم تجرب السفر سابقا، وأمامنا طريق طويل".

اقتنع إحسان وبسط متاعه، فأكل الاثنان منه وشربا حتى شبعا. وفي المرة الثانية أكلا منه أيضا. وهكذا حتى نفذ زاد إحسان وبقي زاد رديف على حاله.

وفي المحطة التالية، جلسا ليتناولا من أكل رديف كما اتفقا في البداية. لكن رديفا امتنع قائلا: " لو نستمر على هذا المنوال فإن طعامنا سينفذ قبل أن نصل أقرب مدينة".
فسأله الشاب: " وما هو الحل" ؟.

أجاب رديف: " ألحل أن نقتصد في طعامنا".

وكان يعطيه كسرة من الخبز، وقليلا من البصل والماء في كل وجبة حتى انهارت صحة الشاب. وبقيا على هذه الحال عدة أيام حتى وصلا هضبة عالية، فصعدا إليها، قبل غروب الشمس ينويان المبيت فوقها.

شاهدا من هناك ملامح مدينة تلوح لهما، ففرحا وقررا أن ينطلقا إليها في الصباح الباكر . وجلسا يستريحان ويأكلان بشراهة، ثم استلقيا على الأرض. وأخذ رديف يخلط أحلام اليقظة بأحلام النوم حتى غطّ في نوم عميق، في حين بقي إحسان ساهرا مفكرا في زوجته وفي صحبته غير الموفقة لرديف.

وعندما تقدم الليل، وتوسّط القمر السماء، قام إحسان وأخذ يسير، وفجأة لمح بريقا يشعّ من الأرض، فاقترب منه وراح يزيح التراب من حوله حتى اصطدمت يده بجسم صلب.

ذهل وأخذ يبحث عن شيء يحفر به، فلم يجد إلا خشبة طويلة، لكنها كانت قوية بالقدر الذي مكّنه من الحفر بها. وتأكد أحسان من وجود إناء كبير، فأحس بفرحة غامرة، وانطلق ليخبر صاحبه بما وجد ووفاء منه للعهد .

نهض رديف على عجل، وأخذ فأسه وراح يحفر بسرعة فرحا مستبشراً، وصاحبه يساعده بفرح أكبر، حتى صارت الحفرة عميقة، فوجدا زيراً ضخماً. وبصعوبة كبيرة استطاعا أن يفتحا غطاء الزير فوجدا في داخله كنزا من النقود الذهبية.

أخذ رديف حفنة بين يديه وعرضها لضوء القمر، فتأكد أنها من الذهب الخالص، فأحضر كيسه بسرعة وملأه عن آخره.

وعندما أراد أحسان أن يملأ كيسه أيضا، منعه رديف قائلا: " هذا الكنز لي وحدي، ولا يجوز أن يعرف به أحد".

قال إحسان: " أنا صديقك ورفيقك، ومن غير المعقول أن أشي بك".

فقال رديف: " من يضمن ذلك"؟

أجابه إحسان: " لمَ وثقت بي إذن وصحبتني معك"؟

فردّ رديف: " لترافقني في الطريق فقط".

توسّل إليه إحسان قائلا: " أنا لا أريد منك شيئا سوى ما يساعدني على الوصول إلى مدينتي".

لم يكتف رديف برفض طلب إحسان، بل هدّده قائلا: " سأقتلك الآن، أسرع وقل الشهادة، وأوصني لأهلك وصيتك الأخيرة".

بكى إحسان واستعطفه أن يتركه لحال سبيله. غير أن رديفاً القاسي لم يخشع لتضرع إحسان، وشهر خنجره وهمّ بقتله .

وحين عرف إحسان أنه مقتول لا محالة، قال له: " إذن أبلغ زوجتي هذه الوصية: " إذا وضعت ولدا فعليها أن تسميه ألداد أفندي. أما إذا كان المولود بنتا فيجب أن تسميها أنصال ماكو". ثم أردف: "ورجائي الأخير أن تعطيها من الذهب ما تحتاج إليه في الولادة".

ولما كان رديف قد أعماه حبه للثروة الجديدة، فإنه لم يفكر في نتائج هذه الوصية، ولا في معنى الاسمين.

قتل رديف إحسانا وحمل الذهب عائدا إلى مدينته. وقبل الذهاب إلى بيته مر بزوجة إحسان. أخبرها بموت زوجها وأبلغها وصيته، وأعطاها بعض النقود. والغريب أن رديفا وجدها قد وضعت ولدا وبنتا.

تمر السنوات والزوجة المسكينة تعيش مع طفليها على الكفاف، في حين كان رديف ينعم بالجواهر والحرائر والقصور والخدم والحشم، إلى درجة أن الناس شكّت في أمره وبدأت سيرته تدور على كل لسان، حتى وصلت أخباره إلى ملك البلد، فرغب بزيارة هذه المدينة، ويرى قصور هذا الثري. وتمّت الزيارة وسط مظاهر الأبهة والعظمة. وكان الملك معروفا بعدالته وطيبته ورقة قلبه.

مرّ موكب الملك بالشارع الذي تسكن فيه زوجة إحسان وطفلاها اليتيمان، وقد شبّا وصارا يستطيعان الخروج إلى الشارع. وعندما سمعا الضجة وصوت العربات والموسيقى خرجا ليشاهدا ما يجري وتبعا الموكب حتى ابتعدا عن بيتهما.

شعرت الأم بغياب طفليها، ففتشت هنا وهناك من دون جدوى. وعلمت أنهما تبعا موكب الملك، فأسرعت باتجاهه. وما إن وصلت إلى الموكب حتى أخذت تصيح بأعلى صوتها على طفليها: "ألداد أفندي... أنصال ماكو." وراحت تردد نداءها حتى وصل مسامع الملك الذي استغرب هذا النداء الغريب، فأوقف عربته، وطلب من حراسه إحضار المرأة فوراً لمعرفة غرضها.

ولما مثلت المرأة بين يدي الملك وروت له قصتها كاملة، فطن للحكمة التي تكمن في وصية الوالد قبل مقتله. فهو مظلوم ويشتكي، ولا بد من أخذ حقه.

سأل الملك عن الرجل الذي صاحبه في سفره، فأصيب الجميع بالدهشة عندما علموا بأن رديفا صاحب القصور والشهرة الكبيرة قد غدر بصديقه وكان هو رفيق دربه. فما كان من الملك إلا أن استدعاه وبدأ يحقق معه بنفسه ليظهر الحقيقة، ويحقق العدل الذي اشتهر به.

وجد رديف أنه لا مفر من الاعتراف بالحقيقة. فقص على الملك كل ما جرى. وهنا كان حكم الملك قاسيا جدا ولكنه لم يكن أقسى من قلب رديف.

أصدر الملك حكمه: " كل أموالك وثروتك تعود إلى الأم وابنها وبنتها. وينفذ فيك حكم الموت في ساحة المدينة الكبيرة لتكون عبرة لمن اعتبر".

ثم سلّم الملك القصور والمجوهرات وجميع ما كان يملكه رديف إلى الأم وطفليها، فعاشوا عيشة سعيدة .

بلال نعيم
08-05-2009, 12:28 PM
ذيل الثعلب

كان لعجوز غنم تحلبها كل ليلة وتسخن الحليب عشاء لها ولأولادها.

عرف الثعلب مكان الحليب، فصار يأتي كل ليلة ويلعقه ويهرب. أرادت العجوز أن تعرف من يسرق الحليب، فاختبأت في زاوية الغرفة. ودخل الثعلب وأخذ يلعق الحليب بشراهة، فضربته بعصا من حديد وقطعت ذيله.

صاح الثعلب من الألم وأخذ يقول: أرجوك يا سيدتي العجوز أن تعيدي لي ذيلي.

ردّت العجوز: أحضر لي حليباً بدل الذي شربته فأعيد إليك ذيلك.

ذهب الثعلب إلى الغنم وقال لها: أريد حليبا لأعطيه للعجوز لترجع ذيلي.

أجابت الغنم : أحضر لنا أوراقاً خضراء من الشجرة القريبة لنأكلها حتى نعطيك حليباً.

ذهب الثعلب إلى الشجرة وقال لها: أعطيني بعضا من أوراقك الخضراء للغنم، لكي تعطيني حليباً آخذه للعجوز لتعطيني ذيلي.

فقالت له الشجرة: أحضر لي رجلاً يحرث الأرض من حولي ويخلصني من الأعشاب وتنبت أغصاني، فأعطيك منها.

ذهب الثعلب إلى الفلاح وقال له: أرجوك أن تحرث الأرض حول الشجرة لكي تعطيني أوراقا خضراء تأكلها الغنم فتعطيني حليبا للعجوز لكي تعطيني ذيلي .

فقال الفلاح: أحضر لي حذاء حتى ألبسه وأمشي به إلى الشجرة.

ذهب الثعلب إلى الإسكافي وقال له: يا سيدي أريد حذاء للفلاح ليذهب إلى الشجرة فيحرث الأرض من حوله حتى تعطيني بعض الأوراق، لأعطيها للغنم فتعطيني حليبا أعطيه للعجوز فترجع لي ذيلي. أشفق الإسكافي على الثعلب وأعطاه حذاء قديماً.

فرح الثعلب وأخذ الحذاء إلى الفلاح. لبس الفلاح الحذاء وذهب إلى الشجرة وحرث حولها. فرحت الشجرة وأعطت الثعلب بعض أوراقها. فحمل الثعلب الأوراق للغنم. فأكلت الغنم الأوراق وأعطت الحليب للثعلب.

حمل الثعلب الحليب إلى العجوز وكان يلهث من شدة التعب, وقال لها: هذا هو الحليب الذي طلبته. أعطيني ذيلي الآن.

قالت العجوز: لقد أوقعت نفسك في المتاعب أيها الثعلب. هذا ذيلك خذه. هل كنت تظن أن سرقة الحليب سهلة.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:29 PM
بائع الصحف

في مدينة كمدينتنا، ما أكثر ألوان الحياة، حيث يلتقي الفقر بالغنى، والجمال بالقبح، وسرعة الزمان ببطئه .

في مدينة كهذه المدينة شارع طويل، يقف عند زاوية من زواياه صبيّ لم يبلغ العاشرة من عمره، يبيع كل صباح الصحف التي تصدر من مطابع المدينة.

كان هذا الصبي حاد الذكاء، طيّب القلب، دافئ اللسان. غالبا ما يمر قبل وقوفه عند زاوية الشارع بأبواب البيوت، ويضع عند قبضة مفتاحها الجريدة، ثم يعود عند المساء ليأخذ ثمنها من صاحب كل بيت.

كانت كل صباح تمر من قرب بائع الصحف فتاة حسناء فتشتري منه صحيفة وتدفع له ثمنها وتكمل الطريق .

وجاء يوم لم تقع الحسناء على أي أثر لبائع الصحف الصغير. ففكرت أول الأمر أنه قد يكون وجد مكانا أفضل من هذا المكان ليبيع الصحف فيزداد ربحه ويأمن شر الجوع.

ولكن أي مكان أفضل من هذا المكان؟ فهو طالما أخبرها أن هذه الزاوية من الشارع أفضل مكان لبيع الصحف في المدينة.

إن في الأمر سر إذن! ربما يكون الصبي قد مرض، أو ربما يكون أخوه الصغير قد أصابه ضرر. وكان الصبي قد أخبرها يوما عندما طلبت منه أن يرافقها إلى بيتها حاملا معها بعض الحاجيات التي أحضرتها من السوق، أن والديه متوفيان وأن له أخ أصغر منه يرسله إلى المدرسة، وهو الذي يؤمن له كل شيء من أقساط وثياب وطعام وملابس وكتب. وباتت هذه الفتاة الحسناء تمر يوماً بعد يوم بهذه الزاوية علها تجد بائع الصحف الصبي، ولكن عبثا.....

وفي مساء يوم بينما كانت واقفة وراء نافذتها تشاهد الغيوم وهي تتلبّد في السماء، والليل قد حل، انهمر المطر بغزارة. وكان للبرق ضوء يخطف الأنظار وللرعد صوت يصمّ الآذان. وإذا بريح هوجاء تهبّ، فتجعل الأشجار تنحني والأشياء الخفيفة الصغيرة في الشارع تتطاير. فخطر ببالها ذلك الصبي، بائع الصحف، فتمنّت لو أنها تعرف أين يسكن. وراحت تمر في خاطرها صور حزينة تتصور من خلالها أنه مريض هو وشقيقه الصغير، وأن لا أحد لديهما يساعدهما. فما شعرت إلا ودمعة حارة سقطت من بين أجفانها وراحت تنساب على خدها بهدوء.

تساءلت الفتاة بصمت: ولكن ما تفيد هذه الدمعة؟ إنها لا تقدم شيئا لهذا الصبي ولا لأخيه الصغير. فلا يكفي أن نحزن لمصير الناس وإنما يجب أن نساعدهم. وقرّرت أن تفتش عن كوخ بائع الصحف وفي أي حي يقع، وأي طريق يجب أن تسلك وهل تستطيع أن تبدأ الآن في غمرة هذه العتمة وهذا المطر الغزير أم الأفضل أن تنتظر إلى الغد؟

غير أنها قررت أن تبدأ فوراً وقالت لنفسها: يجب أن أبدأ، فإن أول الخيط في يدي. فلقد أخبرها يوما أنه يقطن في حي يقع غربي المدينة حيث تكثر الأكواخ والبيوت التي تعيش فيها العائلات الفقيرة، وأن الصنوبرة الكبيرة هناك غالبا ما كانت مسرحا للعبه وهو صغير.

ارتدت معطفها ونزلت إلى الشارع يرافقها شقيقها الأكبر، ومضيا في سيارة من البيت إلى الحي الذي يسكن فيه بائع الصحف. وما إن وصلا حتى بدآ يبحثان عن الصنوبرة الكبيرة. وما إن وجداها حتى سألا عن بائع صحف صبي له أخ صغير... فكان أن دلّهما أحد الشيوخ على كوخ هو بيت بائع الصحف. وأسرعا إلى الكوخ ودقّا على الباب، ثم دخلا.

ويا للمفاجأة! بائع الصحف قابع في الزاوية وأخوه قربه نائم في فراش بال، وقد لفّه بثياب لم يعد يعرف لونها.

شده بائع الصحف لرؤية الفتاة الحسناء. وإذا بعينيه تتساقط منها دموع كثيرة. فقالت الفتاة : "هل أخوك مريض؟ "

أشاح بوجهه عنها وغرق في البكاء. وعرفت الفتاة أن الصغير مريض... فطلبت من أخيها أن يحمل الصغير، وقالت للبائع أن يرافقها إلى منزلها حيث يمكنه الاعتناء بأخيه حتى يشفى من هذه الحمّى التي ألمت به.

نهض بائع الصحف ململماً نفسه في حزن ورافق الفتاة الحسناء إلى السيارة التي أوصلتهم إلى منزلها. وهناك عرف الدفء لأول مرة في حياته.

مرت أيام قلائل وإذا بالصغير يشفى من الحمّى وتعيده الفتاة الحسناء إلى المدرسة.

أما بائع الصحف فقد عاد إلى عمله عند تلك الزاوية من شارع المدينة . إلا أنه لن يعود بعد ذلك إلى الكوخ، فلقد قدّمت له الفتاة الحسناء غرفة صغيرة في منزلها.

وها هو كل مساء يذهب إلى مدرسة مسائية ليتعلم كيف يواجه الحياة، وليتعلم من خلال بيع الصحف كم هو بحاجة ماسّة أن يكون متعلماً... وغالبا ما كان يردد بفخر: ليس هناك مهنة غير شريفة، بل هناك أناس غير شرفاء .

بلال نعيم
08-05-2009, 12:31 PM
دم البقرة الصفراء

كان في قديم الزمان في إحدى المدن، أخوان يعيشان معا، لكن أبواب الرزق انسدت في وجهيهما، فقررا السفر إلى مدينة أخرى.

حمل كل واحد منهما زاده ورحلا. وفي الطريق قال الصغير للكبير: "لنأكل زاد أحدنا حتى ينتهي، ثم نأكل زاد الثاني". فأكلا زاد الأخ الكبير أولا.

وعندما انتهى زاد الكبير وماؤه، وهما يسيران، شعر الأخ الكبير بالعطش، فطلب من أخيه الصغير أن يعطيه قليلا من الماء، لكن الصغير قال: ما معي يكفيني وحدي. وترك أخاه الكبير وانصرف وحده.
سار الكبير وحده أيضا، وهو يعاني الجوع والعطش الشديدين، فضعفت قواه، فذهب إلى حفرة واضطجع ليستريح فيها.

مرّ في هذه الأثناء جنيّان وجلسا يستريحان قرب الحفرة.

قال الجني الأول: " كيف تقضي وقت فراغك يا صديقي؟"

أجاب الجني الثاني: " في مكان كذا، توجد خزائن كثيرة أذهب إليها إذا ضجرت، وأنظر إليها وتنشرح نفسي. وأنت كيف تقضي وقت فراغك؟"

أجاب الجني الأول: أما أنا فإذا ضجرت أدخل في رأس أي فتاة جميلة فتصير مجنونة.

سأل الثاني: وما علاجها؟

أجاب الأول : يرش على وجهها دم بقرة صفراء، فتصبح عاقلة."

كان الشاب يسمع حديثيهما وهما لا يريانه. وبعد أن استراح الجنيان انصرفا، وخرج الأخ الكبير من الحفرة، فأبصر قافلة متجهة إلى إحدى المدن، فأشار إليها بيده ورآه بعض رجالها، فحملوه معهم.

ولما دخل المدينة، وجد الناس في حالة هرج ومرج فسألهم: "ما بكم يا ناس" ؟

فقالوا له: " أنت غريب ولا تعرف شيئا. إن بنت السلطان مجنونة، ولا يستطيع أحد أن يشفيها".

ذهب الشاب إلى السلطان وقال له: "أنا أقدر أن أشفي بنتك". فقال السلطان: "إنها محبوسة في غرفة والكل يخاف الدخول عليها. إننا نعطيها طعاما وشرابا من الشباك. هل تعلم أنه إذا لم يفد علاجك قطعت رأسك؟". فطلب الشاب خمسمائة روبية وأن يمهله فترة. فأعطاه السلطان ما طلب.

اشترى الشاب ملابس جديدة واستأجر سكنا، ثم سأل عن سوق الحيوانات. وأخذ يفتش عن بقرة صفراء لكنه لم يجدها. وكان كل يوم يذهب إلى سوق الحيوانات من الصباح إلى المساء ثم يرجع إلى داره مرهقا حزينا إلى أن جاء يوم، وهو يبحث في السوق، فأبصر فلاحاً يجر بقرة صفراء ليبيعها، فاشتراها منه وذبحها ووضع دمها في طشت. ثم ذهب إلى قصر السلطان، وطلب من الخدم أن يفتحوا باب غرفة بنت السلطان، ففتحوها له وهربوا بعيداً.

اقترب الشاب من بنت السلطان ورش على وجهها دم البقرة، فسقطت مغشيّاً عليها. وبعد أن أفاقت من غيبوبتها أخذت تبكي، فأسكتتها الخادمات وأدخلنها الحمام وحممنها. وذهبت إلى أبيها وقبّلت يده ، ففرح السلطان فرحا لا يوصف.

شكر السلطان الشاب وقال له: " لقد شفيت ابنتي، وسأزوجك بها." فرح الشاب وتزوج بنت السلطان. ثم أخذ عدداً من الجمال وذهب إلى مكان الخزائن التي سمع عنها من الجني، ونقل كل ما فيها من ذهب ومجوهرات .

مرت الأيام، والشاب سعيد مع زوجته، وقد أصبح غنياً جداً.

وفي يوم من الأيام، أراد السلطان أن يخرج في مهمة، فأوكل إليه السلطنة نيابة عنه. وبينما كان الشاب يجلس في مجلس السلطان والناس يدخلون عليه، رأى بينهم أخاه الصغير يرتدي ثيابا عتيقة ممزقة، فعرفه، وطلب إلى الحراس أن يأخذوه إلى الحمام ويلبسوه ملابس جديدة. وبعد أن انتهوا من ذلك، أتوا إلى مجلس السلطان، فعرفه أخوه الصغير وراح يبكي وقال له: " بعد أن فارقتك تغيّرت حالي وأصابني فقر شديد، ورحت أستجدي الناس من مدينة إلى أخرى حتى وصلت هذه المدينة، فوجدتك سلطانها وقد حسبتك ميتا. فكيف صرت إلى هذه الحال؟"

حكى الأخ الكبير لأخيه الصغير ما حدث له وقال: عندي من الأموال خزائن فابق معي وشاركني حكم هذه المدينة.

فقال الأخ الصغير: " أنت وصلت إلى هذه الحال حين نمت في الحفرة، وأنا أعرف الحفرة جيدا. سأذهب إلى هناك وأكون أحسن منك ولا أريد منّتك ."

حاول الأخ الكبير منع أخيه الصغير من الذهاب، لكن طمع الصغير جعله يصرّ على الذهاب إلى تلك الحفرة، وجلس فيها.

وعندما جاء الجنيان قال الأول: كيف تقضي وقت فراغك يا صديقي؟

فأجاب الثاني: لم يعد لي شيء أتسلى به فقد اختفت الخزائن.

فتنهد الثاني وقال: أنا أيضا عُرف سري.

فقال الأول: ربما يكون أبن آدم قد أطّلع على سرّينا؟

أحسّ الجنيان بأن في الحفرة شيئا، فنظرا فيها ووجدا الأخ الصغير، فانقضا عليه وقتلاه.

وهذه هي نهاية الطمع.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:31 PM
المغفّل وحماره

كان لرجل مغفّل اسمه فؤاد حمار، وكان يقوده في السوق. فقال رجل لرفيق له: يمكنني أن آخذ هذا الحمار، وهذا المغفّل لا يعلم.

قال: كيف ومقوده بيده؟

فتقدم الرجل وحل المقود ووضعه في رأسه، وأشار إلى رفيقه أن يأخذ الحمار ويذهب به. فأخذه ومضى. ومشى ذلك الرجل خلف المغفّل والمقود في رأسه ثم وقف. فجذبه فلم يمش. فالتفت فؤاد المغفّل فرآه وقال: أين الحمار؟
فقال: أنا هو.
صاح فؤاد المغفل: وكيف هذا؟

قال: كنت عاقا لوالدتي فمسختني حمارا. ولي هذه المدة في خدمتك. والآن وقد رضيت عني أمي فعدت آدميا.

فقال المغفل: يا الهي كيف كنت استخدمك وأنت آدمي؟! اذهب في حفظ الله.

فذهب.
مضى فؤاد إلى بيته فقص على زوجته القصة، فقالت له : اذهب غدا إلى السوق واشتر حمارا آخر.
خرج المغفل إلى السوق فوجد حماره معروضا للبيع فتقدم منه وجعل فمه في أذن الحمار وقال: يا أحمق ! عدت إلى عقوق أمك؟!

بلال نعيم
08-05-2009, 12:32 PM
الفأر فأرور

قال فأرور: " سيء، سيء، سيء. أمي لا تراني الآن وسأخرج إلى الشارع ".

فأرور، إلى أين أنت ذاهب يا فأرور؟ صاحت الأم.

أنا؟ أنا ذاهب يا أمي لأتفرج خارج وكرنا!

إياك أن تخرج يا فأرور.
لا أخرج؟ لماذا لا أخرج؟http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story99.jpg
لا تخرج يعني لا تخرج. هل فهمت ما أعني؟
نعم، نعم يا أمي، ولكن لماذا؟
أوه! لماذا الأسئلة؟ ولكن يجب أن أقول لا، يجب أن يعرف لماذا أقول لا.
لم تخبريني يا أمي لماذا.
يا حبيبي في الخارج يمكث هرّ.
هه! ما هو الهر يا أمي؟
الهر هو عدوّ الفئران.
عدونا؟ ماذا تقصدين بكلمة عدونا؟
عدونا يعني عدونا. يعني خصمنا يا حبيبي. يعني إن خرجنا ولم ننتبه إليه يأكلنا.
يأكلنا! ولماذا يأكلنا؟
أسئلة! أسئلة يا فأرور! يعني إذا أكلنا يعني انتهينا. يعني لم يعد لنا حياة.
و.و.. وهل إذا خرجت أنا يأكلني الهر؟
طبعا. الخوف عليك أكبر من الخوف على أي فأر كبير آخر.
لماذا؟ لماذا يا أمي؟
لماذا؟ لماذا؟ دائما لماذا؟ لأنك يا فأرور صغير، جاهل، لا تعرف كيف تتصرف.
إن أقبل إليّ الهر أهرب منه... ززز... ولا يستطيع أن يمسك بي، أكد لها فأرور.
أجابت الأم: كثيرون من الفئران اعتقدوا ذلك، ولكنهم وقعوا بيد الهر.
ولماذا لا نطرده؟
هه! نحن نطرده؟ نحن الفئران جبناء، حتى لو طردناه هناك آلاف غيره تأتي وتهاجمنا.
هاه! إذن هناك هررة كثيرة مثلما هناك فئران كثيرة؟
نعم. ويكفي الآن أسئلة يا فأرور.

طبعا لم يكفّ فأرور عن الأسئلة، فقد لمس أن أمه قد تضايقت منه، فذهب إلى أبيه الفأر يسأله.

أبي، أبي...
نعم، نعم يا فأرور.
حكت لي أمي عن الهرة وحذرتني منها.
نعم يا بني.
هل لك أن تخبرني يا أبي كيف السبيل لاتقاء شرور هذه الهررة؟
يا بني، نحن نستطيع أن نتقي شرورها باتباع وصايا أجدادنا.
ما هي وصايا الأجداد؟
يا حبيبي، يا بني! أوصانا أجدادنا بمزيد من الحذر، كما أوصونا بالرشاقة وخفة الوزن للهرب والركض. وقد أوصونا أيضا بأن نتعلم الصبر على آلام الجوع ريثما تتاح لنا الفرصة لنخرج ونبحث عن طعامنا.
أه.. فهمت. يعني يجب ألا أخرج من الوكر إلا عندما أتأكد من أن لا شر يتربص بي في الخارج.
بالضبط! بالضبط يا صغيري!
شكرا، شكرا، يا أبي.
وذات يوم خرج أبو فأرور لإحضار الطعام، لكنه ذهب ولم يعد. وبكت الأم كثيراً.

لماذا تبكين يا أمي؟
أبوك الفأر خرج ولم يعد.
هه! ماذا أصابه يا أمي؟
ليتني أدري يا حبيبي. ولكن هناك من رأى الهرة تضربه وتلتهمه.
الهرة؟
أنا أحذرك يا بني، فبرضاي عليك انتبه من الهرة.
اسمعوا يا معشر الفئران!
ما بك يا صغيري؟ هل تريد أن تخطب بهذه المناسبة؟
أريد أن أقول كلمتي أمام الجميع.

[صوت فئران: سء، سء، سء].

قالت أحدها: دعوه يتكلم! إنه حزين على أبيه. استمعوا إليه.
لا يسعني أيها الإخوة إلا أن أعلن أمام جميع الفئران هنا في هذا الحجر الكبير بأن نصائح الأجداد لم تعد صالحة. أعني أن الحذر لم ينجّ والدي الفأر من براثن الهرة.

[الفئران تتكلم وأحدها يصيح: ما هو البديل]؟

أه... الآن وصلنا إلى صلب الموضوع، البديل هو أن تنكب الفئران على قراءة الكتب التي وصلت إلى الحجور المجاورة والتي تعلمنا كيف نتخلص من بطش القطط الماكرة.

وهكذا عكف فأرور على قراءة الكتب التي ألفها عباقرة الفئران منذ آلاف السنين، من دون أن يقوم بالتمرينات للمحافظة على رشاقة جسده. ولما فرغ كان الجوع قد أصابه بالضعف والهزال. ولما أراد أن يخرج للبحث عن طعامه داهمه الهر. فتمكنت كل الفئران من الهرب باستثناء فأرور.

استنجد فأرور برفاقه: أنقذوني لقد أمسك الهر بي.

يا حسرتي! وقع فأرور في يد الهر. خلصوه يا رفاق!

علا صوت القط: ميو ميو ميو. ميو.

أرجوك يا هر.. دعني وشأني. أنا فأر مثقف، درست كل شيء. أقرض الشعر وأغني.

الهر بقوة: ميو! ميو! أما أنا يا فأرور، هر لا أعرف شيئا، وكل ما أجيده هو اصطياد الفئران التي لا تعرف كيف تهرب ولا كيف تدافع عن نفسها.

أه... أه...

بكت الأم وقالت: أه! يا حسرتي عليك يا فأرور! لو درست أصول الرياضة والركض وتمرنت كما فعلت وأنت تدرس، لما واجهت هذا المصير.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:33 PM
النمر والسلحفاة
كانت الغابة في ذلك اليوم خضراء ربيعية، والشمس تشرق من وراء السفوح الندية، والعصافير في زقزقة ترافقها ألحان السواقي، والغصون الخضراء التي يهب النسيم عليها يترك فيها حفيفا للورق الممتد الظلّ على بساط الغابة الطري الأخضر.
خرجت الحيوانات تفتش عن رزقها في كل أنحاء الغابة وتوزعت جماعات ووحدانا، مضيفة إلى الطبيعة الهادئة حركة للحياة، ترافق قرص الشمس الذي بدأ يشيع الدفء في أرجاء الغابة.
وبينما الحيوانات في هدوء وأمان والطبيعة تكمل نهوضها الجميل من العتمة، انتشر في الغابة صوت أخاف جميع الحيوانات، فراحت تركض مذعورة ذات اليمين وذات الشمال تاركة بحثها عن رزقها. وكان الصوت يقترب، وكانت الحيوانات تزداد رعبا.
فجأة ظهر نمر مرقّط الجلد، ممتد الجسم، أغضبه أنه لم يجد منذ الفجر فريسة ينقضّ عليها ليفترسها. وبينما كان يقفز من مكان إلى آخر وجد فجأة سلحفاة صغيرة لم تستطع أن تصل إلى مخبئها لبطئها في السير ولثقل ما تحمل على ظهرها.. وقف النمر أمامها فانقبضت خائفة. فقال لها: " أليس في الغابة حيوان آخر يشبع رغبتي في الطعام؟ "
فقالت السلحفاة: "ها أنت تراني يا سيدي النمر وحيدة لا أستطيع الوصول إلى أيّ مكان بالسرعة التي يصل بها بقية الحيوانات."
فزجرها النمر قائلا: "أسكتي أيتها الحشرة‍‍. إنني منذ الفجر أفتّش عن أرنب أو غزال أو بقرة أو ثعلب أو ديك، فلم أجد أيّ حيوان. وها أنا قد دبّ فيّ الجوع وسآكلك رغم أنك لن تشبعي رغبتي في متابعة التفتيش عن فريسة.
قالت السلحفاة باكية: " ألا تراني صغيرة جدا يا سيدي النمر؟ إنني لا أغنيك عن فريسة كبيرة. ولو أنّك أكلتني لما شعرت بأي شبع وستظل معدتك خاوية وسيظلّ نهمك يلحّ عليك لتفترس ما هو أكبر مني."
فقال النمر غاضبا: " لا تحاولي إقناعي أيتها السلحفاة. فأنا جائع ولن يمنعني شيء عن افتراسك."
قالت السلحفاة وقد علمت أنها لا محالة هالكة: "إذا أردت افتراسي يا سيدي، فكل ما أرجوه أن أشبعك قليلا لأني أخاف عليك من الجوع، وأنت سيد هذه الغابة، وعلى كل الحيوانات أن تقوم على خدمتك. ولكن لي رجاء عندك."
"ما هو هذا الرجاء ؟ " قال النمر.
فقالت السلحفاة: " لا تعذّبني قبل أن تأكلني، أرجوك ."
فقال النمر:" كيف تختارين موتك أيتها السلحفاة؟"
فقالت: باستطاعتك أن تدوسني بقدميك أو أن ترميني من مكان إلى مكان أو أن تضعني فوق أعلى غصن في هذا الشجر، أو أن تضربني بجذع شجرة السنديان الضخمة، ولكن كل ما أطلبه منك هو ألا ترميني في هذا الماء الجاري."
فقال النمر: "لا تريدين أن أرميك في النهر" ؟.
" نعم، أرجوك"، قالت السلحفاة.
وهنا قهقه النمر، فارتجت أنحاء الغابة وارتعدت فرائص الحيوانات المختبئة وقال للسلحفاة: " لن أفعل بك إلا ما يخيفك أيتها الحشرة".
راحت السلحفاة تبكي, غير أن بكائها كان تصنّعا واحتيالا. كانت تتمنّى من أعماق أعماقها أن يرميها في النهر. وظهر عليها أنها حزينة ومرتاعة، فازدادت قهقهة النمر. ثمّ أخذ السلحفاة ورمى بها في النهر.
غرقت السلحفاة برهة ثم عامت فوق الماء وقالت للنمر: "ما أغباك أيها النمر! لو فعلت بي غير هذا لكنت قتلت. لكن الماء وحده هو الذي ينقذني لأني أجيد السباحة".
انتشر غضب النمر في شاربيه وجلده وجسمه وقوائمه وأرسل صوتا أخاف السلحفاة رغم وجودها في مكان لا يستطيع النمر أن يصل إليها وهي فيه. ثمّ قال: "أخرجي من الماء أيتها السلحفاة"!
فقالت السلحفاة وهي تضحك: " لن أخرج أيها النمر".
"أخرجي"! قال لها بصوت أقوى.
فضحكت ثانية وقالت: " لماذا لا تأتي وتأخذني من هذا الماء أيها المتجبّر؟ بأي حق يجوز لك أن تفترسني؟ ألأنك رأيتني صغيرة جدا فظننت أنك بكبر حجمك وقوة جسدك تستطيع أن تفعل ما تريد؟ ألا تعلم أن لي عقلا رغم صغر حجمي أستطيع أن أنقذ نفسي بواسطته من افتراسك لي؟ كفى تجبّرا أيها النمر واذهب من هنا".
شعر النمر كأنه يتمزّق. فلم يسبق له أن سمع من أي حيوان في الغابة كلاما مثل هذا الكلام الذي تقوله السلحفاة. ثمّ قال: " إنني أنذرك أيها السلحفاة! إما أن تخرجي وإما أن أقفز في الماء وعندها ستندمين".
" لن أندم أيها النمر"، أجابت السلحفاة.
جمع النمر قواه وقفز في الماء وإذا به يقع في غمرة الموج ويحاول الخلاص، إلاّ أنه كان يغرق في الماء بينما كانت السلحفاة غارقة في الضحك ....

بلال نعيم
08-05-2009, 12:34 PM
الهر زعفران

نعم ، إنه القط زعفران، إنه هر صغير لكن عنده مشكلة...

ميو ... ميو. ما هذا؟ أنا في حالة لا تطاق. الجميع يزعجونني ويثيرونني. أقترب من رفاقي الهررة فيبتعدون عني ولا يريدون أن يشتركوا معي في ألعابهم.
قالت أمه: هل تعرف يا زعفران لماذا لا يريدك رفاقك أن تلعب معهم؟
لا. لا أعرف ولا أريد أن أعرف.
على العكس، يجب أن تعرف يا زعفران. لعلّك تحسّن من تصرفاتك.
حسنا، لماذا لا يريدون أن ألعب معهم؟
لأنك سريع الغضب، لا تقبل المزاح، ولا تتغاضى عن الأخطاء التي يعتذر لك رفاقك من أجلها إذا ما بدرت منهم.
لا أدري.لا أدري. أنا هكذا دائما. هذه هي طباعي.
عليك أن تغيّر هذه الطباع.
لا أقدر،لا أقدر، حبّذا لو أقدر!
جرّب يا زعفران. حاول يا صغيري.

ازداد سلوك القط الصغير زعفران سوءا، وازدادت شراسته، وصار يضرب إخوته من دون سبب مقنع، ويرفض نصيح أمه وأبيه.
- مواء مواء مواء مواء مواء
لماذا؟ لماذا؟ لماذا يا زعفران تضرب إخوتك القطط الصغيرة؟
لا أطيقها ، لا أحبها.
إنك بتصرفك هذا يا بني جعلت الجميع يبتعدون عنك.
لمست ذلك يا أبي، حتى أمي ذاتها لم تعد تحكي لي حكايات المساء المسلية. وإخوتي صاروا يتحاشون الاحتكاك بي حتى لا أثور.
إذن يجب أن تفعل شيئا.
ماذا أفعل يا أبي؟ إنني أشعر وكأنني أعيش في عزلة، وأشعر وكأني أنكفئ على نفسي..

اسمع يا زعفران، يا صغيري العزيز.. يجب أن تجد حلاً لمشكلتك.
ساعدوني. ماذا أفعل؟
فكّر. فكّر في الأمر يا بني. فكّر، فكّر. ماذا عليك أن تفعل يا زعفران؟ ماذا عليك أن تفعل؟
قالت الأم: إنه يجهد نفسه ويفكر.
وقال الأب: يحكّ رأسه لعله يجد الحل .
آه.... يا أمي؟ هه! وجدت الحل يا أمي. وجدته.
صاح الأب: ما هو؟ ما هو الحل الذي وصلت إليه؟
أجاب زعفران: أعاهد نفسي أن أظل يوما كاملا من دون غضب. لا أثور على أحد مهما كانت الأسباب .
مواء موا ء ....
الأب: هذا قرار عظيم .
الأم: حاول من الآن.

وفي اليوم التالي نهض القط الصغير زعفران من فراشه وأطلّ من النافذة.
ميو. ميو.. أوه السماء ملبّدة بالغيوم الداكنة. ولكن مهلا، مهلا يا زعفران. ليس هناك ما يثير غضبك. فقد عاهدت نفسك على ألا تثور، ولذا إنني لن أثور أبدا بل سأضحك. ميو. ميو.

وتوجّه القط زعفران إلى مائدة الطعام ليتناول الفطور. فمدّ يده ليتناول إبريق الشاي ليصبّ منه في الفنجان .

أوه. الشاي بارد. ما لك؟ ما لك يا زعفران؟ لا تفقد أعصابك. لقد عاهدت نفسك على ألا تثور. أفضل شيء هو أن أذهب إلى المطبخ وأسخّن الإبريق من جديد. اضحك. اضحك يا زعفران. ابتسم. هيء هيء. ميو ميو.

وحين استعد زعفران لمغادرة المنزل إلى المدرسة وجد حقيبته مفتوحة وكتاباً منها قد تمزّق غلافه.
قال زعفران: هذا شقيقي الصغير ! يا له من هر خبيث. ولكني لن أثور. سأكبت غضبي، وسأعيد تغليف الكتاب اليوم عندما أعود من المدرسة. وسيكون الغلاف زاهيا جميلا.هيء. هيء. ابتسم يا زعفران، لا تغضب.. ميو . ميو.
قالت الأم: هل تسمعني يا زوجي العزيز؟
ماذا تريدين أن تقولي يا زوجتي المحترمة؟
ابنك زعفران كان اليوم على غير عادته.
كيف؟ يضحك، كيف؟ صحيح كيف؟
تصور! تصور أنه مضى إلى المدرسة. سار في الطريق وهو يتأمل التلاميذ والناس وهم مسرعون إلى مدارسهم وأشغالهم. كنت أراقبه من بعيد. كان يبتسم فرحا وقد امتلأ قلبه بشعور ممتع، وهو يقول: يا له من صباح جميل! ويغني .
قال الأب: صحيح؟ صحيح؟هذه أخبار جميلة، أخبار جميلة عن زعفران .
وقالت الأم: وأكثر. عند مدخل المدرسة اصطدم زعفران بتلميذ يركض وآلمته الصدمة، ولكنه ضغط على نفسه ولم يغضب، بل قال: عفوا يا صديقي. أنا آسف.
ولكن . كيف عرفت كل ذلك؟
لحقت به ورحت أراقبه من بعد. تصوّر أنه أمضى كل الصباح مبتسما ولم يتذمر أو يغضب رغم أن الأستاذ وبخه لأنه لم يكتب الوظيفة . فاقترب من الأستاذ وقال: عفوا يا أستاذ! أرجو أن تسامحني! وبقي زعفران سعيدا.

الأب والأم يضحكان: ميو . ميو. ميو .

هذا هو زعفران مقبل. إنه مسرور جدا وقد شعر الأصدقاء بتغير سلوك صديقهم، فأقبلوا عليه يداعبونه ويمازحونه. وكان راضيا يبادلهم المداعبة والمزاح بروح مرحة. وعاد إلى البيت فيما كانت أمه في المطبخ تعدّ الطعام.
أهذا أنت يا زعفران ؟ قالت الأم.
نعم يا أمي! طاب نهارك.
شكرا يا صغيري.
أمي، هل تريدين أية مساعدة؟
تريد أن تساعدني يا زعفران؟
نعم يا أمي، اطلبي وتمني.
هذا تصرف رائع. تصرف ممتاز يا صغيري تستحق عليه كل تهنئة.
أمي.
نعم يا صغيري.
هل تعلمين يا أمي أن الحياة تكون ممتعة جدا حين أكون مبتسماً ومزعجة جدا حينما أكون غاضبا.
تعجب الأب وقال: هاه! ماذا تقول يا زعفران؟
أقول لأمي أني أجد الحياة ممتعة جدا حين أكون مبتسما ومزعجة جدا حين أكون غاضبا.
نعم . نعم .. هذه هي الحقيقة. هذه هي الحقيقة يا ولدي. ها... وماذا قررت أن تفعل الآن؟
لن أغضب بعد الآن. بل سأبقى مبتسما وأواجه كل شؤون الحياة برفق وروية وابتسامة.

بارك الله فيك من ولد عرف طريق الحياة ...

بلال نعيم
08-05-2009, 12:36 PM
مآرب العَصا

لقيَ الحجّاج أعرابيًا، فقال له: "من أين أقبلتَ؟" قال: "من البادية". قال: "ما بِيَدك؟" قال: "عصا أركزها لصلاتي، وأعدّها لعدائي، وأسوق بها دابّتي، وأقوى بها على سَفَري، وأعتمدُ بها في شيءٍ ليتّسع بها خطوي، وأبثّ بها النّهر فتؤمّنني، وألقي عليها كسائي فيسترني من الحرّ ويقيني من القرّ، وتدني ما بعد منّي. وهي تحمل سفرتي وعلاّقة إداوتي، ومشجب ثيابي".
"أعتمد بها عند الضراب، وأقرع بها الأبواب، وأنفي بها عقور الكلاب. تنوب عن الرمح في الطّعان وعن الحرب في منازلة الأقران. وَرِثتُها عن أبي وأورثها بعدي إبني، وأهشّ بها على غنمي. ولي فيها مآرب أخرى كثيرة لا تُحصى.."

الوفاء

كان للملك النعمان بن المنذر، ملك الحيرة في العراق، يومان من كل سنة: يوم نعيم يرتدي فيه ثيابا زاهية ويبالغ في إكرام أول من يقدم عليه، ويوم بؤس يرتدي فيه ثياباً سوداً ويأمر بقتل أول من يأتيه زائرا أو طالب حاجة.

وذات يوم جاء رجل بدوي قطع مسافة طويلة للوصول إلى الحيرة وطلب مقابلة الملك.

عرف النعمان الرجل. فهو حنظلة الطائي الذي أضافه يوم ضلّ الطريق في الصحراء هو ورفيقه، وهو لا يعرف من يكونان ووعده النعمان بالمعونة.

أصر الملك على قتل الطائي لأنه جاء في يوم البؤس.

فقال البدوي: أنا رهن إرادتك أيها الملك. لكن لي عيالا تنتظرني فاسمح لي بالعودة إليهم لأوصي بهم وأودعهم قبل موتي وأعدك بالرجوع في مثل هذا اليوم من الأسبوع المقبل.

فقال النعمان: أسمح لك ولكن أريد أن يكفلك شخص ويرضى بالموت مكانك إذا تخلّفت عن الحضور.

نظر حنظلة في وجوه الحاضرين واستقرت عيناه المتوسلتان على عيني "شريك" رفيق الملك يوم أضافهما وكرّمهما.

وبعد لحظة قال رفيق الملك "شريك": أنا أكفل رجوعه أيها الملك....

أخذ الحراس الوزير رهينة....

وفي اليوم السابع تدفقت الجموع إلى ساحة الموت. وقبل الغروب وصل النعمان وحاشيته، وبدا القلق على وجوه الجميع.... هل سيعود حنظلة في الوقت المحدّد؟ هل يقتل الملك رفيقه شريكا؟

نظر الملك إلى الشمس.... ها قد اختفى نصفها الأسفل ولم يبق منها سوى قوس أحمر صغير....

رفع الملك يده، فاستلّ الجلاّد سيفه واستعدّ... انحبست الأنفاس، وجفت الحناجر، وتنقلت نظرات الجماهير بين المغيب ويد الملك وسيف الجلاّد ....

ورأوا غباراً من جهة الشرق، وإذا بجواد يعدو كالبرق ويقف فجأة بين الجموع. فترجّل صاحبه صارخا:.. ها أنا حنظلة قد عدت، أطلقوا "شريكا".

انفرجت أسارير الملك، وسأل "شريكا": لمَ جازفت بحياتك؟

أجاب شريك: لقد عزّ عليّ أيها الملك أن يشاع بأن الوفاء والمروءة قد فقدا من مملكة النعمان.

والتفت النعمان إلى الطائي وسأله: بربك قل لي: ما الذي حملك على الرجوع؟

فأجاب حنظلة: أخلاق عربية ترفض الغدر، ووفاء نبيل أقوى من الموت.

عندها قال الملك: يا قوم..... يا قوم.... لقد كان الطائي نموذجا في الوفاء ، كما كان وزيري "شريك" مثالا في المروءة. وإن أخلاقاً عربية كهذه لن أبخل على أصحابها بالعفو. لقد عفوت عنك يا حنظلة، ولن أردّك إلى عيالك خائبا. أما أنت يا "شريك"، فهنيئا لمملكة أنت وزيرها.....

غابت شمس ذلك اليوم، وغاب معها يوم بؤس النعمان إلى الأبد.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:40 PM
صية أعرابي لإبنه

يا بُنيّ! إنّ أباك قد فني وهو حيّ، وإنّي موصّيك بما حفظته، فاحفظ عنّي:

"أَلِن جانبك لقومك يحبّوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيءٍ يسودوك.
وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم، يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم. واسمح بمالك، واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن مَن استعان بك.
أكرم ضيفك، وأسرع النّهضة في الصّريخ، فإنّ لك أجلاً لا يعدوك، وصُن وجهك عن مسألة أحد شيئًا، وبذلك يتم سؤددك".


وصية حكيم لإبنه

أوصى حكيم ابنه فقال: يا بُنيّ! عزّ المال للذهاب والزّوال، وعز السلطان يومان: يوم لكَ ويوم عليك. وعزّ الحسب للخمول والدّثور. وأمّا عز الأدب، فعز راسب رابط، لا يزول بزوال المال، ولا يتحوّل بتحوّل السّلطان ولا ينقص على طول الزّمان.

يا بنيّ! عَظَّمَت الملوك أباك، وهو أحد رعيّتها، وعبدت الرّعية ملوكها، فشتّان ما بين عابدٍ ومعبود.
يا بُنيّ! لولا أدب أبيك، لكان للملوك بمنزلة الإبل النّقالة، والعبيد الحمالة.


أي أولادك أحب إليك


قال رجل لآخر: ألك ولد؟ قال: نعم.

قال: أيهم أحب إليك؟

قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يعود.



إن العدل لا يرضى

اختطفت قطتان قطعة جبن وذهبتا إلى القرد لكي يقسمها بينهما، فقسمها قسمين، أحدهما أكبر من الآخر، ووضعهما في ميزانه، فرجح الأكبر، فأخذ منه شيئا بأسنانه وهو يظهر أنه يريد مساواته بالأصغر. ولما كان ما أخذه منه هو أكثر من اللازم، رجح الأصغر. ففعل بهذا ما فعله بذاك، ثم فعل بذاك ما فعله بهذا، حتى كاد يذهب بقطعة الجبن. فقالت القطتان: نحن رضينا بهذه القسمة، فأعطينا الجبن. فقال: إذا كنتما قد رضيتما، فإن العدل لا يرضى.

وما زال يقضم القسم الراجح منها كذلك حتى أتى عليهما جميعا.

فرجعت القطتان بحزن وخيبة وهما تقولان: وما مِن ظالم إلا سيبلى بأظلمِ.



أكرم الرجال

كان الناس في أول الإسلام يجتمعون حول الكعبة،ويتبادلون الأحاديث. وجلس ذات يوم ثلاثة رجال يتحدّثون عن كرماء الإسلام. قال الرّجل الأول: أكرم الناس عبد الله بن جعفر، وقال الثّاني، أكرم الناس عرّابة القوسي، وقال الثالث: أكرم الناس قيس بن سعد.

اختلف الرجال الثلاثة، وارتفعت أصواتهم. الأول يقول: عبدالله أكرم. والثاني يقول:عرّابة أكرم. والثالث يقول: قيس أكرم. سمع الناس مناقشة الرجال الثلاثة، فقالوا لهم: اذهبوا إلى أصحابكم، أمتحنوهم، ثم ارجعوا إلينا وأخبرونا بما فعل أصحابكم، لنحكم بينكم!.

ذهب الرجل الأول إلى بيت عبد الله بن جعفر. وجده أمام البيت يستعدّ ليركب جمله، ويذهب إلى أرضه. قال الرجل لعبد الله:يا ابن عمّ رسول الله! انا ابن سبيل... ولا أهل لي... نزل عبد الله من فوق جمله، وقال للرجل: اركب جملي هذا.. وخذ ما في الحقيبة.. وخذ هذا السّيف أيضا... هو سيف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

رجع الرجل إلى الكعبة. فتح الناس الحقيبة فوجدوا فيها ملابس ودنانير كثيرة... وسيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ذهب الرجل الثاني إلى بيت قيس بن سعد. قالت له الخادم: قيس نائم. ماذا تطلب؟ قال:أنا ابن سبيل.. ولا أهل لي... قالت الخادم للرجل:خذ هذا الكيس، فيه سبعمائة دينار. هي كل ما عند سيّدي. ثم أعطته جملا... شكر الرجل الخادم وذهب. استيقظ قيس، فأخبرته الخادم بما فعلت، فسرّ لتصرّفها وشكرها. رجع الرجل إلى الكعبة يقود الجمل ويحمل الدنانير.

ذهب الرجل الثالث إلى بيت عرّابة، فوجده أمام البيت، يريد أن يذهب إلى المسجد للصلاة... كان عرّابة أعمى يعتمد على خادم يقوده إلى المسجد. قال الرجل:يا عرّابة أنا ابن سبيل ولا أهل لي.

قال عرّابة خذ هذا الخادم... هو كل ما أملك. ثم سار عرّابة يتحسس الجدار ليصل إلى المسجد... أخذ الرجل الخادم، ورجع إلى الكعبة.

تجمّع الناس حول الرجال الثلاثة... حكى الرجل الأول قصّته... وحكى الثاني قصّته... حكى الرجل الثالث قصّته...

فهل تعرفون ماذا كان حكم الناس؟!

قال الناس:أصحابكم جميعا كرماء... وعرّابة أكرم الرجال؛ لأنّه أعطى كل ما عنده رغم شدّة حاجته إليه!.


أقوى سلاح

بدأ دين الإسلام يظهر.. ورأت قريش أن هذا الدين الجديد ينتشر بسرعة؛ لأن الحق فيه واضح كالشّمس، ولأنه دين سمح سهل يدعو إلى كل خير، ويتفق مع العقل والتفكير السّليم.. قريش قامت بزعمائها ورؤسائها وكبار المشركين فيها.. تحارب هذا الدين، بكل الطرق والأساليب، وتصب العذاب الشديد على من تستطيع من الذين أسلموا، حتّى يرجعوا عن دينهم، ولكن، تحمل المسلمون التعذيب بصبر وإيمان وهم يقولون: هذا في سبيل الله.

وكانت مجموعة من سادة قريش وكبرائها يجتمعون في ناديهم يتحدثون عن "محمد" ويتبادلون الرأي: ماذا يفعلون في أمره. وكان معهم سيد من سادة قريش اسمه(عتبة بن ربيعة – أبو الوليد).... فقال لهم عتبة:

إن "محمدا" يجلس الآن وحده في المسجد، فهل أذهب إليه وأكلمه... وأعرض عليه أمورا.. لعلّه يقبل بعضها.. فنعطيه ما يشاء.. ويكفّ عنّا؟ فقالوا له: نعم.. قم إليه وكلّمه. فقام عتبة بن ربيعة حتى وصل إلى رسول الله.

فجلس معه، وقال له:

يا ابن أخي، إنك منا حيث تعلم من الشّرف والمكانة. وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم.. فرّقت به جماعتهم، وعبت به آلهتهم ودينهم.. فاسمع مني أعرض عليك أمورا.. تنظر فيها.. لعلك تقبل منها بعضا.

قال الرسول: قل يا أبا الوليد.. أسمع. قال أبو الوليد عتبة بن ربيعة:

إن كنت تريد مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالا. وإن كنت تريد ملكا جعلناك علينا ملكا. وإن كان يأتيك شيء من عمل الجن لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطّبّ، ودفعنا فيه من أموالنا حتى تشفى منه....

ولّما فرغ عتبة بن ربيعة من كلامه، ورسول الله يستمع إليه، قال الرسول يستمع إليه، قال الرسول: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟".

قال: نعم. قال الرسول: فاسمع مني. وقرأ بصوت مؤثر: بسم الله الرحمن الرحيم: "حم* تنزيل من الرحمن الرحيم* كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون* بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون".

واستمر الرسول يقرأ القرآن العظيم وعتبة يسمع وهو مأخوذ مبهور. شديد الإعجاب. واعتدل عتبة بن ربيعة وهو يسمع كلام الله احتراماً لهذا الكلام، لأن العرب كانوا أهل البلاغة وفصاحة يعرفون الكلام الجيد. وأدرك عتبة أن هذا الكلام الذي لم يسمع له مثيلاً من قبل لا يمكن أن يكون من كلام البشر.
فلما انتهى الرسول من قراءته، قال لعتبة: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت.. فأنت وذك.

وقام عتبة يمشي إلى أصحابه وهو مبهور، بعد أن ترك القرآن العظيم في نفسه أثراً عميقاً عجيباً.

فلما رآه أصحابه قادماً، نظروا في وجهه، وقال بعضهم لبعض: نحلف بالله.. لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به".

فلما جلس قالوا له: وما وراءك يا أبا الوليد"؟

قال عتبة بن ربيعة: "لقد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط.. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.. يا معشر قريش، أطيعوني واتركوا هذا الرجل وشأنه.. فوالله إنه سيكون لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم.

فدهشوا لما قاله عتبة، وقالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد! قال عتبة: هذا رأيي فيه، فافعلوا ما شئتم.

وهكذا كان القرآن أقوى أسلحة الإيمان.. يؤثر في النفوس تأثيراً عميقاً عجيباً يحير العقول.. لأنه كلام الله.. ومعجزته الخالدة على طول الزمان.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:41 PM
التجارة الرابحة

جاءت ليلة العيد،فقالت الزوجة لزوجها: ((العيد غدا يا أبا عبد الله، وليس لدى أطفالنا ملابس جديدة يلبسونها مثل بقية أطفال الجيران، وهذا بسبب إسرافك!)). قال الزوج: ((أنا أنفق أموالي في الخير ومساعدة المحتاجين، وهذا ليس إسرافا يا أم عبد الله)).قالت الزوجة: ((ابعث رسالة إلى أحد أصدقائك المخلصين ليعطينا بضعا من المال، نردُّه له عندما تتحسَّن أحوالنا..إن شاء الله)).

كان لهذا الرَّجل صديقان مخلصان، الهاشمىِّ وأسامة. كتب الرَّجل رسالة وأعطاها لخادمه، وطلب منه أن يذهب بها إلى صديقه الهاشمىِّ. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story110.jpg

ذهب الغلام إلى الهاشمىِّ وأعطاه الرِّسالة. قرأها الهاشمىُّ وعرف أنّ صديقه في ضيق وحاجة وأصبح لا يملك شيئاً. قال الهامشىُّ للخادم: (أعرف أنّ سيّدك ينفق كل ما عنده من أموال في عمل الخير. خذ هذا الكيس وقل لسيِّدك إنَّ هذه الدَّنانير هي كلّ ما أملك في ليلة العيد).

عاد الخادم إلى سيِّده وأعطاه الكيس. فتح الرَّجل الكيس فوجد به مائة دينار. فقال لزوجته في فرحة: ((يا أم عبد الله، هذه مئة دينار أرسلها الله إلينا)). سرت الزوجة وقالت لزوجها: ((أسرع إلى السوق لنشتري الأثواب والأحذية الجديدة لأولادنا)).

في هذه اللَّحظة دقَّ الباب. فتح الرَّجل الباب فوجد خادم صديقه أسامة ومعه رسالة يطلب فيها بعض المساعدة ليدفع دينا قد حل موعده. أعطى الرَّجل الخادم الكيس الذي أرسله إليه صديقه الهاشمىُّ وفي داخله المبلغ كاملاً دون أن يأخذ منه شيئاً.

ثارت الزَّوجة على زوجها الذي فضَّل صديقه عن أولاده، فقال لها زوجها: ((صديقي يطلب المساعدة.. فكيف أمنع عنه ما عندي من خير؟!)).

مرَّت ساعة، ثمَّ دق الباب. فتح الرَّجل الباب ووجد أمامه صديقه الهاشمىُّ فرحَّب به وأدخله. قال الهاشميُّ: ((جئت لأسألك عن هذا الكيس، هل هو الكيس نفسه الذي أرسلته إليك مع خادمك وبداخله مائة دينار.)).نظر الرَّجل إلى الكيس وقال في دهشة:(نعم..نعم..إنَّه هو... أخبرني يا هاشمى.. كيف وصل هذا الكيس إليك؟)).

أجاب الهاشمىُّ: ((عندما جائني خادمك برسالتك، وأعطيته الكيس الذي عندي لم يكن في بيتي غيره، فأرسلت إلى صديقنا أسامة أطلب المساعدة.. ففاجأني أسامة بان ّقدّم لي الكيس الذي أرسلته إليك كما هو، دون أن ينقص ديناراً واحداّ، فتعجَّبت وجئت إليك لأعرف السِّرَّ)). ضحك الرّجل وقال: ((لقد فضَّلك أسامة على نفسه وأعطاك الكيس، كما فضَّلتني أنت على نفسك يا هاشمىّ. ابتسم الهاشمىُّ وقال: ((بل أنت فضَّلت أسامة على نفسك وعيالك، ما رأيك يا أبا عبد الله في أن نقتسم المائة دينار بيننا نحن الثَّلاثة؟!)).

أجاب الرَّجل:((بارك الله فيك يا هاشمىّ!)).

سمع الخليفة بهذه الحكاية، فأمر لكلِّ واحد من الأصدقاء الثَّلاثة بألف دينار.
عندئذ دخل الرَّجل على زوجته وفي يده الدَّنانير الألف وقال في فرح: ((ما رأيك - يا أمَّ عبد الله – هل ضيَّعنا الله؟)). قالت المرأة: ((لا والله،ما ضيَّعنا، بل زادنا رزقاً!)). فقال الرَّجل: ((عرفت الآن – يا زوجتي – أنَّ الإنفاق في سبيل الله تجارةٌ رابحةٌ لا تخسر أبداً؟!)).

بلال نعيم
08-05-2009, 12:44 PM
الرحمة في قلوب المحسنين

وصل عمّار إلى قصره في الظهر متعبا جائعا، ووجد على المائدة أصنافا كثيرة من الأطعمة الّتي يحبها، ولكنه لم يمد يده إلى أي صنف من أصناف الطعام، فلم تكن لديه شهيّة للأكل. نادى عمّار خادمه أمجد وطلب منه أن يرفع الطعام، ويعدّ له فرسه ليخرج.

قال أمجد: كيف تخرج الآن يا سيّدي – في هذا الجو الحار؟ ألم تتعوّد النوم في وقت الظهيرة؟!. قال عمّار: لا أدري يا أمجد.. لماذا ليس لدي رغبة في طعام أو نوم؟!. فقال الخادم: عافاك الله من كل سوء يا سيّدي!.

وخرج عمّار من قصره يركب فرسه، وانطلق به إلى قلب الصّحراء يسير بلا هدف. وكلّما شعر عمّار بشدّة الحر اتجه بفرسه إلى مدينة قريبة.. وفي الطريق شاهد دارا صغيرة أمامها شجرة خضراء. اقترب عمّر من الدّار فوجد الخادم واقفا بالباب. قال عمّار: يا غلام أعندك ماء تسقيني؟. ردّ الخادم: لا تقف في الخارج هكذا يا سيّدي! إني أراك متعبا ومرهقا من الحر والسفر.. تفضّل الدّخول، وسوف أحضر لك الماء البارد، والمنديل المعطّر لتجفف به عرقك.

غلب الغلام وعاد معه إناء من الماء البارد، وسقى عمّارا، وقدّم له المنديل المعطر، فمسح عمر عرقه، وشكر الخادم وانصرف. ركب عمر فرسه وانطلق عائدا إلى قصره وفي الطّريق سمع المؤذّن ينادي للصلاة، فاتّجه إلى أقرب مسجد.

وبعد الصّلاة وبينما كان عمّار يستعد للخروج من المسجد شاهد رجلا أعمى يتّجه نحوه. فسأله عمّار:ماذا تريد أيّها الرّجل؟. فقال الأعمى: أريدك أنت.

فسأله عمّار: ولماذا تريدني يالذاّت؟. قال الأعمى: لأنني شممت عن بعد رائحة عطر طيّبة، فأدركت أنّك من أهل النّعيم، وأردت أن أحدّثك بشيء.. أترى هذا القصر الكبير الذي امام المسجد؟! لقد كان في يوم من الأيام قصر أبي.. وباعه لصديق عزيز عليه، وقد حدّثني عن هذا الصّديق كثيرا، وقال لي أنّه رجل كريم معروف برحمته للفقراء والمحتاجين.

عندئذ سأله عمّار بإهتمام: وأين أبوك الآن؟. قال الأعمى: بعد أن باع هذا القصر، وسافرنا من بلد إلى بلد، وكان أبي مسرفا، فقد كلّ ما يملك، وفقدت أنا بصري بسبب مرض، وسائت أحوالي، وأصابني الفقر الشّديد.. فهل يمكنك أن تساعدني وتأخذني إلى صاحب هذا القصر، لعلّه يسمع إلى شكواي، ويشفق عليّ ويساعدني؟.

قار عمّار بتأثير شديد:عجبا لما حدث لي اليوم أيّها الرّجل.. فقد فقدت شهيّتي ولم أتناول طعام الغداء، وأصابني القلق ولم أنم كعادتي.. حدث كل هذا كي نتقابل وأستمع إلى شكواك. فسأله الأعمى:ما أعظم صنعك يا رب!. قال عمّار: هذه ألف دينار، قد سلّمها لي اليوم أحد وكلائي من إيجار أرض لي، وكأنّه قد أحضرها لك.. تفضّل.. هي من نصيبك.

قال الأعمى:شكرا لله الذي وضع الرّحمة في قلوب المحسنين ليعطفوا على الفقراء والمساكين.



الخليفة والوالي الفقير

ولّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعيد بن عامر على حمص. ولم يمر وقت طويل حتى جاء إلى أمير المؤمنين وفد من أهل حمص. فقال لهم: "اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أعطيهم من مال المسلمين".

فكتبوا إليه أسماء فقرائهم، فكان منهم سعيد بن عامر والي حمص. فسألهم عمر "ومن سعيد بن عامر؟".

قالوا: "أميرنا". قال عمر رضي الله عنه: "أميركم فقير؟".

قالوا: "نعم والله، إنه تمر عليه الأيام الطوال ما توقد في بيته نار، ولا يطبخ طعام".

فبكى عمر رضي الله عنه، ثم وضع ألف دينار في صرة، وقال: "أعطوه هذا المال ليعيش منه".

فلما رجع الوفد إلى مصر وأعطاه الصرة، قال سعيد: "إنا لله وإنا إليه راجعون!". وكأنه قد أصابته مصيبة، فسألته زوجته: "ما الأمر؟.. هل حدث مكروه لأمير المؤمنين؟!". قال سعيد: "أعظم من ذلك! دخلت على الدنيا لتفسد آخرتي".. قالت الزوجة: "تخلص منها!". وهي لا تعرف من أمر الدنانير شيئاً. قال سعيد: "أوتساعدينني يا زوجتي على أن أتخلص منها؟!".

قالت: نعم.

فوزع سعيد بن عامر الدنانير الألف التي أرسلها إليه عمر على فقراء المسلمين. وبعد فترة من الزمن زار عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمص يتفقد أحوالها، وقابل أهلها وسألهم عن أميرهم سعيد بن عامر. فشكروا فيه وأثنوا عليه، ولكنهم شكوا لعمر بن الخطاب ثلاثة أفعال لا يحبونها فيه. فاستدعى عمر سعيد بن عامر وجمع بينه وبينهم. وقال عمر: ما تشكون من أميركم؟.

فقالوا: إنه يخرج إلى الناس متأخراً في النهار. ونظر أمير المؤمنين إلى سعيد وسأله أن يجيب. فأجاب سعيد: والله إني أكره أن أقول ذلك. ليس لأهلي خادم.. فأنا أعجن معهم عجيني، ثم أنتظر حتى يخمر، ثم أخبز لهم، ثم أتوضأ وأخرج إلى الناس.

ثم قال عمر: وما تشكون منه أيضاً؟

قالوا: إنه لا يرد على أحد في الليل!.

قال سعيد: والله كنت أكره أن أعلن ذلك أيضا. إني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله عز وجل.

قال عمر رضي الله عنه: وما تشكون منه كذلك؟

قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يقابل فيه أحداً.

فقال عمر رضي الله عنه: وماذا تقول في ذلك يا سعيد؟

فقال سعيد: ليس لي خادم تغسل ثيابي.. وليس عندي ثياب غير التي علي.. ففي هذا اليوم أغسلها، وأنتظر حتى تجف، ثم أخرج إليهم آخر النهار.

عند ذلك قال عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي لم يخيب ظني بك.


الرزق الحلال

بحث رجل فقير في بيته عن طعام يفطر به فلم يجد شيئا. استعدّ الرجل للخروج فقالت له زوجته: هل ستتركنا دون طعام؟. قال الرجل:أنا ذاهب إلى الكعبة، لأطوف بها سبعة أشواط، وأدعوا الله ان يرزقنا؛ فهو خير الرّازقين.

توجّه الرّجل مزدحما بالحجاج، فلما أتم الرجل الطّواف، وصلّى، وهمّ بالخروج من الحرم عثرت قدمه بكيس على الأرض، فانحنا ليأخذه، وبحث الرجل فيه فوجده مملوءا بالدنانير. نظر الرجل حوله على زوجته فرحا متهلّلا، وقال:أنظري – يا زوجتي – ماذا رزقني الله اليوم؟! كيسا به مائة دينار. قالت الزوجة على الفور: اذهب إلى المكان الذي وجدت فيه الكيس، هذا الكيس ليس لنا، وإنّّما يخص صاحبه الذي فقده.

سمع الرجل كلام زوجته، وخرج من البيت قاصدا الكعبة، ومعه كيس النقود، وفي الطريق قال لنفسه: زوجتي على حق، فديننا أمرنا بالأمانة، والأمانة تدعونا ان نرد الأشياء لأصحابها.

وصل الرجل إلى المكان الذي عثر فيه على كيس النقود، فسمع أحد الحجاج ينادي:يا أهل الله، من وجد كيسا به نقود؟!.

تقدّم الرجل من الحاج وسأله:هل تعرف ما به يا حاج؟. فأجاب الحاج نعم، بالكيس مائة دينار. عندئذ قدم الرجل الكيس للحاج، وقال:صدقت، خذ هذا الكيس، إنه كيسك الذي تبحث عنه. نظر الحاج في الكيس فوجد الدنانير كاملة، فقال للرجل:لا يا أخي، هذا الكيس لك أنت ومعه كيس آخر به ألف دينار.

تعجب الرجل من كلام الحاج، وقال:أعطيتك كيسك فتقول أنه لي، وتعطيني زيادة عليه كيسا آخر به الف دينار! إني لا افهم شيئا مما تقول!. قال الحاج: أعطاني هذه الدناير رجل مؤمن من اهل مصر، وأوصاني أن اضع بعضها في الحرم، فإذا عثر عليها شخص، وردّها إلي، أعطيته باقي الدنانير. زادت دهشة الرجل من كلام الحاج وسأله:لكن، لماذا طلب الرجل المؤمن منك ذلك؟!. أجاب الحاج: لقد أراد الرجل المؤمن أن يتصدّق بهذا المبلغ، وكان يودّ أن تكون الصّدقة من نصيب رجل أمين، وأنت رددت الأمانة، ومن يرد الأمانة فهو أمين، والأمين – يا أخي – يأكل ويتصدّق، وبذلك تكون صدقة صاحب المال مقبولة.

أعطى الحاج الرجل الفقير الكيسين، حمل الرجل الفقير الدنانير إلى زوجته، وقصّ عليها الحكاية.. فرحت الزوجة وقالت لزوجها:أمّا الآن، فهذا المال حلال لك ولعيالك، هيّا اذهب واشتري لنا ما نأكله، فأولادنا جائعون، ولا تنسى أن تتصدّق منه، فهناك من هم أحوج إلى المال منّا.

قال الرجل وهو ينصرف إلى السوق:سأفعل يا زوجتي، الحمد لله الذي هداني إلى طريق الخير، ورزقني هذا الرّزق الوفير!.



العفو عند المقدرة

أراد شاب أن يسافر إلى مكّة ليؤدّي العمرة. فأعدّ جمله وطعامه، وبدأ رحلته.

وبعد ساعات من السفر وجد الشاب مكانا به عشب أخضر، فلجأ إليه ليستريح بعض الوقت. جلس الشاب تحت ظل شجرة وراح في نوم عميق. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story114.jpg

وفي أثناء نومه راح جمله يتنقّل هنا وهناك حتى دخل في بستان قريب. بدأ الجمل يأكل من الثّمار والأعشاب ويفسد كل مكان يمر به. وكان حارس البستان شيخا كبير السّن. حاول الحارس طرد الجمل من البستان فلم يقدر. خاف الحارس أن يفسد الجمل البستان كلّه فقتله.

ولما استيقظ الشاب من نومه بحث عن جمله فوجده داخل البستان مقتولا. جاء حارس البستان فسأله الشاب :من قتل هذا الجمل؟. ذكر الحارس ما فعله الجمل بأشجار البستان مما دفعه إلى قتله. غضب الشاب غضبا شديدا. وضرب الشيخ ضربة قتلته في الحال.

ندم الشاب على ما فعله وفكّر في الهرب. وفي أثناء ذلك وصل ابنا الحارس وأمسكا بالشّاب، وذهبا به إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وطلبا تنفيذ حكم القصاص في الشاب الذي قتل أباهما.

سأل عمر – رضي الله عنه – الشاب، فاعترف بجريمته، وقال أنّه نادم على ما فعل أشد النّدم.

قال عمر رضي الله عنه: ليس لك عندي إلا تنفيذ شرع الله.

عندئذ طلب الشاب من عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ان يمهله يومين يذهب فيهما إلى بلدته ليسدّد بعض الدّيون الّتي عليه. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أحضر من يضمن لنا عودتك ثانية، وإذا لم تعد نفّذنا فيه الحكم بدلا منك.

فقال الشاب: أنا – يا أمير المؤمنين – غريب عن هذه الدّيار، ولا أستطيع أن آتي بضامن.

وكان الصّحابيّ أبو ذرّ الغفاريّ – رضي الله عنه – حاضرا، فقال لعمر يا أمير المؤمنين.. هذه رأسي أقدّمها لك إذا لم يحضر الشاب بعد يومين.

فقال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في دهشة:أأنت الضّامن.. يا أبا ذرّ.. يا صاحب رسول الله؟!. قال أبو ذرّ:نعم، يا أمير المؤمنين.

وفي يوم تنفيذ حكم القتل انتظر الجميع عودة الشاب.. وكانت المفاجأة! فقد رأى الحاضرون الشّاب مقبلا من بعيد في سرعة حتّى وصل إلى مكان تنفيذ الحكم، فنظر الجميع إليه في دهشة! حينئذ قال عمر رضي الله عنه: لماذا عدت أيّها الشاب وكنت تستطيع أن تنجو من الموت؟.

قال الشاب: يا أمير المؤمنين.. فعلت هذا حتّى لا تقول الناس أن الوفاء بالوعد قد ضاع بين المسلمين.

وتوجّه عمر – رضي الله غنه – إلى أبي ذرّ وسأله: وأنت يا أبا ذرّ.. لم فعلت ما فعلت وأنت لا تعرف هذا الشاب؟!.

فأجاب أبو ذرّ رضي الله عنه: فعلت ذلك حتّى لا تقول الناس أن المروءة قد فقدت من أهلها!.

وعنئذ قال الشّابان ابنا الشيخ المقتول: ونحن بدورنا – يا أمير المؤمنين – نشهدك بأننا قد عفونا عن هذا الشاب وتنازلنا عن حقّنا؛ فليس هناك أفضل من العفو عند المقدرة.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:45 PM
الملك والصياد
قال الملك لوزيره ذات يوم:"تعال معي نرى أحوال الناس والبلاد". ركب الملك حصانه الأسود، وركب الوزير حصانه الأبيض. سار الملك والوزير حتّى قابلا أحد الصّيادين.. كان شيخا كبير السّنّ، يلبس ثيابا قديمه، ويجمع شبكته بعد الصيد.

قال الملك لوزيره:"تمهّل حتى نرى هذا الرجل." اقترب الملك من الصياد وحيّاه، وسأله وهو ما يزال راكبا حصانه:

"يا صيّاد.. كيف البعيد ؟".

أجاب الصياد:"صار قريبا".

سأل الملك"و كيف الجماعة؟".

أجاب الصياد :"صارت متفرقة".

سأل الملك:" والإثنتان ؟ ".

أجاب الصياد: "صارتا ثلاثة".

قال الملك :"يا صياد لا تبع رخيصا".

قال الصباد لا توصي حريصا".

سرّ الملك من إجابات الصيّاد. ثم انصرف مع وزيره إلى القصر.

سأل الملك الوزير:

"هل فهمت - يا وزيري – ما دار بيني وبين ذلك الصّياد؟". ابتسم الوزير وقال:

"إن أردت الحقّ – يا مولاي الملك – فأنا لم أفهم كلمة كلمة واحدة مما دار بينكما... فما البعيد الذي صار قريبا ؟.

وما الجماعة التي صارت متفرّقة ؟.

وما الإثنتان اللّتان صارتا ثلاثة ؟".

قال الملك:"سأمهلك حتّى المساء لتفسر لي هذا الكلام.. وإلاّ فإنّك لن تصلح أن تكون وزيري بعد الآن".

أسرع الوزير بحصانه الأبيض إلى مكان الصّياد، فوجده ما يزال يغسل شبكته، ويلمّها ليرحل. قال الوزير:"انتظر أيها الصّياد.. ماذا كنت تقول للملك ؟ وماذا كان يقول الملك لك؟".

قال الصّياد:"ما تطلبه غال".

قال الوزير:"وانا مستعد أن أدفع الثّمن الذي تطلبه".

قال الصّياد:"الثّمن حصانك الأبيض".

قال الوزير:"هو لك لو فسّرت لي الكلام".

و قال الوزير:"سألك الملك:كيف البعيد ؟ فأجبت صار قريبا".

قال الصّياد:"سألني عن نطري.. فأجبت صار قريبا.. أي ضعف.. فبعد أن كنت أرى البعيد صرت لا أرى إلاّ القريب".

قال الوزير:"وسألك عن الجماعة، فقلت صارت متفرقة. فما معنى ذلك؟".

قال الصّياد:"سألني عن أسناني، فقلت صارت متفرقة، أي تخلّعت وتفرّقت".

قال الوزير:"وسألك عن الإثنتين فقلت صارتا ثلاثة".

قال الصّياد:"سألني الملك عن رجلي كيف حالها بعد أن صرت شيخا كبير السّنّ، فأجبته صارتا ثلاثة، أى رجليّ والعصا.. فأنا كما ترى أتوكأ على عصا".

قال الوزير: "قال الملك في آخر حديثه: لا تبع رخيصا، فماذا سأقول للملك لو سألني عن ذلك ؟".

قال الصّياد:"قل له عمل الصّياد بالوصيّة، وباع الكلام، وأخذ ثمنه هذا الحصان الأبيض الجميل".

ضحك الوزير، وقال:"خذه يا صيّاد.. فهو الآن لك".

بلال نعيم
08-05-2009, 12:46 PM
سر الأسئلة الثلاثة

في أول ظهور الإسلام، عندما بدأ الناس يدخلون في دين الله، ازداد ضيق الكفار بمحمد وبما يلقاه الإسلام من إنتشار سريع، وفي ذلك الوقت، كان يعيش في (يثرب) – وهي التي عرفت بعد الهجرة باسم (المدينة المنوّرة) – كان يعيش فيها كثير من اليهود، وهم أهل كتاب، وعندهم (التوراة). فأرسلت قريش وفدا إلى أحبار اليهود وعلمائهم في يثرب، وحكوا لهم قصة ظهور محمد، وما يقوله من أنه رسول الله، وأنه يتلقى الوحي من السّماء، وقالو لهم: أنتم أحبار اليهود، فيكم علماء، وأنتم أهل الكتاب الأول، وعندكم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.. فأخبرونا ما رأيكم في صاحبنا محمد؟.

فقال لهم أحبار اليهود: اسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن عرفها وأخبركم بها فهو نبيّ.

قولوا له:

- أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدّهر الأول والزمن القديم قد كانت لهم قصّة عجب.
- وعن رجل كان طوّافا، قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها.
- وأخبرنا عن الرّوح ما هي؟.

فرجع وفد قريش من يثرب وسألوا الرسول عن الأشياء الثلاثة، فأنزل الله على رسوله سورة الكهف، وفيها إجابة عن الأسئلة الثلاثة:فيها قصّة الفتية أصحاب الكهف، الذين أووا إلى الكهف هربا من الظّلم، وناموا في الكهف، ومعهم كلبهم، أكثر من ثلاث مئة سنة، فلمّا استيقظوا، وجدوا أن بلدتهم قد تغيّرت، وتعجّب الناس ممّا حدث لهم.. إلى آخر القصّة.

وفيها قصّة ذي القرنين، الذي طاف في مشارق الأرض ومغاربها، وقابل الناس الذين طلبوا منه أن يبني سدّا بينهم وبين يأجوج ومأجوج ليأمنوا شرّهم وأذاهم، وكيف بنا لهم السّدّ، إلى آخر قصّة ذي القرنين.

- وأما سؤالهم عن الروح فقال الله تعالى لنبيّه:

بسم الله الرحمن الرحيم ( يسألونك عن الرّوح قل الروح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا ).

وأخبر رسول الله أهل قريش بكل ما سألوا عنه.. وعرفوا أنّ الرسول حق، وأن الإسلام حق، وتأكّدوا من كل شيء ولكنّهم استمرّوا في كفرهم، إلى حين، بسبب العناد والإستكبار، والكبرياء الكاذبة وحب الدّنياَ!

بلال نعيم
08-05-2009, 12:47 PM
عصا الخيانة

دخل رجلان المحكمة، ووقفا أمام القاضي، أحدهما طويل القامة، صلب العود، في الخمسين من عمره، والآخر شيخ محني الظهر يتوكأ على عصا غليظة.

قال الرجل الأول: أعطيت صديقي هذ عشر قطع ذهبية. ووعدني أن يردها عندما تتحسن أحواله، وكلما طالبته بها تهرب مني.

سأل القاضي الشيخ: ما رأيك في كلام صاحبك؟http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story118.jpg

أجاب الشيخ: أعترف أنه أعطاني عشر قطع ذهبية لكنني رددتها إليه يا سيدي".

قال القاضي: أتقسم أمام المحكمة على أنك رددت إلى صديقك القطع الذهبية؟

قال الشيخ: نعم، يا سيدي. قال القاضي: إذن.. ارفع يدك اليمنى وأقسم. التفت الشيخ إلى صديقه، وطلب منه أن يمسك العصا حتى يرفع يده وهو يقسم. رفع الشيخ يده وقال: أتقسم أني أعدت القطع الذهبية العشر إليه.

لام القاضي الرجل الذي يتهم صديقه الشيخ، واعتذر الرجل للقاضي بأنه ربما قد نسي ذلك.

أخذ الشيخ عصاه من الرجل، وهم بالانصراف وهو يتوكأ على عصاه. وقبل أن يخرج الرجلان من المحكمة، خطرت للقاضي فكرة مفاجئة.. فناداهما.

عاد الرجلان إلى القاضي، فسأل الشيخ:

هل تعودت دائماً أيها الشيخ أن تتوكأ على عصاً؟ أجاب الشيخ: أحياناً يا سيدي.. وجه القاضي السؤال نفسه إلى الرجل الآخر فأجاب:

لا يا سيدي.. ما رأيته من قبل يتوكأ على عصا!

طلب القاضي من الشيخ أن يسلمه العصا. أمسك القاضي العصا وراح يقلبها بين يديه ويتفحصها. لا حظ القاضي أن العصا ثقيلة. نظر القاضي إلى مقبض العصا فوجده من النوع الذي يمكن خلعه عنها. أدار القاضي المقبض في مكانه فدار. جذب القاضي المقبض بقوة فانخلع في يده.

رأى القاضي أن العصا مثقوبة، ووجد الثقب مسدوداً بقطعة قماش. جذب القاضي قطعة القماش من الثقب، وأمال العصا قليلاً، فإذا بالقطع الذهبية تتساقط على الأرض أمام الحاضرين.

طلب القاضي من الرجل أن يجمع قطعه الذهبية. جمعها من الرجل، وعدها فوجدها عشراً. قال القاضي للشيخ: أيها الخبيث.. تصورت أنك تستطيع أن تخدع هذا الرجل وتمكر بي!! لقد شككت في أمرك عندما وجدتك تسلم صديقك العصا قبل أن تقسم.. أتظن أيها اللئيم أن قسمك صحيح؟

ثم التفت القاضي إلى صاحب القطع الذهبية، وقال له: كان الشيخ ماكراً وكاذباً حين سلمك العصا التي بداخلها قطعك الذهبية، وأقسم أنه رد إليك ذهبك.. وكان ذهبك بين يديك وأنت لا تدري.. وهذا غش وخداع!..

أخيراً.. التفت القاضي إلى الحراس وقال:

خذوا هذا اللص.. وضعوه في السجن حتى أجد له عقوبة مناسبة لتلاعبه بالقسم، وعقوبة أشد على خيانته الأمانة.

وخرج الرجل من المحكمة سعيداً وهو لا يصدق أن قطعه الذهبية قد عادت إليه.. وكان كل الحاضرين معجبين بذكاء هذا القاضي وفطنته.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:47 PM
شكر النعمة

تقابل ثلاث رجال...

الرجل الأول أبرص.. وعلى جلده بقع كثيرة بيضاء.

والرجل الثاني أقرع... ليس في رأسه شعر. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story117.jpg

رالرجل الثالث أعمى... لا يرى شيئا.

دعا الرجل الأبرص ربه وقال: ربّ اشفني من هذا البرص الذي غطا جلدي وغير شكلي.

ورفع الرجل الأقرع وجهه إلى السماء، ودعا ربه، وقال: اللّهم اشفني من هذا القراع.. واملأ رأسي بالشّعر مثل بقية الناس.
ودعا الرجل الأعمى ربه وقال: يا رب اشفني من العمى واجعلني أرى مثل بقية الناس.

وفي تلك اللحظة هبط ملك من السماء أرسله الله تعالى ليمتحن الرجال الثلاثة.

كان الملك في صورة إنسان مضيء الوجه.

تقدّم الملك من الرجال، وسأل كل واحد منهم عن حاجته، وعن أحب المال إليه.

قال الرجل الأبرص: أريد لجسمي لونا حسنا. واحب المال إلى الإبل.

وقال الرجل الأقرع: أمّا انا أريد شعرا غزيرا يملأ رأسي. وأحب المال إليّ البقر.

وقال الأعمى: أمّا أنا فأتمنّى أن يشفي الله عينيّ ويردّ إليّ بصري. وأحب المال إليّ الغنم.

مسح الملك جلد الأبرص بيده، فإذا به يصير حسن اللون، ثم أعطاه ناقة حاملا.

ومسح الملك على رأس الأقرع. فإذا بشعر ناعم جميل يظهر في رأسه. ثم أعطاه الملك بقرة حاملا.

ومسح الملك على عيني الأعمى فارتدّ بصيرا، وصار يرى، ثم أعطاه الملك شاة ولادة. ومرّت سنوات. وصار للرجل الأول عدد كبير من الجمال، وصار للرجل الثاني قطيع من البقر، وصار للرجل الثالث أغنام كثيرة.

وأراد الله – سبحانه وتعالى – أن يمتحن الرجال الثلاثة.. أرسل الله إليهم الملك بشكل رجل مسكين.

ذهب الملك إلى الرجل الأول، وقال به: أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والمال الكثير، أن تعطيني ما يساعدني على السّفر.

ردّ الرجل: هذا مال أجدادي، ورثته عنهم، وعليّ حقوق كثيرة... ولا مال لك عندي.

ترك الملك الرحل الأول، وتوجه إلى الرجل الثاني، وقال له: أسألك بالذي أعطاك الشعر الجميل والمال الكثير أن تساعد أخاك الفقير بشيء ممّا عندك.

أجاب الرجل الثاني: إنّما ورثت كل هذا عن أجدادي.. فابتعد عني.

ذهب الملك إلى الرجل الثالث، وقال له يستعطفه: أسألك بالذي ردّ إليك بصرك أن تعطيني شاة ممّا عندك، أشرب من لبنها في سفري.

فقال الرجل الثالث: كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت، واترك ما شئت، فوالله لا أمنعك شيئا رزقني الله به!.

فقال له الملك: أبق مالك عندك... لقد امتحنكم الله – أنتم الثلاثة – ورضي الله عنك، لأنّك تشكر النعمة، وتتصدّق من مالك الذي رزقك الله به، وسخط الله على صاحبيك... لأنهما أنكرا نعمته، ومنعا الصدقة... فأعادهما الله إلى ما كانا عليه من مرض وفقر.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:52 PM
فراس والنّاَقة وولديها

فراس صبي صغير يرعى جمال القبيلة. كلَّ يوم يأخذ الجمال والنَّاقة إلى المراعي، وهناك يتركها ترعى من العشب والحشائش الخضراء، وتشرب من ماء العيون والآبار التي في الوادي، ثمَّ يعود بها في المساء.http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story119.jpg

وكانت أمُّ فراس تأخذ النَّاقة وراء الخيام، وترجع بعد لحظات تحمل إناءً كبيراً من الحليب، وتقول لإبنها:"شكراً لك يا فراس..اخترت اليوم مرعىً جيِّدا، وأكلت الجمال والنَّاقة من العشب الأخضر حتَّى شبعت.. كنت بحقِّ راعياً طيِّباً يا فراس!".

وفي بعض الأحيان كان فراس يكسل عن المشي الطَّويل، ولا يأخذ الجمال والنَّاقة إلى الوادي البعيد الذي به العشب والماء، ويريطها إلى نخلة قريبة، ثمَّ يجري ويلعب مع أصحابه، وعندما يعود في المساء تأخذ أمُّه النَّاقة كالعادة خلف الخيام ثمَّ ترجع ومعها إناء اللَّبن وتصيح في إبنها غاضبةً: "فراس..لقد كنت اليوم تلعب، ولم ترعى الجمال والنَّاقة كما يجب... أنت مهمل – يا فراس – وتستحقُّ العقاب".

كان فراس يحزن لغضب أمِّه، وكان يفكِّر كثيرا ويقول لنفسه: "كيف تعرف أمِّي الحقيقة دائماً؟ كلّ يوم تأخذ النّاقة خلف الخيام، وتبقى معها قليلاً، ثم تعود لتشكرني أو لتلومني أو تعاتبني... لا بدّ أنّ في الأمر سرّا.. ليس هناك غبر النّاقة... فهي التي تحكي لأمّي كلّ شيء، وتخبرها كلّ يوم بما فعلت... لكن!.. هل تعرف أمّي لغة النّاقة حقا؟ إنّ هذا أمر عجيب..!".

ولم يكن فراس يسكت.. بل كان ينتقم من النّاقة، فهو يعرف جيدا ما يضايقها.. كان فراس يخفي عن النّاقة ولدها الجمل الصغير... فتحزن النّاقة وتبكي، وتمتنع عن الطعام.. إلى أن يعيد لها ابنها.

ذات يوم.. جاء ضيوف من قبيلة أخرى، وأراد أبو فراس أن يكرمهم. نادى الأب فراسا، وطلب منه أن يحضر الجمل الصغير ابن النّاقة ليذبحوه ويطعموا الضّيوف. حزن فراس وبكى بشدّة، وقال لأبيه:"لا – يا أبي – أترك الجمل الصغير، فأنا أحبه ولا يمكنني أن أستغني عنه. اذبح أمّه النّاقة بدلا منه... فهي تستحق الذبح،. لأنها تخبر أمي كل يوم بما أعمل لتعاقبني".

سمعت الأم كلام ابنها، وقالت له وهي تضمه إلى صدرها:"لا يا بني.. النّاقة لا تقول لي شيئا، ولكني أعرف الحقيقة من لبنها، فإن أنت رعيتها جيدا، وسرت بها إلى الوادي حيث العشب الأخضر الطري والحشائش الخضراء امتلأ ضرعها وأعطتنا حليبا كثيرا، أما إذا أهملتها وكسلت، وفضلت اللعب مع أصحابك وتركت النّاقة بلا مرعى، عادت إلي بحليب قليل... هل فهمت الآن – يا بني – كيف أعرف ما تفعله كل يوم؟!".

ابتسم فراس وقال:"ما أظلمني!! لقد كنت أسيء معاملة النّاقة طوال هذه المدة واتهمها بالباطل ! !". فقال الأب"والآن.. أسرع يا بني، وأحضر الجمل الصغير حتى نذبحه ونطعم ضيوفنا، وإن شاء الله، فسوف تلد لك النّاقة جملا صغيرا أجمل منه".

كان فراس يتألم وهو يسوق الجمل الصغير إلى أبيه، لكنه كان يدرك كذلك أنّ إكرام الضّيف واجب، وأن قبيلته يجب أن تظل رافعة الرّأس بين جاراتها القبائل.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:53 PM
لا ألجأ إلا إلى الله

وصل أبو مسلم إلى بيته، فقالت له زوجته: بيتنا ليس فيه حطب نستدفىء من هذا البرد القارس.. وليس فيه طعام ولا شراب.. ولا به فرش ولا غطاء.. فلماذا لم تشتر الأشياء الّتي طلبتها منك ؟.

أجاب الزوج في حزن وألم : لأن جيبي ليس فيه دينار ولا درهم!.

قالت الزوجة: كيف تشكو الفقر وأنت أعزّ الناس لدى الخليفة، وهو أعزّ الناس عندك.. اذهب إليه واشرح له حالنا وما نحن فيه من حاجة وفقر، وأنا متأكّدة من أنّه لن يتركك بلا مساعدة أو عون.

قال الزوج لزوجته:معاذ الله أن أفعل هذا، فأنا أخاف أن يراني الله وقد لجأت إلى عبد من عباده ولم ألجأ إليه!.

خرج أبو مسلم من البيت، وذهب إلى المسجد، وصلّى ركعتين، ثم رفع يديه إلى السّماء، وأخذ يدعو ربه ويقول: اللّهمّ يا رب.. يا عارفا بالأسرار، انت تعلم أنني أخجل وأستحي أن ألجأ إلى أحد غيرك.. يا واسع الكرم.. اللّهم ارزقني قمحا وشعيرا وعدسا وزيتا وحطبا، وارزق زوجتي - أم مسلم – كساء وخمارا، وارزق أطفالي أثوابا وبقرة يشربون لبنها.. اللّهم فاستجب دعوتي... آمين!

وتصادف أن كان في المسجد – في ذلك الوقت – رجل من أعوان الخليفة، فسمع دعاء أبي مسلم، وانطلق مسرعا إلى قصر الخليفة، ليذكر له، ما رأى وما سمع.

ودخل على الخليفة وقال له:رأيت الآن رجلا في المسجد يدعو ربّه ويطلب أشياء عجيبة... ثم ذكر للخليفة الأشياء التي طلبها الرجل. ضحك الخليفة عندما سمع الطلبات وقال: أعتقد أنّني أعرف هذا الرجل الذي رأيته في المسجد.. إنه أبو مسلم.. وهو شديد الحياء من الله.. والآن أعد عليّ ما قاله الرجل في دعوته بالحرف الواحد، لأرسل إلى بيته كل شيء اثنين قبل أن يخرج من المسجد.

بقي أبو مسلم في المسجد ساعات يقرأ القرآن ويدعو ربّه، ثم خرج من المسجد عائدا إلى بيته، وهناك قابلته زوجته بالفرح والسّرور، ورحّبت به أجمل ترحيب، وقالت: تأمل ما نحن فيه من خيرات ونعمة – يا أبا مسلم – وما هذا إلاّ لأنّك سمعت نصيحتي أخيرا وذهبت إلى صديقك الخليفة!

تعجّب الرجل من كلام زوجته، وأقسم لها أنّه لم يذهب إلى الخليفة، ولم يره طوال الأسبوع. عندئذ سألت الزوجة:أخبرني إذا إلى أين ذهبت ؟ وإلى من شكوت ؟ .

أجابها أبو مسلم: ذهبت إلى المسجد، وشكوت حالنا إلى الله سبحانه وتعالى؛ فأنا – كما تعلمين – يا أم مسلم أستحي من الله أن يراني وقد لجأت إلى أحد غيره... شكرت الزّوجة ربّها، وقالت لزوجها:ما أعزّ نفسك! وما أحسن ما فعلت.. يا أبا مسلم!

وما أرحم الله الذي لا ينسى عباده!.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:53 PM
السائل الأول

تزوّجت امرأة من تاجر غنيّ، له محل كبير يبيع فيه القماش والملابس. وكان بخيلا جدّا. وذات يوم اشترى الرجل دجاجة. وطلب من زوجته أن تطبخه اليتناول جزءا منها على العشاء. وبينما كان الزوجان يتناولان طعام العشاء سمعا طرقا على الباب، وفتح الزوج الباب، فوجد رجلا فقيرا يطلب بعض الطّعام لأنه جائع. رفض الزوج ان يعطيه شيئا وصاح به وقال له كلاما قاسيا وطرده. فقال له السائل:سامحك الله يا سيّدي، فلولا الحاجة الشديدة والجوع الشّديد، ما طرقت بابك!.

لم ينتظر الرجل أن يكمل السّائل كلامه، وأغلق الباب بعنف في وجهه، وعاد إلى طعامه. قالت الزوجة لماذا أغلقت الباب هكذا في وجه السّائل؟. فقال الزوج بغضب:وماذا كنت تريدين ان افعل؟. فقالت: كان من الممكن ان تعطيه قطعة من الدّجاجة، ولو اخذ جناحيها يسدّ بها جوعه!. قال الزوج: أعطيه جناحا كاملا؟! أجننت؟!. قالت الزوجة: إذن، قل له كلمة طيّبة!.

وبعد أيام ذهب التاجر إلى متجره، فوجد أن حريقا قد أحرق كل القماش والملابس، ولم يترك شيئا. عاد الرجل إلى زوجته حزينا وقال لها: لقد جعل الحريق المحل رمادا، وأصبحت لا أملك شيئا. قالت الزوجة: لا تستسلم للأحزان يا زوجي واصبر على قضاء الله وقدره، ولا تيأس من رحمة الله، ولسوف يعوّضك الله خيرا. لكن الرجل قال لزوجته: اسمعي يا امرأة، حتى يأتي هذا الخير اذهبي إلى بيت أبيك؛ فأنا لا أستطيع الإنفاق عليك!. وطلّق الزوج زوجته، ولكن الله أكرمها فتزوّجت من رجل آخر كريم يرحم الضّعفاء، ويطعم المساكين، ولا يردّ محروما ولا سائلا.

وذات يوم بينما كانت المرأة تناول العشاء مع زوجها الجديد، دقّ الباب فنهضت المرأة لترى من الطّارق ورجعت وقالت لزوجها: هناك سائل يشكوا شدّة الجوع ويطلب الطّعام فقال لها زوجها: أعطيه إحدى هاتين الدّجاجتين، تكفينا دجاجة واحدة لعشائنا، فلقد أنعم الله علينا، ولن نخيّب رجاء من يلجأ إلينا. فقالت:ما أكرمك وما أطيبك، يا زوجي!.

أخذت الزوجة الدجاجة لتعطيها السّائل، ثم عادت إلى زوجها لتكمل العشاء والدموع تملأ عينيها. ولاحظ الزوج عليها ذلك، فقال لها في دهشة:ماذا يبكيك يا زوجتي العزيزة؟. فقالت:إنّني أبكي من شدّة حزني!. فسألها زوجها عن السّبب فأجابته:أنا أبكي لأن السّائل الذي دقّ بابنا منذ قليل، وأمرتني أن أعطيه الدّجاجة، هو زوجي الأول!.

ثمّ أخذت المرأة تحكي لزوجها قصّة الزوج الأول البخيل الذي أهان السائل وطرده دون أن يعطيه شيئا وأسمعه كلاما لاذعا قاسيا.

فقال لها زوجها الكريم:يا زوجتي، إذا كان السّائل الذي دقّ بابنا هو زوجك الأول فأنا السّائل الأول!.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:55 PM
رجع بخفى حنين

كان حنين إسكافيا يصنع الأخذية والخفاف، ويبيعها للناس. وفي ذات يوم جاءه أعرابيّ ليشتري منه خفّين. لم يقبل الأعرابيّ الميلغ الذي عرضه حنين ثمنا للخفين، وأراد أن يساومه لينقص الثمن، أطال الأعرابيّ المساومة حتى ضايق حنينا، وبد مناقشة طويلة. انصرف الأعرابيّ من غير أن يشتري الخفين، فغضب حنين، وأراد أن يغيظه، وفكّر له في خدعة يخدعه بها، ويسخر منه.

ركب الأعرابيّ جمله واستعدّ للعودة إلى قبيلته. اسرع حنين إلى المكان الذي سيمر منه الأعرابيّ، ووضع أحد الخفين وسط الطّريق، وسار مسافة، ثمّ القى الخف الآخر في مكان أبعد قليلا.

مرّ الأعرابيّ – وهو عائد – بمكان الخف الأول، أوقف الأعرابيّ جمله، ونزل وأمسك الخف ونظر إليه متعجّبا وقال:ما أشبه الخف بخف حنين الإسكافي! يا خسارة! ماذا يفيد هذا الخف وحده؟! لو كان معه الخف الآخر لأخذتهما.

ترك الأعرابيّ الخف، وركب جمله، واستمرّ في طريقه حتى وصل إلى الخف الثاني! نزل الأعرابيّ من فوق الجمل وامسك الخف الثاني، وقلّبه في يده وقال:

يا للعجب! هذا الخف ايضا يشبه خفّ حنين تماما، يا لسوء الحظّ! لماذا تركت الخف الأول؟! لو أخذته معي، لنفع الخفان واستفدت منهما، ينبغي أن أرجع فورا، وأحضر الحف الأول!.

وكان حنين يراقب الأعرابيّ من خلف تلّ قريب لينظر ماذا سيفعل. فلمّا رآه قد مشى ليحضر الخف الأول أسرع حنين وساق جمله بما عليه من بضاعة واختفى.

رجع الأعرابيّ يحمل الخف الأول، فوجد الخف الثاني على الأرض ولم يجد جمله. حمل الخفين وعاد إلى قبيلته.

تعجّب القوم عندما رأو الأعرابيّ يرجع إليهم ماشيا على رجليه، وليس راكبا جمله. سأله قومه:بماذا جئت من سفرك؟.

أرى الأعرابيّ قومه الخفين وأجابهم جئت بخفي حنين! ضحك القوم وسخروا من الأعرابيّ الذي خاب مسعاه، وخسر جمله، وعاد إليهم لا يحمل إلاّ خفّي حنين! وظلّوا يرددون:رجع بخفّي حنين!.


أداء الواجب

كان في أحد البلاد قاض مشهور بالعدل والذّكاء. انتشر خبر القاضي العادل في كل مكان. وصل الخبر إلى الملك. سعد الملك أن في مملكته قاضيا حكيما يحكم بين الناس بالعدل. قال الملك:لا أكتفي بما أسمعه عن ذلك القاضي، أريد أن أتأكّد بنفسي من عدالته، وأعرف طريقته في الحكم بين الناس.

لبس الملك ثوب رجل عاديّ ليتنكّر حتى لا يعرفه الناس. ركب الملك حصانه، وغادر قصره وسار في الطريق من غير حرّاس ولا جنود. شاهد الملك شحاذا يمد يده للناس، فسألهم ان يتصدّقوا عليه ببعض المال. أشفق الملك على الشحاذ، وطلب منه ان بركب الحصان خلفه لينقله إلى المدينة. ركب الشحاد خلف الملك وهو لا يعرف.

وصل الحصان إلى المدينة وعليهالرجل ومن خلفه الشحاذ. التفت الرجل للشحاذ وقال:

وصلنا المدينة، يمكنك الآن ان تنزل، لكن حاذر ان تقع على الأرض!.

أجاب الشحاذ بأعلى صوته:

الحصان حصاني، كيف تطردني أيها الرجل؟! انزل أنت الآن من فوق حصاني. ثم صاح الشحاذ واستغاث، فتجمع الناس حولهما. قال الشحاذ للناس:هذا حصاني. وقال الرجل:بل هو حصاني. احتار الناس ولم يعرفوا أيّ الرجلين صادقا في كلامه. قال أحد الناس:

هيا إلى القاضي؛ فهو الذي سيحكم بينكما بالعدل.

أخذ الناس الرجل والشحاذ إلى دار القضاء. كان القضي جالسا يحكم بين الناس. وقف الرجل أمام القاضي وقصّ عليه قصّته. سمع الشحاذ كلام الرجل، فصاح وقال للقاضي:هذا الرجل كذّاب، الحصان حصاني، وأنا ركّبته معي لأدلّه على الطريق.

قال القاضي:اتركا الحصان عندي، واذهبا الآن، ثمّ إرجعا إليّ صباح الغد. انصرف الرجلان، فوضع القاضي الحصان في الإصطبل.

في صباح اليوم التالي جاء الرجل والشحاذ إلى دار القضاء، نهض القاضي من مجلسه وقال للرجل الشحاذ:اتبعاني. سار القاضي، وسار خلفه الرجل والشحاذ.. وصل الثلاثة إلى الإصطبل. دخل القاضي والرجل والشحاذ الإصطبل، وكان الحصان موجودا. بقي الثلاثة في الإصطبل بعض الوقت، ثم عاد القاضي ومعه الرجلان إلى دار القضاء. حكم القاضي برد الحصان للرجل، وأمر جنوده ان يجلدوا الشحاذ ويحبسوه.

في المسء ذهب الرجل إلى بيت القاضي وسأله:كيف عرفت الحقيقة؟.

فقال القاضي:الأمر بسيط، عندما دخلتما الإصطبل معي هذا الصباحلاحظت أن الحصان يقترب منك ويشمّك ويتمسّح بك، بينما لم يبد أي حركة نحو الرجل الآخر، فأدركت – دون شك – أن الحصان لك. ابتسم الرجل وقال للقاضي:أتدري من أنا؟. قال القاضي:لا.فقال الرجل:أنا الملك، جأت متنكّرا لأتأكّد من عدلك. اختر المكافأة التي تحبّها. قال القاضي:اعذرني أيّها الملك؛ فلن أختار شيئا، إنّما أؤدي واجبي!.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:56 PM
الثعبان والأخوان

كان لأخوين أغنام كثيرة ترعى في أرضهما الواسعة. لكن، مرّت شهور لم ينزل فيها المطر، فجفّت الأرض وماء الزّرع، وجاعت الأغنام وكادت تموت من العطش. وكان بجوارهما واد مليء بالأشجار والأعشاب الخضراء والماء الكثير. وكان هناك ثعبان كبير يحرس هذا الوادي، ويلدع كل من يقترب من المكان ويقتله. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story124.jpg

قال الأخ الأصغر لأخيه الأكبر:ما رأيك؟ أذهب بالأغنام إلى هذا الوادي، وأرعاها هنك حتى تكبر وتسمن.

فأجابه أخوه الأكبر قائلا:لا يا أخي، لا تذهب هناك أبدا، فأنا أخاف عليك من خطر الثعبان الذي يقتل كل من يقترب من الوادي.

لم يسمع الأخ الصغر نصيحة أخيه، وساق غنمه إلى الوادي، وبقى هناك وقتا يرعاها حتى اطمأن. فجأة.. ظهر الثعبان، فخاف الراعي الصغير، وحاول أن ينجو بنفسه ويهرب.. لكن الثعبان كان أسرع منه فلدعه، ومات في الحال.

حزن الأخ الأكبر على أخيه حزنا شديدا، وقال:كيف يهنأ لي العيش بعد أخي.. لا قيمة للحياة من بعده، لا بدّ أن اذهب إلى الوادي وأقتل هذا الثّعبان الشرير الذي حرمني من أخي الحبيب، فإن قتلته استراحة نفسي! وإن قتلني لحقت بأخي!

ذهب الأخ الأكبر إلى الوادي ليبحث عن الثعبان. بعد قليل شاهد الثعبان يزحف فوق فرع شجرة كبيرة! قال الثعبان:هل توافق على أن تصالحني، ونتعاهد على أن نعيش معا في أمن وسلام، وأتركك ترعى غنمك في هذا الوادي كما تشاء، وأعطيك كل يوم دينارا. وافق الأخ الأكبر، وتعاهد الإثنان على الأمان.

وكلّ صباح كان الأخ الأكبر يذهب إلى الوادي، ويرعى غنمه هناك، وفي آخر النهار يعطيه الثعبان دينارا.

كثر مال الأخ الأكبر وأصبح غنيّا. وذات يوم تذكّر أخاه الذي قتله الثعبان، وقال لنفسه:كيف أعيش مع قاتل أخي؟ وكيف أصالحه وأعاهده؟ لا بدّ أن أتخلّص من هذا الثعبان الشّرير!.

أحضر الأخ الأكبر فأسا، واختبأ حتى لا يراه الثعبان. وانتظر قليلا حتى مر الثعبان من أمامه فهجم عليه. لكن الثعبان استطاع أن يهرب، جرى الرجل وراءه، وقبل أن يدخل الثعبان الحجره ضربه بالفأس ضربة قوية أخطأت الثعبان، وأصابت الحجر وتركته بلا ظاهرة. اختفى الثعبان داخل الحجر وبقي هناك.

قطع الثعبان عن الرجل الدّينار التي كان يعطيه له كل يوم، وندم الرجل على ما فعل، وخاف أن ينتقم منه الثعبان، فذهب إليه وعرض على الثعبان أن يتصالحا ويتعاهدا من جديد. ابتسم الثعبان وقال:كيف أعاهدك وهذا أثر فأسك واضح على حجري؟ أنت خائن كذّاب، لا تحافظ على العهد، انصرف بعيدا وإلاّ قتلتك!.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:57 PM
الحيلة الذكية

كان عمرو بن العاص يقود جيش المسلمين في طريقه لفتح مصر، أقام عمرو بن العاص معسكره قريبا من قلعة كبير الرومان الذين كانوا يحتلّون مصر في ذلك الوقت. أرسل قائد الجيش الروماني رسوله إلى عمرو بن العاص يطلب منه أن يحضر إلى القلعة ليقابله ويتكلّم معه.

وكان القائد الروماني قد اتّفق مع بعض جنوده أن يرموا صخرة كبيرة فوق عمرو بن العاص في اثناء انصرافه من القلعةبعد أن يقابله. وقف الجنود الرومانيون فوق سطح القلعة، واستعدوّا لذلك.

حضر عمرو بن العاص، وقابل القائد الرومانيّ، وتكلم معه، وسمع كلامه. أراد عمرو بن العاص أن ينصرف، وبينما هو في طريقه إلى خارج القلعة، فرأى حركة غريبة بين الجنود الرومانيّين.

شعر عمرو بن العاص بالخطر، وفكر بسرعة في حيلة. وقف مرة واحدة كأنه تذكر شيئا، ثم رجع إلى مكان القائد الرومانيّ، ودخل عليه يسير بخطوات قويّة ثابتة. قال عمرو:جاءني فكرة حسنة، معي في الجيش جماعة من أصحاب رسول الله يسألهم أمير المؤمنين عمر – رضي الله عنه – دائما يستشيرهم قبل أن يفعل أيّ شيء.

سأل القائد الروماني بلهفة:وهل هم معك الآن في المعسكر؟. أجاب عمرو بن العاص: هذا ما جأت من أجله، ما رأيك؟ أذهب اليهم، وأحضرهم لك هنا، لتقول لهم ما ذكرته لي، حتى يفهموا الكلام كما فهمته منك تمام، وتسمع رأيهم.

فرح القائد الروماني بهذه الفكرة، وقال لنفسه:كنت سأقتل قائدا واحدا من المسلمين، الآن سأقتل قائد وجماعة من كبار المسلمين. أعطى القائد الروماني إشارة لجنوده، لينتطروا، ولا يرموا الصّخرة.

مشى عمرو بن العاص إلى خارج القلعة، وسار معه القائد الروماني ليودّعه، وهو ينتظر أن يذهب عمرو بن العاص إلى معسكر المسلمين، ويرجع ومعه أصحابه الكبار.

ذهب عمرو بن العاص إلى معسكر جيشه، وجمع جنوده وذكر لهم الخطّة، كيف يهجمون على القلعة؟ وكيف يفتحون الأبواب؟ واين يقف الحرّاس؟ وأين يختبأ جنود الرومان؟ وأين يقيم قائدهم؟ وفي الصباح قاد عمرو بن العاص جيشه، وهجموا على القلعة، وفتحوا الأبواب ودخلوا، وهزموا جنود الرومان، واستولوا على القلعة.

وبعد وقت قصير كتب الله النّصر للمسلمين، وفتحوا مصر كلّها.


الحاكم الذي أسلم

بعث رسول الله رجلاً من أصحابه برسالة إلى كسرى إمبراطور الفرس يدعوه فيها إلى الإسلام، فلما وصلت الرسالة إلى كسرى مزقها، فعاد الرجل إلى الرسول وأخبره بما فعله كسرى.

فقال الرسول: مزق الله ملكه. وكانت اليمن تابعة لبلاد فارس، وكان حاكمها واسمه باذان تابعاً لكسرى.

بعث كسرى إلى باذان يقول له: إلى جوارك في بلاد الحجاز رجل يقول إنه نبي، أرسل إليه رجلين من رجالك يحضرانه إليك، ثم ابعثه إليّ، فإن رفض أن يحضر فاقتله، وابعث إلي برأسه. بعث باذان برجلين من عنده إلى الرسول فذهب الرجلان يبحثان عن الرسول، فقابلا واحداً من كفار قريش، وسألاه عن مكان الرسول، وعرف منهما الكافر سبب حضورهما إلى الحجاز، وأخبرهما أن محمداً في يثرب.

وذهب الكافر إلى قومه يقول لهم: أبشروا، لقد آن الأوان لتستريحوا من محمد/ فإن كسرى ملك الفرس سيخلصكم منه.

وذهب الرجلان إلى الرسول في المدينة المنورة، وقابلاه وأخبراه بما قاله كسرى، فطلب منهما الرسول أن يحضرا إليه في الغد.

ولما حضرا في الغد، كان الله سبحانه وتعالى قد أخبر الرسول بأن الله قد سلط على كسرى ابنه فقتله.

فأخبر الرسول الرجلين بأن كسرى قد قتل وأن الذي قتله هو ابنه.


فذهل الرجلان ودهشا أشد الدهشة، وقالا للرسول: هذا كلام خطير، هل تتحمل تتائجه إن قلناه لحاكم اليمن باذان؟

قال لهم الرسول: نعم أخبراه بذلك. وطلب منهما أيضاَ أن يخبراه أن دين الإسلام سينتشر فوق أرض كسرى، وأن باذان إذا أسلم فإن الرسول سيبقيه حاكماً على بلاد اليمن.

فذهب الرجلان إلى باذان، وأخبراه بما قاله الرسول، فقال باذان: والله إني لأشعر أن هذا كلام نبي، وإن كان صادقاً فستأتينا الأخبار من فارس فنعرف أنه صادق وأنه رسول الله حقاً، وأما إن كان كاذباً فله معنا شأن آخر.

وجاءت الأخبار من بلاد فارس إلى باذان في اليمن، وعرف منهما أن كل ما قاله الرسول حق، فأعلن باذان إسلامه، وأسلم قومه معه، وتحققت دعوة الرسول في سنوات قليلة معدودة.

تمزقت دولة كسرى، وهزم المسلمون جيوشه، وانتشر الإسلام في بلاده كلها.

بلال نعيم
08-05-2009, 12:59 PM
الراعي الأسود وأمانته

خرج المسلمون مع الرّسول إلى خيبر لحرب الكفّار، وانتصر المسلمون، وبدأت حصون خيبر تتساقط في أيدي المسلمين واحدا بعد الآخر. وكان من أهل خيبر رجل أسود يعمل راعيا عند أحد الكفار. فلمّا خرج يرعى الغنم أخذها وسار بها نحو جيش المسلمين ليرى النبي الذي سمع أهل خيبر يتحدّثون عنه.

وصل الرّاعي الأسود ومعه غنمه إلى رسول الله وسأله عن الدّين الجديد الذي يدعوا إليه. فحدّثه الرسول عن الإسلام، فأضاء الله قلب الرّعي بنور الإيمان وقال:وماذا يكون لي إذا شهدت – كما تقول – ان لا إله إلا الله.. وأنّك رسول الله، وآمنت بالله، ولم أعبد سواه؟.

قال الرسول:تكون لك الجنّة إن مت على هذا. فأسلم الراعي الأسود وقال:ولكنم عندي أمانة، هذه الغنم التي أرعاها، كيف أردّها إلى صاحبها؟.

قال الرّسول:إن الله سودّي عنك أمانتك. وطلب منه أن بخرج بالغنم من معسكر المسلمين ويرميها بحفنة من الحصى، وسترجع وحدها إلى صاحبها. فنفّذ الراعي الأسود كلام الرسول ورمى الغنم بالحصى، وقال لها:ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك ابدا. فخرجت الغنم مجتمعة، كأن سائقا يسوقها. وسارت حتّى دخلت حديقة صاحبها. فلمّا رآها صاحبها، فهم أن الراعي قد أسلم ولحق بالرسول.

أمّا الرّاعي الأسود، بعد أن أضاء الله قلبه بنور الإيمان فإنّه حمل السّلاح، وقاتل في سبيل الله فقتل، وصار من الشّهداء.

الرجال والسفينة

أراد جماعة من التجار أن يسافروا بتجارتهم في النهر، فجمعوا بعض المال واشتركوا معاً واشتروا سفينة كبيرة. كانت هذه السفينة من طابقين: طابق علوي، وطابق سفلي.
وفي يوم السفر حضر كل المسافرين، وعملوا بينهم قرعة على مكان الركوب في السفينة. وبعد القرعة صعد بعضهم إلى الطابق العلوي وجلسوا فيه، ونزل الآخرون إلى الطابق السفلي وجلسوا فيه، واستقر المسافرون كل واحد في مكانه.

تحركت السفينة، وبدأت رحلتها الطويلة في النهر. سارت السفينة في سلام وأمان، كان المسافرون مسرورين، يأكلون ويشربون، ويستمتعون بجمال الطبيعة من حولهم. وكان الراكب في الطابق السفي يصعد إلى الطابق العلوي، ويلقي بالدلوي في النهر ليملأه، ثم يجذب الحبل فيخرج الدلو مملوءاً بالماء ويحمله مرة أخرى ثم ينزل إلى مكانه في الطابق السفلي.
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story128.jpg
وذات مرة، احتاج راكب بالطابق السفلي إلى بعض الماء، فحمل دلوه وصعد إلى الطابق العلوي وملأه من النهر، وأراد النزول إلى مكانه، وفي أثناء سيره اصطدم برجل نائم فوقع عليه، وسقط الدلو من يده وانسكب الماء على الركاب وحاجياتهم. انزعج ركاب الطابق العلوي واعتذر الرجل لهم ونزل دون ماء.

تضايق ركاب الطابق السفلي، واجتمعوا يفكرون في حل لهذه المشكلة. وقف أحدهم وفي يده مطرقة ومسمار كبير وقال: ما رأيكم؟ نثقب ثقباً يدخل منه ماء النهر إلينا، فنشرب ونرتوي، ولا نصعد ولا ننزل، ولا نتعب ولا نضايق جيراننا في الطابق العلوي. وافق ركاب الطابق السفلي على هذه الفكرة، جلس الرجل على الأرض، وبدأ يطرق السفينة بالمطرقة والمسمار ليخرق السفينة.. نظر أحد ركاب الطابق العلوي، ورأى ما يحدث، فصاح في خوف وأبلغ زملاءه، وكان بينهم شيخ كبير، قال أحدهم: دعهم وشأنهم، اتركهم يفعلون ما يشاءون.. وقال آخر: ما دام ذلك بعيداً عنا ولن يصل الماء إلينا فلا يجب أن نتدخل في شئونهم.

رفض بقية ركاب الطابق العلوي هذا الكلام، وأسرعوا إلى الطابق السفلي، وأمامهم الشيخ الكبير. ووصلوا إلى الرجل الذي يحاول خرق السفينة. أخذ أحدهم المطرقة من يده. وقال له الشيخ الكبير في غضب: ماذا تفعل أيها الرجل؟ هل فقدت عقلك؟ فصاح الرجل: نحن نريد راحتكم، لقد تعبنا من الصعود والنزول لنحضر الماء! فقال الشيخ، لكن ما تفعله خطأ كبير، إنك لهذا العمل تعرضنا جميعاً للخطر.. فأجاب الرجل: يا شيخنا، إن الجزء الذي أخرقه من السفينة ملك لي، وأنا حر أفعل به ما أشاء. فرد الشيخ قائلاً: لا يا بني، إن عملك هذا يغرق السفينة ونغرق كلنا معها.

التفت الشيخ إلى الركاب الذين معه وقال لهم: وأنتم مخطئون كذلك، لأنكم رأيتم هذا الخطأ وسكتم عليه. ولم تمنعوا صاحبكم من القيام به. عاهدوني أن تقفوا في وجه الخطأ حتى يرضى الله عنكم.

خجل الناس من كلام الشيخ وعاهدوه ألا يسكتوا على أي خطأ بعد ذلك. أخيراً قال الشيخ لهم: هيا نصلح الخطأ، نتعاون على سد الثقب بسرعة، قبل أن تغرق بنا السفينة.

تعاون ركاب الطابق العوي على جلب الماء لركاب الطابق السفلي، وكان كل راكب في السفينة يجد حاجته من الماء.

ثم أكملت السفينة رحلتها بسلام، وعادت إلى بر الأمان.

بلال نعيم
08-05-2009, 01:00 PM
الرجل الصالح والكلب

كان رجلا مسافرا في الصحراءفي يوم شديد الحرارة. والشمس ترسل أشعتها الملتهبة على الرمال. انتهى كل ما مع الرجل من ماء، وأحس بالعطش الشديد، سار الرجل يمينا وشمالا يبحث عن الماء بلا فائدة، شعر الرجل بالتعب فاستراح بعض الوقت، ثم واصل سيره يبحث عن الماء.

وجدالرجل في طريقه بئرا.. فرح الرجل وقال لنفسه:الحمد لله، أخيرا وجدت الماء. كدت اموت من العطش في هذا الجو الحارّ، شكرا لله لا ينسى عباده!.

نظر الرجل في البئر، فوجدها عميقة، ووجد الماء بعيدا، وليس هناك دلو ولا حبل. نزل الرجل إلى قاع البئر، وراح يشرب ويشرب حتى ارتوى، حمد الرجل ربّه، وخرج من البئر ليستعد للسّفر من جديد.

التفت الرجل فوجد كلبا يلهث من التعب والعطش ويزحف على الأرض، يأكل التراب المبتل الذي حول البئر من شدّة العطش. قال الرجل لنفسه:هذا الكلب المسكين يشعرالآن بما كنت أشعر به من عطش منذ لحظات. ولا شك انه يتألم كما كنت اتألم، لا بد ان اسقيه وأنقذه من الموت.

بحث الرجل عن إناء يملؤه ماء فلم يجد. احتار الرجل ماذا يفعل؟ وفكّر بسرعة، أخيرا جاءته فكرة، خلع الرجل خفه ونزل إلى البئر مرة اخرى. ملأ الرجل خفه بالماء، وخرج بسرعة، شاهد الكلب الرجل يحمل الخف المملوء بالماء فتحرّك نحوه. أمسك الرجل الخف وقربه من فم الكلب حتى يشرب.

الشهداء الثّلاثة

هشام وطارق وحسام ثلاث أصدقاء، عاشوا طفولتهم معا، وتعلّموا الفروسيّة وركوب الخيل منذ صغرهم. كبرة الثلاثة وصاروا فرسان القبيلة يدافعون عنها، ويحاربون أعداءها.

وعندما بدأ الجهاد خرجت جيوش المسلمين تحارب أعداء الدّين، لتفتح البلاد، وتنقذ أهلها من ظلم الفرس والرّوم. انضم الأصدقاء الثلاثة إلى صفوف المجاهدين، واشتركوا في معارك كثيرة... كانوا يحاربون فيها جنبا إلى جنب، ويهزمون العدوّ.http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story130.jpg

وفي أحد أيام الصيف الحارّة دارت المعركة في صحراء واسعة، ليس فيها زرع ولا ماء. واستمر القتال وقتا طويلا، واشتدّت المعركة، وسقط الأصدقاء الثّلاثة جرحى، واحدا بعد الآخر.

وبدأالمسلمون هجوما قويا على الأعداء، وأخذ الأعداء يفرّون أمامهم، وراح الجنود المسلمون يطاردونهم... وأخذت المعركة تبتعد قليلا عن المكان.

وجد الجرحى الثّلاثة انفسهم ملقين على رمال الصّحراء الحارّة بلا ماء، وجراحهم تنزف، وأجسامهم تضعف، وعطشهم يزيد، وكان كل منهم يسمع أنين صاحبه، فيتألّم لألمه!

كان هشام يصيح:ماء! أعطوني بعض الماء. وكان هشام يهمس بصوت ضعيف مرتعش:أنا عطشان.. أريد أن أشرب.

سمع طارق أنين صاحبيه، فزحف عدّ خطوات ودمه يسيل على الرّمال الملتهبة، لعلّه يجد الماء، أصاب طارقا التّعب الشّديد، فتوقّف عن الحركة، وأسلم أمره إلى الله.

وفي تلك اللحظة أقبل فارس مسلم، وشاهد الجرحى الثّلاثة ما يزالون أحياء، فنزل من فوق ظهر حصانه، وبحث فلم يجد معه غير قليل من الماء لا يكفي إلاّ جريحا واحدا.

اقترب الفارس من طارق وقال:اشرب، إنّها شربة ماء، ليس معي غيرها. أشار طارق إلى صاحبيه وقال:هما أحوج منّي إلى الماء.

ذهب الفارس إلى هشام، وقدّم إليه الماء ليشرب، فأشار إلى حسام، وقال:ابدأ به؛ فهو أشدّ حاجة إلى الماء منّي.

تحيّر الفارس أمام هؤلاء الجرحى الثّلاثة، إذ يفضّل كل منهم زميله على نفسه، فذهب إلى طارق مرّة أخرى، لكنّه فوجئ بأنّه قد مات!

فلمّا ذهب الفارس إلى هشام ليقدّم الماء وجده قد فارق الحياة!

تركه الفارس وأسرع إلى صديقهما حسام، ورفعه عن الأرض، وأسنده من ظهره حتّى ليشرب، لكنّه – هو أيضا – كان قد لحق بصاحبيه!

وهكذا فضّل كل واحد من الأصدقاء الثّلاثة صاحبه على نفسه، في أصعب الأوقات وأصدقها، حتّى لقوا الله شهداء.



الفتاة الذكيّة

كان شاب من أذكياء العرب يرغب في الزواج من فتاة ذكيّة مثله. خرج الشّاب يطوف بالقبائل على جمله، وبينما كان يسير في طريقه قابل رجلا يتّجه نحو المكان الذي يقصده.. سار الشّاب والرجل معا. قال الشّاب للرجل أتحملني أم أحملك؟. فقال الرجل:يا جاهل! أنا راكب وأنت راكب. فكيف أحملك أو تحملني؟!. سمع الشّاب جواب الرّجل، فسكت ولم يردّ عليه.

واصل الشّاب والرجل سيرهما، ثم مر الإثنان بقرية حولها زرع ناضج، وحان وفت حصاده. قال الشاب يسأل الرّجل:أترى هذا الزرع أكله أصحابه أم لا؟!. ردّ الرجل:سؤال عجيب! الزرع امامك ما زال بالأرض وتسأل أأكله أصحابه أم لا؟!.

سكت الشاب ولم يرد على كلام الرجل.

سار الإثنان في طريقهما، وقابلا جنازة، فقال الشّاب يسأل الرجل:أترى صاحب هذا النّعش حيّا أم ميتا؟!. أجاب الرجل:ما رأيت أجهل منك! ترى جنازة فتسأل أميّت صاحبها أم حيّ؟!.

سكت الشّاب، وسار مع الررل دون أن يرد على كلامه.. أخيرا وصل الإثنان قريبا من بيت الرجل. طلب الرجل من الشّاب أن ينزل ضيفا عليه، فوافق الشّاب.

وكان للرجل ابنة، فلمّا عرفت لديهم ضيفا سألت أباها عنه، فقال لها أبوها:إنه من أجهل الناس!. وحكى لها ما دار بينهما من حديث.

قالت الفتاة لأبيها:يا أبت! هذا الشّاب ليس جاهلا كما تقول! فعندما قال لك:أتحملني أم أحملك؟! كان يقصد أتحدّثني أم أحدّثك؟ حتّى نتسلّى بالحديث أثناء السّفر. وعندما قال:أترى هذا الزّرع أكله أصحابه أم لا ؟! فكان يقصد:هل باعه أصحابه قبل أن يحصدوه وأكلوا بثمنه أم لا؟! وأما قوله عن الميّت:أميّت هو أم حيّ؟! فقد قصد بكلامه هذا:هل لهذا الميّت أبناء يحيون ذكره بين الناس أو لا؟!.

فلما سمع الرجل ما قالته ابنته خرج للشاب وأخذا يتحدّثان. ثم قال الرجل للشاب:أتحبّ أن أفسّر لك ما سألتني عنه؟. قال الشب نعم. فأخذ الرجل يفسر له أسئلته والإجابة عنها كما سمعها من ابنته. فقال له الشاب:ما هذا كلامك، فأخبرني من صاحبه؟. فقال الرجل:ابنتي. فقال الشاب:أتزوجني ابنتك؟. فأجاب الرجل:نعم.

وهكذا حصل هذا الشاب الذكي على الفتاة التي طال بحثه عنها.

بلال نعيم
08-05-2009, 01:04 PM
الفلاح الصالح

ارتفعت حرارة الجو، وانقطع نزول المطر مدة طويلة، وجفت الأرض... خاف الناس على زرعهم، فلا يجدون شيئا يأكلونه ويشربونه، ولا تجد أغنامهم ومواشيهم
وجمالهم ما ترعاه فتموت.

نظر الناس إلى السماء... لم يجدوا فى السماء أي سحاب يبشر بنزول المطر... حزن الناس، وأخذوا يدعون ربهم أن يمنحهم المطر... ئم قال أحدهم:سأذهب إلى القرية القريبة فلدي هناك بعض الأعمال المهمة.... http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story132.jpg

سار الرجل فى الصحراء... كان الطريق خاليا من الناس. وفى أثناء سيره... نظر الرجل إلى السماء، فشاهد السحاب قد بدأت تتجمع.. تكاثرت السحب وتكاثرت... غطة السماء سحابة كبيرة سوداء... فرح الرجل عندما رأى هذه السحابة الكبيرة . أدرك الرجل أن السماء ستمطر قريبا... فجأة... سمع الرجل صوتا يأتي من السماء ويقول:اسق حديقة صالح. لم يصدق الرجل أذنيه... استمر الرجل في سيره وهو يفكر من أين جاء هذا الصوت... سمع الرجل الصوت يأتي مره أخرى
من بين السحاب ويقول:اسق حديقة صالح.

توقف الرجل، ونظر حوله فلم يجد غير صحراء واسعة. قال الرجل لنفسه:يا الهي! لا يوجد غيري في الصحراء...هل يأتي الصوت من بين السحاب حقّا؟! أو أنني أتخيل هذا؟!.

سمع الرجل الموت مرة ئالئة يقول:اسق حديقة صالح... تجمعت سحب كثيرة، وبدأ المطر ينزل... وينزل... وينزل... نزل مطر غزير... قال الرجل: سبحان الله.. الصوت مازال يأتي من بين السحاب.. أنا متأكد من ذلك.

جاء ماء من كل مكان وأخذ يلتقي في مجرى واحد.. كبر المجرى شيئا فشيئا، وأصبح جدولا ماؤه سريع الجريان.. سار الرجل خلف ماء الجدول ليرى إلى أين يذهب.. أخيرا وصل الرجل إلى حديقة بها فلاح.. كان هذا الفلاح يحول الماء إلى زرعه ليسقيه.

اقترب الرجل من الفلاح، وسأله عن اسمه. قال الفلاح:اسمي صالح. فتعجب الرجل عجبا شديدا.. سأله الفلاح:لماذا تسأل عن اسمي؟ فقص الرجل عليه حكاية الصوت الذي سمعه يأتي من بين السحاب ويذكر اسمه... وكيف أمطر السحاب، وكيف سار الماء إلى حديقته... ثم سأل الرجل الفلاح:قل لى أيها الفلاح الطيب، ماذا تصنع بحديقتك؟. أجاب الفلاح:سأقول لك ما دمت سألتنى!.. بعد أن أبيع زرعي، وأحصل على المال أتصدق بثلثه للفقراء والمساكين، وآكل أنا وعيالى بثلث، وأنفق الثلث الباقي على صيانة حديقتي والعناية بها.

عندئذ قال الرجل للفلاح:الآن أدركت لماذا جاء الصوت من وراء السحاب يقول:اسق حديقة صالح. أيها الفلاح الطيب، بارك الله فيك وفي أرضك وزرعك.


القاضي والأيتام

كان القاضي منذر بن سعيد وصياً على بعض الأطفال الأيتام. وذات يوم ذهب ليعرف أحوالهم فوجدهم يبكون. فسألهم عن سبب بكائهم، فقالت له كبرى البنات: سمعنا من جارتنا التي يعمل زوجها في القصر أن الخليفة سيأخذ بيتنا لنفسه.http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story133.jpg

طمأن القاضي الأطفال، وقال لهم: إن الخليفة عبد الرحمن الناصر ذو خلق ودين ولن يقبل أبداً أن يستولي على مال اليتامى ظلما. سأذهب إلى قصر الخلافة لأعرف الأمر بنفسي من الخليفة، فأنا الاوصي عليكم، ومن واجبي أن أرعى أموالكم وأحافظ عليها.

ذهب القاضي إلى قصر الخليفة، فأحسن الخليفة استقباله، فهو يعرف انه قاض وعالم، وإمام الجامع الكبير. قال القاضي: يا مولاي الخليفة، أنت تعرف أني وصي على أطفال أيتام لهم بيت صغير يعيشون فيه، وحمام يرزقون منه، وقد بلغني أنك تريد أن تأخذ البيت والحمام؟

قال الخليفة: ما بلغك غير صحيح، يا شيخ منذر، فأنا أخاف الله وأخشاه، فكيف أجرؤ على أخذ مال اليتامى؟ الحقيقة أنني سأبني مكتبة كبيرة قريباً من بيت هؤلاء اليتامى، واقترح كبير المهندسين أخذ البيت والحمام وهدمهما، ولم أكن أعرف أنك يا شيخنا وصي هؤلاء الأيتام، وكنت أنوي أن أشتري البيت والحمام من أصحابه.

فقال القاضي: وأنا يا مولاي الخليفة لا أقبل البيع, ولا أوافق عليه إلا في حالة من الحالات الثالث: أن يكون الأيتام في حاجة إلى بيعها، وهم ليسوا في حاجة إلى البيع، أو أن يكون البناء قديماً مهدداً بالسقوط. وهو ليس كذلك، أو أن يكون الثمن المعروض مناسباً لصالح الأيتام. وأعتقد أن هذا في يد مولاي الخليفة.

ضحك الخليفة وقال: ما أشد حرصك يا شيخنا! فقال القاضي: لو كان المال مالي ما حرصت عليه في سبيل أن أحقق رغبة مولاي الخيفة، ولكنه مال أطفال أيتام، وأنا الأمين عليهم والمسؤول عنه أمام الله عز وجل يوم القيامة.

أرسل الخليفة بعض رجاله لتقدير الثمن وعرضه على القاضي. ولكن القاضي وجد الثمن الذي قدره الخبراء قليلاً وفيه ظلم للأطفال اليتامى فرفضه. خاف القاضي أن يأخذ الخليفة البيت والحمام بالقوة، فقام بهدم البيت والحمام وباع الأنقاض بثمن كبير، وذكر ذلك للخليفة، وطلب منه أن يشترى الأرض الفضاء إن أراد.

تعجب الخليفة من تصرف القاضي وقال له:

إنت كنت يا شيخنا بهذا الحرص الشديد على أموال اليتامى فاذكر لي الثمن الذي تريده في الأرض الفضاء، وسأوافق عليه دون الرجوع إلى أعواني، وذلك حتى لا أكون أنا خليفة المسلمين أقل منك حرصاً على مال اليتيم ومصلحته.


الولد والعنز الجريح

حدثت هذه الحكاية أثناء الحروب الصّليبية في فلسطين. فقد هجم الصليبيون من بلا كثيرة في أوروبا يحاربون الإسلام والمسلمين على أرض فلسطين. وكانت هناك أسرة فقيرة صغيرة تتكوّن من ام ةابنها الوحيد. قالت الأم لإبنها:استولى الجنود الصليبيون على كل ما عندنا وأخذوه بالقوّة، ولم تبقى لدينا إلا هذه العنز.. أرجوك يا بني - أن تهتم بها كثيرا، وترعاها جيدا فهي كل ما لدينا الآن!.

أخذ الولد العنز إلى مرعى به أعشاب خضراء طريّة. وترك العنز تأكل، وجلس تحت ظلّ شجرة يراقبها ويقول لنفسه:إنّ اللبن الذي سنحصل عليه من هذه العنز هو غذاؤنا الوحيد أنا وأمي!. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story134.jpg

وبينما هو يفكر أذ سمع وقع حوافر خيل قادمة من بعيد! أسرع الولد الصّغير نحو عنزه، وجرّها من حبل في رقبتها وأخفاها خلف بعض الأشجار، وظل الولد في مخبئه يراقب القتال. رأى الولد عددا من جنود الصليبيين يطاردون بعض الجنود المسلمين – في إحدى جولات المعركة. انتظر الولد قليلا حتى ابتعدوا، ثم سحب عنزته وسار إلى بيته ليطمئن على أمّه. وعندما اقترب من بيته قابل جنديا مسلما يساعد جنديا آخر جريحا. طلب الجنديّ المسلم من الولد بعض الماء ليسقي الجريح. لم بجد الولد في بيته غير كميّة قليلة من الماء لا تكفي. فكّر تاولد بسرعة، وأسرع إلى داخل بيته، وأحضر إناء، وراح يحلب العنزة حتى امتلأ الإناء بالحليب. قدّم الولد الحليب للجنديّين. شرب الجريح حتى ارتوى، وقدّم الباقي لزميله. شكر الجنديلن الولد. وقال الجريح بصوت متقطّع:بارك الله فيك يا ولدي؛ لقد أنقذت حياتي!.

انصرف الرجلان، ودخل الصّبيّ البيت، فقالت له أمّه ماذا فعلت يا بني؟! لقد حلبت كل ما في ضرع العنزة من حليب، وقدّمته للرجلين، ولم تترك لنا شيئا نشربه.

قال الولد لأمّه:نصبر قليلا حتى يمتلأ الضّرع يا أمي، فما كنت أتحمل أن أترك جريحا يموت من العطش!.

مرّت شهور. وانتصر المسلمون على الصّليبيّين، وطردوهم من البلاد. وبينما كان الولد يلعب أمام بيته حضر الرّجلان يقودان أمامهما ثلاثين من الأغنام. قال أحدهما:هذه الأغنام هديّة لك من القائق الذي أنقذت حياته. قال الولد:ولكني لم أفعل ما يستحق كل هذا يا سيّدي. فقال الرجل وهو يشسر لمن معه:بل فعلت الكثير، لقد أنقذت حياة قائدنا، وشاركت دون أن تدري في نصر المسلمين.

صافح الرجلان الولد بحرارة وانصرفا. ووقف الولد ومن خلفه أمّه ينظران بإعجاب إلى قطيع الأغنام.

قالت الأم:الحمد لله، الذي عوّضنا خيرا عما فقدناه!.

فقال الإبن:عمل الخير لا يضيع، يا أمّي!.


جزاء سنمار

في قديم الزمان أراد ملك اسمه النعمان أن يبني قصرا عظيما، يباهي به جميع الملوك في ذلك الوقت، ويفاخرهم. سأل النعمان عن المهندسين والبنائين في مملكته، فعلم أن أن أمهر البنائين جميعا مهندس اسمه سنمار.

ارسل النعمان في طلب سنمار فحضر لمقابلته. وقال النعمان:أرسلت في طلب لتبني لي قصرا لم ير الناس له مثيلا في مملكتي، وسوف أكافئك مكافأة عظيمة.

قال سنمار:يشرّفني أن يطلب مني الملك بناء قصره، سو أبني لك يا مولاي – قصرا ما رأى الناس مثله من قبل، لكن ذلك سيكلّفك الكثير، وسوف أحتاج إلى ألف من البنّائين المهرة. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story136.jpg

قال النعمان:اطلب ما تشاء، وستجده بين يديك في لحظات، المهم أن تنتهي من بناء القصر في أقصر وقت ممكن.

مكث سنمار ليالي واياما يعد رسوم القصر ومعه المساعدون، ثم اختار موقعا ممتازا على أحد الأنهار، وبدأ في البناء، واستمر يعمل ليلا نهار عدّة سنوات بلا راحة.

انتهى البنّئون من البناء، وذهب سنمار إلى النعمان وقال:قصرك جاهز الآن، ينتظر قدومك يا مولاي. فرح الملك النعمان بالخبر، وكان مشتاقا ومتلهّفا لرؤية القصر. ولمّى حضر أعجب ببنائه كثيرا، وشكر سنمار على جهده وبراعته وفنّه، وقال:

ما كنت أتخيّل أبدا – يا سنمار – ان القصر سيكو بهذه العظمة والفخامة! إنّك تستحق جائزة كبيرة... وبعد أيام انتقل الملك ليسكن في قصره الجديد، وأرسل في طلب سنمار. حضر سنمار وقالبل الملك النعمان. طلب النعمان من سنمار ان يتجوّل معه في جوانب القصر. وان يعرّفه بغرفه وقاعاته.

طاف النعمان وسنمار في جميع جوانب القصر، ثم صعدا إلى سطحه. كان السطح عاليا، وكان منظر المدينة من بعيد جميلا. سأل النعمان سنمار:هل هناك قصر مثل هذا؟. فأجابه سنمار:لا يا مولاي. ثم سأله النعمان:وهل هناك بنّاء غيرك يستطيع أن يبني مثل هذا القصر؟. أجاب سنمار: لا يا مولاي.

فكّر النعمان سريعا، وقال في نفسه:إذا عاش هذا البناء فسيبني قصورا أخرى أجمل من هذا القصر.. ليس هناك غير حلّ واحد.. نعم.. حلّ واحد!.

أشار النعمان إلى بعض جنوده، وهمس لهم بأمر. وعلى الفور، امسك الجنود بسنمار، وألقوه من فوق سطح القصر! سقط سنمار من هذا الإرتفاع الكبير على سطح الأرض، ومات في الحال.

وكانت هذه المكافأة التي نالها سنمار على عمله العظيم!

ومنذ ذلك الوقت، ونحن نقول هذا المثل:جزاء سنمار لكل من يقدّم خيرا للناس فيجزونه شرّا.


أيهما الخليفة

فى أثناء فتح بلاد الشام، وصل جيش المسلمين إلى بيت المقدس، وحاصرالمدينة مدة طويلة، وأرسل قائد جيش المسلمين أبو عبيدة بن الجراح إلى أهالي بيت المقدس كي يختاروا الإسلام، أو دفع الجزية نظير حمايتهم والذفاع عنهم وتوفيرالأمن لهم، واذا لم يقبلوا هذا أو ذاك فليس هناك إلا الحرب والقتال.

طال الحصار، وقل الطعام فى بيت المقدس، وأدرك أهلها أن المسلمين سينتصرون عليهم، فأرسلوا رجلأ منهم إلى قائد جيش المسلمين، وأخبره أن أهل بيت المقدس مستعدون للاستسلام بشرط أن يسلموا المدينة إلى أمير المؤمنين عمرابن الخطاب.

قال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فى تواضع شديد:يا غلام ،نحن اثنان، والجمل واحد. فإذا ركبن أنا ومشيت أنت ظلمتك، وإن ركبت أنت ومشيت أنا ظلمتنى، وإن ركبنا - نحن الاثنان - قصمنا ظهر الجمل. فلنقسم الطريق بيننا، أركب أنا مرة وتقود أنت الجمل، وتركب أنت مرة وأقود لك الجمل، ثم يمشى الجمل جزءا من الطريق من غير أن يركبه أحد، حتى يرتاح الجمل من وقت لآخر.

واستمر تقسيم الطريق بين عمر بن الخطاب وخادمه الغلام والجمل حتى وصلا قريبا من بيت المقدس، وانتهت مرحلة أمير المؤمنين لينزل من الجمل ويركب الغلام، عندئذ قال الغلام:

لا يا أمير المؤمنين، لن أركب الجمل. فقال له عمر بن الخطاب رضى الله عنه:
جاء دورك يا غلام، فاركب. قال الغلام:يا أمير المومنين، لا تنزل، فأنا لن أركب، فنحن سندخل مدينة القدس حيث الخيول والعربات المذهبة وإن دخلنا المدينه وأنا راكب الجمل، وخليفة المسلمين يقوده فسيسخر اهلها منا، وقد يؤثر ذلك على نصرنا. قال عمر رضي الله عنه:الدور دورك يا غلام، فوالله لأنزلنّ ولتركبنّ.

وركب الغلام الجمل، وأخذ عمر بمقوده يجره منه، فلما بلغا مدينة القدس وجدا أهلها في استقبالهما، وعندما شاهدوا المنظر ظنوا أن الراكب أمير المؤمنين، وأن الذي يقود الجمل خادمه.

أقبل الناس يحيون الغلام، فأشار الغلام بعصاه إلى عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - وقال: لست أمير المؤمنين، إنه هذا الذي يمشي ويقود الجمل!. عندئذ أخذ رئيس اعوم يبكي، فأقبل عليه عمر - رضى الله عنه - يطيب خاطره. ولما سأله عمرعن سبب بكائه قال رئيس القوم:إنما بكيت من شدة دهشتي، ولأنني تأكدت أن دولتكم باقية إلى آخر الزمان!.

بلال نعيم
08-05-2009, 01:04 PM
زرقاء اليمامة

منذ سنوات بعيدة، بعيدة جدّا، كان يسكن أرض اليمامة قبيلتان كبيرتان قويّتان، تقوم بينهما حروب كثيرة. وظهرت في إحجى القبيلتين فتاة صغيرة، كان نظرها قويا، تستطيع أن ترى بعينيها مسافات بعيدة، بعيدة، ولذلك سمّاها الناس زرقاء اليمامة.

فرح أهل القبيلتين بالفتاة، فقد كانت تساعدهم في الحروب. تقف فوق جبل عال وتنظر في اتجاه أرض الأعداء، وترى جيشهم قادما من بعيد، قبل أن يصل بيومين، فتخبر رجال قبيلتها فيحملون السّلاح، وينتظرون في القلاع، وعندما يقترب رجال قبيلة الأعداء، ينقضّون عليهم ويهزمونهم، وفي كل مرّة ينتصر اهل زرقاء اليمامة على المهاجمين.

وفي آخر النهار تجتمع قبيلة زرقاء اليمامة، وتحتفل بالنّصر، ويهتف الأولاد والبنات تحيّة لزرقاء اليمامة الّتي كانت عيناها القويّتان سببا في انتصار قبيلتها.
http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story137.jpg
أدرك قائد قبيلة الأعداء أنهم لن يستطيعواهزيمة قبيلة زرقاء اليمامة.. عرف سرّ زرقاء اليمامة التي تراهم من مسافات بعيدة، وتخبر جيشها فيستعدّون. فكّر قائد الأعداء في حيلة ينتصر بها على قبيلة زرقاء اليمامة. أخيرا اهتدى إلى خطّة ماكرة، جمع القائد جنوده وقال لهم:على كلّ رجل أن يقطع شجرة صغيرة أو غصن شجرة كبير يحملة بيده ويمشي ويختبئ خلفه، حتى إذا نظرت زرقاء اليمامة من بعيد، فلا ترى إلا شجرا فتظنّه مثل بقيّة الشجر، والشجر كثير هنا كما ترون.

نفّذ الجنود أمر القائد، وقف الجيش عند مسافة بعيدة من ديار قبيلة زرقاء اليمامة ينتظر أوامر القائد، أرسل القائد رجلا ليصعد على قمّة جبل قريب من قبيلة زرقاء اليمامة ليأتي بالأخبار.

نظرت زرقاء اليمامة إلى الجبل وقالت لقومها:أرى رجلا فوق الجبل، ينظر ناحيتنا باستمرار. أعتقد أنه جاسوس، هو الآن ينحني ويصلح نعله.

بدأ رجال الأعداء يتحرّكون من خلف الجبل في اتجاه قبيلة زرقاء اليمامة، ومع كل منهم شجرة صغيرة يختبئ ورائها، ساروا بسرعة في اللّيل، وعندما طلع النّهار رأت زرقاء اليمامة شجرا يتحرّك، وكأنّه يمشي، فقالت لقومها:أرى شجرا يمشي نحونا. ضحك الناس من زرقاء اليمامة وسخروا منها، فقالت لهم:

لعلّ وراء هذا الشّجر فرسانا!. لم يهتم القوم بما تقول، وقال شيخ القبيلة:ليس هناك شجر يمشي ويتحرّك، عوجوا إلى بيوتكم، وعند الصّباح نرى جميعا كيف يمشي الشّجر.. ها.. ها.. ها…

لكن، عندما جاء الصّباح، وصل جنود الأعداء، وهجموا على قبيلة زرقاء اليمامة، وقتلوا وأسروا منهم عددا كبيرا.

جلس القائد المنتصر، وأرسل يطلب زرقاء اليمامة وسألها:ماذا رأيت؟. فأخبرته بما ذكرته لأهلها:رأيت رجلا واقفا فوق الجبل يصلح نعله، ثمّ رأيت شجرا يتحرك نحونا. دعا القائد الرجل الذي كان على الجبل وسأله:ماذا كنت تفعل فوق الجبل حين انحنيت؟. قال الرجل انقطع نعلي، فانحنيت أصلحه قال القائد:إذن، صدقت يا زرقاء، ولم يصدق يصدق قوك، ولذلك انتصرنا عليكم هذه المرّة.

قال أهل زرقاء اليمامة:ليتنا لم نسخر منها! ليتنا صدّقناها عندما حذّرتنا! ليتنا صدّقناها!.

بلال نعيم
08-05-2009, 01:08 PM
سيف الله والقائد الرومي

بدأت المعركة بين الروم والمسلمين.. اشتد القتال بين الفريقين ، وارتفعت أصوات المقاتلين . كان جيش الروم كبيرا وسلاحهم كثيرا، وكان جيش المسلمين صغيرا وسلاحهم قليلا.. قبل أن تنتهى المعركة طلب أحد كبار قادة الروم مقابلة خالد بن الوليد. كان اسم ذلك المائد الرومى (جرجة ).

خرج خالد لمقابلة جرجة . وعندما اقترب خالد من جرجة نظر جرجة إليه وقال: يا خالد، قل الصدق .. هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء، وهل أعطاك النبى ذلك السيف لتقاتل به فتنتصر داثمأ؟ قال خالد: لا. قال جرجة: فما سبب تسميتك سيف الله إذن؟!.فأجاب خالد ابن الوليد:عندما هداني الله للإسلام أرسلنى الرسول مع جيش المسلمين، واشتركت في معركة مؤتة واستطعت أن أنقذ جيش المسلمين من الهزيمة.. وسر الرسول بما فعلت. قال وهو يحكي أخبار المعركة لأصحابه:ثم أخذ راية المسلمين سيفا من سيوف الله . هذا سبب تسميتي بسيف الله. قال جرجة:يا خالد.. إلى اي شيء تدعوا؟. قال خالد:إلى شهادة أن لا إله إلأ الله ، وأن محمدا عبده ورسوله. قال جرجة : ما منزلة من يدخل الإسلام اليوم؟. قال خالد: منزلتنا جميعا واحدة. كلنا سواء فى الإسلام يا جرجة..غنينا وفقيرنا، قوينا وضعيفنا، أولنا واخرنا. كلنا سواء. قل جرجة: هل يستوي معكم من دخل اليوم فى دينكم ؟ هل لمن يدخل الإسلام الآن مثل ما لكم من الأجر؟ وهل يكون له من الثواب ما لكم ؟. قال خالد: نعم. يستوي معنا، بل هو أفضل منا. قال جرجة: وكيف يستوي معكم وقد سبقتموه فى الإسلام ؟. قال خالد: لقد أسلمنا ورسول الله حى بيننا، تنزل ل عليه أخبار السماء، فيخبرنا بها..وكنا نرى منه العجاثب، فوجب على من رأى ما رأينا من الرسول الكريم، وسمع ما سمعنا أن يسلم . أما أنتم.. فلم تروا ما رأينا.. ولم تسمعوا ما سمعنا من الآيات. فمن دخل الإسلام منكم وهو صادق كان أفضل منا، وأجره أكبر. قال جرجة : هل كنت صادقا معي، ولم تخدعنى؟ قال خالد:نعم،كنت صادقا معك، ولم أخدعك.

اقترب جرجة من خالد وقال :علمنى الإسلام. اتجه خالد بن الوليد إلى خيمته ومعه جرجة، وهناك قدم له بعض الماء فاغتسل، ثم صلى جرجة ركعتين. دخل جرجة الإسلام، وانتقل من جيش الروم ليقاتل فى جيش المسلمين.

هجم الروم على المسلمين، فركب خالد حصانه وأسرع نحوهم كالسهم.. لم يكن وحده هذه المرة، كان معه جرجة. كانت المعركة شديدة، وكان القتال بالسيف والرمح. استمر القتال من الصباح إلى غروب الشمس.. وكان جرجة يقاتل بشجاعة وقوة... وفجأة ضربه أحد الجنود بالسيف فسقط على الأرض، ومات شهيدا.


عمر والأسرة الفقيرة

خرج عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ذات ليلة، ومعه خادمه. سار عمر وخادمه في شوارع المدينة. رأى عمر نارا من بعيد. قال عمر رضى الله عنه:أرى ناسا يقاسون البرد، فهيا بنا إليهم لنعرف حالهم.

أسرع عمر وخادمه إلى المكان. اقترب عمر وخادمه، فوجدا امرأة ومعها أولادها الصغار. جلس الأولاد حول قدر كبيرة، والقدر فوق النار كان الأولاد يتألمون وببكون . http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story140.jpg
قال أحد الأولاد:أنا جوعان، أريد الطعام يا أمي. لم آكل منذ يومين، والجو بارد. فقالت الأم: انتظر أنت واخوتك قليلأ حتى ينضج الطعام. قال ولد آخر: انتظرنا ساعات ولم نأكل،إلى متى ننتظر ما أمي؟!. وقف عمر - رضي الله عنه قريبا من الأسره وقال:السلام عليكم.فقالت المرأة: وعليك السلام. فقال عمر هل أقترب؟. أجابت المرأه:اقترب ومعك الخير،أو اتركنا واذهب. فقال عمر:ما عندكم؟ فقالت المرأة:نزل عيلنا الليل والبرد، ونحتاج إلى الطعام.

نظر عمر - رضي الله عنه - فوجد الأولاد حول القدر الكبيرة والنار تحتها. سأل عمر - رضي الله عنه - المرأة:لماذا يبكى الأولاد؟. فقالت المراة:من الجوع والبرد. فسأل:وأى شيء في هذه القدر؟. فقالت المرأة:ماء حتى يسكتوا ويناموا.

تألم عمر من كلام المرأة ومنظر الأولاد، وأسرع هو وخادمه نحو مخازن بيت المال.. أخرج عمر كيسا كبيرا من الدقيق، وقال لخادمه:احمله عليّ. فقال الخادم:أنا أحمله عنك. غضب عمر - رضى الله عنه – وقال:أأنت تحمل عني ذنبي يوم القيامه ؟!.

وضع الخادم كيس الدقيق فوق ظهر عمر، وحمل بعض الزيت. أسرع عمر - رضى الله عنه وهو يحمل الكيس الثقيل. سار عمر وخادمه إلى مكان المرأة، ثم أنزل كيس الدقيق على الأرض. فتح عمر الكيس، وأخذ منه بعض الدقيق. جلس عمر قريبا من النار، ووضح الدقيق والزيت فى القدر. نفخ فى النار حتى نضج الطعام. أنزل عمر القدر على الأرض، ثم وضح الطعام فى طبق كبير، وقال للمرأة:نادى أولادك.

اجتمح الأولاد حول الطبق الكبير يأكلون، وانتظر عمر وخادمه قريبا منهم. قالت المرأة:جزاك الله خيرا. فقال عمر:اذهبى غدا إلى عمر أمير المؤمنين، وسوف تجديننى هناك إن شاء الله.

وقف عمر - رضى الله عنه - بعيدا ينظر إلى الأولاد حتى اكلوا وشبعوا، ثم رأى الأولاد يلعبون ويحكون. وبعد قليل نام الأولاد، فقال عمر لخادمه :الحمد لله. الآن نستطيح أن نمشى، شبع الأولاد وناموا. هيا بنا.
وانصرف عمر - رضى الله عنه - وخادمه .


كل درهم بعشرة

في عهد الخليف أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – أصاب الناس جفاف وجوع شديدان، فلمّا ضاق بهم الأمر ذهبوا إلى الخليفة أبي بكر – رضي الله عنه – وقالوا:يا خليفة رسول الله، إنّ السّماء لم تمطر، والأرض لم تنبت، وقد أدرك الناس الهلاك فماذا نفعل؟.

قال أبو بكر – رضي الله عنه – انصرفوا، واصبروا، فإني أرجوا ألاّ يأتي المساء حتّى يفرج الله عنكم.

وفي آخر النهار جاء الخبر بأنّ قافلة جمال لعثمان بن عفّان - رضي الله عنه – قد اتت من الشّام إلى المدينة. فلمّا وصلت خرج النّس يستقبلونها، فإذا هي ألف جمل محملة سمنا وزيتا ودقيقا، وتوقّفت عند باب عثمان رضي الله عنه. فلمّا أنزلت أحمالها في داره جاء التجار. قال لهم عثمان رضي الله عنه:ماذا تريدون؟. أجاب التجار:إنّك تعلم ما نريد، بعنا من هذا الذي وصل إليك فإنّك تعرف حاجة النّس إليه.

قال عثمان:كم أربح على الثّمن الذي اشتريت به؟.

قالوا:الدّرهم درهمين.

قال:أطاني غيركم زيادة على هذا.

قالوا:أربعة!

قال عثمان رضي الله عنه:أعطاني غيركم أكثر.

قال التّجار:نربحك خمسة.

قال عثمان:أعطاني غيركم أكثر.

فقالوا:ليس في المدينة تجار غيرنا، ولم يسبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟!.

قال عثمان رضي الله عنه:إن الله قد أعطاني بكل درهم عشرة، الحسنة بعشرة أمثالها، فهل عندكم زيادة؟.

قالوا:لا.

قال عثمان:فإني أشهد الله إني جعلت ما جاءت به هذه الجمال صدقة للمساكين وفقراء المسلمين.

ثم أخذ عثمان بن عفان يوزّع بضاعته، فما بقي من فقراء المدينة واحد إلاّ أخذ ما يكفيه ويكفي أهله.


ما أرخص الجمل

كان لمزارع جمل يحبه كثيرا، ويعتمد عليه فى الانتقال بين القريه والمدينه كل يوم ليبيع حاصلات مزرعته. فكان يحمل عليه الخضر والفاكهه ويبيعها فى سوق المدينة، ويشترى حاجياته ولوازم بيته ويحملها على جمله، ثم يركبه عائدا إلى القرية حيث زوجته وأولاده.

حمل عبد الوهاب جمله بطيخا وشماما، وتوجه إلى سوق المدينة، وباع حمله، وأراد أن يشتري أرزا وسكرا. دخل عبد الوهاب البقالة واشترى ما يريد من طلبات، ولما خرج لم يجد جمله وأخذ يصيح:أين جملى؟ ضاع جملي! يا مصيبتي! أين انت يا جملي الغالي؟!.

نادى عبد الوهاب الشرطي، وطلب منه أن يبحث له عن الجمل المفقود، ويقبض على اللصوص الذين سرقوه.

بحث الشرطي معه في كل مكان ولم يجده، قال الشرطي:لا تيأس؛ فربما سار هنا أو هناك، وضل الطريق، واصل البحث وستجده - إن شاء الله. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story142.jpg

بحث عبد الوهاب عن جمله فى كل مكان، لكن بلا فائدة. وبعد بحث طويل، وتعب كثير، أقسم عبد الوهاب أمام من فى السوق أن يبيع الجمل بدينار واحد إذا هوعثر عليه.

تعجب الناس من عبد الوهاب الذي أعلن امامهم هذا السعر الرخيص لجمله الغالي.

وبينما كان عبد الوهاب يدور فى السوق فوجئ بجمله أمامه يسير وحيدا! فرح عبد الوهاب بالعثور على جمله، وجذبه من حبله، وربت هلى رقبته، لكنه تذكر القسم، فتضايق، وقال لنفسه:

ليتني ما تسرعت وحلفت أمام الناس! ماذا أفعل الآن ؟.

فكر عبد الوهاب قليلا، وأحضر قطة صغيرة، ووضع فى رقبتها حبلا، ثم ربط القطة فى الجمل، ووقف وسط السوق ينادى بأعلى صوته:من يشترى الجمل بدينارد والقطة بألف دينار.

تجمع الناس حول عبد الوهاب من كل مكان، وهم لا يصدقون ما يسمعون. وصاح عبد الوهاب مره أخرى:أيها الناس، أبيع الجمل بدينار، وأبيع القطة بألف دينار! لكن لا أبيعهما إلأ معا. نعم، لا أبيع الجمل والقطة إلا معا!.

ضحك الناس، وفهموا أن عبد الوهاب لا يريد أن يبيع جمله. انصرف الناس عنه وهم يقولون: ما أرخص الجمل لولا القطة !.

ما أرخص الجمل لولا الهرة !.

ركب عبد الوهاب جمله، وعاد إلى قريته.

بلال نعيم
08-05-2009, 01:12 PM
عبد الكريم والتمر
أقام أحد أغنياء الفلآحين وليمة بمناسبة زواج ابنته، ودعا جيرانه وأصاقاءه لحضور الوليمة . وكان عبا الكريم الفلاح الطيب من بين المدعوين. خرج عبد الكريم من منزله قبل غروب الشمس؛ لأن الطريق إلى القرية التى فيها الوليمة طويل.

وفى أثناء سيره رأى عبل الكريم على جانب الطريق سلة بها بعض التمر الحلو. تخيل عد الكريم الطعام اللذيذ الكثير الذي سيتناوله فى الوليمة، فاقترب من السلة وركلها بقدمه، فانقلبت وتبعثر التمر فى التراب . ضحك عبد الكريم وقال لنفسه : لا حاجه بى اليوم إلى هذا التمر، سوف أتناول فى الوليمة طعاما شهيا كثيرا، أما التمر، فسأتركه لتأكله الماشية والطيور.

واصل عبد الكريم طريقه إلى حفل الزواج . وكانت هناك قناة صغيرة تقطع الطريق، ولا بد لعبد الكريم أن يعبرها إلى الجانب الآخر ليصل إلى مكان الوليمة .ولم يكن هناك جسر قريب يعبر عليه عبد الكريم، اعتاد عبد الكريم أن يقفز من جانب القناة إلى الجانب الآخر؛ لأن الماء فيها لم يكن عميقا، ولأن عرض القناة ل ايزيد على متر واحد. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story139.jpg

فوجئ عبد الكريم - فى ذلك المساء - أن الماء قد ارتفع فى القناة ارتفاعا كبيرا واتسع سطحه حتى زاد على ثلاثه أمتار. وأخذ عبد الكريم يسير على شاطئ القناة مرة إلى اليمين، ومرة إلى اليسار، يبحث عن موضع ضيق من القناة يستطيع ان يقفز منه إلى الجانب الآخر، لكنه لم يجد. واصل عبا الكريم السير على الشاطئ مسافه طويله، وكان ارتفاع الماء يزداد فى القناة شيثا فشيئا، وسطحه يزداد اتساعا، بينما أخذت الشمس تميل إلى الغروب .
بدأ الطريق يظلم ، وتذكر عبد الكريم أن هذا اليوم هو بداية الفترة التى تأخذ قريته خلالها نصيبها من الماء لرى الزرع ، فتمتلئ القناة بالماء بسبب فتح السد الذى يأتى بالماء من النهر، وعندما يزداد ارتفاع الماء فى القناة يتسع سطحها ولا يستطيع أحد عبورها.

وقف عبد الكريم حائرا حزينا ينظر إلى ملابسه الجديدة الغالية وقد أحسبالتعب . تصور عبد الكريم كيف سيكون شكله إن هو قفز ووقع فى الماء. وأخير قال : لن أتمكن من عبور هذه القناة، ولن أستطيع الذهاب إلى الوليمة .وهكذا استدار عبد الكريم عائدا إلى بيته .

كان الوقت قد تأخر، سار عبد الكريم والقمر يضىء له الطريق ، بدأ عبد الكريم يشعر بالجوع الشديد، وكلما سار اشتد إحساسه بالجوع . قال عبد الكريم لنفسه : يحسن بى أن أجلس قليلأ، لكن الجلوس معناه جوع أكثر! وفى الوقت نفسه صرت غير قادر على السير.

كان عبا الكريم يشعر بالجوع والتعب ، وتذكر فجأة التمر الأى ألقى به في التراب . أين هو يا ترى؟!. أخذ عبد الكريم يبحث فى ضوء القمر لعله يعثر على ذلك التمر لذى ركله بقدمه، بعد قليل شاهد عبد الكريم السلة، وأخذ يتحسس الارض حول السلة في لهفة شديدة ، ويتناول حبات التمر، ويمسح عنها التراب ، ويأكلها. وكم كان عبد الكريم سعيدا وهو يمضغ ذلك التمر الذى رمى به إلى الأرض منذ ساعات!

وعاد عبد الكريم إلى منزله وهو يقول لنفسه : ~الا ترم شيئا له فائدة - مهما كان بسيطا - فقد يسعدك أن تجده عندما تحتاج إليه، والذي لا ينفعك اليوم قد تحتاج إليه غدا!.

نصر من الله

جمعت قريش جيشها الكبير، وسار الجيش لقتال المسلمين. وسار المسلمون بجيشهم الصغير. واتجه الجيشان إلى بدر وهو مكان مشهور فيه بئر ماء.

وكان جيش المشركين أكبر من جيش المسلمين أكثر من ثلاث مرات، ولما اقترب الجيشان من المكان أنزل الله من السماء مطراً، كان على الكفار شديداً بحيث منعهم من السير والحركة، وكان على المسلمين خيراً وبركة، حيث تماسكت الأرض تحت أقادمهم وصلبت، وسهل لهم السير.

فتحرك المسلمون، وسبقوا الكفار إلى ماء بدر، فأقاموا عنده وبنوا حول الماء حوضاً ليساعد المسلمين في الانتفاع بالماء ويحرم المشركين منه.

ونظم المسلمون صفوفهم، وعندما جاءت اللحظات الحاسمة في صباح يوم الجمعة السابع عشر من رمضان التقى الجيشان وهجم المسلمون وهن يصيحون بصوت كالرعد: الله أكبر، الله أكبر.

ورفع الرسول يديه إلى السماء يدعو الله أن يحقق للمسلمين النصر الذي وعدهم به، واشتدت الحرب، وعلم الله إيمان المسلمين وصبرهم وإخلاصهم، فاستجاب لهم وأرسلم ملائكة من السماء تساعدهم، وتحارب معهم ضد الكفار، ملائكة على دفعات في أفواج متتابعة، تقوي المسلمين وتثبتهم وتضرب الكفار فوق الأعناق وفوق الأيدي.

يقول واحد من المسلمين الذين اشتركوا في غزوة بدر الكبرى وهو يصف ما كانت تفعله الملائكة: لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا يشير إلى الكافر فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.. وكان الله سبحانه وتعالى يستطيع نصر المسلمين من غير الملائكة، ولكنه أرسل إليهم آلاف الملائكة بشرى لهم، ولتطمئن قلوبهم في أول معركة كبرى بين جيش المشركين الضخم من ناحية وبين دعاة الإسلام بأعدادهم القليلة، وأسلحتهم المحدودة من ناحية أخرى، ليكون ذلك دليلاً واضحاً وبرهاناً صادقاً على أن الله لا يتخلى عن عباده المؤمنين ولا ينساهم.

وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون.

وانتصر المسلمون انتصاراً هائلاً هز بلاد العرب، وقتل في هذه المعركة الكبرى: أبو جهل وعدد كبير من زعماء الكفار، وكان عدد القتلى من المشركين سبعين قتيلاً، وعدد الأسرى منهم سبعين أسيراً، واستشهد من المسلمين ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.

وكانت غزوة بدر الكبرى نصراً عظيماً في تاريخ الإسلام، فارتفعت رايات المسلمين عالية في المدينة، ونكست رايات كفار قريش، وأصبح واضحاً أن المستقبل لهذا الدين الجديد، دين الحق، وأن الله سيتم نوره ولو كره الكافرون.


وفاء فرس

قامت الحرب بين قبيلتين، واستمرت المعارك بينهما شهورا طويلة. وكانت الحرب أحيانا تتوقف اياما قليلة، تجمع فيه كل قبيلة قتلاها، وتجهز اسلحتها، ثم تستأنف القتال مرة أخرى، وذات مرة. كلف قائد القبيلة فارسا من أشجع فرسانها، ليذهب إلى قبيلة الأعداء، ويعرف أخبارها، ليخبر أهل قبيلته بما رأى وبما سمع.

خرج الفارس على جواده العربي الأصيل، وقد لبس درعه، وحمل سيفه، انطلق الفارس في اتجاه معسكر الأعداء، واقترب من خيام الأعداء، والتفت.. فإذا جماعة من الفرسان تلتف حوله من كل جانب، أخرج الفارس سيفه، وراح يضربهم بقوّة، لكن كثرة الأعداء غلبت الفارس، فجرحوه، ووقع على الأرض، أسرع فرسان الأعداء، وقيدوه بالحبال، وحملوه إلى خيامهم، ثم وضعوه في خيمة، وتركوه فيها. http://www.al-hakawati.net/arabic/stories_Tales/images/story144.jpg

أقبل الليل، وأظلمت الدنيا، والفارس وحيد في الخيمة يتألم من جراحه، ويتوجع من قيوده، ولا يستطيع النوم، وفجأة سمع صهيل فرسه، وأحس في صوت الفرس ما يشبه الألم والشّكوى، جمع الفارس الجريح ما بقي من قوته، وتحامل على نفسه، وأخذ يزحف على الأرض – وهو مقيّد – إلى مكان الخيول، ورأى فرسه مربوطا في شجرة، فكر الفارس ان يفك قيد فرسه، ويطلق سراحه، ليعود إلى قبيلته، فيعرف أهل القبيلة ما حدث له، ويحضروا لإنقاذه!

اقترب الفارس من حصانه، كانت يداه ورجلاه مقيّدة بالحبل، فك الفارس قيد الحصان بأسنانه، قال الفارس:هيا، انطلق ايها الفرس، ارجع إلى خيامنا، اسرع.

استدار الحصان نحو صاحبه، ووقف ينظر إليه حزينا على ما أصابه، كأنّه يقول:كيف أرجع وحدي، وأتركك مقيد في يد الأعداء؟!.

نظر الحصان إلى جسم صاحبه فوجده مقيدا بالحبل، فقبض الفرس بأسنانه على الحبل، ورفع صاحبه عن الأرض، وانطلق بعيدا عن خيام الأعداء.

كان الطريق طويلا، والحمل ثقيلا، ولكن الحصان لم يستسلم للتعب، جرى، وجرى، لم يتوقّف إلا عندما وصل إلى خيام قبيلته، أنزل الحصان صاحبه على الأرض برفق، وأخذ يصهل بصوت ضعيف مريض، وهو يكاد يقع على الأرض!

سمعت زوجة الفارس صوت صهيل الحصان فتنبّهت وأسرعت إليه، وصلت الزوجة إلى زوجها الفارس بصعوبة، فكّت الزوجة قيود زوجها بسرعة، قام الفارس إلى حصانه يحاول أن يسعفه، لكن.. من غير فائدة! كان الحصان قد مات من التّعب!

حزن الفارس على حصانه حزنا شديدا، وتناقلت القبائل حكاية هذا الفرس الوفيّ، وبقيت حكايته بين الناس مثالا على الإخلاص والتّضحية.


جحدر و الأسد

( 1 )

" جحدر .. اللص المخيف ! "

في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ... كان هناك فتى صغير ، خفيف الحركة ، شجاع اسمه "" جحدر بن ربيعة "" ... لكنه للأسف كان لصاً ، يقطع الطريق ...

وشيئاً فشيئاً اشتهر أمر "" جحدر "" بين الناس ، وزاد شره بانضمام بعض اللصوص إليه وكونوا عصابة سكنت الكهوف والجبال ، وصارت تطارد المسافرين والرعاة وسكان القرى المجاورة ، فتسلب أموالهم وأمتعتهم ومواشيهم ، وتهدد أمنهم ....

وباءت كل محاولات أهالي البلدة للقبض عليه بالفشل .. حتى أن "" جحدر "" تمكن من هزيمة مجموعة كبيرة من الرجال الشجعان كانت قد توجهت للقضاء عليه .. وهكذا صار ذكر اسم "" جحدر "" مثيراً للرعب في كل نفس ، ولم يعد الناس يخرجون من بيوتهم إلا للضرورة القصوى ، خشية أن يتعرض لهم "" جحدر "" أو أحد أتباعه ، فيسرقهم أو يهلكهم !..

( 2 )

"" وغَضِب الوالي ""

زادت ثقة جحدر بنفسه ، فازداد إجرامه مع عصابته ، وسرى الرعب من قرية إلى قرية ، ومن مدينة إلى مدينة ، حتى وصلت أخباره إلى الوالي حاكم البلاد ، فغضب أشد الغضب ...

فَكَّر الوالي في أمر جحدر ، ووجد أن شخصاً قوياًّ وشجاعاً مثله لن يُهزم إلا بالحيلة والذكاء ، .. .. فتوصل إلى حيلة ذكية ، إذ جمع مجموعة من الشباب وشرح لهم خطته .. ثم أرسلهم إليه ..

واتجه الشباب فوراً إلى نواحي كهوف الجبال باحثين عن جحدر ، وبعد عناء وجهد فوجئوا به ينقض عليهم كالأسد محاولاً سلبهم ، إلا أنهم استجمعوا قواهم وقالوا له ( لا تعجل ، إنما نحن شباب شجعان تضايق منا أهالينا ، لأننا تعودنا على السرقة والنهب ، فأردنا أن نكون تحت أمرك لما سمعناه عنك من الشجاعة والذكاء ) ... كان العرض مغرياً بالنسبة إلى جحدر .. فهم مجموعة شبان أقوياء .. وسيكونون خير معين له .. فقال لهم : ( سأجربكم ) ..

( 3 )

"" القبض على جحدر ""

اختبر جحدر الشباب عدة أيام وبدأ يعجب بشجاعتهم وذكائهم ، وشيئاً فشيئاً أصبح يثق بهم ، حتى صار ينام بينهم آمناً مطمئناً ، بعد أن يبعد سيفه ورمحه عنه ، كأنه بين حرسه الذين يحبونه ويمحونه من الخطر .. وفي إحدى الليالي بينما كان يغط في نوم عميق ويعلو شخيره إذ بالشباب يهجمون عليه ويقيدونه بالحبال .. استيقظ جحدر مرتبكاً مما رآه وحاول أن يفلت من القيود ، ولكنه لم يتمكن من عمل أي شيء .. فأخذه السباب وأوصلوه مقيداً إلى الوالي ...

( 4 )

"" جحدر .. الشجاع ""

تفاجأ الوالي عندما رأى جحدر ؛ فقد وجده وجده صغير الجسم خفيف الوزن مقيداً بقيود أثقل منه !... فأجاب بقلب ثابت : ( نعم .. أنا جحدر بن ربيعة ) ، فسأله الوالي ( مالذي دفعك إلى ارتكاب جرائمك ) ؟.. فأجاب : ( الظلم ، وجرأة القلب ، و إفلاس الجيب ، وجبن الناس ) .

دُهش الوالي من جرأة هذا اللص وفصاحة لسانه وصراحته ، على رغم اقترابه من العقاب والهلاك ..

لذلك استمر في سؤاله : ( هل تدرك عاقبة أمرك ونتيجة أفعالك ) ؟ .. فإذا بذلك اللص يقول :

.. ( لو جعلتني أيها الأمير من فرسانك ، لرأيت مني ما يعجبك ) !... ضحك الوالي ساخراً مستنكراً وقال : ( ماذا ؟!..أنت؟!.. أجعلك فارساً من فرساني ؟!.. أيها المجرم .. إن اللصوص لا يحسنون غير السرقة ، ولا ينالون غير العقاب الشديد فالترزم حدودك ) .. كرر جحدر بجرأة ( لو جربت حكمتي وحيلتي في المأزق والمصاعب لغيرت رأيك ، وستجدني مفيداً لك وللناس ) ...

فكر الوال برهة ثم قال : ( حسناً .. سنجرب ) ..

( 5 )

"" في قفص الأسد ""

أصدر الوالي أمراً غريباً ؛ إذ أمر بوضع جحدر في قفص مع أسد ! ... وقال له : ( سندخلك إلى قفص هذا الأسد ونعطيك سيفاً ، فإن قضي عليك فهو جزاؤك ، وإن قضيت عليه فسنعفو عنك ) .. ودُهش الجميع برد جحدر إذ قال : ( لقد دنا الفرج ، وقرب العفو ) ! ...

ان الناس مشفقين على هذا اللص الذي لا يقدر عاقبة الأمور ، ولا يتخيل ضراوة أسد جائع يمكن أن يقضي عليه بعضَّة واحدة . وفعلاً نزل جحدر بثبات إلى قفص الأسد ، وبينما كان الأسد يزأر متلهفاً لوجبة طالما انتظرها كان جحدر ينشد : ( هو ليث وأنا ليث .. هو ليث وأنا ليث ) ..

انقض الأسد عليه ، فأفلت منه بقفزة رشيقة مسلطاً سيفه على جسم الأسد الضخم ، فنال منه وجرحه جرحاً مؤلماً ...

زاد الأسد شراسة وهجوماً ، بينما انقض جحدر عليه بضرب رقبته بالسيف مراراً حتى .. قضى عليه ! .. فرفع سيفه منتصراً وسط ذهول المتفرجين وتكبيرهم ، وأمنياتهم بأن يستفاد من هذه الشجاعة وهذه المهارة وهذا الذكاء في الخير لا في الشر ..


( 6 )

الجزء الأخير من القصة

"" توبة جحدر "

أعجب الوالي بما حصل كثيراً .. تقدم وفتح باب القفص بنفسه وأمسك بيد جحدر وقال له :

( لقد كسبت وأثبتَّ أنط خير من ينجو من المأزق والمهالك بشجاعتك وإقدامك ، فهل تهادني على أن تستغل صفاتك النادرة في الخير وتبتعد عن الشر ) ؟ .. رد جحدر : ( إنني أعاهدك على ذلك أيها الأمير ، وأشهد أنني تبت توبة صادقة ) .

قال الوالي : ( إنني أخيرك بأن تقيم عندي مكرماً ، وتعمل بين جنودي مقرباً ، أو أن تعود إلى بلدك ، فتثبت لأهلك وعشيرتك حسن سيرتك وسلوكك ) .. فقال جحدر : ( أيها الأمير ، أفضل أن أكون معك جندياًّ من جنودك ، وأعاهدك أن أكون سيفك على العصاة والمجرمين ..

وأنا أتوب إلى الله الذي نجاني وأكرمني ، توبةً نصوحاً ) .

صار جحدر من خيرة المدافعين عن الحق والخير ، ومن أحسن الناس عبادةً وطاعةً لله تعالى راجياً عفوه ورضاه .


رعاية الله

كان لثلاثة إخوة سفينة صغيرة ورثوها عن أبيهم، وكان أبوهم رجلا صالحا. وذات يوم بينما كانت السفينه تستعد للسفر، والمسافرون يركبون. رأى أصحاب السفينة أحد الشيوخ يحمل متاعه وممف بعيدا. تقدم أحد الاخوه من الشيخ وسأله: هل تريد السفر أيها الشيخ ؟ فأجاب الشيخ: نعم يا بني، ولكن ليس معي نقود الآن، وقد كان أبوكم - رحمه الله - ينقلني إلى الشاطئ الآخر ولا أعطه أجرا إلا عند عودتي .

فقال الشاب: مرحبا بك فى سفينتنا، ستسافر معنا بلا مقابل، لن نأخذ منك أجراً.

وصعد إلى السفينة، ثم بدأت السفينة رحلتها. كان هذا الشيخ نجارا وأراد أن يصنع صندوقاً صغيراً يضع فيه أمتعته. أحضر الشيخ بعض الخشب، وراح يدقه بالشاكوش. فجأة، سقط الشاكوش من يده وأحدث ثقباً في جدار السفينة، وبدأ الماء يدخل من الثقب إلى قاع السفينة، والشيخ يحاول أن يسده، بلا فائدة.

رأى الركاب الماء يتسرب إلى السفينة، فصاحوا: النجدة، النجدة!. حاول الركاب أن يسدوا الثقب وما استطاعوا. استمر الماء يتسرب إلى السفينة، فزاد خوف الناس ولاموا الشيخ، وقالوا له: أنت المسؤول عن هذه المصيبة، سنغرق كلنها بسببك.

شاهد الركاب سفناً تقترب من بعيد ففرحوا. وصلت السفن، وظهر أنها سفن قراصنة البحار الذين يسرقون السفن. رأى اللصوص الماء من قاع السفينة فقالوا: هذه سفينة قديمة ستغرق قريباً بركابها. انصرف اللصوص وتركوا السفينة.

فرح الركاب لنجاتهم من هؤلاء الأشرار، وشكروا الشيخ لأنه السبب. قال لهم الشيخ: علينا أن ننقذ السفينة قبل أن تغرق. اشكروا الله وادعوه أن يساعدنا لننجح في سد الثقب.

وبينما هم مشغولون بإخراج الماء من السفينة رأوا طائراً كبيراً يطير فوقهم وفي منقاره لفافة من الكتان، وحوله طيور تهاجمه وتحاول أن تخطف منه اللفافة، فجأة سقطت لفافة الكتان على السفينة، فأسرح أحد الإخوة وأمسك لفافة الكتان وقال: إن خيوط الكتان هي أفضل ما يسد ثقوب السفينة. ثم سد الثقب بالكتان، فتوقف تسرب الماء.

قال الشيخ: لقد استجاب الله لدعائنا، فعلى القادر منكم أن يتبرع ببعض المال لننفقه في أعمال الخير.

جمع الركاب عشرة دنانير، ووضعوها في خزانة السفينة ليوزعوها على الفقراء والمساكين.

رست السفينة على الشاطئ الآخر، ونزل الركاب. قابل الركاب امرأة تبكي بشدة. سألها الشيخ: لماذا تبكين أيتها المرأة؟ قالت المرأة: عندي أولاد صغار، وأعمل من أجل تربيتهم، أغزل على نور صغير خيوط الكتان ثم أبيعها في السوق، وبينما كنت أشرب من البئر هبط طائر من السماءن وخطف لفافة الكتان التي نسجتها وطار بها بعيداً. كنت سأبيعها في السوق وأطعم أولادي. سأله الشيخ: وبكم كنت ستبيعين الكتان؟ قالت المرأة: بدينار، نعيش به طوال الأسبوع.

تعجب الناس عندما سمعوا قصة المرأة، وقال الشيخ: إنها صاحبة الكتان الذي كان سبباً في إنقاذنا جميعاً من الغرق، وهي أحق بالمال الذي جمعناه. أعطى أصحاب السفينة الدنانير العشرة للمرأة، والمرأة تقول: هذا كثير، عشرة دنانير، الحمد لله، والشكر لله.

أخيراً ودع الركاب المرأة وأبناءها وركبوا السفينة.

تحركت السفينة عائدة بهم إلى بلادهم، بينما وقفت المرأة وأولادها على الشاطئ يلوحون بأيديهم، ويقولون: في رعاية الله.

اسير الحرية
17-05-2009, 03:17 PM
نعـــــــل الملك

يحكى أن ملكاً كان يحكم دولة واسعة جداً ..أراد هذا الملك يوما القيام
برحلة برية طويلة . وخلال عودته وجد أن أقدامه تورمت بسبب
المشي في الطرق الوعرة، فأصدر مرسوماً يقضي بتغطية كل
شوارع مدينته بالجلد ولكن احد مستشاريه أشار عليه برأي أفضل
وهو عمل قطعة جلد صغيرة تحت قدمي الملك فقط .
فكانت هذه بداية
نعل الأحذية.


إذا أردت أن تعيش سعيدا في العالم
فلا تحاول تغيير كل العالم بل أعمل التغيير في نفسك.
ومن ثم حاول تغيير العالم بأسره .


(2)

الإعلان والأعمى

جلس رجل أعمى على إحدى عتبات عمارة واضعا ً قبعته بين قدميه وبجانبه لوحة مكتوب عليها :
' أنا أعمى أرجوكم ساعدوني '.
فمر رجل إعلانات بالأعمى ووقف ليرى أن قبعته لا تحوي سوى قروش قليلة فوضع المزيد فيها .
دون أن يستأذن الأعمى أخذ لوحته وكتب عليها عبارة أخرى وأعادها مكانها ومضى في طريقه .
لاحظ الأعمى أن قبعته قد امتلأت بالقروش والأوراق النقدية، فعرف أن شيئاً قد تغير وأدرك أن ما سمعه
من الكتابة هو ذلك التغيير فسأل أحد المارة عما هو مكتوب عليها فكانت الآتي :
' نحن في فصل الربيع لكنني لا أستطيع رؤية جماله' .



غير وسائلك عندما لا تسير الأمور كما يجب



(3)

حكاية النسر

يُحكى أن نسراً كان يعيش في إحدى الجبال ويضع عشه على قمة إحدى الأشجار، وكان عش
النسر يحتوي على 4 بيضات، ثم حدث أن هز زلزال عنيف الأرض فسقطت بيضة من عش النسر
وتدحرجت إلى أن استقرت في قن للدجاج، وظنت الدجاجات بأن عليها أن تحمي وتعتني ببيضة النسر هذه،
وتطوعت دجاجة كبيرة في السن للعناية بالبيضة إلى أن تفقس . وفي أحد الأيام فقست البيضة
وخرج منها نسر صغير جميل، ولكن هذا النسر بدأ يتربى على أنه دجاجة، وأصبح يعرف
أنه ليس إلا دجاجة، وفي أحد الأيام وفيما كان يلعب في ساحة قن الدجاج شاهد مجموعة
من النسور تحلق عالياً في السماء، تمنى هذا النسر لو يستطيع التحليق عالياً مثل هؤلاء النسور
لكنه قوبل بضحكات الاستهزاء من الدجاج قائلين له: ما أنت سوى دجاجة ولن تستطيع التحليق
عالياً مثل النسور، وبعدها توقف النسر عن حلم التحليق في الأعالي ، وآلمه اليأس ولم يلبث
أن مات بعد أن عاش حياة طويلة مثل الدجاج .

- -- -- -- -- -- -

إنك إن ركنت إلى واقعك السلبي تصبح أسيراً وفقاً لما تؤمن به
فإذا كنت نسراً وتحلم لكي تحلق عالياً في سماء النجاح
فتابع أحلامك ولا تستمع لكلمات الدجاج ( الخاذلين لطموحك ممن حولك !)


(4)

لو سقطت منك فردة حذاءك
.. واحدة فقط
.. أو مثلا ضاعت فردة حذاء
.. واحدة فقط ؟؟

مــــاذا ستفعل بالأخرى ؟
يُحكى أن غانـدي

كان يجري بسرعة للحاق بقطار
... وقد بدأ القطار بالسير

وعند صعوده القطار سقطت من قدمـه إحدى فردتي حذائه

فما كان منه إلا خلع الفردة الثانية

وبسرعة رماها بجوارالفردة الأولى على سكة القطار


فتعجب أصدقاؤه !!!!؟وسألوه
ماحملك على مافعلت؟
لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟
فقال غاندي الحكيمأحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد فردتين فيستطيع الإنتفاع بهما فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده
ولن أستفيد أنــا منها أيضا نريـد أن نعلم انفسنا من هذا الدرس
أنــه إذا فاتنــا شيء فقد يذهب إلى غيرنــا ويحمل له السعادة
فــلـنــفــرح لـفـرحــه ولا نــحــزن على مــافــاتــنــا
فهل يعيد الحزن ما فــات؟

كم هو جميل أن نحول المحن التي تعترض حياتنا إلى منح وعطاء وننظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس
وليس الفارغ منه

كاسر القيود
30-07-2009, 02:14 PM
والله بجننن القصص

كاسر القيود
30-07-2009, 02:15 PM
بس طوال كتير

عاشق النور
18-11-2009, 04:43 PM
يسلمو على الموضوع حلو اكتير
بس لونو مش اطويل اكتير

بلال نعيم
19-11-2010, 06:21 AM
قصة رد الجميل
كان سمير يحب أن يصنع المعروف مع كل الناس ، ولايفرق بين الغريب والقريب في معاملته الانسانية .. فهو يتمتع بذكاء خارق وفطنة . فعندما يحضر الى منزله تجده رغم عمره الذي لا يتجاوز الحادية عشرة .. يستقبلك ، وكأنه يعرفك منذ مدة طويلة .. فيقول أحلى الكلام ويستقبلك أحسن استقبال وكان الفتى يرى في نفسه أن عليه واجبات كثيرة نحو مجتمعه وأهله ، وعليه أن يقدم كل طيب ومفيد . ولن ينسى ذلك الموقف العظيم الذي جعل الجميع ينظرون اليه نظرة إكبار .. ففي يوم رأى سمير كلبا يلهث .. من التعب بجوار المنزل . فلم يرض أن يتركه .. وقدم له الطعام والشراب وظل سمير يفعل هذا يوميا ، حتى شعر بأن الكلب الصغير قد شفيّ ، وبدأ جسمه يكبر ، وتعود اليه الصحة . ثم تركه الى حال سبيله .. فهو سعيد بما قدمه من خدمة إنسانية لهذا الحيوان الذي لم يؤذ أحدا ولا يستطيع أن يتكلم ويشكو سبب نحوله وضعفه . وكان سمير يربي الدجاج في مزرعة أبيه ويهتم به ويشرف على عنايته وإطعامه وكانت تسلية بريئة له
وذات يوم إنطلقت الدجاجات بعيدا عن القفص واذا بصوت هائل مرعب يدوي في أنحاء القرية وقد أفزع الناس. حتى أن سميرا نفسه بدأ يتراجع ويجري الى المنزل ليخبر والده . وتجمعت الأسرة أمام النافذة التي تطل على المزرعة .. وشاهدوا ذئبا كبير الحجم ، وهو يحاول أن يمسك بالدجاجاتو يجري خلفها ، وهي تفر خائفة مفزعة وفجأة .. ظهر ذلك الكلب الذي كان سمير قد أحسن اليه في يوم من الأيام .. و هجم على الذئب وقامت بينهما معركة حامية .. وهرب الذئب ، وظل الكلب الوفي يلاحقه حتى طرده من القريةوأخذ سمير يتذكر ما فعله مع الكلب الصغيروهاهو اليوم يعود ليرد الجميل لهذا الذي صنع معه الجميل ذات يوم ، وعرف سمير أن من كان قد صنع خيرا فإن ذلك لن يضيع .. ونزل سمير الى مزرعته ، وشكر الكلب على صنيعه بأن قدم له قطعة لحم كبيرة ..جائزة له على ما صنعه ثم نظر الى الدجاجات ، فوجدها فرحانة تلعب مع بعضها وكأنها في حفلة عيد جميلة.

قصة صانع المعروف
معروف فلاح يعيش في مزرعته الصغيرة على شاطئ أحدى البحيرات ، تعود على عمله الذي أخذه عن والده ، وهو حرث الأرض وزراعتها وريها..اعتبر هذا العمل خدمة لوطنه الغالي الذي أعطاه الكثير ول يبخل عليه بأي شئ ..وكان معروف يتسلى بمظهر البحيرة التي تعيش فيها مجموعة طيور الأوز والبط ، وكانت أشكالها الجميلة وسباحتها في البحيرة مما تعود أن يراه يوميا وهذه هي تسليته الوحيدة...إنه لا يعرف الكسل ، فهو منذ الفجر يستيقظ نشيطا متفائلا..ولما كان عمله بدنيا فقد ازدادت صحته قوة وصلابة ، وأصبح يضاعف العمل في مزرعته ، فعرف أن زيادة الانتاج دائما تأتي بالعزيمة والايمان.وذات يوم وهو في مزرعته أثناء قيامه بشق الأرض ، إذا بصوت خافت يأتي من خلفه ، فاستدار فإذا هو ثعبان ضخم، فتخوف الفلاح وأراد الفرار ، ولكن الثعبان قال له: قف أيها الفلاح وأسمع حديثي لعلك تشفق عليّ ، وإن لم تقتنع فلا عليك ، أتركني ومصيري
فصعد الفلاح على ربوة وبسرعة حتى جعل البحيرة بينه وبين الثعبان من بعيد ، فقال الثعبان :إنني لم أضر أحدا في هذه القرية وقد عشت فترة طويلة فيها ، وانظر ستجد أبنائي خلف الشجرة ينتظرون قدومي بفارغ الصبر وانظر الى الراعي يريد أن يقضي عليّ بفأسه فخبئني حتى يذهب وسوف لا تندم على عملك ، فنزل معروف وخبأه في مكان لا يراه ذلك الراعي الذي ظل يبحث عنه هنا وهناك وغاب الراعي عن الأنظار وكأنه لم يجد فائدة من البحث عن الثعبان حيث اختفى، ولما أحس الثعبان بالأمان أخذ يلتف على معروف الذي أمنه على نفسه ، وجد معروف نفسه في ورطة كبيرة ، فالثعبان السام يلتف حول عنقه ، وحتى الصراخ لو فكر فيه لن يفيده
فالمكان لا يوجد فيه أحد وخاصة أن خيوط الليل بدأت تظهر في السماء ، وأهالي القرية البعيدون عن كوخه ومزرعته تعودوا أن يناموا مبكرين ، ومن يغيثه من هذا الثعبان الذي يضغط على رقبته ويقضي عليه؟ وهل في الامكان لشخص ما أن يقترب؟المنظر رهيب ، وهل يصدق أحد أن أنسانا ما يسمع كلام الثعبان مثل معروف ويأمنه ويقربه اليه ؟ وهنا قال معروف للثعبان: أمهلني حتى أصلي - وفعلا توضأ وصلى ركعتين وطلب من الله سبحانه وتعالى أن يخلصه من هذا الثعبان المخيف الرهيب بضخامته وسمومه القاتلة وبينما هو كذلك إذا بشجرة قد نبتت وارتفعت أغصانها وصارت لها فروع ، فتدلى غصن تحب أكله الثعابين وتبحث عنه ، فاقترب الغصن الى فم الثعبان ، فأخذ الثعبان يلتهم الغصن وماهي الا دقائق حتى إنهار الثعبان وسقط وكانت الشجرة عبارة عن سم ، فقتل ذلك الثعبان الذي لم يوف بعهده مع من حماه ، وفجأة اختفت الشجرة المسمومة وعلم معروف أن الله قريب من الانسان ، وانه لابد أن يعمل المعروف مع كل الناس ، ومع من يطلب منه ذلك


قصة الطفل المثالي
كان بندر محبوبا في مدرسته عند الجميع من أساتذة وزملاء ، فإذا استمعت الى الحوار بين الأساتذة عن الأذكياء كان بندر ممن ينال قسطا كبيرا من الثناء والمدح
سئل بندر عن سر تفوقه فأجاب :أعيش في منزل يسوده الهدوء والاطمئنان بعيدا عن المشاكل فكل يحترم الاخر ،وطالما هو كذلك فهو يحترم نفسه وأجد دائما والدي يجعل لي وقتا ليسألني ويناقشني عن حياتي الدراسية ويطلع على واجباتي فيجد ما يسره فهو لايبخل بوقته من أجل أبنائه فتعودنا أن نصحو مبكرين بعد ليلة ننام فيها مبكرين وأهم شئ في برنامجنا الصباحي أن ننظف أسناننا حتى إذا أقتربنا من أي شخص لا نزعجه ببقايا تكون في الاسنان ، ثم الوضوء للصلاة. بعد أن نغسل وجوهنا بالماء والصابون ونتناول أنا وأخوتي وجبة إفطار تساعدنا على يوم دراسي ثم نعود لتنظيف أسناننا مرة أخرى ونذهب الى مدارسنا
وإن كان الجميع مقصرين في تحسين خطوطهم فإني أحمد الله على خطي الذي تشهد عليه كل واجباتي..ولا أبخل على نفسي بالراحة ولكن في حدود الوقت المعقول ، فأفعل كل ما يحلو لي من التسلية البريئة
أحضر الى مدرستي وأنا رافع الرأس واضعا أمامي أماني المستقبل منصتا لمدرسي مستوعبا لكل كلمة، وأناقش وأسأل وأكون بذلك راضيا عن نفسي كل الرضا
وإذا حان الوقت المناسب للمذاكرة فيجدني خلف المنضدة المعدة للمذاكرة ، أرتب مذاكرتي من مادة الى أخرى حتى أجد نفسي وقد استوعبت كل المواد ، كم أكون مسرورا بما فعلته في يوم ملئ بالعمل والأمل

قصة تامر والثعبان
كان الفتى تامر ينظر الى بعض الأولاد ، وأحدهم يمسك بقطة من رقبتها ليخنقها ، المسكينة تصيح وتستغيث. وكان الطفل يحكم قبضته حول رقبة القطة ، ويزيد من ضغطه عليها وأحيانا يحملها من ذيلها ويجعلها تتأرجح بين يديه ، والقطة تستنجد ، وكان هذا الطفل يقهقه بأعلى صوته مسرورا بما يفعله .وكان تامر هادئا لا يريد أن يفعل شيئا مضرا بزملائه.فكان اسلوب تعامله معهم أدبيا ، لأنه يرى أن المشاجرة لا تجدى نفعا ، وتقدم تامر الى الطفل..وطلب منه أن يكف عن أذى الحيوان ، وأفهمه أن لهذه القطة فوائد في المنزل ، وفي أي مكان وجدت فيه..فهي عدوة للفئران والحشرات الضارة ، فهي تقضي عليهم ولا تجعل لهم أثرا ، وأن من الواجب أن يترك الانسان الحيوانات وشأنها.لأنها أليفة ، وبالتالي لاتضر..ثم قال له:ماذا تستفيد من تعذيبها بهذا الشكل؟ وهي عاجزة عن المقاومة، وبحاجة الى رعاية ،
وكانت القطة المسكينة تنظر الى تامر لعله يخلصها من اليد القابضة عليها ، وهنا رق الطفل وشكر تامرا على نصيحته الجيدة ، وأعترف بأن هذا فعلا حيوان لا يضر ، وقال لتامر: إنه لا يدري أن عمله هذا ردئ ، حيث أنه لم يسمع من أحد في البيت أو من أصدقائه ما سمعه من تامر ، وعاد تامر الى منزله ،وذات يوم ، قبل أن يأوي الى النوم..تذكر أنه يريد أن يشرب من الثلاجة الموجودة بالمطبخ ، فاتجه اليها ، وبعد أن شرب رأى نورا خافتا من جهة الباب الخارجي للمنزل ، فتذكر أن والده سيتأخر وأن عليه أن يغلق الباب ، وتقدم تامر ليغلق الباب وفجأة !!لاحظ شيئا ما أمام عينه يا الله..إنه ثعبان..وكان طويلا..فصرخ تامر فزعا.واخذ تامر يستغيث
ويحاول أن يجد له مخرجا من هذا المأزق ، ولكن الطريق أمامه مسدودة ، فهو لايدري ماذا يفعل..واضطربت أنفاسه، وكاد يغمى عليه..وبينما هو في فزعه!!نظر حوله فإذا بالقط يمسك بذلك الثعبان بين أنيابه ، وقد قضى عليه ، وقد عرف تامر أن هذا هو القط الذي أنقذه ذات يوم من ذلك الطفل ، وقد أمتلأ جسمه ، وأصبح في صحة جيدة ، ونظر القط الى تامر..وكأنه يقول له:وانني أرد لك الجميل ياتامر :وعاد تامر بعد أن أغلق الباب الى غرفته يفكر..كيف أن فعل الخير يدخر لصاحبه..حتى يوّفى له..فتعلم درسا طيبا..وقرر أن تكون حياته سلسلة من الاعمال الخيرية.

قصة تامر والغزال
كان الفتى الصغير فوق حصانه يطارد غزاله في ذلك الخلاء البعيد . وكانت غزالة جميلة تركض بسرعة حتى لا يكاد يلحق بها الحصان الذي كان يركض خلفها بسرعة . وكان الطريق طويلا ، وكان الفتى لا يعلم أين هو ، فقد ابتعد كثيرا عن الأصدقاء ، والماء أصبح قليلا ، وكذلك الطعام ، والشمس في السماء لمّا تغب. وسرعان ما تغير لون السماء فأرعدت ، وأبرقت ، ونزل المطر ينهمر بشدة ، فضاعت معالم الطريق أمام تامر الذي قال : أين أنا ياترى ؟ وماذا سيكون مصيري في هذه الليلة ؟ وقد كنت أود العودة ، ولكنني أريد أن ألحق بهذه الغزالة مهما كان الأمر فكأنني وقعت في الفخ وعليّ أن أكون بطلا ، ويجب ألاّ أبكي وقد تعلمت ألا أخاف إلا الله ، وصعد الى الجبل ، ووجد صخرة ..فدخل تحتها وبجانبه حصانه ، واحتميا بالصخرة من ذلك المطر المنهمر، وبينما هو في ذلك المأزق الحرج
سمع صوت الذئاب وهي تعوي ، وتقترب منه لتفترسه وتأكلهوكان عليه أن يفكر كيف يترك المكان؟ ويتخلص من الذئاب المتوحشة ويهرب ، ولكنه أسرع وأشعل عود الثقاب في حزمة من الحطب والأغصان الجافة ، وأوقد نارا عالية والذئاب تخاف النار فهربت جميعا ، وابتعدت عن الحصانوفجأة قفز تامر الى صخرة بعيدة وظل مختفيا خلفها ، وماهي الا لحظات حتى رأى من بعيد كلبه الأمين يجري ومعه الحصان واشتد خوف الذئاب فاختفت .وتقدم الكلب الوفي لصديقه الذي ظل يبحث عنه وصعد تامر على ظهر حصانه مرة أخرى وظهر الغزال مرة أخرى فطارده تامر ، وفجأة تعثر الغزال واستطاع تامر أن يمسك به ..بعد رحلة محفوفة بالخطر

بلال نعيم
19-11-2010, 06:21 AM
حكايات قرآنية معاصرة
تأليف: عبد التواب يوسف
ذلك هو الفوز العظيم

كانت “هادية” أصغر الأبناء في الأسرة، وكان أشقاؤها يدابعونها في قسوة، ويتعاملون معها بعنف. وضاقت بذلك

ونقلت إلى أمها شكواها عن أشقائها، واكتفت الأم بأن

*عاتبتهم في رفق، فلم يكفوا عن عبثهم. وحدثت هادية أباها في الامر، فنهر إخوتها ولامهم على سوء تصرفهم، ومع ذلك لم يرتدعوا
ولم ترغب الصغيرة في مواصلة الشكوى، خاصة وهمم يرددون على مسامعها كلمات جارحة مثل أنت طفلة
وكانت في البداية تحس بغضب شديد، فتدمع عيناها، ويزيدهم ذلك رغبة في مزيد من العبث، والعناد

*لذلك دربت نفسها على أن تبتعد عنهم

*فما إن تحس أنهم على وشك ممارسة هوايتهم في إغاظتها حتى تسارع إلى غرفتها، لتغلق على

*نفسها الباب، ولا تغادر المكان

*إلا بعد انصرافهم، أو عودة الأم أو الأب من الخارج

تكرر عبث الإخوة مع شقيقتهم، مما جعلها تذهب كثيراً إلى غرفتها وتغلق على نفسها الباب

*في ضيق وحزن. وطال وقت مكوثها وحيدة

*لا تفتح لهم إذا هم طرقوا الباب، بل كانت في أحيان عدة لا ترد عليهم عندما ينادونها، ويحاولون

*أن يعتذروا إليها، ويعدون بألا يضايقوها. كانت تعرف

جيداً أنهم سيسكتون عنها قليلاً، ثم يعودون لعاداتهم السخيفة، وساعتها تضطر للرجوع إلى غرفتها حيث تبقى

*فيها وحيدة حزينة، لا أحد يدري ما تفعله
وكان الإخوة محبين للاستطلاع، يحاولون أن يعرفوا ما تفعله هادية، وهي وحدها جالسة، لكنهم أخفقوا، فما قالت لهم

*ولا استطاعوا هم من جانبهم

*أن يروا ما تصنعه. إذ كان يسود الغرفة - بعد ما تغلقها - سكون عميق، وإن تصاعدت في البداية همهما لا يتبينونها، تصوروا

أنه صوت بكائها، أو شكواها منهم

*واستمر لشهور طويلة، تصور فيها الإخوة أنها تقاطعهم، أو تحاول أن تبتعد عنهم، ولا تريد أن تشاركهم في لعبهم

*ولا ترغب في أن تتبادل معهم الحديث

بدأ الإخوة يشكون “هادية” إلى الأم، التي أبدت دهشتها، فقد انقلب الأمر، وحاولت هي من جانبها

*أن تعرف منها سر بقائها الطويل في غرفتها

*وعزلتها، وغمغمت بكلمات يفهم منها أنها أراجت أشقاءها واستراحت، ويكفي أنها ما عادت

*تزعجهم بالشكوى.. وسكتوا عن ملاحقتها

*وتناست الأم الأمر، إلى أن جاءتها هادية يوماً تقول:

*أمي، سوف أدخل مسابقة حفظ القرآن الكريم
سألتها أمها: ماذا؟! هل تحفظين بعض سوره
قالت هادية في ثقة: بل، كل سوره وآياته
تطلعت الأم إليها في دهشة شديدة، فما كانت تعرف عنها إلا أنها

*طالبة ممتازة، متفوقة في دراستها العادية

*وتحفظ القليل مما تيسر من آي الذكر الحكيم
قالت هادية
*لقد كنت يا أمي أكاد أنفجر غيظاً وحنقاً من أشقائي وعبثهم وعندما كنت أغلق

*على نفس الباب كنت أبكي طويلاً
وذات مرة امتدت يدي إلى كتاب الله أتلو منه. فهدأت نفسي ورأيتني أقبل عليه وأحفظ آياته

*حتى استطعت أن أحفظه كله عن ظهر قلب

وتقدمت هادية إلى المسابقة
وفازت بها..
كان ذلك هو (الفوز العظيم)
لقد استطاعت الصغيرة أن تحول لحظات الضيق إلى أجمل ساعات العمر

*ونجحت في أن تنفض عن نفسها الحزن

*لتعيش مع آيات الله أفضل الأوقات وأحلاها

بلال نعيم
29-11-2010, 07:10 AM
إنما المؤمنون إخوة




كان سامي من أكثر الأولاد المشاغبين في المدرسة, فقد كان يظلم الأطفال الصغار ويأخذ طعامهم ويضربهم حتى أصبحت المدرسة كلها تكره

سامي وتتقي شره, بالإضافة إلى أنه تلميذ غير نشيط يأتي متأخراً إلى المدرسة ودائماً يتعرض إلى عقاب المعلمة لأنه كسول ومشاغب, وعلى

العكس كان أحمد تلميذاً مجتهداً يحفظ دروسه وينهض نشيطاً إلى مدرسته, وقد نال تقدير المعلمة ورفاقه.


في يوم من الأيام كرمت المعلمة أحمد لأنه نال أعلى الدرجات وأعطته وساماً كي يضعه على صدره لأنه تلميذ نشيط, ففرح أحمد وشكر المعلمة

*ولكن سامي لم يسر لما فعلته المعلمة مع أحمد وأعجبه الوسام وقرر أن يأخذه عنوة من أحمد, وعندما كان أحمد عائداً من المدرسة, إذا بسامي

*يعترض طريقه ويطلب منه أن يعطيه الوسام الذي على صدره, ولكن أحمد قال له :هذا الوسام أعطته المعلمة لي لأني أنجزت واجباتي, ولكن

سامي هاجمه وضربه وأخذ الوسام, فحزن أحمد أشد الحزن




ومرت أيام متتالية لم يأت فيها سامي إلى المدرسة, وفرح معظم الأولاد لعدم قدومه وتمنوا لو يغيب عن المدرسة إلى الأبد, لكن

*أحمد قلق عليه لتغيبه الطويل وقال لرفاقه: يجب أن نزور سامي في بيته حتى نطمئن عليه لعله مريض فأجابه رفاقه: سامي لا يستحق منا أن

*نزوره, ونحن على ثقة أنه يهرب من المدرسة ليقضي الوقت في التسكع هنا وهناك, فقال لهم أحمد: ولكني سأذهب, فقال له عامر: سأذهب معك يا أحمد

وفعلاً توجه أحمد وعامر إلى بيت سامي, وعندما طرقا الباب فتحت لهما أم سامي وهي تبتسم وعندما سألاها عن سبب تغيب سامي عن المدرسة

*أجابتهما بحزن أن سامي مريض ولا يستطيع النهوض من السرير من شدة الإعياء, فطلبا منها أن يزوراه, فرحبت بهما وأدخلتهما إلى غرفة سامي




كان سامي متعب ويبدو عليه المرض وعندما رأى أحمد وعامر بدأ يبكي ويقول لهما أرجو أن تسامحاني على ما فعلت بكما فقال له أحمد: الحمد

لله على سلامتك, لا تقلق إني أسامحك لأننا مسلمون والمسلم يسامح أخاه المسلم حيث يقول

*الله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) وتعانق الأصدقاء, وعندما أراد سامي

أن يعيد الوسام إلى أحمد, رفض أحمد وقال له: بل أنت ستضعه لأنه وسام الصداقة التي تجمعنا

بلال نعيم
29-11-2010, 07:12 AM
*
*
جدتي
*
جدتي كيف أعرف أن الله تعالى تقبل منا صيامنا وقيامنا
*
هل هناك علامات نستدل بها على قبول الله لنا
حبيبي أحمد
تقبل الله منك صيامك وقيامك، وجزاك الله كل خير
*
حبيبي إذا كنت في شهر رمضان تقرأ القرآن في كل يوم، وبعد رمضان
*
*تقرأ القرآن ولو صفحة في اليوم، هذا دليل قبول الله صيامك وقيامك
*
إذا كنت تثابر على صلاة القيام والتهجد في رمضان
*
*
*

*
*والآن بعد رمضان، تحاول الاستيقاظ لصلاة التهجد
*
إذا حافظت على نظافة لسانك من الغيبة والنميمة والفاحش من القول
*
إذا حافظت على صلواتك في وقتها
*
إذا عطفت على الأيتام والمساكين، وقدمت لهم ما تجود به يدك
*
إذا حافظت على حسن الخلُق، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام
*
إذا ودّعت شهر رمضان وأنت حزين لفراقه
*
إذا كنت تنتظر شهر رمضان القادم على أحرّ من الجمر
*
إذا استشعرت وكأن كل الأيام رمضان
*
هذا دليل قبول الله صيامك وقيامك
*
فانظر هل أنت ممن تقبل الله صيامهم وقيامهم

بلال نعيم
29-11-2010, 07:15 AM
الجـــــره


في قديم الزمان عاش تاجر أمين كان يتقي الله ويخاف من عذابه

وفي رحلة من رحلات تجارته فكر في أن يستقر في بلدته ويستريح من كثرة السفر وعناء

*الترحال، بعد أن كبر في السن وضعفت صحته، وانتشر الشيب

في رأسه ولحيته. أراد التاجر أن يشتري داراً واسعة تليق به

*وبمكانته، فذهب إلى رجل أراد أن يويبيع داره، فاشتراها منه

*ومرت الأيام والتاجر يعيش في داره الجديدة، وإذا به ينظر إلى

*أحد الحوائط ويقول في نفسه: لو هدم هذا الحائط كانت هناك مساحة

أكبر وبالفعل أمسك بالفأس، وأخذ يهدم الحائط، وفجأة

*رأى شيئاً عجيباً؛ جَرَّة مملوءة بالذهب.



صاح التاجر: يا إلهي كل

هذه الكنز مدفون داخل الحائط

*لابد أن أعيده إلى صاحبه، فهو أولى به

*وليس لي حق فيه

*والمال الحرام يضر ولا ينفع.




وحمل التاجر الأمين جرة الذهب

*إلى الرجل الذي اشترى منه الدار

*ووضعها بين يديه قائلاً: خذ هذه

*وجدتها في الدار أثناء هدم

*أحد الحوائط. فقال الرجل: هذه ليست ملكي

*بل ملكك أنت، فقد بعتك الدار وما فيها

واختلف الرجلان وكل منهما يرفض

أخذ جرة الذهب، وتحاكما إلى قاضي المدينة



فقال القاضي: لم أر رجلين أمينين مثلكما

كل واحد منكما يرفض مثل هذا الكنز

وسأل القاضي: ألديكما أبناء؟

فأجاب التاجر الأمين: نعم لديّ بنت

*وقال الرجل: وأنا لديّ ولد.

فقال القاضي: يتزوج الولد من البنت

*ويصرف الذهب عليهما. فاستصوب

*الرجلان حكم القاضي

*واستحسنا رأيه، ووافقا على الزواج

بلال نعيم
29-11-2010, 07:16 AM
*
ذهب بنو إسرائيل لنبيهم يوما.. سألوه: ألسنا مظلومين
قال: بلى
قالوا: ألسنا مشردين
قال: بلى
قالوا: ابعث لنا ملكا يجمعنا تحت رايته كي نقاتل في سبيل الله ونستعيد أرضنا ومجدنا

قال نبيهم وكان أعلم بهم: هل أنتم واثقون من القتال لو كتب عليكم القتال
قالوا: ولماذا لا نقاتل في سبيل الله، وقد طردنا من ديارنا، وتشرد أبناؤنا، وساء حالنا


قال نبيهم: إن الله اختار لكم طالوت ملكا عليكم


قالوا: كيف يكون ملكا علينا وهو ليس من أبناء الأسرة التي يخرج منها الملوك -أبناء يهوذا- كما أنه ليس غنيا وفينا من هو أغنى منه


قال نبيهم: إن الله اختاره، وفضله عليكم بعلمه وقوة جسمه


قالوا: ما هي آية ملكه


قال لهم نبيهم: يسرجع لكم التابوت تجمله الملائكة

ووقعت هذه المعجزة.. وعادت إليهم التوراة يوما.. ثم تجهز جيش طالوت، وسار الجيش طويلا حتى أحس الجنود بالعطش.. قال الملك طالوت

لجنوده: سنصادف نهرا في الطريق، فمن شرب منه فليخرج من الجيش، ومن لم يذقه وإنما بل ريقه فقط فليبق معي في الجيش


وجاء النهر فشرب معظم الجنود، وخرجوا من الجيش، وكان طالوت قد أعد هذا الامتحان ليعرف من يطيعه من الجنود ومن يعصاه، وليعرف أيهم

*قوي الإرادة ويتحمل العطش، وأيهم ضعيف الإرادة ويستسلم بسرعة. لم يبق إلا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، لكن جميعهم من الشجعان

كان عدد أفراد جيش طالوت قليلا، وكان جيش العدو كبيرا وقويا.. فشعر بعض -هؤلاء الصفوة- أنهم أضعف من جالوت وجيشه وقالوا: كيف نهزم هذا الجيش الجبار

قال المؤمنون من جيش طالوت: النصر ليس بالعدة والعتاد، إنما النصر من عند الله.. (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ)فثبّتوهم

وبرز جالوت في دروعه الحديدية وسلاحه، وهو يطلب أحدا يبارزه.. وخاف منه جنود طالوت جميعا.. وهنا برز من جيش طالوت راعي غنم صغير هو داود

*كان داود مؤمنا بالله، وكان يعلم أن الإيمان بالله هو القوة الحقيقية في هذا الكون، وأن العبرة ليست بكثرة السلاح، ولا ضخامة الجسم ومظهر الباطل

وكان الملك، قد قال: من يقتل جالوت يصير قائدا على الجيش ويتزوج ابنتي.. ولم يكن داود يهتم كثيرا لهذا الإغراء.. كان يريد أن يقتل جالوت لأن جالوت

رجل جبار وظالم ولا يؤمن بالله.. وسمح الملك لداود أن يبارز جالوت

وتقدم داود بعصاه وخمسة أحجار ومقلاعه* الرعاة تقدم جالوت المدجج بالسلاح والدروع.. وسخر جالوت من داود وأهانه وضحك منه

*ووضع داود حجرا قويا في مقلاعه وطوح به في الهواء وأطلق الحجر. فأصاب جالوت فقتله. وبدأت المعركة وانتصر جيش طالوت على جيش جالوت

بعد فترة أصبح داود -عليه السلم- ملكا لبني إسرائيل، فجمع الله على يديه النبوة والملك مرة أخرى. وتأتي بعض الروايات لتخبرنا بأن طالوت

بعد أن اشتهر نجم داوود أكلت الغيرة قلبه، وحاول قتله، وتستمر الروايات في نسج مثل هذه الأمور. لكننا لا نود الخوض فيها فليس لدينا دليل قوي عليها

*

بلال نعيم
29-11-2010, 07:18 AM
*
*

*

هابيل وقابيل

البشر كُلُّهم في كلِّ مكانٍ وزمانٍ من أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ ، هما "آدم" و"حواء".

ولم يكن "آدم"ـ عليه السلام ـ هو أوَّل مخلوق خلقه الله تعالى

*فقد خلق الله -تعالى- قبله السماوات

*والأرض وخلق الملائكة والجن ، وقد خلق *الله - تعالى- الملائكة من نور

*وخلق الجن من النار، أمَّا "آدم" فقد خلقه الله من طين، ثم سواه بيده

*ونفخ فيه من روحه؛ فصار بشرًا حيًّا

وأمر الله -تعالى- الملائكة بالسجود لآدم؛ تكريمًا له

*وإظهارًا لما اختصه الله به من الفضل, فسجدت له الملائكة

جميعًا إلا "إبليس" الذي امتلأ قلبه بالغيرة والحسد لآدم على تلك المكانة والمنزلة الرفيعة التي

*لم ينلها أحدٌ غيره، فأخذه الغرور والكبر، ورفض السجود لآدم، وراح يجادل ربه

وقال في كبرٍ وغرورٍ متحديًا أمر الله تعالى : أسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا " *(الإسراء* 61)

وراح يعلل رفضه السجود مفتخرًا متعاليًا :

" أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " *(الأعراف 12 )

كان "إبليس" أول من عصى الله، وتمرَّد عليه ، وتملكه الكبر والغرور، ونسي أن ما يتباهى

*به هو نعمة من الله عليه، وأنه هو نفسه من صنع الله وأحد مخلوقاته العديدة

*التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى؛ فكان جزاؤه أن طرده الله من الجنة

لكن "إبليس" لم يعتبر بما حدث له ، وإنما استمرَّ على عناده وتكبره

*وامتلأ قلبه بالحقد على "آدم" والحسد له

*فأراد أن يغوي "آدم" ويضله، ويدفعه إلى المعصية فيتعرَّض لغضب الله تعالى.

طلب"إبليس"من الله-تعالى- أن يمهله , فأمهله الله - تعالى- إلى يوم القيامة.

وأسكن الله - تعالى- "آدم" ـ عليه السلام ـ في الجنة، بعد أن خلق له زوجته "حواء" من أحد أضلاعه

*لتؤنسه في حياته فلا يعيش وحيدًا في تلك الجنَّة العظيمة، وأباح الله لهما كل ثمار الجنة

يأكلان منها كيف*شاءا، لكن الله حذرهما من الاقتراب من شجرة معينة حدَّدَها لهما

*وحرم عليهما أن يتناولا شيئًا من ثمارها، حتَّى لا يتعرضا لغضب الله وعقابه

و وجد "إبليس" *أن الفرصة قد أصبحت سانحة له لتحقيق هدفه، فسعى إلى غواية "آدم"* -عليه السلام

*وزوجته "حواء"، فراح يتقرَّب إليهما، ويتصنع النصح والإخلاص لهما، وأخذ يوسوس إليهما في مكرٍ

*ويحاول إغرائهما في دهاءٍ، ثم أقسم لهما أنه ناصح أمين

*وقال

*مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * *
الأعراف 20*

اسـتطاع "إبليس" بمكـره ودهـائه أن يغري "آدم" و "حـواء" بالأكل من تلك الشجرة المحرمة

*حتى ضعفت إرادتهما أمام إغرائه وإلحاحه ووسوسته، فاستجابا له في النهاية؛ فأكل "آدم" وزوجته

*من الشجرة التي نهاهما الله عنها، فكانت تلك المعصية سببا في خروجهما من الجنة و نزولهما إلى الأرض

لم يكـن "إبليس" ليدع "آدم" لينعم بالأمن والسـلام على الأرض، فقد كانت تلك هي البداية .

أراد "إبليس" أن يدفع البشر جميعًا من أبناء "آدم" وذريَّته إلى المعصية، وأن يشعل بينهم العداوة والبغضاء

*فراح يوسوس لأبناء "آدم" حتى استطاع أن يوقع الفتنة بينهم

*وتمكن من إشعال نار العداوة والشقاق بين ابني "آدم" : "قابيل" وهابيل

كانت "حواء" تضع في كل ولادة لها توأمين، ذكًرا وأنثى

*فولدت أوّلا "قابيل" وأخته "إقليما"، ثمَّ ولدت "هابيل" وأخته "لبودا

فلما كبروا أمر الله "آدم" أن يزوِّج كلَّ واحدٍ من الأخوين توأمة الآخر

*لكن"قابيل" رفض، وصمم على الزواج من توأمته "إقليما

فأخبره "آدم" أنها لاتحلُّ له، لكنه رفض، وأصرَّ على تشبثه وعناده، وعندئذ طلب "آدم" من*الأخوين

أن يقدِّم كل واحد منهما قربانًا لله، فمن يتقبَّل الله قربانه فهو أحقُّ بالزَّواج بها .

أسرع "هابيل" يختار أفضل ما لديه من الغنم، فقدّم كبشًا سمينًا هو من أفضل ما لديه.

أمَّا "قابيل" فقد أخذ حزمة من أردأ زرعه، وقدمها قربانًا

وضع كُلٌّ من الأخوين قربانه فوق قمة أحد الجبال، ثمَّ نزلا من على الجبل

*ووقفا من بعيدٍ يراقبان ما سوف يحدث .

وفجأة حدث شيء عجيب .. لقد أقبلت نار من السماء تخترق

*الفضاء بسرعة متَّجهة نحو قمَّة ذلك الجبل

*وفي لحظات انقضَّت النار على قربان"هابيل" فالتهمته وكانت

*هذه علامة قبول قربانه ، بينما لم تمسَّ النار قربان أخيه

نظر"قابيل" نحو أخيه "هابيل" ، وقال له

لماذا يتقبل الله منك قربانك ولا يتقبَّل منِّي

قال "هابيل"* مواسيًا وملاطفًا في مودَّةٍ وحُبٍّ

*إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " .* *(المائدة 27)

وهنا ثار"قابيل" ثورة عارمة، وقال بغضبٍ وانفعال

*سوف أقتلك .. فقال"هابيل" بلطفٍ ولينٍ*

*لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ

*إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* المائدة 28

ولكن هذه الكلمات الرقيقة المفعمة بالإيمان لم تنفذ إلى قلب "قابيل" القاسي

*الذي أوصد أذنيه أمام توسلات أخيه ، وجمد قلبه من كل مشاعر الحب والرحمة

تمادى "قابيل" في غضبه وثورته، واندفع نحو أخيه فقتله

وقف "قابيل" مذهولاً أمام جثَّة أخيه "هابيل"، وهو لا يصدِّق ما حدث، كان منظر أخيه المدرج

في دمائه بشعًا قاسيًا، لم يدر كيف جاءته كلُّ تلك القسوة، حتى فعل بأخيه ما فعل

وراح ينظر في صمتٍ وذهولٍ، وقد أظلمت الدنيا في وجهه

سؤال واحدٌ كان يدور في ذهنه، ويلح عليه بشدة، لكنه لايجد له إجابة

*كيف يخفي جثَّة أخيه

وبينما هو غارق في مخاوفه وأفكاره، رأى أمامه شيئًا عجيبًا، فقد أرسل الله إليه غرابا

راح ينبش في الأرض حتى صنع حفرة فدفن فيها غرابا ميتاً، وقابيل ينظر إليه بدهشة وتعجُّبٍ

وفجأة أمسك "قابيل" رأسه بين يديه، وراح ينتحب بصوتٍ عالٍ :

" يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي " .* (المائدة 31)

وراح "قابيل" يقلَّد ما فعله ذلك الغراب الذي ساقه الله إليه ليعلِّمه كيف يدفن جثة أخيه

*ويكشف له عن مدى ضعفه وعجزه حتى أمام مثل هذا الطائر الصغير.

وكانت تلك الجريمة البشعة أول جريمة في تاريخ البشرية.

عندما علم "آدم" ـ عليه السلام ـ بما فعله ابنه "قابيل" بأخيه "هابيل" حزن كثيرًا، فقد كان "هابيل

*مثالاً للابن المؤمن بربه البار بوالديه، أما "قابيل" فقد شعر بالندم بعدما قتل أخاه. وقد عوَّض الله تعالى"آدم

عليه السلام- عن فقد ابنه فأنجب بعد ذلك غلامًا اسمه "شيث"، وكان قد بلغ من العمر نحو مائة وثلاثين سنة

*ثمَّ وُلِدَ لآدم بعد ذلك الكثير من الأبناء والبنين، وعاش "آدم" ـ عليه السلام ـ بعد ذلك نحو ثمانمائة عام

*وحينما حضرته الوفاة عهد إلى ابنه "شيث" بالحفاظ على دين الله، وأوصاه بإقامة شرعه، وعبادة الله

*

بلال نعيم
29-11-2010, 07:18 AM
قصة أصحاب الفيل

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
كان ملك الحبشة قد استولى على أرض اليمن, وولى عليها حاكماً من الأحباش يقال له أبرهة الأشرم فأقام أبرهة الأشرم

يحكم اليمن ويخضعها لسلطانه بقوة جيشه
وكان كثير من أهل اليمن إذا اقترب موسم الحج يخرجون إلى مكة ليحجوا إلى الكعبة المشرفة, ويؤدوا المناسك حسب التقاليد

*التي تعارف عليها الناس في الجاهلية
ورأى أبرهة خروج قوافل الحجاج فسأل عن ذلك, فقيل له: إن للعرب بيتاً يعظمونه ويحجون إليه كل عام, وهو في مكة.
خطرت في ذهن أبرهة فكرة فعزم على تنفيذها, فقد أراد أن يبني كنيسة عظيمةً في صنعاء, ويبالغ في بنائها وزخرفتها, ليصرف

*الناس عن الحج إلى الكعبة
استشار أبرهة بعض المقربين إليه فوافقوه على فكرته, وعلى الفور شرع باستقدام المهندسين والبنائين, وبدأ البناء, حتى كان بناء

سامقاً قوياً مزخرفاً جميلاً

*وأطلق عليه أبرهة اسم القُليس وقد كلفه هذا البناء مالاً كثيراً
وكتب أبرهة إلى ملك الحبشة يخبره بما فعل
ثم إن أبرهة أمر جنده وأعوانه أن يدعوا العرب إلى الحج إلى القليس بدلاً من عناء السفر إلى الكعبة. لكن العرب حينما سمعوا ذلك استهزءوا بأبرهة وبالقليس

فكيف يتركون بيت أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام, ليحجوا إلى كنيسة أبرهة؟
وبلغ الأمر أن أحد هؤلاء العرب تسلل إلى القليس خفية فأحدث فيه, ولطخه بالنجاسة, فلما بلغ الخبر أبرهة غضب غضباً شديداً, وأقسم أن يهدم الكعبة.
أصدر أبرهة أوامره إلى الجيش ليتجهز ويستعد للمسير إلى مكة, وأمر قادته أن يجهزوا الفيلة بالإضافة إلى الخيل والجمال, فالفيل حيوان ضخم قوي,

يمكن أن يركبه عدد كبير من الجند, ويقاتلوا من فوقه بكفاءة وقوة
وحين تم الاستعداد, تقدم أبرهة وأمر الجند أن يتبعوه, وفي المسير الطويل باتجاه مكة المكرمة, كان جيش أبرهة كلما مر على قبيلة من قبائل العرب أغار عليها

*فنهب أموالها وأغنامها وإبلها لتكون زاداً لهم في طريقهم. وكانت بعض القبائل قد سمعت بمسير أبرهة وجيشه فأخذت حذرها, وفرت من

*أماكنها, وبعض هذه القبائل عرضوا على أبرهة وجيشه المساعدة والإمداد, رغبة منهم في اتقاء شره

واصل أبرهة المسير بجيشه حتى بلغ منطقة قريبة من مكة, فأقام فيها, وأرسل فرقة من جيشه فأغارت على الإبل والأغنام التي كانت ترعى

*بين الشعاب والجبال** ورجعت بها غنيمة باردة إلى معسكر الجيش
*

علم أهل مكة بالأمر, وتشاوروا فيما بينهم, ماذا يفعلون؟ لكنهم كانوا عاجزين عن مقاومة جيش الأحباش, فهم لا يملكون جيشاً منظما

*وليسوا مدربين التدريب الكافي

*كما أن عددهم قليل بالقياس إلى جيش الأحباش, وزاد من خوفهم ما سمعوه عن الفيلة التي تحمل الجنود


كان العرب يراهنون على شيء واحد هو أن هذه الكعبة بناء مقدس, وله حرمته العظيمة, وأن العناية

*الإلهية ستتدخل في الوقت المناسب.
أرسل أبرهة إلى زعيم مكة عبد المطلب بن هاشم يدعوه للقائه, فجاء عبد المطلب, وكان رجلاً مهيباً

*وقوراً, فلما رآه أبرهة أكرمه ونزل عن عرشه حتى استقبله

*وجلس معه, وبدأ يسأله قائلاً: ما حاجتك
قال عبد المطلب: إن جندك أخذوا لي مائتي بعير, وأريد أن تردوها عليّ
قال أبرهة: قد كنت عظمتك حين دخلتَ, ولكنني الآن زهدت فيك
قال عبد المطلب: ولمَ أيها الملك
قال: لقد أتيتُ لأهدم هذا البيت الذي هو دينك ودين آبائك وأجدادك, وها أنت لا تكلمني فيه, وتكلمني في مائتي بعير
قال عبد المطلب: أما الإبل فأنا ربُها ي صاحبها وللبيت ربٌّ يحميه
أمر أبرهة برد الإبل على عبد المطلب, فلما استرد إبله رجع إلى مكة, وأمر أهلها أن يتفرقوا في الشعاب والجبال

*ليأمنوا على أنفسهم مما

قد يفعله جيش الأحباش, ثم وقف عبد المطلب على باب الكعبة وأمسك بحلقته وأخذ يدعو قائلاً
لاهُمّ إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ومحالُهم غدواً محالك
إن كنتَ تاركهم وقبلتنا فأمرٌ ما بدالك

وفي الصباح تهيأ أبرهة وجنده ليغيروا على مكة ويهدموا الكعبة, وبينما هم كذلك إذ برك الفيل الأكبر على الأرض, وكانت بقية الفيلة لا تمشي إلا وراءه, فحاول الجند

أن ينهضوه ويوجهوه نحو مكة, لكنه أبى, فلما وجهوه نحو اليمن قام يهرول, ثم وجهوه ثانية نحو مكة فبرك على الأرض. وانشغل الجند بهذا الفيل, وفي أثناء ذلك أرسل

*الله سبحانه عليهم طيراً أبابيل, تأتي مسرعة فتمر من فوقهم, ومعها حجارة صغيرة تلقيها عليهم, فكلما أصابت واحداً منهم هلك وسقط على الأرض ميتاً, فلما

*رأى الجند ذلك ولّوا هاربين لا يلوون على شيء, وظلت الطير تلاحقهم حتى قُتل كثير منهم, وأصيب أبرهة فالتف حوله بعض الجنود, وحملوه على دابة, والألم يشتد

عليه, فلما وصل إلى صنعاء مات.
وهكذا رجع جيش الأحباش خاسئاً ذليلاً مشرداً, بعد أن خسر قائده وأكثر جنده, ورجع أهل مكة إلى كعبتهم يطوفون حولها بإجلالٍ وتعظيم

*مستشعرين هذه النعمة العظيمة

*حيث رذ الله عنهم كيد هذا العدو الذي أراد هدم كعبتهم
واتخذ العرب من ذلك العام تاريخاً يؤرخون به, لأن حادثة الفيل من أعظم وأعجب الحوادث التي رآها العرب في حياتهم


وفي ذلك العظيم حدث ما هو أعظم وأعجب, لقد حدث شيء عظيم غيّر الدنيا بأسرها, ذلك الحادث العجيب هو مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
*

بلال نعيم
29-11-2010, 07:28 AM
السيدة خديجة رضي الله عنها

كانت خديجة بنت خويلد امرأة من أحسن نساء قريش, لبيبة عاقلة حازمة, وكان لها مال تتاجر به, فترسل الرجال بمالها إلى اليمن والشام

*وتعطيهم أجرهم مقابل عملهم لها, وبهذه الطريقة كثر مالها, وعاشت عيشة كريمة, وكانت قد تزوجت من رجل يقال له: أبو هالة, فلما مات

أبو هالة خطبها كثير من وجهاء مكة, ورغبوا في الزواج منها, لكنها رفضت ذلك
وكانت خديجة تسمع أن محمداً شاب صادق أمين, يمتاز بين الرجال بأخلاقه الكريمة وهمته العالية, فأرادت أن تستوثق من ذلك, فاتفقت معه

*أن يسير بتجارتها إلى الشام, وتعطيه أكثر مما كانت تعطي الآخرين
واستعد محمد للسفر والتجارة بمال خديجة, فلما حان موعد انطلاق القافلة سار ومعه ميسرة غلام خديجة, وكانت خديجة

* قد طلبت من ميسرة أن يرقب محمداً وأحواله, ليخبرها عنه بعد الرجوع من السفر.
مضت القافلة حتى وصلت الشام, وأخذ التجار يعرضون ما معهم من البضائع, ولما رجعوا إلى مكة كانت أموال خديجة قد ربحت أكثر مما كانت تربح

في كل مرة, وأخذ ميسرة يحدث خديجة عما رأى من محمد.
حدثها عن صدقه وأمانته, وأنه لا يغش ولا يخادع, بينما كان التجار الآخرون يكذبون ويغشون ويخادعون ليبيعوا ويربحوا, وحدثها أن محمداً كان كلما سار

*أو مشى في الشمس ظللته غمامة تسير معه فلا تفارقه, وتقيه حر الشمس. وكان مثالاً في العفة والشهامة والخلق الكريم
سُرَّت خديجة بما بلغها عن محمد, ورغبت أن تكون زوجة له, فأخبرت إحدى صديقاتها برغبتها, وقامت تلك الصديقة بعرض الزواج على محمد, لكنه اعتذر

*بسبب ضيق ذات اليد, فقالت له: فإذا دُعيت إلى المال والجمال والشرف
قال: من
قالت: خديجة
قال: وكيف لي بذلك
قالت: أنا أكلمها لك
ثم رجعت إلى خديجة فأخبرتها بما جرى, وبعد ذلك أخبر محمد أعمامه, وجاءوا فخطبوها له من عمها عمرو بن خويلد, وتَمَّ الزواج.
كانت خديجة أول امرأة تزوجها محمد صلى الله عليه وسلم, وكان زواجه منها قبل بعثته بخمسة عشر عاماً, وعندما أكرمه الله تعالى بالنبوة كانت خديجة

أول من آمن به, وعاشت معه إلى السنة العاشرة من البعثة, فكانت تواسيه وتخفف عنه ما يلقاه من أذى المشركين واستهزائهم, وبذلت مالها في سبيل

الله, وفي مرضاة رسول الله r, ولما توفيت حزن رسول الله عليها حزناً شديداً, وكان يفضلها على سائر نسائه, ويقول
آمنت بي إذ كفر بي الناس, وصدقتني إذ كذبني الناس, وواستني بمالها إذ حرمني الناس, ورُزقت منها الولد
وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءه وبناته كلهم إلا إبراهيمَ, ولدت له: القاسم وعبد الله (الطيب الطاهر), وفاطمة

*وزينب ورقية وأم كلثوم
ومن وفائه لها صلى الله عليه وسلم
لم يتزوج امرأة غيرها حتى ماتت.
*كان يذكرها بخير ويثني عليها, ويترحم عليها.
*كان يصل أرحامها, ويكرم صديقاتها اللاتي كن يزرنها
وقد نزل عليه جبريل يوماً وأمره أن يبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لؤلؤ مجوف لا صخب فيه ولا نصب
رحم الله السيدة الطاهرة المطهرة خديجة أم المؤمنين, ورضي عنها وأرضاها. آمين

*

بلال نعيم
29-11-2010, 07:29 AM
الله يراني

*
كان هناك فتى ذكي وسريع البديهة اسمه(أحمد)وكان يعيش
*في قرية،وفي يوم جاء شيخ من غربي المدينة ليسأل عنه،فسأل أحد
الرجال عنه:
*
الشيخ:هل يعيش في هذه القرية فتى أسمه أحمد؟
الرجل:نعم,يا سيدي
الشيخ:وأين هو الآن؟
*
الرجل:لابد أنه في الكتاب وسوف يمر من هنا.
الشيخ:ومتى سوف يرجع؟
الرجل:لا أعرف،ولكن لماذا تسأل عنه؟ولماذا جلبت معك هؤلاء الفتيان؟
الشيخ:سوف ترى قريبا.

*
كان الشيخ قد أحضر معه ثلاث فتيان من غربي المدينة و4تفاحات
الشيخ يريد أن يختبر ذكاء أحمد.ومرت دقائق ومر أحمد من أمام الشيخ.

*
الشيخ:يا أحمد يا أحمد.
أحمد:نعم يا سيدي.
الشيخ:هل أنتهيت من الدرس؟
أحمد:نعم،ولكن لماذا تسأل يا سيدي؟
الشيخ:خذ هذه التفاحة وأذهب وأبحث عن مكان لا يراك فيه أحد وقم بأكل التفاحة.

*
قام الشيخ بتوزيع باقي التفاح على الفتيان.
وبعد عدة دقائق رجع الفتيان ولم يكن أحمد بينهم.

*
الشيخ:هل أكلتم التفاح؟
قال الثلاثة معا:نعم،يا سيدي
الشيخ:حسنا،أأخبروني أين أكلتم التفاح؟
الأول:أنا أكلتها في الصحراء.
الثاني:أنا أكلتها في سطح بيتنا.
الثالث:أنا أكلتها في غرفتي.

*
ومرت دقائق وسأل الشيخ نفسه:أين هو أحمد يا ترى؟أما زال يبحث عن مكان؟

ال
فجأه رجع أحمد وفي يده التفاحة؟
الشيخ:لماذا لم تأكل التفاحة؟
أحمد:لم أجد مكانا لا يراني فيه أحد؟
الشيخ:ولماذا؟
أحمد:لآن الله يراني أينما أذهب.
ربت الشيخ على كتف أحمد وهو معجب بذكاؤه.

بلال نعيم
29-11-2010, 07:30 AM
*
يحكى انه في القرن الأول الهجري كان هناك شابا تقياً يطلب العلم ومتفرغ له ولكنه كان فقيرا وفي يوم من الأيام خرج من بيته من شدة الجوع ولأنه لم يجد ما يأكله فانتهى به الطريق

*الى احد البساتين والتي كانت مملوءة بأشجار التفاح


وكان احد أغصان شجرة منها متدليا في الطريق ... فحدثته نفسه ان يأكل هذه التفاحة ويسد بها رمقه ولا احد يراه ولن ينقص هذا البستان بسبب تفاحة واحد


فقطف تفاحة واحدة وجلس يأكلها حتى ذهب جوعه ولما رجع الى بيته بدأت نفسه تلومه وهذا هو حال المؤمن دائما جلس يفكر ويقول كيف أكلت هذه التفاحة وهي مال لمسلم

*ولم استأذن منه ولم أستسمحه في أكلها

فذهب يبحث عن صاحب البستان حتى وجده فقال له الشاب يا عم بالأمس بلغ بي الجوع مبلغا عظيماً وأكلت تفاحة من بستانك من دون علمك وها أنا اليوم أستأذنك فيها فقال له صاحب البستان

*والله لا أسامحك بل أنا خصيمك يوم القيامة عند الله

بدأ الشاب المؤمن يبكي ويتوسل إليه أن يسامحه وقال له انا مستعد أن اعمل أي شي بشرط ان تسامحني وتحللني وبدا يتوسل الى صاحب البستان وصاحب البستان لا يزداد إلا إصرارا وذهب وتركه

*والشاب يلحقه ويتوسل اليه حتى دخل بيته وبقي الشاب عند البيت ينتظر خروجه الى صلاة العصر... فلما خرج صاحب البستان وجد الشاب لا زال واقفا ودموعه التي تحدرت على لحيته فزادت وجهه نورا غير

*نور الطاعة والعلم فقال الشاب لصاحب البستان يا عم إنني مستعد للعمل فلاحا في هذا البستان من دون اجر باقي عمري او اي امر تريد ولكن بشرط أن تسامحني

عندها.أطرق صاحب البستان يفكر ثم قال : يا بني إنني مستعد أن أسامحك الآن لكن بشرط


فرح الشاب وتهلل وجهه بالفرح وقال : اشترط ما بدا لك يا عم

فقال صاحب البستان : شرطي هو أن تتزوج ابنتي


صدم الشاب من هذا الجواب وذهل ولم يستوعب بعد هذا الشرط ثم أكمل صاحب البستان قوله : ولكن يا بني اعلم أن ابنتي عمياء وصماء وبكماء وأيضا مقعدة لا تمشي ومنذ زمن وأنا ابحث لها عن زوج

*استأمنه عليها ويقبل بها بجميع مواصفاتها التي ذكرتها فإن وافقت عليها سامحتك

صدم الشاب مرة أخرى بهذه المصيبة الثانية وبدأ يفكر كيف يعيش مع هذه العلة خصوصا أنه لازال في مقتبل العمر؟ وكيف تقوم بشأنه وترعى بيته وتهتم به وهي بهذه العاهات ؟

بدأ يحسبها ويقول سأصبر عليها في الدنيا ولكن أنجو من ورطة التفاحة


ثم توجه إلى صاحب البستان وقال له : يا عم لقد قبلت ابنتك وأسال الله أن يجازيني على نيتي وان يعوضني خيرا مما أصابني فقال صاحب البستان

* حسنا يا بني موعدك الخميس القادم عندي في البيت لوليمة زواجك وأنا أتكفل لك بمهرها

فلما كان يوم الخميس جاء هذا الشاب متثاقل الخطى... حزين الفؤاد... منكسر الخاطر... ليس كأي زوج ذاهب إلى يوم عرسه فلما طرق الباب فتح له أبوها وادخله البيت وبعد أن تجاذبا أطراف الحديث قال له يا بني

*تفضل بالدخول على زوجتك وبارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما على خير وأخذه بيده وذهب به إلى الغرفة التي تجلس فيها ابنته فلما فتح الباب ورآها

فإذا فتاة بيضاء أجمل من القمر قد انسدل شعر كالحرير على كتفيها فقامت ومشت إليه فإذا هي ممشوقة القوام و سلمت عليه وقالت السلام عليك يا زوجي


أما صاحبنا فهو قد وقف في مكانه يتأملها وكأنه أمام حورية من حوريات الجنة نزلت إلى الأرض وهو لا يصدق ما يرى ولا يعلم ما الذي حدث ولماذا قال أبوها ذلك الكلام ... ففهمت ما يدور في باله فذهبت إليه وصافحته

*وقبلت يده وقالت إنني عمياء من النظر إلى الحرام وبكماء من الكلام إلى الحرام وصماء من الاستماع إلى الحرام ومقعدة لا تخطو رجلاي خطوة إلى الحرام ....

وإنني وحيدة أبي ومنذ عدة سنوات وأبي يبحث لي عن زوج صالح فلما أتيته تستأذنه في تفاحة وتبكي من اجلها قال أبي ان من يخاف من أكل تفاحة لا تحل له حريّ به أن يخاف الله في ابنتي فهنيئا لي بك زوجا وهنيئا لأبنتي بنسبك

وبعد عام أنجبت هذا الفتاة من هذا الشاب غلاما كان من القلائل الذين مروا على هذه الأمة أتدرون من ذلك الغلام


إنه الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الفقهي المشهور

بلال نعيم
29-11-2010, 07:31 AM
*

*

فتح الاندلس

في عام 86 هـ وفي زمن الوليد بن عبد الملك الأموي تولى موسى بن نصير المغرب

*فأخضع البربر ، ونشر الأمن في هذه الربوع ، واستطاع أن يفتح طنجة

فترك بها حامية يقودها مولاه طارق بن زياد

وعهد إليه بالعمل على نشر الإسلام في المنطقة ، وعسكر طارق بمن معه من

*المسلمين على سواحل بحر الزقاق ، وبدأت أنظارهم تتجه نحو أسبانيا

وعاد موسى إلى القيروان ، وعلم طارق أن ميناء سبتة على مقربة منه فبدأ يتحرك نحوه

*وكان حاكم سبتة يليان قد تحرر من سلطان الدولة البيزنطية ، وأصبح كالحاكم المستقل في سبتة وماحولها

*واحتك يليان بالمسلمين وأحس بقوتهم وضغطهم عليه ، فعمل على كسب ود طارق بن زياد

*وكان طارق يتطلع لفتح أسبانيا ، فراسل يليان ولاطفه وتهاديا حتى يستفيد منه

وأما الأندلس ( أسبانيا ) فقد حكمها القوط منذ عام 507 م ، غير أن أمرهم بدأ يضعف

*وقسمت أسبانيا إلى دوقيات ، يحكم كل منها دوق ، يرجـع في سلطنته إلى الملك في طليطلة

*وقسم المجتمع إلى طبقات : أعلاها طبقة الأشراف أصحاب الأموال

*والمناصب وحكام الولايات والمدن والإقطاعيون

ثم طبقة رجال الدين الذين ملكوا الضياع وعاملوا عبيدهم بالعسف ، ثم طبقة المستخدمين

*وهم حاشية الملك وموظفو الدولة ، ثم الطبقة الوسـطى وهم الزراع والتجار والحرفيين وقد أثقلوا بالضرائب

*وأخيراً الطبقة الدنيا وهم الفلاحين والمحاربين والعاملين في المنازل ، وبلغ البؤس بأهل أسبانيا أن

حل بهم الوباء في السنوات : 88 ، 89 ، 90 هـ حتى مات أكثر من نصـف سكانها .

وفي عام 709 م تولى العرش وتيكا الذي يسميه العرب غيطشة ، ولكنه عزل في نهاية السنة نفسها ثم قتل

واستلم الحكم بعده أخيلا ، وفي العام التالي710 م وصل ردريك - ويسميه العرب لذريق إلى الحكم بعد عزل أخيل

*وغرق لذريق في الشهوات حتى نفرت منه القلوب ، وانقسمت البلاد في عهده

*فظهـر حزب قوي بزعامة أخيلا الذي حاول استرداد عرشه وحزب آخر ناصر الملك

ولما كان يليان حليفاً لغيطشة فقد حـاول مد يد العون إلى حليفه ، ولكن أنصار لذريق ردوه عن

الأندلس إلى العدوة الإفريقية ، فتحصن في سبتة ، وأخذ يرقب الأحداث

وتذكر الروايات أن يليان هو الذي دعا موسى لغزو الأندلس

*وذلك أن يليان كان قد أرسل ابنته إلى قصر لذريق لتتأدب

* وتنشأ فيه أسوة بغيرها من بنات القوط في ذلك الزمان ، وأن لذريق بصر بالفتاة وطمع فيها ونال منها

*فكتبت إلى أبيها بخبرها ، فدفعه ذلك إلى التفكير في الانتقام من لذريق

*فاتصل بطارق وزين له فتح الأندلس

*وجعل نفسه وأتباعه أدلاء للمسلمين بعد أن اطمـأن إليهم ، وزار يليان موسى بن نصـير

*في القيروان لإقناعـه بسهولة الفتح ، وطبيعي أن يشك موسى في صحة المعلومات

*فطلب من يليان أن يقوم بغارة سريعة ، ففعل وعاد محملاً بالغنائم

وليس هذا هو السبب الحقيقي للفتح ، ولكنه عجل به وساعد عليه ، وإلا فأعين طارق بن زياد على

*الأندلس منذ أن وصل طنجة ، ثم إن المسلمين فتحوا فرنسا وسويسرا

وصقلية وجزر المتوسط كلها دون مساعدة يليان

كما أن المسلمين منذ أيام عثمان بن عـفان رضي الله عنه يفكرون بفتح القسطنطينية من جهة أوروبا

*بعد فتح الأندلس ، وقال عثمان حينها : إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر

*وأنتم إذا فتحتـم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر آخر الزمان

وكتب موسى يستأذن الخليفة بدمشق ، فجاء رد الخليفة الوليد :* أن خضها بالسرايا حتى تختبرها

*ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال، فكتب إليه موسى : إنه ليس ببحر

وإنما هو خليج يكاد الناظر أن يرى ماخلفه

*فكتب إليه الخليفة : ( وإن كان ، فاختبره بالسرايا ) ، فأرسل موسى مولاه طريف ، وكان في مائة

فارس وأربعين راجلاً ، في مهمة استطلاعية ، وجاز البحر في أربعة مراكب أعانهم بها يليان

وذلك في شهر رمضان ، ونزل المسلمون في جزيرة صغيرة على مقربة من الموضع الذي قامت

فيه بلدة حملت اسم طريف ، وخفّت قوة من أنصار يليان وأبناء غيطشة لعونهم وقامت بحراسة

المعبر حتى تم نزولهم ، ومن ذلك الموضع قام طريف وأصحابه بسلسلة من الغارات السريعة

*على الساحل غنموا فيها كثيراً ، وشجع هذا موسى على عبور الأندلس

واختار موسى للفتح طارق بن زياد ، وركب طارق السفن في سبعة آلاف من المسلمين

*جلّهم من البربر ، وبينما هو في عرض المضيق على رأس سفينته إذ أخذته سنة من النوم

فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرون والأنصار ، قد تقلدوا السيوف ، وتنكبوا القسيّ

*فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا طارق تقدم لشأنك )

ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدّامه ، فيهب طارق مستبشراً .

وألقت السفن مرساها قبالة الجزيرة الخضراء عند جبل سمي فيما بعد جبل طارق

*وكان لذريق مشغولاً بثورة أخيلا في الشمال ، ولما علم بنزول المسلمين في أرض

*أسبانيا جمع جيشاً جراراً بلغ سبعين ألفاً ، وفي رواية : مائة ألف

وجاءت امرأة عجوز من أهل الجزيرة الخضراء إلى طارق

*وقالت له : إنه كان لها زوج عالم بالحدثان [ أخبار الزمان ]

*فكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم هذا فيتغلب عليه

*ويصف من نعته أنه ضخم الهامة ، فأنت كذلك

*ومنها أن في كتفه الأيسر شامة عليها شعر فإن كانت فيك فأنت هو

*فكشف ثوبه فإذا بالشامة في كتفه على ما ذكرت ، فاستبشر ومن معه

وسار طارق باتجاه قرطبة حتى وصل لوادي بكة حرّف فيما بعد إلى وادي لكة

وهنا عرف طارق بأن لذريق وصل لقرطبة

*ثم تقدم واستعد للموقعة في سهل البرباط ، وأرسل طارق يطلب المدد من موسى بن نصير

*فعجل موسى بإرسال خمسة آلاف من خيرة الجنود يقودهم طريف ، وفيهم عدد عظيم من العرب

*فأدركوا طارقاً قبيل المعركة ، فأصبح عددهم اثني عشر ألفاً ، وقام طارق في أصحابه خطيباً

فشجعهم على الجهاد ، واستعد لذريق للقاء ، وقد ولى ولدي غيطشة على ميمنته وميسرته

وقبيل الالتحام أجمع أولاد غيطشة على الغدر بلذريق

*وأرسلوا إلى طارق يعلمونه أن لذريق كان تابعاً وخادماً لأبيهم

فغلبهم على سلطانه بعد مهلكه ، ويسألونه الأمان ، على أن يميلوا إليه عند اللقاء فيمن يتبعهم

*وأن يسلم إليهم إذا ظفر ضياع والدهم بالأندلس كلها ، فأجابهم طارق إلى ذلك وعاقدهم عليه

*وأرسل لذريق رجلاً من أصحابه ليعاين له جيش المسلمين

*فلما عاد قال له : خذ على نفسك ، فقد جاءك منهم من لا يريد إلا الموت ، أو إصابة ماتحت قدميك

وقدم طارق نفراً من السودان بين يدي جيشه ليتلقوا بما عرف عنهم من الصبر والثبات صدمة الجيش الأولى

*وبدأ القتال يوم الأحد الثامن والعشرين من رمضان سنة 92هـ ، فأظهر فرسان القوط مقدرة عظيمة أول المعركة

وثبتوا لضغط المسلمين ، وأخذ يليان ورجاله يخذلون الناس عن لذريق ويصرفونهم عنه

قائلين لهم : إن العرب جاؤوا للقضاء على لذريق فقط

*وإنهم إن خذلوا لذريق اليوم صفت لكم الأندلس بعد ذلك

وأثر هذا الكلام في جنود القوط فقد كان كثير منهم يكرهون لذريق ، فخرج فرسانه من المعركة

*وتركوه لمصيره ، فاضطرب نظام جيشه وفر الكثير منهم ، وخارت قوى لذريق ولم تغنه شجاعته شيئاً

*ويئس من النصر لما رأى جنده يفرون أو ينضمون للمسلمين

*وهجم طارق على لذريق فضربه بسيفه فقتله ، وقيل : إنه جرحه ورمى بنفسه

في وادي لكة فغرق ، وحمل النهر جثته إلى المحيط .

وبعد مصرعه احتل المسلمون المعسكر وغنموه ، واتجه طارق لفتح المدن الرئيسية في الأندلس

ففتح شذونة ومدوّرة وقرمونة وإشبيلية واستجة ، وكانت فيها قوة تجمعت من فلول عسكر لذريق فقاتلوا

قتالاً شديداً حتى أظهر الله المسلمين عليهم ، ولم يلق المسلمون فيما بعد ذلك حرباً مثلها ، وأقاموا على

*الامتناع أولاً إلى أن ظفر طارق بأمير المدينة على النهر وحده ، فوثب عليه طارق في الماء فأخذه وجاء

*به إلى المعسكر ، ثم صالحه طارق وخلى سبيله ، واستمر طارق في زحفه

وانتهى إلى عاصمة الأندلس طليطلة وتمكن من فتحها

وجاءته الرسائل من موسى تأمره بالتوقف ، وعبر موسى إلى الأندلس بناء على استغاثة وجهها إليه طارق

*وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ، بجيش عدده ثمانية عشر ألفاً ، ففتح بعض المدن كشذونة

وقرمونة وإشبيلية وماردة ، وهي مدن لم يفتحها طارق ، ثم التقى بطارق ووبخه على أنهم توغلوا أكثر

*مما ينبغي ، وأن خطوط مواصلاتهم في الأندلس الواسعة في خطر

*فقد بقيت مناطق واسعة في شرق الأندلس وغربها لم تفتح

وأخيراً لقد قررت معركة وادي لكة مصير الأندلس لمدة ثمانية قرون

*وظل الأثر العربي الإسلامي في أسبانيا ليوم الناس هذا

بلال نعيم
29-11-2010, 07:34 AM
*

*

يأجوج ومأجوج

هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه ثم الدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من طريق الأعمش

*عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يوم القيامة

*يا آدم قم فابعث بعث النار من ذريتك فيقول يا رب وما بعث النار فيقول من كل

*ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة فحينئذ يشيب الصغير

*وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله

*شديد قالوا يا رسول الله أينا ذلك الواحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

ابشروا فإن منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألفا وفي رواية فقال ابشروا فإن فيكم أمتين

*ما كانتا في شيء إلا كثرتاه أي غلبتاه كثرة وهذا يدل على كثرتهم وانهم أضعاف الناس

مرارا عديدة ثم هم من ذرية نوح لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على

أهل الأرض بقوله رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وقال تعالى فأنجيناه وأصحاب السفينة

*وقال جعلنا ذريته هم الباقين وتقدم في الحديث المروي في المسند والسنن أن نوحا ولد له ثلاثة

*وهم سام وحام ويافث فسام أبو العرب وحام أبو السودان ويافث أبو الترك فيأجوج ومأجوج طائفة

*من الترك وهم مغل المغول وهم أشد بأسا وأكثر فسادا من هؤلاء ونسبتهم إليهم كنسبة هؤلاء

إلى غيرهم وقد قيل إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السد والجأ يأجوج ومأجوج إلى

*ما وراءه فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركوا من ورائه فلهذا قيل لهم الترك

ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بتراب فخلقوا من ذلك

*وانهم ليسوا من حواء فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في شرح مسلم وغيره

*وضعفوه وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس

*اليوم من ذرية نوح بنص القرآن وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال

*متباينة جدا فمنهم من هو كالنخلة السحوق ومنهم من هو غاية في القصر ومنهم

*من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب

*بغير برهان والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم وقد قال

*النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل

*الخلق ينقص حتى الآن وهذا فيصل في هذا الباب وغيره وما قيل من أن أحدهم

*لا يموت حتى يرى من ذريته ألفا فإن صح في خبر قلنا به والا فلا نرده إذ يحتمله

العقل والنقل أيضا قد يرشد اليه والله أعلم بل قد ورد حديث مصرح بذلك ان صح قال

*الطبراني حدثنا عبدالله بن محمد بن العباس الأصبهاني حدثنا أبو مسعود أحمد بن

*الفرات حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا المغيرة عن مسلم عن أبي اسحاق عن وهب

*بن جابر عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان يأجوج ومأجوج

*من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معائشهم ولن يموت منهم رجل إلا ترك

من ذريته الفا فصاعدا وان من وارئهم ثلاث أمم تاويل وتاريس ومنسك وهو حديث غريب

*جدا وإسناده ضعيف وفيه نكارة شديدة وأما الحديث الذي ذكره ابن جرير في تاريخه أن

*رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب اليهم ليلة الإسراء فدعاهم إلى الله فامتنعوا

*من اجابته ومتابعته وأنه دعا تلك الأمم التي هناك تاريس وتاويل ومنسك فأجابوه فهو

*حديث موضوع اختلقه أبو نعيم عمرو بن الصبح أحد الكذابين

*الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث والله أعلم


فإن قيل فكيف دل الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة وأنهم

في النار ولم يبعث اليهم رسل وقد قال الله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث

رسولا فالجواب أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم والأعذار اليهم كما قال تعالى

*وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فإن كانوا في زمن الذي قبل بعث محمد صلى الله

*عليه وسلم قد أتتهم رسل منهم فقد قامت على أولئك الحجة وان لم يكن قد بعث

*الله اليهم رسلا فهم في حكم أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة وقد دل الحديث المروي

من طرق عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان من كان كذلك

يمتحن في عرصات القيامة فمن أجاب الداعي دخل الجنة ومن أبى دخل النار وقد أوردنا

الحديث بطرق وألفاظه وكلام الأئمة عليه عند قوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقد

*حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري اجماعا عن أهل السنة والجماعة وامتحانهم لا يقتضي

*نجاتهم ولا ينافي الأخبار عنهم بأنهم من أهل النار لأن الله يطلع رسوله صلى الله عليه

وسلم على ما يشاء من أمر الغيب وقد اطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء وأن سجاياهم

*تأبى قبول الحق والانقياد له فهم لا يجيبون الداعي إلى يوم القيامة فيعلم من هذا أنهم

كانوا أشد تكذيبا للحق في الدنيا لو بلغهم فيها لأن في عرصات القيامة ينقاد خلق ممن كان

*مكذبا في الدنيا فايقاع الإيمان هناك لما يشاهد من الأهوال أولى وأحرى منه في

الدنيا والله أعلم كما قال تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا ابصرنا

*وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون وقال تعالى أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا وأما الحديث

*الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم ليلة الإسراء فلم يجيبوا

*فإنه حديث منكر بل موضوع وضعه عمرو بن الصبح


وأما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس وساوى به الجبال الصم الشامخات

*الطوال فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم قال البخاري

*وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد قال وكيف رأيته قال مثل البرد المحبر فقال

رأيته هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم وأره مسندا من وجه متصل أرتضيه غير أن ابن جرير

رواه في تفسيره مرسلا فقال حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلا قال

*يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال انعته لي قال كالبرد

*المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال قد رأيته

وقد ذكر أن الخليفة الواثق بعث رسلا من جهته وكتب لهم كتبا إلى الملوك يوصلونهم

*من بلاد الى بلاد حتى ينهوا إلى السد فيكشفوا عن خبره وينظروا كيف بناه ذو القرنين

*على أي صفة فلما رجعوا أخبروا عن صفته وأن فيه بابا عظيما وعليه أقفال وأنه بناء محكم

*شاهق منيف جدا وأن بقية اللبن الحديد والآلات في برج هناك وذكروا أنه لا يزال هناك حرس

*لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد ومحلته في شرقي الأرض في جهة الشمال في زاوية الأرض

*الشرقية الشمالية ويقال أن بلادهم متسعة جدا وانهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة

*وزراعة واصطياد من البر ومن البحر وهم أمم وخلق لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم فإن قيل

*فما الجمع بين قوله تعالى فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا وبين الحديث الذي

*رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها قالت استيقظ

رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوم محمرا وجهه وهو يقول لا إله إلا الله ويل للعرب

*من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق تسعين قلت يا

رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث وأخرجاه في الصحيحين من حديث

*وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد تسعين فالجواب أما على قول من ذهب

*إلى أن هذا اشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن وان هذا استعارة محضة وضرب مثل فلا

اشكال واما على قول من جعل ذلك اخبارا عن أمر محسوس كما هو الظاهر المتبادر

فلا اشكال أيضا لأن قوله فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا أي في ذلك

الزمان لأن هذه صيغة خبر ماض فلا ينفي وقوعه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك

*قدرا وتسليطهم عليه بالتدريج قليلا قليلا حتى يتم الأجل وينقضي الأمر المقدور

فيخرجون كما قال الله تعالى وهم من كل حدب ينسلون ولكن الحديث الآخر اشكل

*من هذا وهو ما رواه الإمام أحمد في مسنده قائلا حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة

*عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان

*يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي

*عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون اليه كاشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد

*الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم

*ارجعوا فستحفرون غدا إن شاء الله ويستثني فيعودون اليه وهو كهيئة يوم تركوه

*فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه وتتحصن الناس في حصونهم

فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض

*وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في اقفائهم فيقتلهم بها قال رسول الله

*صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن

*وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم ورواه أحمد أيضا عن حسن بن موسى عن

سفيان عن قتادة به وهكذا رواه ابن ماجه من حديث سعيد عن قتادة الا أنه قال

حديث أبو رافع ورواه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة به ثم قال غريب لا نعرفه

*إلا من هذا الوجه فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حتى يكادوا ينذرون

*شعاع الشمس من ورائه لرقته فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظا وانما هو

*مأخوذ عن كعب الأحبار كما قاله بعضهم فقد استرحنا من المؤنة وان كان محفوظا

فيكون محمولا على أن ضيعهم هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم كما

هو المروي عن كعب الأحبار أو يكون المراد بقوله وما استطاعوا له نقبا أي نافذا منه

*فلا ينفي أن يلحسوه ولا ينفذوه والله أعلم وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين

*ما في الصحيحين عن أبي هريرة فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل

*هذه وعقد تسعين أي فتح فتحا نافذا فيه والله أعلم

بلال نعيم
29-11-2010, 07:34 AM
أصحاب السبت

أبطال هذه الحادثة، جماعة من اليهود، كانوا يسكنون في قرية ساحلية. اختلف المفسّرون في اسمها، ودار حولها جدل كثير. أما القرآن الكريم، فلا يذكر الاسم ويكتفي بعرض القصة لأخذ العبرة منها.

وكان اليهود لا يعملون يوم السبت، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله. فقد فرض الله عليهم عدم الانشغال بأمور الدنيا يوم السبت بعد أن طلبوا منه سبحانه أن يخصص لهم يوما للراحة والعبادة، لا عمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادة المختلفة.

وجرت سنّة الله في خلقه. وحان موعد الاختبار والابتلاء. اختبار لمدى صبرهم واتباعهم لشرع الله. وابتلاء يخرجون بعده أقوى عزما، وأشد إرادة. تتربى نفوسهم فيه على ترك الجشع والطمع، والصمود أمام المغريات.

لقد ابتلاهم الله عز وجل، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السبت للساحل، وتتراءى لأهل القرية، بحيث يسهل صيدها. ثم تبتعد بقية أيام الأسبوع. فانهارت عزائم فرقة من القوم، واحتالوا الحيل –على شيمة اليهود- وبدوا بالصيد يوم السبت. لم يصطادوا السمك مباشرة، وإنما أقاموا الحواجز والحفر، فإذا قدمت الحيتان حاوطوها يوم السبت، ثم اصطادوها يوم الأحد. كان هذا الاحتيال بمثابة صيد، وهو محرّم عليهم.

فانقسم أهل القرية لثلاث فرق. فرقة عاصية، تصطاد بالحيلة. وفرقة لا تعصي الله، وتقف موقفا إيجابيا مما يحدث، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المكر، وتحذّر المخالفين من غضب الله. وفرقة ثالثة، سلبية، لا تعصي الله لكنها لا تنهى عن المكر.

وكانت الفرقة الثالثة، تتجادل مع الفرقة الناهية عن المنكر وتقول لهم: ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوفقوا عن احتيالهم، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم. فلا جدة من تحذيرهم بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته.

وبصرامة المؤمن الذي يعرف واجباته، كان الناهون عن المكر يجيبون: إننا نقوم بواجبنا في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، لنرضي الله سبحانه، ولا تكون علينا حجة يوم القيامة. وربما تفيد هذه الكلمات، فيعودون إلى رشدهم، ويتركون عصيانهم.

بعدما استكبر العصاة المحتالوا، ولم تجد كلمات المؤمنين نفعا معهم، جاء أمر الله، وحل بالعصاة العذاب. لقد عذّب الله العصاة وأنجى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. أما الفرقة الثالثة، التي لم تعص الله لكنها لم تنه عن المكر، فقد سكت النصّ القرآني عنها. يقول سيّد قطب رحمه الله: "ربما تهوينا لشأنها -وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب- إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي, ووقفت عند حدود الإنكار السلبي. فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب" (في ظلال القرآن).

لقد كان العذاب شديدا. لقد مسخهم الله، وحوّلهم لقردة عقابا لهم لإمعانهم في المعصية.

بلال نعيم
29-11-2010, 07:41 AM
الإسلام

الإسلام يعني الاستسلام لله- تعالى- والخضوع له والانقياد لأوامره، وإخلاص العبادة لله وحده، واتباع شريعته .
وقد أرسل الله "محمدًا" - صلى الله عليه وسلم - بدين الإسلام ، وكانت رسالته خاتمة لجميع الرسالات، وهى رسالة موجهة لكل البشر، فى كل زمان ومكان، وقد تكفل الله بحفظها وحمايتها من التحريف والتبديل والتشويه، وعماد هذه الرسالة الخاتمة القرآن الكريم والسنة النبوية، قال تعالى :
"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه"ِ (الصف : 9)
وقال أيضًا : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (سبأ 28)

وقد اشتمل الإسلام على ما يصلح حياة الناس وما يضمن عيشهم في حب وسلام ومودة ورحمة وعدل وإنصاف وتعاون وتكافل، وكان هذا هدفًا من أهداف الإسلام العظيمة وقد عبر عن هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .

• الحاجة إلى الإسلام :

كان العالم في الوقت الذي ظهر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما يكون إلى الإسلام، فالعالم آنذاك تتقاسمه قوتان رئيستان هما "فارس" و"الروم"، وبينهما حروب طاحنة عانت الشعوب الخاضعة لهما من ويلاتها، كما عانت أشد المعاناة من الظلم والاستبداد .

وفى الوقت نفسه كان يسود العالم مفاهيم ومعتقدات دينية خاطئة، انحرفت عن وحي السماء، وعمت الأديان الخرافة والأباطيل .
ولم تكن الحياة الاجتماعية في هذه الفترة بأفضل حال من غيرها ، فقد ساد الاستبداد والظلم والقهر والطغيان وسفك الدماء وإهدار كرامة الإنسان ، وانحراف الأخلاق .
وفى وسط هذا الجو المظلم جاءت رسالة الإسلام لتصحح مسيرة البشرية، وتردها إلى الصلاح، وتربطها بوحي السماء المعصوم، وتجعلها تستهدى بنور الله تعالى، وتأخذ بيدها إلى الخير والسعادة .


• الإسلام دين الحرية :

وكان أول شيء قام به الإسلام هو تحرير الإنسان من العبودية لغير الله تعالى وتخليصه من الظلم الواقع عليه، فهو ينادى بأن الناس جميعًا أمة واحدة من أب واحد وأم واحدة، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا فضل لأبيض على أسود إلا بمقدار التزامه بشرع الله .

ولذلك دخل في الإسلام الضعفاء والمساكين والعبيد ووجدوا فيه خلاصهم، فرفعهم الإسلام، وساوى بينهم وبين غيرهم من السادة والرؤساء، وفتح لهم مجال النبوغ والتفوق كل حسب قدراته، فكان منهم بلال الحبشي مؤذن الرسول، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي .

*

بلال نعيم
29-11-2010, 07:42 AM
الخشبة العجيبة

*
كان فيمن كان قبلنا رجل أراد أن يقترض من رجل آخر ألف دينار لمدة شهر ليتجر فيها

قال الرجل : ائتني بكفيل

قال : كفى بالله كفيلاً

فرضي وقال صدقت ... كفى بالله كفيلاً ... ودفع إليه الألف دينار
خرج الرجل بتجارته، فركب في البحر، وباع فربح أصنافاً كثيرة ، لما حل الأجل صرًّ ألف دينار، و جاء ليركب في البحر ليوفي
القرض، فلم يجد سفينة انتظر أياماً فلم تأت سفينة حزن لذلك كثيراً وجاء بخشبة فنقرها، وفرَّغ داخلها، ووضع فيه الألف دينار ومعها ورقة كتب عليها اللهم إنت تعلم أني اقترضت من فلان ألف دينار لشهر وقد حل الأجل و لم أجد سفينة وأنه كان قد طلب مني كفيلاً،فقلت: كفى بالله كفيلا فرضي بك كفيلاً، فأوصلها إليه بلطفك يارب...* وسدَّ عليها بالزفت ثم رماها في البحر تقاذفتها الأمواج حتى أوصلتها إلى بلد المقرض.

*وكان قد خرج إلى الساحل ينتظر مجيء الرجل لوفاء دينه، فرأى هذه الخشبة....
قال في نفسه: آخذها حطباً للبيت ننتفع به، فلما كسرها وجد فيها الألف دينار .

بعد حين الرجل المقترض وجد سفينة، فركبها و معه الألف دينار يظن أن الخشبة قد ضاعت، فلما وصل قدَّم إلى صاحبه القرض، و اعتذر عن تأخيره بعدم تيسر سفينة تحمله حتى هذا اليوم.....
فرح المقرض قائلا : قد قضى الله عنك. وقص عليه قصة الخشبة التي أخذها حطباً لبيته ، فلما كسرها وجد الدنانير و معها البطاقة.
هكذا من أخذ أموال الناس يريد أداءها، يسر الله له و أدَّاها عنه، و من أخذ يريد إتلافها، أتلفه الله عز وجل .

*

الاء عيسى صلاح
29-11-2010, 10:37 AM
بجد قصص حلوه كتير مشكور اخ بلال على القصص والمجهود جزاك الله كل خير

بلال نعيم
30-11-2010, 10:48 PM
حمار الرجل الصالح


في يوم من الأيام ...منذ قديم الزمان وقبل الإسلام كان رجل صالح راكباً حماره فمر بقرية، قد دمرت وفنى أهلها فشرد بذهنه وأخذ يفكر في حال هذه القرية
*ثم سأل نفسه متعجباً و مندهشاً. هؤلاء أموات كيف يخلقون من جديد؟كيف؟وهذه العظام البالية كيف تعود صلبة؟وكيف تكتسي من جديد وتعود إليها الروح وتبعث إليها الحياة!؟

*ورويداً...رويداً. راح النوم يداعب عيني الرجل الصالح وما هي إلا لحظات قصيرة حتى غاب عن الوعي, وراح في نوم عميق دام مائة عام كاملة, قرن من الزمان والرجل الصالح في رقدته هذا ميت بين الأموات وكذلك حماره .
بعد مضي مائة عام من موت الرجل الصالح أذن الله له أن يبعث من جديد فجمع عظامه وسوى خلقه ونفخ فيه من روحه. فإذا هو قائم مكتمل الخلق كأنه منتبه من نومه. فأخذ يبحث عن حماره ويفتش عن طعامه وشرابه .ثم جاء ملك سأله: كم لبثت في رقدتك؟ فأجاب الرجل: لبثت يوماً أو بعض يوم.
فقال الملك: بل لبثت مائة عام، ومع هذه السنين الطويلة، والأزمان المتعاقبة فإن طعامك مازال سليماً وشرابك لم يتغير طعمه.

فقال الرجل:عجباًهذا صحيح!
*فقال الملك: انظر إنه حمارك، لقد صار كومة من العظام ...انظر ...إلى عظام حمارك فالله عز وجل سيريك قدرته على بعث الموتى.
نظر الرجل الصالح إلى عظام حماره فرآها وهي تتحرك فتعود كل عظمة في مكانها حتى اكتملت ثم كساها الله لحما ًفإذا بحماره قائم بين يديه على قوائمه الأربع ،حينئذ اطمأنت نفسه وازداد إيمانه بالبعث.

فقال الرجل الصالح:أعلم أن الله على كل شيء قدير.

بلال نعيم
30-11-2010, 10:49 PM
اسد الله و سيد الشهداء

حمزة بن عبد المطلب

ولد حمزة بن عبد المطلب في العام الذي ولد فيه محمد صلى الله عليه وسلم .. عام الفيل .. وتربيا معا ورضعا معا ولعبا معا..

كان حمزة عم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكنه كان أخوه في الرضاعة . وكان من أعز فتيان قريش وأقواهم ارادة وأرجحهم عقلا ..

*كان حمزة يحب حياة الانطلاق.. يركب حصانه وينطلق معه الى الصحاري والقفار .. يجوبها ويصطاد حيواناتها ، ويعود الى مكة يجالس رجالها ويستمع الى قصصها وأخبارها .. وكان حديث محمد ودينة الجديد قد بدأ في مكة، ينادي بعباده الله وترك عبادة الاصنام التي كانت تملا الكعبة المشرفة وبيوت العرب .

واهتز أهل مكة بحديث محمد ورسالتة الجديدة. فهل يعقل أن يترك القوم دين ابائهم وأجدادهم؟... وماذا يريد محمد هذا؟ أيريد أن يكون زعيما على قريش والعرب ؟ أم يريد المال والجاه؟.. هل يكذب؟ هل هو مجنون ؟ أم هو ساحر ؟ ماذا يريد بهذا الدين الجديد يا ترى؟!

وبدأت دعوة محمد سرا.. ولكن زعماء الكفر منة قريش قاوا بمحاربتها علنا وبشراسة. ويقود أهل الكفر أبو جهل: عمرو بن هشام، وأبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم.. ويعرف حمزة الامر فيستغرق من الطرفين معا.. يستغرب من ابن أخية محمد وقد عرفه منذ صغره صادقا أمينا لا يكذب.. ومن سادة *قريش وأبي* لهب كيف يحاربون محمدا ويؤذونه؟

ويعود حمزة ذات يوم الى مكة من رحلة صيد في الصحراء ، فتلقاه خادمته وتحدثه عما أصاب محمد في ذلك اليوم من ابي جهل وابي لهب من سب وايذاء وشتم .. فتثور ثائرته وينطلق الى الكعبة ويضرب أبا جهل بقوسه فيشج رأسه ويقول:" أتشتم محمدا وأنا على دينه أقول ما يقول؟.. الا فرد علي ذلك ان استطعت.."

كان حمزة رجلا قويا مرهوب الجانب فمن الذي سيرد عليه؟؟..

لم تكن المشكلة في رأس أبي جهل ولا الدماء النازلة عليه.. كانت المشكلة الكبرى هي فيما سمعة القوم من فم حمزة نفسه . فهل يسلم حمزة ،ويترك دين ابائه واجداده ويتبع دين محمد الجديد؟! هل يسلم أعز فتيان قريش، هكذا وبكل بساطة؟.

ولكن المشكلة في صدر حمزة نفسه كانت أكبر .. لقد عاد الى بيته يفكر بما قال.. فهل حقا أنه تبع دين محمد؟ أم انها كانت لحظة غضب وانفعال؟!

بلال نعيم
30-11-2010, 10:52 PM
*

صانع الســــــيوف

خباب بن الأرت

كان خباب بن الأرت عبدا مملوكا لسيدة قرشية اسمها أم أنمار، و كان يعمل في محل للحدادة يصنع السيوف و يبيعها لأهل مكة و يعطي ثمنها لأم أنمار.

ولم يكن من عادة خباب أن يتأخرعن صناعة السيوف أو أن يغيب عن دكانه... الا أنه وفي ذلك النهار،جاء الرجال لأخذ سيوفهم فلم يجدوه في المحل!!

وانتظر الرجال في الدكان طويلا، فلما عاد خباب سألوه عن السيوف فلم يجب.. كان في عينيه فرح غريب ، و كأنه كان يناجي نفسه و يقول ان أمره لعجيب...

و استغرب الرجال الجواب و أعادوا السؤال:

*- أين سيوفنا يا خباب؟هل أتممت صنعها؟....

ولكن خباب لم يكن يسمع لهم و لا يجيب أسئلتهم ، وكان يقول:

- هل رأينموه؟..هل سمعتم كلامه؟....ان أمره لعجيب.

وانتبه أحد الرجال للأمر، فأحس أن هناك شيئا ما فسأله:

- وهل رأيته أنت يا خباب؟....

ورفع خباب يديه الى السماء و أجاب بصوت عميق واثق:

*- أجل رأيته و سمعته.... رأيت الحق يتفجر من جوانبه و النور يتلألأ من جوانحه....

ولم يكد خباب يتم الجملة حتى فهم الرجل قصده فهب الرجل في وجهه صائحا:

-أتعني محمدا!!

و بهدوء أجاب خباب:

- نعم إنه هو.... رسول الله صلى الله عليه و سلم....أرسله الله إلبنا ليخرجنا من الظلمات على النور...

و لم يكمل خباب كلامه... ولم يدري ماذا جرى له و لا ماذا قيل له...فقد هجم الرجال على (العبد) خباب يوسعونه ضربا و لكما بالأيدي و الأرجل و القدوم و الأزاميل و هم يقولون:

-* لم يبقى إلا أنت أبها العبد الحقير حتى تؤمن بدين محمد هذا....عبد حقير....

و غاب خباب عن الوعي و تركه الرجال ملقى على الأرض،و انطلقوا إلى أم أنمار...

كانت أم أنمار إمرأة قرشية قوية...و كانت تستغل عبدها خبابا أبشع استغلال،لا ترحمه في الليل أو في النهار...فذهب الرجال إليها يشكون هذا العبد الذي تجرأ على دين أسياده و أصنامهم.

و بدأت أم أنمار تعذب عبدها بيديها... جعلت تحمي الحديد الذي في محلها و تكوي به جسد خباب و رأسه وأطرافه.

*

بلال نعيم
30-11-2010, 10:55 PM
*
*

صانع الســــــيوف

خباب بن الأرت

*

حولت كل الحديد إلى قيود و سلاسل و حمتها بالنار و طوقت به جسد خباب و توصت برأسه و نافوخه فكانت تكويه بالحديد الملتهب صباح مساء....

و صبر خباب ولم تصدر عنه أنة ألم أو صرخة عذاب.كان يتلوى من الألم ، وكان لحمه يتساقط و لكنه كان صابر..صامدا و محتسبا أجره عند الله.

*و مر به رسول الله صل الله عليه و سلم يوماو الحديد المحمى فوق رأسه فطار قلبه رحمة و حنانا و أسى،ولكن الرسول لم يكن يومها يملك شيئا لحماية خباب و المستضعفين من المسلمين إلا الدعاء، فرفع يديه على السماء و قال:

"اللهم انصر خبابا...اللهم انصر خبابا"

و لم تمض سوى أيام، حتى نزل بأم أنمار مرض غريب....لقد ارتمت أم أنمار في فراشها تصرخ و تولول..أصابها ألم في رأسها حتى كادت تتفجر..و تغير صوتها إلى ما يشبه نباح الكلب!!

و جاء قرار الطبيب صاعقا مخيفا .قال إنه مرض السعار...يجعل المريض يعوي كالكلاب .ولا علاج له إلا الكي بالنار..

و ذهل الجميع ... هل يكون هذا المرض قصاصا لأم أنمار؟هل يكون انتقاما لخباب؟ هل يكون انذارا لمن تسول له نفسه تعديب المستضعفين و الفقراء من المسلمين؟

و بدأ الطبيب يحمي الحديد و يكوي به رأس أم أنمار كل صباحا و مساء!!

و مضت الأيام و حفظ خباب القران الكريم و أجاد ترتيله وتجويده..

و كان يذهب إلى بيوت المسلمين سرا يعلمهم القران.و طلب منه الرسول (ص) أن يذهب إلى بيت سعيد بن زيد زوج فاطمة بنت الخطاب ليعلمها القران..و لم يكد خباب يقرأ أول سورة من سورة طه حتى سمع الجميع طرقا شديدا على الباب ، *فنظرت فاطمة فرأت أخاها عمر قد تقلد سيفه و جاء غاضبا و فعادت إلى خباب خائفة تريده أن يختبىء.

- إنه عمر أخي ... جاء متقلدا سيفهه* و سيقضي علينا جميعا.

و لكن خباب و بهدوء غريب قال:

- لا تخافي يا أختي... لعل الله يهديه ، فلقد سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:

" اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك: أبي الحكم بن هشام *وعمر بن الخطاب".

*

بلال نعيم
30-11-2010, 10:56 PM
صانع الســــــيوف

خباب بن الأرت

و دخل عمر و ضرب أخته فاطمة على وجهها, و تناول الصحيفة و قرأ: (طه ما أنزلنا عليك القران لتشقى*إلا تذكرة لمن يخشى* تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى*الرحمن على العرش استوى).صدق الله العظيمو صاح عمر صيحته المشهورة:

- دلوني على محمد...

لقد أضاء القران قلب عمر، و أخرجه من الظلمات إلى النور. فسأل خبابا:

- أين أجد الرسول الان يا خباب؟

- و أجاب خباب:

- عند الصفا ، *في دار الأرقم بن أبي الأرقم....

و مضت الأيام و خباب حفيظ على إسلامه و عبادته و صيامه..

هاجر مع المهاجرين إلى المدينة ، و شهد جميع الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه و سلم... و ساعد في نشر الإسلام و تحفيظ القران و صناعة السيوف، و توفي رسول الله و هو عنه راض.

*كان خباب رضي الله عنه فقيرا ، *فلما أعز الله الإسلام , و توسعت الدولة الإسلامية في شرق *الأرض و مغربها و شمالها و جنوبها.. وفاض بيت المال في عهد " عمر بن الخطاب"* و "عثمان بن عفان" فرض عمر لخباب مبلغا شهريا كبيرا لأنه كان من أوائل المسلمين ومن اللذين ضحوا كثيرا في سبيل الاسلام، فبنى خباب دارا له في الكوفة في أرض العراق ووضع أمواله في مكان ظاهر فيها و قال لرفاقه:

- هنا في هذا المكان من الدار أضع كل أموالي....والله ما شددت عليها من خيط ،ولامنعتها من سائل، فيأخذ من يريد ما يريد!!

كانت الدموع تنزل من عيني خباب و هو يذكر إخوانه المسلمين الاوائل اللذين مضوا و لم ينالو من ترف الدنيا شيئا..

كان يقول باكيا:

- انظروا هذا كفني قد أعددته لموتي .أما حمزة عم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يوجد له كفن يوم استشهد إلا بردة ملحاء قصيرة .. اذا و ضعت على رأسه قلصت عن قدميه، واذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه!!

*و مات خباب بن الأرت رضي الله عنه عام سبع و ثلاثين للهجرة، مات أستاذ صناعة السيوف ، و استاذ صناعة التضحية و الفداء...فرحمه الله.....

بلال نعيم
30-11-2010, 10:57 PM
*
أصحاب الجنة

كان في قديم الزمان رجل صالح وله بضعة أولاد .. قص الله علينا قصتهم في سورة القلم .

كان لذلك الشيخ الصالح بستان جميل عامر بمختلف أنواع الأشجار المثمرة، وجداول الماء العذب تسقيها، فتعطي تلك الأشجار فواكة لذيذة* وكثيرة ومتنوعة.

وكان ذلك الشيخ قد جعل نصيباً في تلك الثمار للفقراء والمساكين، الذين كانوا يتوافدون أيام قطافها إلى البستان، ليأخذوا نصيبهم منها، وكان الشيخ يعطيهم مما رزقه الله بنفس طيبة وقلب سعيد، لأنه كان يعرف أنه بذلك يرضي الله تعالى، ويدخل السعادة على قلوب أولئك المعذبين.

وكان جميع أولاد الشيخ الصالح – إلا واحد منهم – يكرهون فعل أبيهم ، ويعتبرونه تبذيراًوإنفاقاً في غير موضعه حتى إذا ما مات أبوهم الشيخ ، قرروا أن يحتكروا ثمرات البستان لأنفسهم ، ليكثروا مالهم ، ويسعدوا أنفسهم* وأولادهم، وليذهب الفقراء إلى حال سبيلهم.

قال أحدهم: لقد صار البستان لنا، وسوف نجني منه الكثير.

وقال الثاني: ولن ندع الفقراء يقتربون منه

*وقال الثالث: ولن يطمع الفقراء بعد اليوم بشيء منه.

قال أوسط الإخوة، وكان معجباً بأبيه وبكرمه وإنفاقه على الفقراء والمساكين : أنصحكم أن تسيروا على ما كان يسير عليه أبوكم، فالله سبحانه وتعالى قد جعل للفقراء والمحتاجين* حقاً في هذا المال.-

*

بلال نعيم
05-12-2010, 07:34 AM
الطائر الطيب العجيب
*
كانت نباتات البطيخ الأخضر تملأ ذلك الحقل الكبير وهي فرحة بأنها نضجت وأصبحت جاهزة للقطاف وكل بطيخة
*كانت تتخيل مصيرها: هل ستقع في يد مسافر عطشان.؟... أم ستنتقل على العربات إلى البعيد من البلدان؟. هل سيقطفها الصغار من
*الصبيان ليأخذوها إلى بيوتهم ويأكلوها مع وجباتهم؟...أم ستأتي الفلاحات النشيطات لقطفها وجمعها ثم
توزيعها على أهل القرية جميعاً من المساكين العطشانين؟
كل ثمار البطيخ بألوانها الخضراء الزاهية كانت تضحك، ما عدا واحدة منها هي أضخمها وأكبرها حجماً.. كانت قشرتها قد أصبحت
سميكة وصفراء، وتكاد تنفجر من كثرة نضجها وامتلائها
قالت البطيخات لهذه البطيخة الأم

*
*أنت لم يقطفك أحد الموسم الماضي... أليس كذلك
قالت
*أنا مثلكن... زرعوني هذا الموسم، لكن بذرتي كانت كبيرة وقوية، ونمَوَتُ بسرعة أكثر منكن.
وهم زرعوني لغاية غير الغاية التي من أجلها زرعوكن.
قالت البطيخات الشابات بفضول:
هيه... قصي علينا قصتك... ثم ما هي هذه الغاية؟
قالت البطيخة الأم أكبر البطيخات:
قصتي هي أنني سأظل في مكاني هنا حتى أنفجر وتخرج بذوري مني.
صاحت بطيخة صغيرة بفزع
ولماذا؟ ألا تذهبين معنا وتنفعين الناس. وينتهي الأمر؟ وإلا لماذا خلقنا؟ ضحكت البطيخة الكبيرة أم البطيخات، وقالت
*
*إنني أنتظر هنا صديقي الطائر الطيب... ذلك الرسول الأمين الذي سينقل بمنقاره ما استطاع من بذوري، ثم يطير بها إلى مسافة بعيدة

*ويرميها في أرض لا تعرف البطيخ.. فأنبت من جديد هناك وأكون سعيدة بسعادة الناس بي.
قالت البطيخات الشابات
كان الله في عونك... ستظلين هنا وحدك مع ريح الليل، وشمس النهار... وربما هطلت الأمطار عليك فأفسدت كل شيء
قالت البطيخة الأم:
*وماذا تظنين أنت ومثيلاتك أيتها البطيخات الشابات؟ من أين أتيتن إلى هذا المكان ولم يكن يعرف البطيخ أبدا إنه الطائر الطيب العجيب
*هذا الذي حمل أول بذرة وألقاها في بلاد بعيدة.. وكانت مغامرته مفيدة وسعيدة... وهكذا يفعل
قالت بطيخة ناضجة أكثر من سواها:
دعينا من هذا الكلام.. إنه من الوهم أو الأحلام... أنهم يزرعوننا بذوراً... ولم نسمع هذه الحكاية إلا منك
هزت البطيخة العجوز برأسها، وقالت
صحيح... إنها حكاية... لكنني أحبها، وأتشوق أن تحصل معي... ولعل الطائر الطيب سيرسل بدلاً منه آخرين من المزارعين الطيبين
*يأخذونني... ويستغلون بذوري لأعود فأنبت مع كل بذرة من جديد
ونظرت البطيخات كل منها إلى الأخرى وتشاورن... من تريد أن تبقى مع البطيخة الأم لتغدو من جديد هي الأم؟
وبينما هن كذلك رفرف طائر فوق حقل البطيخ.. ولم يعرف اسمه أحد.. ولم يعرف سره أحد.. وأخذ يهبط ويطير فوق حقل
*البطيخ، وهو يزقزق بحبور... ويبحث بين التراب عن البذور
*

بلال نعيم
05-12-2010, 07:39 AM
*المنديل السحري



كان يا مكان

فلاَّح ميسور يعيش في حقله مع زوجته وأولاده الخمسة. وذات موسم انحبس المطر فحزن الفلاَّح

*وكان قد بذر الحب، فتوجَّه إلى حقله العطشان، ناظراً إلى الغيم، منشدا‏

تعال يا مطر تعالْ‏

كي تكبر البذورْ‏

ونقطفَ الغلالْ‏

تعال لتضحكَ الحقولْ‏

وننشدَ الموّالْ‏

مضت الغيوم.. غير آبهة بنداء الفلاّح، فزاد حزنه، واعتكف في بيته مهموماً حزينا

اقتربت منه زوجته مواسية‏

صلِّ على النَّبي يا رجل هوّن عليك مالك تصنع من الحبّة قبّة

دعيني يا أمّ العيال الله يرضى عليكِ ولا تزيدي همّي

طيّب إلى متى ستبقى جالساً هكذا تسند الحيطان قم اخرج اسعَ في مناكبها

أسعى ألا ترين أنّ الأرض قد تشقّقت لكثرة العطش والحَبَّ الذي بذرته أكلته العصافير

دعيني بالله عليكِ فأنا لم أعد أحتمل لكنّك إذا بقيت جالساً فسنموت

جوعاً لم يبقَ لدينا حفنة طحين قم واقصد الكريم، فبلاد الله واسعة

اقتنع الرّجل بكلام زوجته فحمل زاده وودّع أهله ثمّ مضى

كانت هذه الرّحلة هي الأولى لـه لذا كابد مشقات وأهوالاً* فأحياناً يظهر لـه وحش

*فيهجم عليه بعصاه الغليظة ويطرحه أرضا وأحياناً يعترضه جبل عال فيصعده وهكذا

*إلى أن وصل إلى قصر فخم تحيط به الأشجار وتعرّش على جدرانه الورود

وما إن اقترب الفلاَّح من باب القصر، حتّى صاح به الحارس

هيه أنت، إلى أين‏

أريد أن أجتمع بصاحب القصر

ماذا تريد أن تجتمع بالسلطان

وسمع السلطان الجالس على الشرفة حوارهما، فأشار للحارس أن يُدخل الرجل وفور مثوله أمامه قال:‏

السَّلام على جناب السّلطان

وعليك السلام ماذا تريد‏

أريد أن أعمل‏

وما هي مهنتك

فلاَّح أفهم بالزراعة ثمّ سرد له قصّته

-إيه.. طيّب، اسمع ما سأقوله، أمّا العمل بالزراعة فهذا مالا أحتاجه، عندي مزارعون

*لكن إذا رغبت في تكسير الصخور فلا مانع الأرض مليئة بالصّخور وأنا أفكر باقتلاعها والاستفادة من مكانها

موافق‏

إذاً اتفقنا على الأمر الأوّل بقي الأمر الثاني

ما هو

الأجر أنا أدفع للعامل ديناراً ذهبياً كل أسبوع فهل يوافقك هذا المبلغ

حكّ الفلاّح رأسه مفكراً قال

عندي اقتراح ما رأيك أن تزن لي هذا المنديل في نهاية الأسبوع وتعطيني وزنه ذهباً

وأخرج الفلاّح من جيبه منديلاً صغيراً مطرزاً بخيوط خضراء.‏

وفور مشاهدة السلطان المنديل شرع يضحك حتّى كاد ينقلب من فوق كرسيّه الوثير ثمّ قال

منـ.. منديل يا لك من رجل أبله وكم سيبلغ وزن هذه الخرقة أكيد أنّ وزنها لن يتجاوز وزن قرش من الفضّة ها ها ها أحمق مؤكد أنك أحمق

بلع الفلاّح ريقه وقال

يا سيّدي ما دام الرّبح سيكون في صالحك فلا تمانع أنا موافق حتّى لو كان وزنه وزنَ نصف قرش‏

لمس السّلطان جدّية كلام الفلاّح فاستوى في جلسته وقال

توكَّلنا على الله، هاك المطرقة وتلك الصّخور شمّر عن زنديك وابدأ العمل وبعد أسبوع لكل حادث حديث‏

أمسك الفلاّح الفأس بزندين فولاذيين مشى باتجاه الصّخور بخطا واثقة نظر إليها نظرة المتحدِّي

ثمّ وببسالة الباشق هوى عليها بمطرقته فتفتّتت تحت تأثير ضرباته العنيفة

*متحوّلة إلى حجارة صغيرة وكلّما نزَّ من جبينه عرق الجهد والتعب أخرج منديله الصّغير ومسحه.‏

عَمِلَ الفلاّح بجدّ وتفانٍ، حتّى إنّه في تمام الأسبوع أتى على آخر صخرة، صحيح أنّ العرق تصبّب من جبينه كحبّات المطر، لكن ذلك لم يمنعه من المثابرة والعمل.‏

انقضى أسبوع العمل، وحان موعد الحساب.‏

عافاك الله أيُّها الفلاّح لقد عملت بإخلاص، هاتِ منديلك كي أزنه لك

ناولـه الفلاّح منديله الرّطب وضعه في كفّة ووضع قرشاً فضيَّاً في الكفّة الأخرى

*فرجحت كفّة المنديل أمسك السلطان عدّة قروش وأضافها، فبقيت كفّة المنديل راجحة‏

امتعض* أزاح القروش الفضيّة ووضع ديناراً ذهبياً فبقيت النتيجة كما هي

احتار* طلب من الحاجب منديلاً غمسه في الماء ووضعه مكان منديل الفلاّح فرجحت‏

كفّة الدّينار‏

زَفَرَ* نظر إلى الفلاّح غاضباً قال‏

أفّما سرّ منديلك أهو مسحور ظننت أن الميزان خَرب لكن وزنه لمنديل الماء صحيح

ابتسم الفلاّح

وشرع السلطان يزن المنديل من جديد فوضع دينارين ذهبيين

ثلاثة أربعة حتى وصل إلى العشرة حينها توازنت الكفّتان

كاد السلطان يجن، ماذا يحدث أيعقل هذا *عشرة عشرة دنانير

*نهض محموما أمسك بياقة الفلاّح وقال‏

تكلّم أيُّها المعتوه اعترف من سحر لك هذا المنديل

وبهدوء شديد أجابه الفلاّح‏

-أصلح الله مولاي السلطان القصّة ليست قصّة سحر فأنا لا أؤمن به

*القصّة باختصار هي أنّ الرّجل عندما يعمل عملاً شريفاً يهدف من ورائه إلى اللقمة الطّاهرة

*ينزّ جبينه عرقاً هذا العرق يكون ثقيلاً أثقل من الماء بكثير

هزَّ السلطان رأسه وابتسم راضياً قال‏

سلّم الله فمك وبارك لك بمالك وجهدك وعرقك تفضل خذ دنانيرك العشرة واقصد أهلك غانما

قصد الفلاّح أهله مسرورا وأخبرهم بما جرى ففرحوا وهللوا وتبدلت معيشتهم فنعموا ورفلوا‏

وتوتة توتة خلصت الحتوتة‏

بلال نعيم
05-12-2010, 07:41 AM
*قصة : النمل الاسود*






كانا* كريم و رنا فى اجازة الصيف عندما كان النمل الاسود ينتشر فى كل مكان

*بالمنزل اللذان يسكنان به فى المعادى

*كان النمل الاسود يوصل لطعامهم فى كثير من الاحيان

و اصبح كريم فى شدة ضيقه من هذا النمل الاسود الذى يملىءغرفته و ينتشر فى كل مكان

*على لعبه و ادواته المدرسية و كتبه و الكمبيوتر و جهاز التسجيل و مضرب التنس*


و فى يوم* نام كريم كعادته فى سريره* و بعد قليل من نومه اخذ يحلم بهذا الكابوس المخيف


*لقد اصبح النمل الاسود اضخم الان* قالت احدى النملات* هيا ايها النمل

*سناخذ هذا الفتى الوسيم ( و اشارت الى كريم ) رهينة لنا* حتى يحضروا لنا الكثير من الطعام


*و هجم النمل الاسود الضخم على كريم و اخذوه رهينة و بدات احدى النملات تتفاوض

*مع رنا لكى تحضر لهم طعام كثير لكى يفكوا اسر كريم


*قالت النملة نحن نريد طعام كثير يشمل قطع لحم و حبات فصولياء و ارز و اشياء اخرى ايضا


و اذا لم تحضرى هذا الطعام لنا فلن نفك اسر كريم و سنقطعه و نرمى به فى البحيرة - فما هو ردك على ما اقول


*قالت رنا* حسنا* لا مشكلة ساحضر لكم كل الطعام الذى تريدونه و لكن بشرط

*ان تفكوا اسر كريم باقصى سرعة


*ردت النملة قائلة هذا يتوقف على مدى سرعتك انت فى احضار الطعام


- قالت رنا : انا ذاهبة بسرعة لكى احضر الطعام لكم


*و ذهبت رنا بسرعة الى المطبخ و بدات تحضر الطعام من الثلاجة*

و بعد قليل* كانت قد جمعت كمية كبيرة من الطعام و وضعتها فى قطعة قماش كبيرة و ربطتها

و اخذتها و اعطتها الى تلك النملة


قالت النملة شكرا لك جدا* سنحضر كريم حالا لا تقلقى


*و بعد قليل جاء النمل حاملا كريم و الذى ظهر التعب و الضعف عليه

و القوه بجوار رنا* التى مالت عليه قائلة* هل انت بخير

*
*رد كريم قائلا نعم* الحمد الله انا بخير


*و هنا استيقظ كريم من نومه و قرر ان يقتل و يقضى على هذا النمل الاسود اللعين

*فذهب الى المطبخ و احضر الجاز و مبيد حشرى و بدا يقضى على ذلك النمل

بلال نعيم
05-12-2010, 07:43 AM
*
*
*
قصة شجرة التفاح
*
*
منذ زمن بعيد ..كان هناك شجرة تفاح في غاية الضخامة، وكان هناك طفل
*
صغير يلعب حول هذه الشجرة يوميا، ويتسلق أغصان هذه الشجرة
*ويأكل من ثمارها ...وبعدها يغفو قليلا لينام في ظلها
*
كان يحب الشجرة وكانت الشجرة تحب لعبه معها, مر الزمن وكبر هذا الطفل
*
*وأصبح لا يلعب حول هذه الشجرة بعد ذلك

*
في يوم من الأيام...رجع هذا الصبي وكان حزينا
*
فقالت له الشجرة: تعال والعب معي

*
فأجابها الولد: لم أعد صغيرا لألعب حولك...أنا أريد بعض اللعب وأحتاج بعض النقود لشرائها
*


*
فأجابته الشجرة: أنا لا يوجد معي أية نقود!!!

*
ولكن يمكنك أن تأخذ كل التفاح الذي لدي لتبيعه ثم تحصل على النقود التي تريدها
الولد كان سعيدا للغاية
*
فتسلق الشجرة وجمع جميع ثمار التفاح التي عليها ونزل من عليها سعيدا

*
لم يعد الولد بعدها

*
كانت الشجرة في غاية الحزن بعدها لعدم عودته

*
وفي يوم رجع هذا الولد للشجرة ولكنه لم يعد ولدا بل أصبح رجلا

*
وكانت الشجرة في منتهى السعادة لعودته وقالت له: تعال والعب معي

*
ولكنه أجابها وقال لها:أنا لم أعد طفلا لألعب حولك مرة
*أخرى فقد أصبحت رجلا مسئولا عن عائلة

*
وأحتاج لبيت ليكون لهم مأوى...هل يمكنك مساعدتي بهذا

*
قالت الشجره :آسفة

*
فأنا ليس عندي لك بيت ولكن يمكنك أن تأخذ جميع أفرعي لتبني بها لك بيتا

*
فأخذ الرجل كل الأفرع وغادر الشجرة وهو سعيدا

*
وكانت الشجرة سعيدة لسعادته ورؤيته هكذا ...ولكنه لم يعد إليها

*
وأصبحت الشجرة حزينة مرة أخرى

*
وفي يوم حار جدا

*
عاد الرجل مرة أخرى وكانت الشجرة في منتهى السعادة

*
فقالت له الشجرة: تعال والعب معي

*
فقال لها الرجل أنا في غاية التعب وقد بدأت في الكبر...وأريد أن أبحر لأي مكان لأرتاح

*
فقال لها الرجل: هل يمكنك إعطائي مركبا

*
فأجابته يمكنك أخذ جزعي لبناء مركبك...وبعدها يمكنك
*أن تبحر به أينما تشاء...وتكون سعيدا

*
فقطع الرجل جذع الشجرة وصنع مركبه

*
فسافر مبحرا ولم يعد لمدة طويلة جدا

*
أخيرا عاد الرجل بعد غياب طويل وسنوات طويلة جدا

*
ولكن الشجرة أجابت وقالت له : آسفة يا بني الحبيب
*ولكن لم يعد عندي أي شئ لأعطيه لك

*
وقالت له:لا يوجد تفاح

*
قال لها: لا عليك لم يعد عندي أي أسنان لأقضمها بها

*
لم يعد عندي جذع لتتسلقه ولم يعد عندي فروع لتجلس عليها
فأجابها الرجل لقد أصبحت عجوزا اليوم ولا أستطيع عمل أي شئ

*
فأخبرته : أنا فعلا لا يوجد لدي ما أعطيه لك

*
كل ما لدي الآن هو جذور ميتة...أجابته وهي تبكي

*
فأجابها وقال لها: كل ما أحتاجه الآن هو مكان لأستريح به

*
فأنا متعب بعد كل هذه السنون
*
فأجابته وقالت له: جذور الشجرة العجوز هي أنسب مكان لك للراحة
*
تعال ...تعال واجلس معي هنا تحت واسترح معي
فنزل الرجل إليها وكانت الشجرة سعيدة به والدموع تملأ ابتسامتها
هل تعرف من هي هذه الشجرة
*
إنها أبويك

*

بلال نعيم
05-12-2010, 07:44 AM
الشجرة الأم


استيقظ طارق يوم* الشجرة متأخراً على غير عادته... وكان

يبدو عليه الحزن. ولما سأل أمه عن أخوته وقالت له انهم

*ذهبوا ليغرسوا اشجاراً اضطرب وقلق. قال بغيظ:‏ ومتى ذهبوا ياأمي

أجابت:‏ منذ الصباح الباكر .. ألم يوصوكم في المدرسة أنه يجب أن

يغرس كل منكم شجرة ؟ ألم ينبهوكم إلى أهمية الشجرة‏

قال :‏ نعم.. لقد أوصتنا المعلمة بذلك... وشرحت لنا عن

*غرس الشجرة في يوم الشجرة، أما أنا فلا أريد أن أفعل

قالت الأم بهدوء وحنان:‏ ولماذا ياصغيري الحبيب؟... كنت أتوقع أن تستيقظ قبلهم

*وتذهب معهم. لم يبق أحد من أولاد الجيران إلا وقد حمل غرسته وذهب

*ليتك نظرت إلى تلاميذ المدراس وهم يمرون من أمام البيت في

*الباصات مع أشجارهم وهو يغنون ويضحكون في طريقهم إلى



الجبل لغرسها. إنه عيد يابني فلاتحرم نفسك منه

قال طارق وقد بدأ يشعر بالغيرة والندم:‏لكن الطقس باردجداً ياأمي

*ستتجمد أصابعي لو حفرت التراب، وأقدامي ستصقع

أجابت:‏ومعطفك السميك ذو القبعة هل نسيته؟ وقفازاتك الصوفية ألا

تحمي أصابعك؟ أما قدماك فما أظن أنهما ستصقعان وأنت تحتذي

*حذاءك الجلدي المبطن بالفرو‏

صمت طارق حائراً وأخذ يجول في أنحاء البيت حتى وقعت عينه

*على التحفة الزجاجية الجميلة التي تحفظ صور العائلة وهي

*على شكل شجرة، ووقف يتأملها‏

قالت الأم:‏ هل ترى إلى شجرة العائلة هذه؟ إن الأشجار كذلك

هي عائلات... أم وأب وأولاد. وهي تسعد مثلنا إن اجتمعت مع بعضها بعضاً وتكاثرت

*فأعطت أشجاراً صغيرة. إن الشجرة هي الحياة يابني ولولاها ماعرفنا الفواكه والثمار

*ولا الظلال ومناظر الجمال. إضافة إلى أننا ننتفع بأخشابها وبما تسببه

لنا من أمطار، ثم هل نسيت أن الأشجار تنقي الهواء وتساعدنا

على أن نعيش بصحة جيدة

صمت طارق مفكراً وقال:‏حسناً... أنا أريد إذن أن أغرس

شجرة.. فهل شجرتي ستصبح أماً‏

أجابت الأم بفرح:‏ طبعاً... طبعاًيابني. كلما كبرت ستكبر شجرتك معك

وعندما تصبح أنت أباً تصبح هي أماً لأشجار صغيرة أخرى هي عائلتها

*وستكون فخوراً جداً بأنك زرعتها‏

أسرع طارق إلى خزانة ثيابه ليخرج معطفه وقفازاته

*سأل أمه بلهفة:‏هل أستطيع أن ألحق... أخوتي والجميع

ضحكت الأم وقالت:‏ كنت أعرف أنك ستطلب مني ذلك... شجرتك في

*الحوض أمام الباب في كيس صغير شفاف... وإنا كما تراني قد ارتديت ثيابي هيا بنا

وانطلق طارق مع أمه فرحاً يقفز بخطوات واسعة... واتجها نحو الجبل

وهما يغنيان للشجرة... شجرة الحياة أنشودة الحياة

بلال نعيم
05-12-2010, 07:45 AM
*

الحقيبة الهاربة

أمضى مازن عطلة صيفيّة ممتعة، فزار البحر برفقة أبويه وأخويه

*مستمتعاً بالسباحة، وذهب إلى الحدائق والبساتين يلاحق

*الفراشات والعصافير. أمّا كرته المطاطيّة، فكانت رفيقته إلى

الساحات والأندية، وكلّ الأمكنة التي

يلعب فيها مع رفاقه وأصدقائه الذين يهوون كرة القدم

*فهو يحبُّ الرياضة أكثر من أيّة هواية أخرى

لذلك فقد طلب من والده أن يشتري له عند قدوم العام

الدراسي حقيبة مدرسيّة عليها

*رسوم الرياضيين الذين يراهم في المباريات الرياضية العربيّة والعالميّة


ذهب مازن وأبوه إلى السوق، وبدءا يفتّشان عن الحقيبة المطلوبة

*في الدكّان الأول لم يجداها

*في الدّكان الثاني لم يجداها... وكذلك في بقية الحوانيت والمجمعات

*فمازن كان يريد حقيبة ذات ألوان زاهية

ومواصفات معينة.. وأخيراً، وبعد جهد جهيد، وبعد أن مضى نصف النهار في

*البحث التقى بضالّته المنشودة، ورأى حقيبته عند بائع جوّال
*إنّها هي.. هي من افتشّ عنها
صاح مازن والفرحة ترقص فوق وجهه، متابعاً كلامه:* سأتباهى بها

على كلّ زملائي في المدرسة

*المهم أن تحافظ عليها، وعلى جميع أشيائك الأخرى
*لابأس.. لا بأس
اشترى الأب لابنه كلّ ما يلزمه من حاجيات مدرسيّة.. كتب، دفاتر، أقلام تلوين

*قلم حبر، قلم رصاص، ممحاة، مبراة، ولم يعد ينقصه شيء أبداً
فرحت الحقيبة بأصحابها الجدد.. قالت لهم:* سنبقى أصدقاء طوال العام

*ونمضي معاً أياماً جميلة
*إن شاء اللَّه.. إن شاء اللَّه
أجاب قلم الرصاص، ولم يكن يدري عن مصيره المنتظر شيئاً على الإطلاق



فلم يمض اليوم الأوّل على افتتاح المدرسة، حتى كان مازن

*قد استهلك قلمه تماماً، من جراء بريه الدائم له
بعد عدة أيام، وبينما التلاميذ يرسمون على دفاترهم شكلاً معيّناً طلبت

*المعلمة تنفيذه، جلس مازن في مقعده واجماً، شارداً
سألت المعلمة:* لماذا لاترسم يا مازن
*لأنني لا أملك دفتر رسم.. لقد مزّقه أخي الصغير


في درس الإملاء ارتبك مازن وبكى، لأنه أضاع ممحاته

*ولم يستطع أن يصحّح الكلمات التي أخطأ بكتابتها


مسطرة مازن كُسرت، ولم يعد بمقدوره أن يحدّد الأشكال

*الهندسية، أو يرسم خطوطاً مستقيمة

وكذلك المبراة، فتّش عنها كثيراً بلا جدوى.. حتّى الدفاتر

اختفت، ثم لحقت بها مجموعة الكتب
حزنت الحقيبة الزاهية ذات الصور والرسوم لفقدان أحبّتها الذين

*راحوا من بين يديها واحداً بعد الآخر

*
أخذت تندب وتنوح:
*أين أنت أيّتها الأقلام الملّونة؟. فكم أسعدتني ألوانك الصفراء والخضراء والحمراء

*أين أنتَ يا دفتر الرسم الجميل

*فكم تباهيت بصحبتك. أين أنتَ ياكتاب القراءة؟، فكم راقت لي مواضيعك

*القيّمة، وقصصك الممتعة، ودروسك ذات الفائدة
أين أنتم يا أصدقائي.. إنني غريبة بدونكم، أعاني الحزن والوحدة

ليس هذا فقط، وإنما هناك شعور بالخوف يتملّكني

ذات يوم اتّخذت الحقيبة قراراً مهماً، توصّلت إليه بعد تفكير طويل

*فقد صمّمت على الهروب قبل أن يغدو

*مصيرها كمصير الكتب، والدفاتر، وبقية الحاجيات التي أهملها مازن، ولم يحافظ عليها

بلال نعيم
05-12-2010, 07:47 AM
*

البنت والذبابة

يُحكى أن بنتاً صغيرةً كانتْ تعملُ في بيتِ القاضي

*تنظِّفُ الأرضَ وتطهو الطعامَ

*وعندما انتهتْ ذاتَ يومٍ من عملها أعطاها القاضي ليرةً

*ومع أن الأجرَ كان قليلاً، فقد أخذتْها وانصرفت

في المنزلِ، قالتْ البنتُ لأُمِّها:‏* القاضي أعطاني ليرةً

قالتِ الأمُّ:‏ تستحقينَ أكثرَ من ذلك

قالتِ البنتُ:‏ ولكنِّي ذهبتُ إلى الدكانِ واشتريتُ دبسا‏

*حسناً فعلتِ

وقد وضعتُ إناءَ الدبسِ في الشبَّاكِ

*بنتٌ مدبرةٌ

وقد غطيّتُ الدبسَ بالغربالِ حتى لا تأكلُهُ الذبابة‏

*



*خيراً صنعت‏

نامتِ البنتُ تلك الليلةَ نوماً هنيئاً، وفي الصباحِ نهضتْ وغسلتْ وجهَهَا ويدها

*وجلستْ جانبَ الجدارِ تستمتعُ بأشعَّةِ الشمسِ. لكنَّها بعد ساعةٍ أحسّتْ بالجوعِ

*فنادتْ أُمَّها وقالتْ:‏ أنا جائعةٌ يا أُمي. سأحضرُ الخبزَ والدبسَ لنتناولَ الفطورَ

مضتِ البنتُ إلى الشبَّاكِ، ورفعتْ الغربالَ عن الوعاءِ فوجدتِ الذبابةَ

*قد دخلتْ من ثقب الغربالِ، وأكلتِ الدبسَ

فحزنتْ وقالتْ لأُمها:‏ الذبابةُ أكلتِ الدبسَ

قالت الأمُّ:‏ ظالمةٌ معتديةٌ‏

سأذهبُ وأشكوها إلى القاضي‏

*حقَّكِ تطلبين

وانطلقتِ البنتُ إلى المحكمةِ وقالتْ للقاضي:‏ أنتَ تعلمُ أنني بنتٌ صغيرةٌ

قالَ القاضي:‏ ستكبرين‏

*وأسكنُ مع أُمي بيتاً من طينٍ

*أنتِ وأُمكِ بالقليلِ تقنعينِ‏

*واشتريتُ بليرةٍ دبساً للفطورِ

*حلواً تأكلين‏

*ثم وضعتُهُ في إناءٍ ووضعتُ الإناءَ في الشباك وغطيتُهُ بالغربالِ

نِعْمَ ما تدبّرين‏

*



*في الصباحِ أحسستُ بالجوع

*دبساً تُحضرين

*لكنني وجدتُ الذبابةَ قد التهمتِ الدبس

*معتديةٌ وظالمةٌ تأكلُ حقَّ الآخرين

*لذلكِ جئتُ أطلبُ إنزالَ العقابَ بالذباب‏

فكَّرَ القاضي طويلاً... إنها مسألةٌ صعبةٌ... ثم أمسك القلمَ

وأخذ ينظرُ في الأوراقِ، وبعد فترةٍ من التفكيرِ قالَ:‏ يا بنتُ يا صغيرةُ‏

*أجلْ يا قاضيَ البلدِ

*إنْ رأيتِ ذبابةً فاقتليها

انزعجتِ البنتُ من هذا الحكمِ الذي لا يؤذي الذبابةَ ولا يُرجع لها الحلاوةَ، فظلّتْ واقفةً

*أمامَ القاضي. تنظرُ إلى ملامحهِ الجادَّةِ الجامدةِ، فرأتْ ذبابةً تحطُّ على أَنفهِ من

دون أن يتحرَّك... عندئذٍ قرَّرتْ تنفيذَ الحكمِ في الحالِ، فأمسكتْ منديلها

وضربتْ به الذبابة. فانتفضَ القاضي مذعوراً، ونَهَرَها قائلاً:‏ ماذا فعلتِ يا بنتُ يا صغيرة

فردَّتْ مبتسمةً:‏ نفذتُ حكمَكَ، وقتلتُ الذبابةَ

*

بلال نعيم
05-12-2010, 07:48 AM
*

الحذاء الأحمر

كانت الفتاة الصغيرة التي تربيت تحت رعاية جدتها بعد أن فارقت أمها وأبيها

حين سافروا بحثاً عن الرزق لكنهم تعرضوا لحادث مروري وهم في طريقهم إلى البلد

التي كثرت الخيرات فيها وهاهي الطفله قد تجهزت

وأشترت جميع ماهو جميل ورائع للغايه لحظور حفل زفاف خالة الصغيرة


الطفله:جدتي أعتقد أنني أشتريت كل ماهو جميل ورائع إلى الحذاء



الجدة:ولماذاياصغيرتي ألم تعجبكي


الطفله:نعم ... كل مافي المحل لم تعجبني
الجدة:حسناً لاتحزني ياصغيرتي الأمر ي غاية البساطه


الطفله:لكن ياجدتي هل...هل


الجدة:هل ماذا ياعزيزتي
الطفله:هل هل ستبقى خالتي هنا بعد زفافها


الجدة:هاهاها لايا صغيرتي سوف تسكن في بيت جديد وسوف نقوم بزيارتها


الطفله:مممم ماذا ما الذي تقولينه ياجدتي ومن سوف يرعاني


الجدة:؟؟غرييييييب غريب ياحفيدتي

*
الطفله:.؟؟؟ وما الغريب ياجدتي
الجدة:يرعاكي سوف أرعاكي أنا أنا


الطفله:هاهاهاها أنت تمزحين ياجدتي
الجدة:وضحي لا أفهم لماذا تتكلمين هكذا ماهذا


الطفله:ترعيني ياجدتي وأنت طريحة الفراش ومريضه
الجدة:لست أنا وحدي التي سأرعاكي وعمتك أيضاً سترعاكي يا صغيرة


الطفله:ماذا عمتي عمتي ماهذا
الجدة:؟؟؟ما الذي ماهذا وماذا في الأمر


الطفله:لالاااااااشيء هيا ياجدتي فلنعد إلى موضوع الحذاء
الجدة:لاتخافي يا عزيزتي خالتك سو تهديك حذاء جميلاً هدية لك أرتدي أي حذاء


بشرط أن يكون نظيفاً
الطفله:حسناً
وماهي إلى لحظات حتى وجدت الصغيرة نفسها ترتدي هدية



خالتها الحنونه
أنشغلت الصغيرة مع الحذاء حتى وجدت خالتها تودع كل الحاضرين
عند المخرج أسرعت الصغيرة نحو خالتها وهي تصرخ:خاااااااااااالتيييي خاااااااااالتييييي أنتظري


رمت الصغيرة نفسها في حظن خالتها وعيونها ملية بالدموع لرحيل خالتها
الحنونه وهي تشكرها وتقول:شكراً لك ياخالتي العزيزه ألف شكر على هذة الهدية الرائعه


ولن أنسى حنانك وعطفك علي وسأظل أحتظ بالحذاء الأحمر ليكون رمزاً لأحلى ذكرياتنا

بلال نعيم
05-12-2010, 07:48 AM
الشجرة المجنونة

تسمي أمي تلك الشجرة بهذا الاسم الذي لا أحبه: ((المجنونة))! وبدلاً من

أن تخاف منها كما يخاف الناس من المجانين تحبها جدا

*ولا تشبع من النظر إليها
ربما كان الحق مع أمي، فأنا أيضاً أحب هذه الشجرة

*التي تشبه أوراقُها أوراقَ شجر الليمون



*لكنها أصغر حجماً. أما أزهارها فكثيرة.. كثيرة

تتألف كلٌّ منها من ثلاث وريقات بنفسجية اللون تتجمَّع

*على شكل جرس في وسطه ثلاث أو أربع زُهَيْرات صفراء كأنها أفواه صغيرة تضحك
كانت أمي تتحدث عنها البارحة لضيوفنا

*فسألتها:ماما.. لماذا تسمين هذه الشجرة الجميلة بهذا الاسم القبيح
قالت: غداً أعطيك الجواب
الآن أنا وأمي في حديقة المنزل نقف تحت الشجرة المجنونة

*وها هي أمي تقول:أسميها المجنونة لا لأنها ضربتْ زميلاتها من الأشجار، أو عضَّتْها

*أو قامت بأفعال شاذة غريبة. إنها كما ترى- لطيفة هادئة، لكنني اخترتُ لها هذا الاسم لكثرة أزهارها

*فهي بالمئات والآلاف. إنَّ الجنون هو تجاوز الحد يا ولدي، وهذه الشجرة تتجاوز الحد، فتعطينا أزهارها بجنون
تضحك أمي، وأضحك معها قائلاً: ماما.. أحبك بجنون، وأحب شجرتك المجنونة

بلال نعيم
06-12-2010, 05:09 AM
البُستانيّ و الثّعلبُ
*
*
يُحكى أنّ بُستانيًّا كان له بستانٌ يعتني بأشجارهِ كلّ يومٍ

يسقيها ، أو يكنش التّربة حولها ، يقلّم أغصانها

أو يقلع الأعشاب الضّارة المحيطة بها
*
نَمَتْ أشجار البستان و أثمرتْ ، فتدلّتْ أغصانها

و ذات مساءٍ مرّ بالبستان ثعلبٌ جائع
*
رأى ثماره الناضجة فسال لعابه و اشتهى أن يأكل منها
*
لكن كيف يدخل البستان

كيف يتسلّق هذا السّور العالي


*


*
بقي الثعلب يدور حول السّور ، حتّى وجد فتحة في أسفله

فنفذ منها بصعوبة ، و بدأ يأكل الفواكه حتّى انتفخ بطنه

و لمّا أراد الخروج لم يستطع
*
قال في نفسه : أتمدّدُ هنا كالميّت
*
و عندما يجدني البستانيّ هكذا

يرميني خارج السّور ، فأهرب و أنجو
*
جاء البستانيّ ليعمل كعادته ، فرأى بعض الأغصان مكسّرة
*
*

و القشور مبعثرة ، عرف أنّ أحدًا تسلّل إلى البستان

فأخذ يبحث حتّى وجد ثعلبًا ممدّدًا على الأرض

بطنه منفوخ ، و فمه مفتوح ، و عيناه مغمضتان
*
قال البستانيّ : نلتَ جزاءك أيّها الماكر

سأحضر فأسًا ، و أحفر لك قبرًا

كي لا تنتشر رائحتك النّتنة
*
خاف الثعلب فهرب و تخبّأ ، و بات خائفًا
*
و عند الفجر خرج من الفتحة الّتي دخل منها

ثمّ التفت إلى البستان و قال : ثمارك لذيذة و مياهك عذبة

لكنّي لم أستفد منك شيئًا
دخلت إليك جائعًا ، و خرجت منك جائعًا ، و كدت أن أدفن حيًّا

بلال نعيم
06-12-2010, 05:13 AM
*

التقت شجرة بخروف يوماً، وكانت الشجرة تتمنى أن تكون مثل المطر، فقال لها الخروف أن ترضى بما هي عليه
فقالت الشجرة عاتبة


لا يا صديقي لا .. ولكن المطر يعطي الكثير ، وأتمنى بصراحة أن أكون مثله .. ليس هناك أجمل من العطاء ، وكما ترى فليس

هناك من يعطي كما يعطي المطر ، هذه حقيقة .. فلماذا لا أكون مثل المطر
قال الخروف




قد لا أفهم كثيرا في مثل هذه الأشياء .. لكن كيف تكونين مثل المطر .. أنا أظن أن المطر مطر

*والشجرة شجرة والخروف خروف .. فكيف تكونين مثل مطر
أجابت الشجرة
*اسمع يا صديقي ، سأوضح لك ، إن المطر يعطي ويفيد الآخرين كثيرا ، أما نحن ففائدتنا محدودة جدا ، لماذا لا نكون مثل المطر
قال الخروف بحزن مع أنه لم يفهم تماما ما المقصود من كلام الشجرة ، وكان يظن أنها تفهم كل شيء
*معك حق يا صديقتي الحكيمة ، كم عطاؤنا قليل أمام عطاء المطر..لكن ماذا نستطيع أن نفعل ، من الصعب أن يصير الواحد

*منا مطرا .. مثلا أنا لا أستطيع أن أتخيل نفسي حبات مطر ، ولا أستطيع أن أراك تهطلين مثل المطر
قال الشجرة


*كأنك لم تصل إلى معنى ما أريد .. ببساطة يا صديقي الخروف أتمنى أن أعطي كثيرا لأكون مثل المطر
قال الخروف
*ربما فهمت .. أقول ربما .. على كل المطر رائع وأنت رائعة ، مثلا أنا أظن أنك أفضل مني بكثير لأنك شجرة ولأنني خروف ، أنت تعطين

*أكثر بكثير ، هذه حقيقة ، فهل أستطيع أن أكون شجرة على أقل تقدير قبل أن أكون مطرا
كانت حبات المطر تسمع هذا الحوار الطريف الجميل وتتمايل بفرح، ورأت أن تتدخل فقالت
*كل ما تقولينه يا صديقتي الشجرة غير صحيح .. أيضا ما تقوله يا صديقي الخروف غير صحيح .. علينا أن ننظر إلى الحياة بشكل يكون فيه

*الكثير من العمق .. كل واحد يقدم حسب استطاعته ، وعطاء كل واحد منا عطاء رائع لأنه يكمل عطاء

*الآخر ما الذي يجري لو أن كل شيء تحول إلى مطر


قالت الشجرة
ولكن لماذا لا نعطي أكثر ؟؟ العطاء شيء جميل* لماذا أنت أفضل منا في عطائك
أجابت حبات المطر بهدوء*
*كلنا نتعاون في العطاء .. أنا أعطي ، أنت تعطين ، الخروف يعطي ، كلنا نعطي ونفيد ، ليس هناك أقل وأكثر في عطائنا



*كل واحد منا يؤدي وظيفته الرائعة في العطاء ، وكما قيل من يعطي يستحق الحياة ، وما دمنا نعطي فنحن نستحق الحياة
شعر الخروف بالكثير من الفخر وقال
ولكن هل قيمتنا مثل قيمتك أيها المطر
*مادمنا لا نستطيع الاستغناء عن عطائك وعطائي وعطاء الشجرة، فالقيمة متساوية ، وأظن أنه لا قيمة لأحد بدون الآخرين

تابع المطر هطوله بسرور ، وكانت الشجرة سعيدة وهي تعانق حبات المطر ، أما الخروف فكان يجري بمرح متجها إلى بيت صاحبه

بلال نعيم
06-12-2010, 05:14 AM
*

الغيمة غير المطيعة

كانت غيمة صغيرة في السماء تتسكع طوال النهار وتلعب

*ولا تطيع والدتها، وكانت أمها تصرخ قائلة:لقد طفح الكيل! تخرجين صباحاً بيضاء نظيفة

*وتعودين مساء سوداء تماماً. لا أعرف أين تذهبين

*ولا مع من تلعبين! سأمرض بسببك
ولا تكف الغيمة عن اللعب، ولا تصغي لأية كلمة طيبة

*تجتمع مع غيمات صغيرات وتُلحق الأذى بالطيور والناس

*وقد حيّرت أعمالهن السيئة غيوم الأفق الأخرى

*وما عادت الغيوم تعرف كيف تعاملهن
ونستطيع أن نقول إن غيمتنا كانت دائماً في مقدمة كل خصام، وكل عملٍ طائش
لقد تمادت كثيراً مع الغيمات الصغيرات وكانت انتصاراتها تُفرحها


وذات حين لم تُحسن الغيمة الصغيرة تقدير قوتها

فاشتبكت مع غيمة أخرى في خصومة
اندفعت إلى العراك بحمية لكن الغيمة الأخرى كانت تتقن

*فن فهزمت غيمتنا بضربات سريعة وحركات متقنة


شرعت غيمتنا تبكي حزينة، ونحن نعلم أن الغيمة حين تبكي تتحول

*كلها، إلى دموع وفقاً لبعض قوانين الطبيعة
هطلت على الأرض واختفت في أحد الحقول

*بدأت أمّها تبحث عنها وهي تسأل:آخ، أين أنتِ يا غُييمتي العزيزة


بحثت عنها وراء الجبال والتلال، لكنها لم تعثر على أثرٍ لها، وقفت

*فوق أحد الحقول متعبة، كانت حزينة جداً فبدأت تبكي
وسقطت هي أيضاً إلى الأرض. حين أشرقت الشمس رأت كل شيء

*وقالت:صحيح أن هذه الغيمة الصغيرة غير مطيعة وسيئة

*لكن أمّها حزينة عليها جداً. سأساعدها
وقفت الشمس فوق المكان الذي سقطت عليه الأم

والشمس تستطيع أن تحوّل الماء إلى غيم

*سطعت الشمس فوق ذلك المكان ساعتين أو ثلاث ساعات مرسلة أشعتها القوية

*نحو الأرض فنهضت الأم وصعدت نحو السماء

*قالت الشمس:سأذهب الآن إلى حيث تختفي تلك المشاغبة
وذهبت وسطعت فوق المكان
نهضت الغيمة الصغيرة من الأرض رشيقة قوية وذهبت كي

*تبحث عن أمها. صارت تنادي في كل مكان:أمي، أمي
وقفت في أماكن كثيرة، وسارت طويلاً ولم

تجد أمها. وكانت تسأل الغيمات عنها
أنتم جميعاً تتمنون أن تجد أمها. أنا أعرف ذلك. وقد حدث ذلك

*فبعد يومين، وعند الأفق، التقت الأم وابنتها
أسرعت كلٌّ منهما نحو الأخرى وتعانقتا. وكان فرحهما كبيراً. ومنذ ذلك

*الحين (ويجب أن أقول ذلك) صارت تلك الغيمة الصغيرة مطيعة جدا

wrong number
06-12-2010, 01:03 PM
فعلا قصص حلوة
ممكن نحتاجها مع الايام

صمت الرحيل
06-12-2010, 01:59 PM
ماشـآء الله
مجهـود كبير
شكراً إلك ولو إنو قليـل في حق هـالروعة
تسلـم إيديكْ
ويعطيك العآفية

http://khazn.com/uploads/images/c-feda0f5dfc45294d92a99e5db48dc4dd.gif (http://khazn.com)

بلال نعيم
15-04-2011, 08:46 AM
*
عشّ السنونو



مع الربيع عاد السنونو من رحلته الشتوية إلى ديارنا، وحينما وصل إلى عشّه وجد فيه فراخ عصفورة

ابتسم ووقف على حافة العشّ، وسأل الفراخ

أين ماما‏

الفراخ الصغيرة فتحت مناقيرها تُريد طعاماً فهي لم تفهم كلام السنونو

حسناً يا صغار* وطار السنونو فترة ثم عاد إلى العش بعد أن ملأ حوصلته بالطعام* ولكنه وجد أمّهم العصفورة تزقهم

صباح الخير يا عصفورة

طاب صباحك يا سنونو

قبل فترة وجدتُ صغارَكِ جياعاً فجئتُ بطعام لهم ألا تسمحين لي بزقّهم

أوه شكراً شكراً يا سنونو، لقد أطعمتهم الآن

تطلّعتِ العصفورةِ في وجهِ السنونو خجلةً، واستأنفت كلامها* أنا آسفة

يا سنونوما كنتُ أتوقّعُ أنكَ ستعودُ إلى ديارنا في هذا العام ومع هذا فسأعمل على نقل فراخي غداً إلىعشٍّ آخر

أوه ماذا جرىَ يا عصفورة‍‍ هذا عشُّكِ لا فرق بيننا، وصمتَ لحظةً ثم تابع لابأس لابأس أبقي في عشّي أما أنا فسأبني عشّاً‏

آخر بجوارك

إذن سأعاونكَ يا سنونو أنا وأصدقائي ثم اقتربتْ منه وراحت تقبله، وفجأةً انتفضتْ فرحةً وهي تقول

*يا إلهي إنّ فيكَ رائحة بيت المقدس والحجارة يا سنونو

آه يا عصفورة لو تعلمين ماذا يحدث هناك وراح يحدّثها بحماس بينما أخذت عصافير كثيرة تتجمع حوله وتصغي لحديثه

*

بلال نعيم
15-04-2011, 08:46 AM
*
الثعلب والعنزات الصغار

*



في غابة من الغابات الكبيرة كانت تعيش عنزة مع جَدْيَيها الصغيرين في سعادة وسرور
كانت الأم تذهب كل يوم إلى المرعى لتجلب لصغيريها العشب والحليب،

*فيما يبقى الصغيران في البيت يلعبان ويمرحان إلى حين عودة أمهما من المرعى
وكان يعيش في هذه الغابة أيضاً ثعلب مكّار

استمرت سعادة العنزة مع جدَييها إلى أن جاء يوم جاع فيه الثعلب، ولم يجد ما يقتات به من الطعام، فأخذ يفتّش في الغابة الكبيرة

*علّه يجد شيئاً يسكت به جوعه، وبينما هو يفتّش مرّ من تحت شباك بيت العنزات، فإذا به يسمع صوت العنزة الأم توصي صغارها بعدم

فتح الباب لأي أحد إلى أن يسمعوا صوتها هي وحدها فيفتحوا لها

مدّ الثعلب رأسه بحذر شديد، فرأى جديين صغيرين جميلين، يهزان رأسيهما طوعاً لأمهما فسال لعابه عليهما

*وأخذ يحلم بصيدهما وأكلهما وقال في نفسه

*سوف أنتظر ذهاب الأم وأقتحم البيت وآخذ الصغيرين

انتظر الثعلب برهة من الزمن إلى أن ذهبت العنزة الأم، وأغلقت الباب خلفها، فاختبأ خلف شجرة كبيرة، وانتظر حتى غابت العنزة الأم عن عينيه، فقال والفرح يغمر قلبه

*الآن جاء دورك أيها الثعلب الذكي

دقّ الثعلب على الباب، فردّ عليه أحد الصغيرين بصوته البريء

*من بالباب
ردّ الثعلب بخبث

*أنا أمكما.. افتحا الباب يا صغاري

ولكن صوت الثعلب كان خشناً غليظاً، فعرف الجدي أنه الثعلب الماكر فقال بغضب

*اذهب أيها الثعلب الماكر.. إن صوتك خشن، وأمّنا صوتها جميل وناعم

حارَ الثعلب ماذا يفعل وكيف يجعل صوته ناعماً، وبينما هو يعصر مخّه، تذكّر صديقه الدبّ فقال في نفسه

- سأذهب إلى صديقي الدب وآخذ منه قليلاً من العسل ليصير صوتي ناعماً

انطلق الثعلب يجري ويجري إلى أن وصل إلى بيت الدبّ، فدقّ الباب، وجاءه صوت الدبّ من الداخل

*من يدقّ بابي في هذه الساعة




قال الثعلب

- أنا الثعلب يا صديقي الدب.. جئت أطلب منك شيئاً من العسل

فتح الدب الباب وسأل الثعلب في استغراب

- ولماذا تريد العسل أيها الثعلب المكّار


خطرت في رأس الثعلب فكرة فقال

*إنني مدعو اليوم إلى حفلة عرس، وسوف أغني هناك، وأريد أن يكون صوتي ناعماً وجميلاً

ذهب الدب وأحضر كأساً من العسل وطلب من الثعلب أن يلعقه، فلَعَقَه الثعلب، وشكر للدبّ حُسن تعامله،

*ثم انطلق راجعاً إلى العنزات الصغيرات وكله أمل أن تنجح خطته، ويفوز بالعنزات..

طرق الثعلب الباب عدة طرقات خفيفات، وسمع صوت جَدْيٍ صغير يقول له

- من يدق الباب

سعل الثعلب ليجلو حنجرته وقال بصوت ناعم مقلداً صوت العنزة الأم

*افتحا الباب يا أحبائي.. أنا أمكما العنزة، وقد أحضرت لكما الطعام

أسرع الجديان الصغيران وفتحا الباب، وإذا هما يريان الثعلب الماكر، أخذ الجديان الصغيران يركضان هنا وهناك،

*ولكن الثعلب كان أسرع منهما، فأمسكهما ووضعهما في الكيس، وانطلق مسرعاً إلى بيته فرحاً بما حصل عليه من صيد شهي

بعد قليل جاءت العنزة الأم وهي تحمل الحشيش بقرنيها، وتختزن الحليب بثدييها، وكانت تغني وترقص فرحة برجوعها إلى بيتها،

*وما إن اقتربت من البيت حتى رأت الباب مفتوحاً، ووجدت البيت خالياً، فأخذت تنادي على صغيريها ولكن لا أحد يجيب،

*فجلست على الأرض تندب حظها وتبكي صغارها، وبعد أن هدأت قليلاً قالت في نفسها

"إن البكاء لا يجدي، فلأذهب وأفتّش عن صغاري، وأظن السارق هو الثعلب الماكر

أخذت العنزة تجري هنا وهناك، وتسأل كلّ من يصادفها، إلى أن اهتدت إلى بيت الثعلب، وفيما كان الثعلب يستعدّ لأكل الجديين الصغيرين

*سمع طرقاً عنيفاً على الباب فصاح

*من الطارق
فجاءه صوت العنزة الأم تقول



*أنا العنزة الكبيرة، افتح وأعطني صغاري

سمع الجديان صوت أمهما، وحاولا تخليص أنفسهما من الكيس دون فائدة، فيما كان الثعلب يردّ على الأم

*اذهبي أيتها العنزة، لن أعطيك أولادك، وافعلي ما شئت

أجابت العنزة بقوة:

- إذن هيّا نتصارع، والفائز هو الذي يفوز بالصغار

وافق الثعلب على هذا الاقتراح، وقال يحدّث نفسه

"سوف أحتال على هذه العنزة الضعيفة وأقضي عليها، ثم أجلس وآكل الصغار بهدوء"



خرج الثعلب من وكره، وتقابل الخصمان، وتعالى الصياح، وتناثر الغبار، وأخيراً انقشع الغبار،

*وقد تغلّبت العنزة على الثعلب وقضت عليه بقرنيها الحادين وسقط على الأرض مضرَّجاً بدمائه



أسرعت الأم إلى جَدْيَيْها، وفكّت رباطهما، ثم ضمتهما إلى ذراعيها وهي تقول معاتبة
*

هذا درس لمن لا يسمع كلام أمّه...

بلال نعيم
27-04-2011, 08:47 AM
وفاء الأصدقاء

دأميمة منير جادو

دخل عم "أبو الشوارب " على نونو و لولو و فوفو و سألهم : لقد تأخرتم جداً على المدرسة ؟ أما زلتم تذاكرون ؟ رد الأصدقاء الثلاثة : هذه ليست مذاكرة يا عم ابو الشوارب , سألهم : ماذا تفعلون إذن ؟
قال نونو : نقرأ كتاب (كيف تعتني بالقطط)؟
سألهم : وهل عندكم قطط ؟
لولو : لا..للأسف ليس عندنا قطط ! لكننا نحب القطط .. من فضلك ممكن تحضر لنا قطة ياعم أبو الشوارب ................................................. ؟
أبو الشوارب :هيا إلى المدرسة ... لقد تأخرتم , عندي عمل كثير في الحديقة . فوفو: أرجوك يا "أبو الشوارب" فكر في الأمر .
أبو الشوارب :حاضر سأفكر ...
الجميع : ماذا قلت ؟ ماذا قلت؟
لولو : هيا إلى المدرسة, قال إنه سيفكر.
همس أبو الشوارب لنفسه :معقول أفكر في قطة وأحضرها لهم , قد يحدث بسببها مشاكل ويطردني صاحب البيت والحديقة .
ظهرت قطة وصاحبتها تموءان: نياو... نياو...
قالت مشمشة : يا عم ممكن أترك عندك توتة حتى أذهب للسوق وأعود لها بالسمك الذي تحبه إنها مريضة للغاية ؟
رحب العم وقال : بكل سرور .. أرجوكِ لا تغيبي .
وذهب ليسقي الزرع ويعتني بالحديقة ,لكن توتة لم تكف عن المواء : نياو .. نياو .
ذهب العم إليها: إهدئي يا توتة ..تأخرت مشمشة سأذهب وأحضر لك السمك من السوق. انتظريني هنا .لن أتأخر عليكِ .
عاد الأصدقاء الثلاثة . وجدوا توتة , فرحوا بها , حملها لولو وقال : أبو الشوارب رجل طيب, ويحبنا , أحضر لنا القطة التي طلبناها منه صباحاً , قال فوفو : لكنها تصرخ ..ماذا نفعل ؟ قال نونو : نبحث لها عن طعام ..لابد إنها جائعة وحملها برفق بين يديه ومضوا جميعا .عاد العم فلم يجد القطة توتة , بحث في كل مكان دون جدوى .
عادت مشمشة بالسمك وسألت عن توتة .قال أبو الشوارب : كانت تصرخ من الجوع , ذهبت السوق لأشتري لها السمك ولما عدت لم أجدها .حزنت مشمشة وبكت وقالت له أنت لم تحافظ على الأمانة , سأشكوك للقاضي .ذهبت توتة للقاضي وحكت له ما حدث , أمر القاضي بإحضار أبي الشوارب,وسأله عما حدث ,فأجابه ولم يكذب, قال القاضي : أنت مهمل وأدخله السجن . دعا العم أبو الشوارب أن يظهر الله الحق ثم نام .
عاد الأصدقاء الثلاثة وعرفوا من الجيران أن أبا الشوارب في السجن فأسرعوا إليه , حكى الأصدقاء للقاضي ماحدث منهم ,قالوا: كنا نظن أن أبا الشوارب أحضر لنا هذه القطة وكانت تصرخ من الجوع , ذهبنا نبحث لها عن طعام وحملناها معنا حتى لا نتركها وحدها .أبو الشوارب مظلوم ولم يفعل أي خطأ بل نحن المخطئين . عاقبنا نحن أيها القاضي .
قال القاضي :مادامت توتة موجودة انتهت المشكلة , عفا القاضي عن العم وأخرجه من السجن بعدما ظهرت براءته .قال القاضي لمشمشة :لابد من مكافأة هؤلاء الأصدقاء الأوفياء على شجاعتهم وأمانتهم, فماذا نقدم لهم ؟
قالت مشمشة :إنهم يحبون القطط ويعطفون عليها .وأنا مستعدة أعيش معهم أنا وتوتة , ثم قالت لتوتة : مارأيك ؟
رحبت توتة بالفكرة , فرح الأصدقاء جميعا وحملوا مشمشة وتوتة وصحبهم أبو الشوارب وعادوا للبيت في سعادة .
عاش الجميع في حب وسلام وأمان .

بلال نعيم
04-07-2011, 10:20 AM
*

*

*

*

*

وأخيراً.. وبعد طول معاناة، قابلته هرة صغيرة..


فقال لها: لست وجبة مشبعة لمخلوق جائع مثلي.. لكن في مثل هذا الوقت الصعب، فإن بعض الشيء يكون أفضل من لا شيء.
وتهيأ الثعلب للانقضاض على الهرة.. فناشدته قائلة : كلا أرجوك.. لا تأكلني.. وإن كنت جائعاً، فأنا أعلم جيداً أين يمكن للفلاح أن يخبئ قطع الجبن.. فتعال معي، وسترى بنفسك.
صدق الثعلب ما قالته الهرة الصغيرة.. وسال لعابه ينما تخيل قطع الجبن وهو يتهمها.


فقادته الهرة إلى فناء المزرعة حيث يوجد هناك بئر عميقة ذات دلوين..
ثم قالت له: والآن، انظر هنا، وسترى في الأسفل قطع الجبن.
حدّق الثعلب الجائع داخل البئر، ورأى صورة القمر منعكسة على الماء، فظن أنها قطعة من الجبن.. فرح كثيراً وازداد شوقاً لأكلها..

قفزت الهرة إلى الدلو الذي في الأعلى، وجلست فيه، وقالت للثعلب: هذا هو الطريق إلى الأسفل.. إلى قطعة الجبن.. ودورة الهرة بكرة الحبل، ونزلت بالدلو نحو الأسفل إلى الماء..

بلال نعيم
04-07-2011, 10:22 AM
** الاسد والفار **
كان اسد قوي يعيش في غابه كثيفه الاشجار وتسكن جماعه من الفئران في مكان قريب منه .
وفي يوم مشمس خرجت الفئران من حجورها تلعب وتقفز على العشب الاخضر فقفز واحد منها قفزه قويه اوقعته على وجه الاسد وهو نائم . استيقظ الاسد غاضبا وزأر زئيرا قويا ،هربت الفئران الى حجورها مذعوره .اما الفأر الذي وقع على وجه الاسد فوقف في مكانه ثابتا لا يتحرك رأى الاسد الفأر وقبض عليه ، فقال الفأر متوسلا : سامحني ، انا لم اقصد ازعاجك .
استجاب الاسد له ، وعفا عنه ، فجرى الفأر مسرعا وهو يقول : اشكرك ، اشكرك
وفي يوم من الايام ، بينما كان الاسد يسير في الغابه وقع نظره على قطعه لحم كبيره . اسرع ليأكلها ، فوقع في شبكه صياد ، ولم يستطيع التخلص منها ، فزأر عاليا
سمع الفأر صوت الاسد ، وادرك انه في خطر فأقبل اليه مسرعا وقال له : لاتخف ياملك الغابه ، لقد اتيت لاخلصك
اخذ الفأر يقرض حبال الشبكه باسنانه الحاده حتى يقطعها نجا الاسد وشكر للفأر معروفه فقال له الفأر : معروفك اسبق يا سيدي ثم ، انصرف

** الحجر الذي لايعجبك يفجك **

بلال نعيم
04-07-2011, 10:24 AM
ليلى والعصفور السجين


كان القفص معلقا على الجدار .. داخل القفص كان العصفور ذو الريش الحلو الجميل يقف حزينا كئيبا .. بين الحين والحين كانت نظراته ترحل في الفضاء الواسع باحثة عن صديق ، وفي كل مرة كان هناك عصفور يمر معلنا عن فرحه بالانطلاق والحرية .. ولأن العصفور كان حزينا فلم ينتبه لتلك التحيات التي كانت العصافير تلقيها مزقزقة من بعيد .. قال يخاطب نفسه : رحم الله ذلك الزمن الذي كنت فيه حرا طليقا مليئا بالنشاط ، لكن هذا الصياد الذي لن أنسى وجهه ، سامحه الله ، تسبب في وضعي حبيسا هكذا .. ماذا جنى من كل ذلك .. تابع العصفور يحدث نفسه : لكن هذه البنت ليلى، لا أنكر أنها طفلة محبوبة ، إنها تعاملني أحسن معاملة ، ولكن تبقى الحرية هي الأغلى في العالم كله ..
في هذا الوقت تحديدا أتت ليلى ووقفت أمام القفص وقالت :
- كيف حالك يا صديقي العزيز .. أتدري لقد اشتقت إليك ، تصور لا تمر دقائق إلا وأشتاق إليك ، أنت أغلى الأصدقاء أيها العصفور الحبيب .. ما رأيك أن أقص عليك اليوم قصة الملك ديدبان والأميرة شروق ؟؟ ..
كان العصفور في عالم آخر ، لم يجب بحرف واحد .... استغربت ليلى وقالت :
- ماذا جرى أيها العصفور ، كأنك لم تسمع شيئا مما قلت ، أنت الذي طلبت مرات ومرات أن تعرف شيئا عن الأميرة شروق ، تقف الآن ولا تقول أي شيء .. ماذا بك أيها العصفور ، هل أنت مريض أم ماذا ؟؟..
نظر العصفور إليها مهموما حزينا وقال :
- أتدرين يا صديقتي ليلى إنني أكره حياتي السجينة في هذا القفص.. ما هذه الحياة التي لا تخرج عن كونها قفصا صغيرا ضيقا .. أين الأشجار والفضاء والأصدقاء من العصافير .. أين كل ذلك ؟؟ كيف تريدين أن أكون مسرورا ، صحيح أنني أحب سماع قصة الأميرة شروق ، لكن حريتي أجمل من كل القصص ..
قالت ليلى حائرة :
- نعم يا صديقي لا شيء يعادل الحرية .. لكن ماذا أفعل .. أنت تعرف أن الأمر ليس بيدي !!.
قال العصفور غاضبا :
- أعرف يا ليلى ، لكن أريد أن أسألك ماذا يجني أبوك من سجني ؟؟ أنا أحب الحرية يا ليلى ، فلماذا يصر والدك على وضعي في هذا القفص الضيق الخانق؟؟.. إنني أتعذب يا ليلى ..
بكت ليلى ألما وحزنا ، وركضت إلى غرفة والدها .. دخلت الغرفة والدموع ما تزال في عينيها .. قال والدها :
- خير يا ابنتي .. ماذا جرى ؟؟
قالت ليلى :
- أرجوك يا أبى ، لماذا تسجن العصفور في هذا القفص الضيق ؟؟..
قال الوالد متعجبا :
- أسجنه ؟؟ .. ما هذا الكلام يا ليلى ، ومتى كنت سجانا يا ابنتي؟؟..كل ما في الأمر أنني وضعته في القفص حتى تتسلي باللعب معه .. لم أقصد السجن ..
قالت ليلى :
- صحيح أنني أحب العصفور ، وانه صار صديقي ، لكن هذا لا يعني أن أقيد حريته .. أرجوك يا أبي دعه يذهب ..
قال الوالد ضاحكا :
- لا بأس يا ابنتي سأترك الأمر لك .. تصرفي كما تشائين .. لا داعي لأن أتهم بأشياء لم أفكر بها.. تصرفي بالعصفور كما تريدين.. لك مطلق الحرية .. أبقيه أو أعطيه حريته .. تصرفي يا ابنتي كما تشائين ..
خرجت ليلى راكضة من الغرفة .. كانت فرحة كل الفرح ، لأن صديقها العصفور سيأخذ حريته .. وصلت وهي تلهث ، قالت:
- اسمع أيها العصفور العزيز . اسمع يا صديقي .. سأخرجك الآن من القفص لتذهب وتطير في فضائك الرحب الواسع .. أنا أحبك ، لكن الحرية عندك هي الأهم ، وهذا حقك ..
أخذ العصفور يقفز في القفص فرحا مسرورا .. قال :
- وأنا أحبك يا ليلى ، صدقيني سأبقى صديقك الوفي ، سأزورك كل يوم ، وسأسمع قصة الأميرة شروق وغيرها من القصص ..
صفقت ليلى وقالت :
- شكرا يا صديقي العصفور .. لك ما تريد .. سأنتظر زيارتك كل يوم .. والآن مع السلامة ..
فتحت باب القفص ، فخرج العصفور سعيدا ، وبعد أن ودع ليلى طار محلقا في الفضاء ..
وكان العصفور يزور ليلى كل صباح وتحكي له هذه القصة أو تلك، ويحكي لها عن المناطق التي زارها وعن الحرية التي أعطته الشعور الرائع بجمال الدنيا ..











**********************






**********************

بلال نعيم
04-07-2011, 10:26 AM
**قوس قزح**


هذا أنا، أيّها الأصدقاء، صرت في العاشرة من عمري، أحبّ مثلكم الشمس والأشجار والأزهار والعصافير المغرّدة.. أحبّ أمي وأبي وإخوتي . وأهلي وجيراني.. أحبّ مدرستي وأساتذتي.. أحمل حقيبتي الجلدية، وأنطلق باكراً إليها.. أصدقائي هناك ينتظرونني، وسنقضي أجمل الأوقات، أنا أعاملهم بلطف ومودّة، وهم كذلك، الأصدقاء يتعاملون دائماً بلطف ومحبّة ومودّة وتهذيب..‏

وفي يوم العطلة، ألعب معهم، نركض، نقفز.. نتبارى في الوثب والجري، والتقاط الكرة وهي تطير في الفضاء..‏

لكنني، اليوم ، حزين..‏

هل تعرفون لماذا؟‍‏

اليوم، هو يوم الجمعة، يوم العطلة الأسبوعية، وأنا لاأستطيع الّلعب مع أصدقائي، لأنّ الجو ماطر،... منذ الصّباح الباكر ، والسماء ملبّدة بالغيوم الداكنة والمطر ينهمر بغزارة ، ولن أتمكّن من الخروج إلى اللعب‏

وقفتُ خلف النافذة، في غرفة الجلوس بدأت أراقب هطول المطر.. كانت حبّاته الكبيرة تنقر زجاج النافذة ، بلطف أولاً.. تب.. تب.. تب.. تبتب، تبتب، تب.. تب.. ثمّ ازدادت.. ياه.. كأنها حبال تصل الأرض بالسماء، وازدادت أكثر حتى خلتُ أنّ سطولاً تندلق..وش..وش.. وش.. مطر غزير.. والأشجار بدأت تغتسل، والطرقات تستحمّ، لقد صارت نظيفة لامعة!..‏

ولم تمض ساعة أخرى ، حتى انقطع المطر..‏

وشاهدت مجموعة من الألوان الجميلة الشفّافة، كأنها الجسر المعلّق،... دُهشت، ولم أعرف ما الذي يتسلّقُ السّماءِ، وينتصب في وسطها.. سألت أمّي:‏

- ما هذا الذي يشبه الجسر.. جسر النّهر الحجريّ؟!‏

مسحتْ أمي بحنان فوق رأسي، وقالتْ:‏

- إنّه قوس قزح!‏

سألت ثانيةً:‏

- ومن بنى هذا القوس؟‏

ضحكت أمي. لقد أدهشها سؤالي، ضمتّني إليها، وبدأت تشرح، كيف يتشكّل قوس قزح:‏

- انظر. لقد طلعت الشمس، وتلك أشعتها تنعكس على قطرات المطر.. والضوء الأبيض يتحلّل إلى طَيْفهِ الّلوني،.. انظر ، هذه ألوان الطيف من الأعلى بدأت تتدرّج.. اللون الأحمر، والبرتقالي، والأصفر والأخضر، والأزرق، والنّيلي، والبنفسجي.. هتفتُ بفرح:‏

- سبعة ألوان جميلة، ياأمي ، سبعة ألوان!..‏

هزّت رأسها ، وهمستْ:‏

-ما أروع جمال الطبيعة.. ما أروع ما فيها من رقّةٍ وجمال!..‏


...........‏

......................‏

لقد أعجبني قوس قزح، أعجبني كثيراً حتى إنّني قصصت دائرةً من ورقٍ مقوّى' قسّمتها إلى سبعة قطاعات، هي ألوان الطّيف، لوّنتها بدقّة، ثم ألصقتها على بكرة خيوط فارغة لأجعلها تدور، بعد أن ثقبت بقلم الرصاص مركز المحور.. هاهي ذي تدور.. تندمج الألوان، وتدور.. ألوان الطيف الشفّافة تدور.. وحين تزيد سرعتها تبدو الدائرة ذات لون أبيض.. ما أجمل هذا!!..‏

كانت لعبة جديدة من ألعابي، سوف أفاجئ بها أصدقائي وأصحابي..‏

.....................‏

لقد حبسني المطر ذلك النهار..‏

لكنني استفدت كثيراً، فأنا قمت بعمل نافع.. وما زلت أفكّر بأن أكتشف شيئاً جديداً..ربّما- في المرة القادمة- أتسلّق قوس قزح.. وأعرف ما يدهش أكثر.. ربّما..

بلال نعيم
04-07-2011, 10:31 AM
:/: في دارنا ثعلب :/:



تحت عريشة العنب .. فوق المصطبة الحجرية المشرفة على باحة الدار الكبيرة، كان جدّي يجلس كل مساء..‏

تعدّ جدّتي القهوة، وتهيئ المساند والوسائد، ثم تأمرنا بحزم قائلةً:‏

- العبوا هناك، قرب السّور. العبوا بهدوء! كنّا نقفز كالعفاريت، نعرض مهاراتنا في الجريِ والوثبِ والتسلّق من شجرة التوّت إلى بوابة الدار العريضة. إلى خمّ الدّجاج.. بعضنا يحمل على كتفه خشبة أو يمتطي قصبة طويلة كالحصان ، يمشي بخطوات العساكر:‏



- واحد.. اثنان، واحد.. اثنان..‏

أو يرتفع صهيل متقطّع:‏

- هي هي.. هي هي.. هي هي..‏

أمّي تبتسم، وجدّتي تبتسم، وربّما جدّي أيضاً يبتسم. كان يُسْعِدُه أن يرانا حوله، يحتضن أحفاده الصّغار، يزحف إليه محسن، وتركض نحوه فاطمة، ويتمسّح به هاني، وهو بهيبته ووقاره يربّت على أيديهم أو يداعب رؤوسهم..‏

عناقيد العريشة تتدلّى فوقنا كالمصابيح، حبّات العنب كبيرة لامعة، تشفّ عمّا فيها من عصير سائغ رقراق، تقول لنا أمّي:‏

- تعالوا، ذوقوا، ياأولاد، إنّه من فاكهة الجنّة!-‏

نلتقط الحبّات النّاضجة. نتلذّذ بالعنب الشهيّ، نرى في لونه الأحمر ما يثر النفس، ويحرّك الّلعاب، لقد أَحْبَبْنا هذه العريشة، أحبننا ظلالها الوارفة، وثمارها الّلذيذة. أحببنا أماسي الصيف في الدار الكبيرة.. جدّتي بثوبها الأزرق المنقّط بزهور بيض صغيرة، تروح وتجيء، تسقي شجيرات الورد، وشتلات الزنبق،...يتضوّع الياسمين، يعبق أَريجُه المُسْكِرُ، تعبق رائحة الفلّ والسوسن، والأقحوان، أسطح البيت تتألق بالضياء، حُمْرةُ الغروب في الأعالي، والحمام السابح في الفضاء يمدّ أجنحته البيضاء. يطير في دورانه المَرِح سعيداً، قبل أن يعود إلى أبراجه فوق السّطوح يهدل أمامنا، يقدّم تحية المساء ثم يغفو آمناً..‏

..........‏

....................‏

وجاء مساء، لم يكن كما ألفناه..‏

ارتفع صياح مزعج في باحة الدار، وعلا ضجيج وصخب.. أعلنت جدّتي وهي تضع كفّها على خدّها:‏

- يه.. يه.. يه.. الدّجاجة القرمزية اختفت!‏

ركضت أمي وهي تصيح:‏

- والأرنب.. الأرنب الصغير الأبيض لا أثر له!‏

قال أبي بهدوء:‏

- اسألوا جارتنا أم محمود!..‏

ومن وراء السّور، ظهر رأس أم محمود، بدت على وجهها آثار التّعب ، كانت دامعة العينين، وفي صوتها رَجْفة.. قالت:‏

- الدجاجة القرمزية، و.. الأرنب أيضاً.. لقد فقدت منذ يومين البطة الرمادية السمينة!!‏

قال أبي:‏

- معقول.. ماذا أسمع؟‏

صاح أبو حمدان، وهو يطلّ من البوّابة:‏

- أنت آخرُ مَنْ يعلمُ!..‏

ردّ عليه أبي:‏

- ما هذا الكلام، ياجارنا..؟!‏

أكمل أبو حمدان ساخراً:‏



- الثعلب يشنّ غاراته، وأنت لاتدري!..‏

نظر أبي إليه بقلق، وأبو حمدان يتابع حديثه:‏

- الحِمْلان عندي.تنقص اثنان رضيعان سُحبا..وها قد جاء دورك.. دجاجة ، ثمّ .. أرنب.. انتظر. هاه.. هاه.. وغداً منْ يدري، ربّما يصل إلى الصّغار!‏

أسرع أبي والغضب سيطر عليه.. حمل فاسه، ثم ركض باتجاه الدّغل القريب، ركضت وراءه أمّي وهي تحمل فأساً صغيرة أيضاً، ركض أخوتي.. لحق بهم أبو حمدان، ثمّ زوجته ، ثمّ أمّ محمود وزوجها.. وأبو خالد.. حتى جدّتي وصلت إلى أوّل الدّغل وهي تلهث.. وقفوا هناك، تشاوروا.. ارتفعت اصواتهم، مِنْ هُنا.. بل منْ هُنا.. كَثرُ صياحُهم، وقفت النساء إلى جانب أزواجهنّ، كلّ امرأة بجانب زوجها، تؤيدّه، ملأ الفضاء ضجيج وكلام كثير غير مفهوم.. تطاير السّبابُ.. تطايرت الشتائم.. من هنا.. ومن هناك.. اشتعل نقاش بين أبي وجارنا.. أبو حمدان يقول:‏

- قلت لك: الثلعب يمرّ من هذا المكان!‏

ردّ أبي:‏

- أنت مخطئ، منْ هنا يمرّ..‏

يجيب أبو حمدان:‏

- انظر.. هذه آثار أقدامه..‏

يسخر أبي:‏

- غلطان، هذه ليست آثار اقدام ثعلب!‏

- أنت أصغر منّي ولا تعرف شيئاً!‏

- بل أنت لا تعرف، وتريد أن..!!‏

وجذب أبي ثوب جارنا، وجذب أبو حمدان ثوب أبي، تشابكت الأيدي، وارتفع صياح النساء. وامتدت الفؤوس، لكنّ جدّتي صاحت بحزم:‏

- عيب.. ما هذا؟!‏

نظرت إلى أبي ، ثمّ إلى جارنا أبي حمدان، وقفتْ بينهما:‏

- تتعاركان بدون سبب!.. هل هذه طريقة تقضون فيها على الثعلب!.. واخجلتاه!!‏

انسحب أبي من المعركة، انسحب حمدان أيضاً، ساد الهدوء، وقد وقفا بعيدين، كديكين لم يكملا القتال.. كانا خَجِلَيْن.. وجدّتي بينهما حزينة..‏

..... وعند المصطبة. أمام جدّي الذي لم يغادر مجلسه، تعانقا، كان ابو حمدان هو الذي أسرع إلى أبي يضمّه إلى صدره.. قال جدّي بهدوء:‏

- يؤسفني ما حصل، كَثْرةُ الأقوال تبطل الأفعال، الثعلب ماكر، وأنتم تتشاجرون، ولم تفعلوا شيئاً حاسماً!..‏

وأمام الجميع. وضع جدّي بين يديّ أبي فخّاً..‏

نظر إلى عينيه مباشرة، وتمتم بِحَزْم:‏

- انصبه جانب السّور، قريباً من خمّ الدّجاج، ولا تنسَ السلسلة، فالثعلب ذكيّ، يعرف الطريق إلينا جيّداً!..‏

.......‏

..............‏

مرّت تلك الليلةُ، ولا حديثَ لنا إلاّ غارات الثّعلب النّاجحة، تذكّرنا بطّةَ أمّ محمود السمينة؛.. كيف سحبها الثلعب؟.. كم كانت وديعة طيّبة، تسوق صغارها. ثم تتهاوى فوق مياه البركة كالسّفينة!.. تذكّرنا الأرنب، أوكرة القطن المنفوشة، وهو يتدحرج في الباحة هنا وهناك ودجاجتنا القرمزية التي تطير فوق السّور.. أما كان بإمكان الديك المتعجرف أن ينقذها من مخالب الثعلب المهاجم؟! تذكّرنا الحِمْلان الصّغيرة التي ظَفر بها.. هل كانت تثغو وهي بين يديه، أم أنّ منظر الثعلب أخرسها؟ ليس هناك أمانٌ..‏


دجاجاتنا السّارحة تلتقط الحبَّ وهي خائفة، صارت كثيرة التلفّت والمراقبة.. الطيور والعصافير لاتبتعد عن أعشاشها، حتى الحَمامُ أوى إلى ابراجه دون أن يرفعَ هديلَه إلينا، أو يرقص في دورة المساء، حتى الأرانب اختفت وهي ترتجف.. فالثعلب يشنّ غاراته الليلية، ولا يترك خلفه إلاّ الريش.. حتى ألعابُنا توقّفتْ، وجدّتي نبّهتْ:‏


- ابتعدوا عن السّور. تلك أوامرُ الجدّ!!..‏

كنّا نلمحُ سلسلةً طويلة تمتدّ من شجرة التّوت، ثم تغوصُ قريباً من السّور.. لكن أحداً لم يقتربْ منها،. صار مجلسُنا، جميعاً، فوق المصطبة، في حَضْرة الجدّ، الذي يسعده وأن يرانا حوله.. أنا.. ومحسن، وهاني، وفاطمة.. وإخوتي بينَ يدَيْه.. وقد اتّكأ على وسادة فوقها صور فراشات وأزهار، والقمر لم يصعد، بعد، إلى قبّة السماء، والهدوء الشّامل يلفّ الدّار..‏

وعلى غير انتظار ، مزّقَ الصّمتَ صَرْخَةُ حيوانٍ حادّةٌ، تشبه نباح كلب ، كانت صرخة واحدة ، انطلقت منْ جانب السّور الحجريّ، أو تحت شجرة التّوت، رأينا جدّي ينهض بهمّة الشباب، وفي عينيه بريقُ النّصر، على الرغم من أنّ الصّرخة، هذه المرّة، امتدّت طويلة، لكنّها لم تكن نباحاً، بل عواءً متميّزاً بعث فينا القلق والخوفَ..‏

-عوو.. وو.. و.. عوو.. و.. و..‏

أعقبتها مباشرة قوقأة الدّجاجات، خائفة مرتعدة وركضنا وراء جدّي، الذي اندفع إلى مصدر العواء، وعصاه الغليظة في يده..‏

.......‏

كان هناك ثعلب .. كبير.. لم أرَ مثلَه في حياتي.. وقد أمسك الفخّ بأحد مخالبه.. بدا مقوّس الظّهر يحاول استخدامَ أرجله الثلاث الطليقةِ في تحرير الرّجل المقيّدة...‏

وأمام جدّي راح يقفز بجنون من جانب إلى آخر.. والفخّ مربوط بسلسلة طويلة، أحاطت بجذع شجرة التّوت..‏

ارتجفت الأوراق والأغصان.. ارتجفت الدجاجات في الخمّ.. ارتجفنا- نحن الأولاد- أمام قفزات الثعلب المجنونة.. كان يعضُّ الفخَّ بقسوة، وعيناه تلمعان بالغضب.. لكنّ جدّي وحده الذي لم يكن خائفاً..دفعَ عصاه الغليظة نحو رأس الثعلبِ مباشرةً، فتوقّفَ عن قفزه.. كان مستسلماً مخذولاً.. ولولا تلك السلسلة لكان قد فرَّ بالفخّ بعيداً..‏

جاء أبو حمدان.. جاء أبو خالد.. وجاءت أم محمود، والجيران جميعاً.. كانوا سعداء وهم يرون الثعلب الأسير الذي وقع في فخّ جدّي .. هادئاً‏


مهزوماً..‏

في عيونهم التمعتْ نظراتُ المودّةِ والحبِّ والعرفان، أحاطوا بجدّي، غمروه بمحبّتهم.. وجّهزّتْ أمي الشاي المعطّر بالنعناع، دارتِ الأكوابُ، وارتفع هديل الحمام ناعماً شجيّاً..‏

..........‏

قالتْ جدّتي:‏

- أرأيتم، يأولادي، الذي يعمل لايتكلّم..‏

نحن نكسّبُ ما نريدُ بهدوئنا وعزيمتنا.. لابالكلامِ والشّجار والثرثرة..‏

وكان جدّي ينقّل أنظاره بيننا، واحداً واحداً، ويبتسم..‏

..............‏


واليوم، إذا زرتم دارنا الكبيرة، ودخلتم مضافة جدّي الفسيحة.. الرحبة.. رائحة القهوة تستقبلكم. سوف تتعلّق أعينكم بالجدار الكلسيّ هناك، ستلمحون فوق الجدار سيفاً بغمده- هو سيف جدّي- وإلى جانبه فراء ثعلب كبير، تلك علامة فارقة تشتهر بها مضافة جدّي!...‏

بلال نعيم
04-07-2011, 10:31 AM
:/: في دارنا ثعلب :/:



تحت عريشة العنب .. فوق المصطبة الحجرية المشرفة على باحة الدار الكبيرة، كان جدّي يجلس كل مساء..‏

تعدّ جدّتي القهوة، وتهيئ المساند والوسائد، ثم تأمرنا بحزم قائلةً:‏

- العبوا هناك، قرب السّور. العبوا بهدوء! كنّا نقفز كالعفاريت، نعرض مهاراتنا في الجريِ والوثبِ والتسلّق من شجرة التوّت إلى بوابة الدار العريضة. إلى خمّ الدّجاج.. بعضنا يحمل على كتفه خشبة أو يمتطي قصبة طويلة كالحصان ، يمشي بخطوات العساكر:‏



- واحد.. اثنان، واحد.. اثنان..‏

أو يرتفع صهيل متقطّع:‏

- هي هي.. هي هي.. هي هي..‏

أمّي تبتسم، وجدّتي تبتسم، وربّما جدّي أيضاً يبتسم. كان يُسْعِدُه أن يرانا حوله، يحتضن أحفاده الصّغار، يزحف إليه محسن، وتركض نحوه فاطمة، ويتمسّح به هاني، وهو بهيبته ووقاره يربّت على أيديهم أو يداعب رؤوسهم..‏

عناقيد العريشة تتدلّى فوقنا كالمصابيح، حبّات العنب كبيرة لامعة، تشفّ عمّا فيها من عصير سائغ رقراق، تقول لنا أمّي:‏

- تعالوا، ذوقوا، ياأولاد، إنّه من فاكهة الجنّة!-‏

نلتقط الحبّات النّاضجة. نتلذّذ بالعنب الشهيّ، نرى في لونه الأحمر ما يثر النفس، ويحرّك الّلعاب، لقد أَحْبَبْنا هذه العريشة، أحبننا ظلالها الوارفة، وثمارها الّلذيذة. أحببنا أماسي الصيف في الدار الكبيرة.. جدّتي بثوبها الأزرق المنقّط بزهور بيض صغيرة، تروح وتجيء، تسقي شجيرات الورد، وشتلات الزنبق،...يتضوّع الياسمين، يعبق أَريجُه المُسْكِرُ، تعبق رائحة الفلّ والسوسن، والأقحوان، أسطح البيت تتألق بالضياء، حُمْرةُ الغروب في الأعالي، والحمام السابح في الفضاء يمدّ أجنحته البيضاء. يطير في دورانه المَرِح سعيداً، قبل أن يعود إلى أبراجه فوق السّطوح يهدل أمامنا، يقدّم تحية المساء ثم يغفو آمناً..‏

..........‏

....................‏

وجاء مساء، لم يكن كما ألفناه..‏

ارتفع صياح مزعج في باحة الدار، وعلا ضجيج وصخب.. أعلنت جدّتي وهي تضع كفّها على خدّها:‏

- يه.. يه.. يه.. الدّجاجة القرمزية اختفت!‏

ركضت أمي وهي تصيح:‏

- والأرنب.. الأرنب الصغير الأبيض لا أثر له!‏

قال أبي بهدوء:‏

- اسألوا جارتنا أم محمود!..‏

ومن وراء السّور، ظهر رأس أم محمود، بدت على وجهها آثار التّعب ، كانت دامعة العينين، وفي صوتها رَجْفة.. قالت:‏

- الدجاجة القرمزية، و.. الأرنب أيضاً.. لقد فقدت منذ يومين البطة الرمادية السمينة!!‏

قال أبي:‏

- معقول.. ماذا أسمع؟‏

صاح أبو حمدان، وهو يطلّ من البوّابة:‏

- أنت آخرُ مَنْ يعلمُ!..‏

ردّ عليه أبي:‏

- ما هذا الكلام، ياجارنا..؟!‏

أكمل أبو حمدان ساخراً:‏



- الثعلب يشنّ غاراته، وأنت لاتدري!..‏

نظر أبي إليه بقلق، وأبو حمدان يتابع حديثه:‏

- الحِمْلان عندي.تنقص اثنان رضيعان سُحبا..وها قد جاء دورك.. دجاجة ، ثمّ .. أرنب.. انتظر. هاه.. هاه.. وغداً منْ يدري، ربّما يصل إلى الصّغار!‏

أسرع أبي والغضب سيطر عليه.. حمل فاسه، ثم ركض باتجاه الدّغل القريب، ركضت وراءه أمّي وهي تحمل فأساً صغيرة أيضاً، ركض أخوتي.. لحق بهم أبو حمدان، ثمّ زوجته ، ثمّ أمّ محمود وزوجها.. وأبو خالد.. حتى جدّتي وصلت إلى أوّل الدّغل وهي تلهث.. وقفوا هناك، تشاوروا.. ارتفعت اصواتهم، مِنْ هُنا.. بل منْ هُنا.. كَثرُ صياحُهم، وقفت النساء إلى جانب أزواجهنّ، كلّ امرأة بجانب زوجها، تؤيدّه، ملأ الفضاء ضجيج وكلام كثير غير مفهوم.. تطاير السّبابُ.. تطايرت الشتائم.. من هنا.. ومن هناك.. اشتعل نقاش بين أبي وجارنا.. أبو حمدان يقول:‏

- قلت لك: الثلعب يمرّ من هذا المكان!‏

ردّ أبي:‏

- أنت مخطئ، منْ هنا يمرّ..‏

يجيب أبو حمدان:‏

- انظر.. هذه آثار أقدامه..‏

يسخر أبي:‏

- غلطان، هذه ليست آثار اقدام ثعلب!‏

- أنت أصغر منّي ولا تعرف شيئاً!‏

- بل أنت لا تعرف، وتريد أن..!!‏

وجذب أبي ثوب جارنا، وجذب أبو حمدان ثوب أبي، تشابكت الأيدي، وارتفع صياح النساء. وامتدت الفؤوس، لكنّ جدّتي صاحت بحزم:‏

- عيب.. ما هذا؟!‏

نظرت إلى أبي ، ثمّ إلى جارنا أبي حمدان، وقفتْ بينهما:‏

- تتعاركان بدون سبب!.. هل هذه طريقة تقضون فيها على الثعلب!.. واخجلتاه!!‏

انسحب أبي من المعركة، انسحب حمدان أيضاً، ساد الهدوء، وقد وقفا بعيدين، كديكين لم يكملا القتال.. كانا خَجِلَيْن.. وجدّتي بينهما حزينة..‏

..... وعند المصطبة. أمام جدّي الذي لم يغادر مجلسه، تعانقا، كان ابو حمدان هو الذي أسرع إلى أبي يضمّه إلى صدره.. قال جدّي بهدوء:‏

- يؤسفني ما حصل، كَثْرةُ الأقوال تبطل الأفعال، الثعلب ماكر، وأنتم تتشاجرون، ولم تفعلوا شيئاً حاسماً!..‏

وأمام الجميع. وضع جدّي بين يديّ أبي فخّاً..‏

نظر إلى عينيه مباشرة، وتمتم بِحَزْم:‏

- انصبه جانب السّور، قريباً من خمّ الدّجاج، ولا تنسَ السلسلة، فالثعلب ذكيّ، يعرف الطريق إلينا جيّداً!..‏

.......‏

..............‏

مرّت تلك الليلةُ، ولا حديثَ لنا إلاّ غارات الثّعلب النّاجحة، تذكّرنا بطّةَ أمّ محمود السمينة؛.. كيف سحبها الثلعب؟.. كم كانت وديعة طيّبة، تسوق صغارها. ثم تتهاوى فوق مياه البركة كالسّفينة!.. تذكّرنا الأرنب، أوكرة القطن المنفوشة، وهو يتدحرج في الباحة هنا وهناك ودجاجتنا القرمزية التي تطير فوق السّور.. أما كان بإمكان الديك المتعجرف أن ينقذها من مخالب الثعلب المهاجم؟! تذكّرنا الحِمْلان الصّغيرة التي ظَفر بها.. هل كانت تثغو وهي بين يديه، أم أنّ منظر الثعلب أخرسها؟ ليس هناك أمانٌ..‏


دجاجاتنا السّارحة تلتقط الحبَّ وهي خائفة، صارت كثيرة التلفّت والمراقبة.. الطيور والعصافير لاتبتعد عن أعشاشها، حتى الحَمامُ أوى إلى ابراجه دون أن يرفعَ هديلَه إلينا، أو يرقص في دورة المساء، حتى الأرانب اختفت وهي ترتجف.. فالثعلب يشنّ غاراته الليلية، ولا يترك خلفه إلاّ الريش.. حتى ألعابُنا توقّفتْ، وجدّتي نبّهتْ:‏


- ابتعدوا عن السّور. تلك أوامرُ الجدّ!!..‏

كنّا نلمحُ سلسلةً طويلة تمتدّ من شجرة التّوت، ثم تغوصُ قريباً من السّور.. لكن أحداً لم يقتربْ منها،. صار مجلسُنا، جميعاً، فوق المصطبة، في حَضْرة الجدّ، الذي يسعده وأن يرانا حوله.. أنا.. ومحسن، وهاني، وفاطمة.. وإخوتي بينَ يدَيْه.. وقد اتّكأ على وسادة فوقها صور فراشات وأزهار، والقمر لم يصعد، بعد، إلى قبّة السماء، والهدوء الشّامل يلفّ الدّار..‏

وعلى غير انتظار ، مزّقَ الصّمتَ صَرْخَةُ حيوانٍ حادّةٌ، تشبه نباح كلب ، كانت صرخة واحدة ، انطلقت منْ جانب السّور الحجريّ، أو تحت شجرة التّوت، رأينا جدّي ينهض بهمّة الشباب، وفي عينيه بريقُ النّصر، على الرغم من أنّ الصّرخة، هذه المرّة، امتدّت طويلة، لكنّها لم تكن نباحاً، بل عواءً متميّزاً بعث فينا القلق والخوفَ..‏

-عوو.. وو.. و.. عوو.. و.. و..‏

أعقبتها مباشرة قوقأة الدّجاجات، خائفة مرتعدة وركضنا وراء جدّي، الذي اندفع إلى مصدر العواء، وعصاه الغليظة في يده..‏

.......‏

كان هناك ثعلب .. كبير.. لم أرَ مثلَه في حياتي.. وقد أمسك الفخّ بأحد مخالبه.. بدا مقوّس الظّهر يحاول استخدامَ أرجله الثلاث الطليقةِ في تحرير الرّجل المقيّدة...‏

وأمام جدّي راح يقفز بجنون من جانب إلى آخر.. والفخّ مربوط بسلسلة طويلة، أحاطت بجذع شجرة التّوت..‏

ارتجفت الأوراق والأغصان.. ارتجفت الدجاجات في الخمّ.. ارتجفنا- نحن الأولاد- أمام قفزات الثعلب المجنونة.. كان يعضُّ الفخَّ بقسوة، وعيناه تلمعان بالغضب.. لكنّ جدّي وحده الذي لم يكن خائفاً..دفعَ عصاه الغليظة نحو رأس الثعلبِ مباشرةً، فتوقّفَ عن قفزه.. كان مستسلماً مخذولاً.. ولولا تلك السلسلة لكان قد فرَّ بالفخّ بعيداً..‏

جاء أبو حمدان.. جاء أبو خالد.. وجاءت أم محمود، والجيران جميعاً.. كانوا سعداء وهم يرون الثعلب الأسير الذي وقع في فخّ جدّي .. هادئاً‏


مهزوماً..‏

في عيونهم التمعتْ نظراتُ المودّةِ والحبِّ والعرفان، أحاطوا بجدّي، غمروه بمحبّتهم.. وجّهزّتْ أمي الشاي المعطّر بالنعناع، دارتِ الأكوابُ، وارتفع هديل الحمام ناعماً شجيّاً..‏

..........‏

قالتْ جدّتي:‏

- أرأيتم، يأولادي، الذي يعمل لايتكلّم..‏

نحن نكسّبُ ما نريدُ بهدوئنا وعزيمتنا.. لابالكلامِ والشّجار والثرثرة..‏

وكان جدّي ينقّل أنظاره بيننا، واحداً واحداً، ويبتسم..‏

..............‏


واليوم، إذا زرتم دارنا الكبيرة، ودخلتم مضافة جدّي الفسيحة.. الرحبة.. رائحة القهوة تستقبلكم. سوف تتعلّق أعينكم بالجدار الكلسيّ هناك، ستلمحون فوق الجدار سيفاً بغمده- هو سيف جدّي- وإلى جانبه فراء ثعلب كبير، تلك علامة فارقة تشتهر بها مضافة جدّي!...‏

بلال نعيم
04-07-2011, 10:38 AM
*

*

هابيل وقابيل

البشر كُلُّهم في كلِّ مكانٍ وزمانٍ من أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ ، هما "آدم" و"حواء".

ولم يكن "آدم"ـ عليه السلام ـ هو أوَّل مخلوق خلقه الله تعالى

*فقد خلق الله -تعالى- قبله السماوات

*والأرض وخلق الملائكة والجن ، وقد خلق *الله - تعالى- الملائكة من نور

*وخلق الجن من النار، أمَّا "آدم" فقد خلقه الله من طين، ثم سواه بيده

*ونفخ فيه من روحه؛ فصار بشرًا حيًّا

وأمر الله -تعالى- الملائكة بالسجود لآدم؛ تكريمًا له

*وإظهارًا لما اختصه الله به من الفضل, فسجدت له الملائكة

جميعًا إلا "إبليس" الذي امتلأ قلبه بالغيرة والحسد لآدم على تلك المكانة والمنزلة الرفيعة التي

*لم ينلها أحدٌ غيره، فأخذه الغرور والكبر، ورفض السجود لآدم، وراح يجادل ربه

وقال في كبرٍ وغرورٍ متحديًا أمر الله تعالى : أسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا " *(الإسراء* 61)

وراح يعلل رفضه السجود مفتخرًا متعاليًا :

" أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " *(الأعراف 12 )

كان "إبليس" أول من عصى الله، وتمرَّد عليه ، وتملكه الكبر والغرور، ونسي أن ما يتباهى

*به هو نعمة من الله عليه، وأنه هو نفسه من صنع الله وأحد مخلوقاته العديدة

*التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى؛ فكان جزاؤه أن طرده الله من الجنة

لكن "إبليس" لم يعتبر بما حدث له ، وإنما استمرَّ على عناده وتكبره

*وامتلأ قلبه بالحقد على "آدم" والحسد له

*فأراد أن يغوي "آدم" ويضله، ويدفعه إلى المعصية فيتعرَّض لغضب الله تعالى.

طلب"إبليس"من الله-تعالى- أن يمهله , فأمهله الله - تعالى- إلى يوم القيامة.

وأسكن الله - تعالى- "آدم" ـ عليه السلام ـ في الجنة، بعد أن خلق له زوجته "حواء" من أحد أضلاعه

*لتؤنسه في حياته فلا يعيش وحيدًا في تلك الجنَّة العظيمة، وأباح الله لهما كل ثمار الجنة

يأكلان منها كيف*شاءا، لكن الله حذرهما من الاقتراب من شجرة معينة حدَّدَها لهما

*وحرم عليهما أن يتناولا شيئًا من ثمارها، حتَّى لا يتعرضا لغضب الله وعقابه

و وجد "إبليس" *أن الفرصة قد أصبحت سانحة له لتحقيق هدفه، فسعى إلى غواية "آدم"* -عليه السلام

*وزوجته "حواء"، فراح يتقرَّب إليهما، ويتصنع النصح والإخلاص لهما، وأخذ يوسوس إليهما في مكرٍ

*ويحاول إغرائهما في دهاءٍ، ثم أقسم لهما أنه ناصح أمين

*وقال

*مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * *
الأعراف 20*

اسـتطاع "إبليس" بمكـره ودهـائه أن يغري "آدم" و "حـواء" بالأكل من تلك الشجرة المحرمة

*حتى ضعفت إرادتهما أمام إغرائه وإلحاحه ووسوسته، فاستجابا له في النهاية؛ فأكل "آدم" وزوجته

*من الشجرة التي نهاهما الله عنها، فكانت تلك المعصية سببا في خروجهما من الجنة و نزولهما إلى الأرض

لم يكـن "إبليس" ليدع "آدم" لينعم بالأمن والسـلام على الأرض، فقد كانت تلك هي البداية .

أراد "إبليس" أن يدفع البشر جميعًا من أبناء "آدم" وذريَّته إلى المعصية، وأن يشعل بينهم العداوة والبغضاء

*فراح يوسوس لأبناء "آدم" حتى استطاع أن يوقع الفتنة بينهم

*وتمكن من إشعال نار العداوة والشقاق بين ابني "آدم" : "قابيل" وهابيل

كانت "حواء" تضع في كل ولادة لها توأمين، ذكًرا وأنثى

*فولدت أوّلا "قابيل" وأخته "إقليما"، ثمَّ ولدت "هابيل" وأخته "لبودا

فلما كبروا أمر الله "آدم" أن يزوِّج كلَّ واحدٍ من الأخوين توأمة الآخر

*لكن"قابيل" رفض، وصمم على الزواج من توأمته "إقليما

فأخبره "آدم" أنها لاتحلُّ له، لكنه رفض، وأصرَّ على تشبثه وعناده، وعندئذ طلب "آدم" من*الأخوين

أن يقدِّم كل واحد منهما قربانًا لله، فمن يتقبَّل الله قربانه فهو أحقُّ بالزَّواج بها .

أسرع "هابيل" يختار أفضل ما لديه من الغنم، فقدّم كبشًا سمينًا هو من أفضل ما لديه.

أمَّا "قابيل" فقد أخذ حزمة من أردأ زرعه، وقدمها قربانًا

وضع كُلٌّ من الأخوين قربانه فوق قمة أحد الجبال، ثمَّ نزلا من على الجبل

*ووقفا من بعيدٍ يراقبان ما سوف يحدث .

وفجأة حدث شيء عجيب .. لقد أقبلت نار من السماء تخترق

*الفضاء بسرعة متَّجهة نحو قمَّة ذلك الجبل

*وفي لحظات انقضَّت النار على قربان"هابيل" فالتهمته وكانت

*هذه علامة قبول قربانه ، بينما لم تمسَّ النار قربان أخيه

نظر"قابيل" نحو أخيه "هابيل" ، وقال له

لماذا يتقبل الله منك قربانك ولا يتقبَّل منِّي

قال "هابيل"* مواسيًا وملاطفًا في مودَّةٍ وحُبٍّ

*إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " .* *(المائدة 27)

وهنا ثار"قابيل" ثورة عارمة، وقال بغضبٍ وانفعال

*سوف أقتلك .. فقال"هابيل" بلطفٍ ولينٍ*

*لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ

*إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* المائدة 28

ولكن هذه الكلمات الرقيقة المفعمة بالإيمان لم تنفذ إلى قلب "قابيل" القاسي

*الذي أوصد أذنيه أمام توسلات أخيه ، وجمد قلبه من كل مشاعر الحب والرحمة

تمادى "قابيل" في غضبه وثورته، واندفع نحو أخيه فقتله

وقف "قابيل" مذهولاً أمام جثَّة أخيه "هابيل"، وهو لا يصدِّق ما حدث، كان منظر أخيه المدرج

في دمائه بشعًا قاسيًا، لم يدر كيف جاءته كلُّ تلك القسوة، حتى فعل بأخيه ما فعل

وراح ينظر في صمتٍ وذهولٍ، وقد أظلمت الدنيا في وجهه

سؤال واحدٌ كان يدور في ذهنه، ويلح عليه بشدة، لكنه لايجد له إجابة

*كيف يخفي جثَّة أخيه

وبينما هو غارق في مخاوفه وأفكاره، رأى أمامه شيئًا عجيبًا، فقد أرسل الله إليه غرابا

راح ينبش في الأرض حتى صنع حفرة فدفن فيها غرابا ميتاً، وقابيل ينظر إليه بدهشة وتعجُّبٍ

وفجأة أمسك "قابيل" رأسه بين يديه، وراح ينتحب بصوتٍ عالٍ :

" يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي " .* (المائدة 31)

وراح "قابيل" يقلَّد ما فعله ذلك الغراب الذي ساقه الله إليه ليعلِّمه كيف يدفن جثة أخيه

*ويكشف له عن مدى ضعفه وعجزه حتى أمام مثل هذا الطائر الصغير.

وكانت تلك الجريمة البشعة أول جريمة في تاريخ البشرية.

عندما علم "آدم" ـ عليه السلام ـ بما فعله ابنه "قابيل" بأخيه "هابيل" حزن كثيرًا، فقد كان "هابيل

*مثالاً للابن المؤمن بربه البار بوالديه، أما "قابيل" فقد شعر بالندم بعدما قتل أخاه. وقد عوَّض الله تعالى"آدم

عليه السلام- عن فقد ابنه فأنجب بعد ذلك غلامًا اسمه "شيث"، وكان قد بلغ من العمر نحو مائة وثلاثين سنة

*ثمَّ وُلِدَ لآدم بعد ذلك الكثير من الأبناء والبنين، وعاش "آدم" ـ عليه السلام ـ بعد ذلك نحو ثمانمائة عام

*وحينما حضرته الوفاة عهد إلى ابنه "شيث" بالحفاظ على دين الله، وأوصاه بإقامة شرعه، وعبادة الله

*

بلال نعيم
04-07-2011, 10:38 AM
*

*

هابيل وقابيل

البشر كُلُّهم في كلِّ مكانٍ وزمانٍ من أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ ، هما "آدم" و"حواء".

ولم يكن "آدم"ـ عليه السلام ـ هو أوَّل مخلوق خلقه الله تعالى

*فقد خلق الله -تعالى- قبله السماوات

*والأرض وخلق الملائكة والجن ، وقد خلق *الله - تعالى- الملائكة من نور

*وخلق الجن من النار، أمَّا "آدم" فقد خلقه الله من طين، ثم سواه بيده

*ونفخ فيه من روحه؛ فصار بشرًا حيًّا

وأمر الله -تعالى- الملائكة بالسجود لآدم؛ تكريمًا له

*وإظهارًا لما اختصه الله به من الفضل, فسجدت له الملائكة

جميعًا إلا "إبليس" الذي امتلأ قلبه بالغيرة والحسد لآدم على تلك المكانة والمنزلة الرفيعة التي

*لم ينلها أحدٌ غيره، فأخذه الغرور والكبر، ورفض السجود لآدم، وراح يجادل ربه

وقال في كبرٍ وغرورٍ متحديًا أمر الله تعالى : أسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا " *(الإسراء* 61)

وراح يعلل رفضه السجود مفتخرًا متعاليًا :

" أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " *(الأعراف 12 )

كان "إبليس" أول من عصى الله، وتمرَّد عليه ، وتملكه الكبر والغرور، ونسي أن ما يتباهى

*به هو نعمة من الله عليه، وأنه هو نفسه من صنع الله وأحد مخلوقاته العديدة

*التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى؛ فكان جزاؤه أن طرده الله من الجنة

لكن "إبليس" لم يعتبر بما حدث له ، وإنما استمرَّ على عناده وتكبره

*وامتلأ قلبه بالحقد على "آدم" والحسد له

*فأراد أن يغوي "آدم" ويضله، ويدفعه إلى المعصية فيتعرَّض لغضب الله تعالى.

طلب"إبليس"من الله-تعالى- أن يمهله , فأمهله الله - تعالى- إلى يوم القيامة.

وأسكن الله - تعالى- "آدم" ـ عليه السلام ـ في الجنة، بعد أن خلق له زوجته "حواء" من أحد أضلاعه

*لتؤنسه في حياته فلا يعيش وحيدًا في تلك الجنَّة العظيمة، وأباح الله لهما كل ثمار الجنة

يأكلان منها كيف*شاءا، لكن الله حذرهما من الاقتراب من شجرة معينة حدَّدَها لهما

*وحرم عليهما أن يتناولا شيئًا من ثمارها، حتَّى لا يتعرضا لغضب الله وعقابه

و وجد "إبليس" *أن الفرصة قد أصبحت سانحة له لتحقيق هدفه، فسعى إلى غواية "آدم"* -عليه السلام

*وزوجته "حواء"، فراح يتقرَّب إليهما، ويتصنع النصح والإخلاص لهما، وأخذ يوسوس إليهما في مكرٍ

*ويحاول إغرائهما في دهاءٍ، ثم أقسم لهما أنه ناصح أمين

*وقال

*مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * *
الأعراف 20*

اسـتطاع "إبليس" بمكـره ودهـائه أن يغري "آدم" و "حـواء" بالأكل من تلك الشجرة المحرمة

*حتى ضعفت إرادتهما أمام إغرائه وإلحاحه ووسوسته، فاستجابا له في النهاية؛ فأكل "آدم" وزوجته

*من الشجرة التي نهاهما الله عنها، فكانت تلك المعصية سببا في خروجهما من الجنة و نزولهما إلى الأرض

لم يكـن "إبليس" ليدع "آدم" لينعم بالأمن والسـلام على الأرض، فقد كانت تلك هي البداية .

أراد "إبليس" أن يدفع البشر جميعًا من أبناء "آدم" وذريَّته إلى المعصية، وأن يشعل بينهم العداوة والبغضاء

*فراح يوسوس لأبناء "آدم" حتى استطاع أن يوقع الفتنة بينهم

*وتمكن من إشعال نار العداوة والشقاق بين ابني "آدم" : "قابيل" وهابيل

كانت "حواء" تضع في كل ولادة لها توأمين، ذكًرا وأنثى

*فولدت أوّلا "قابيل" وأخته "إقليما"، ثمَّ ولدت "هابيل" وأخته "لبودا

فلما كبروا أمر الله "آدم" أن يزوِّج كلَّ واحدٍ من الأخوين توأمة الآخر

*لكن"قابيل" رفض، وصمم على الزواج من توأمته "إقليما

فأخبره "آدم" أنها لاتحلُّ له، لكنه رفض، وأصرَّ على تشبثه وعناده، وعندئذ طلب "آدم" من*الأخوين

أن يقدِّم كل واحد منهما قربانًا لله، فمن يتقبَّل الله قربانه فهو أحقُّ بالزَّواج بها .

أسرع "هابيل" يختار أفضل ما لديه من الغنم، فقدّم كبشًا سمينًا هو من أفضل ما لديه.

أمَّا "قابيل" فقد أخذ حزمة من أردأ زرعه، وقدمها قربانًا

وضع كُلٌّ من الأخوين قربانه فوق قمة أحد الجبال، ثمَّ نزلا من على الجبل

*ووقفا من بعيدٍ يراقبان ما سوف يحدث .

وفجأة حدث شيء عجيب .. لقد أقبلت نار من السماء تخترق

*الفضاء بسرعة متَّجهة نحو قمَّة ذلك الجبل

*وفي لحظات انقضَّت النار على قربان"هابيل" فالتهمته وكانت

*هذه علامة قبول قربانه ، بينما لم تمسَّ النار قربان أخيه

نظر"قابيل" نحو أخيه "هابيل" ، وقال له

لماذا يتقبل الله منك قربانك ولا يتقبَّل منِّي

قال "هابيل"* مواسيًا وملاطفًا في مودَّةٍ وحُبٍّ

*إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " .* *(المائدة 27)

وهنا ثار"قابيل" ثورة عارمة، وقال بغضبٍ وانفعال

*سوف أقتلك .. فقال"هابيل" بلطفٍ ولينٍ*

*لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ

*إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* المائدة 28

ولكن هذه الكلمات الرقيقة المفعمة بالإيمان لم تنفذ إلى قلب "قابيل" القاسي

*الذي أوصد أذنيه أمام توسلات أخيه ، وجمد قلبه من كل مشاعر الحب والرحمة

تمادى "قابيل" في غضبه وثورته، واندفع نحو أخيه فقتله

وقف "قابيل" مذهولاً أمام جثَّة أخيه "هابيل"، وهو لا يصدِّق ما حدث، كان منظر أخيه المدرج

في دمائه بشعًا قاسيًا، لم يدر كيف جاءته كلُّ تلك القسوة، حتى فعل بأخيه ما فعل

وراح ينظر في صمتٍ وذهولٍ، وقد أظلمت الدنيا في وجهه

سؤال واحدٌ كان يدور في ذهنه، ويلح عليه بشدة، لكنه لايجد له إجابة

*كيف يخفي جثَّة أخيه

وبينما هو غارق في مخاوفه وأفكاره، رأى أمامه شيئًا عجيبًا، فقد أرسل الله إليه غرابا

راح ينبش في الأرض حتى صنع حفرة فدفن فيها غرابا ميتاً، وقابيل ينظر إليه بدهشة وتعجُّبٍ

وفجأة أمسك "قابيل" رأسه بين يديه، وراح ينتحب بصوتٍ عالٍ :

" يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي " .* (المائدة 31)

وراح "قابيل" يقلَّد ما فعله ذلك الغراب الذي ساقه الله إليه ليعلِّمه كيف يدفن جثة أخيه

*ويكشف له عن مدى ضعفه وعجزه حتى أمام مثل هذا الطائر الصغير.

وكانت تلك الجريمة البشعة أول جريمة في تاريخ البشرية.

عندما علم "آدم" ـ عليه السلام ـ بما فعله ابنه "قابيل" بأخيه "هابيل" حزن كثيرًا، فقد كان "هابيل

*مثالاً للابن المؤمن بربه البار بوالديه، أما "قابيل" فقد شعر بالندم بعدما قتل أخاه. وقد عوَّض الله تعالى"آدم

عليه السلام- عن فقد ابنه فأنجب بعد ذلك غلامًا اسمه "شيث"، وكان قد بلغ من العمر نحو مائة وثلاثين سنة

*ثمَّ وُلِدَ لآدم بعد ذلك الكثير من الأبناء والبنين، وعاش "آدم" ـ عليه السلام ـ بعد ذلك نحو ثمانمائة عام

*وحينما حضرته الوفاة عهد إلى ابنه "شيث" بالحفاظ على دين الله، وأوصاه بإقامة شرعه، وعبادة الله

*

بلال نعيم
04-07-2011, 10:41 AM
كانت الفراشة كعادتها ترف بين الأزهار ، تشتم رائحة الورود وتشرب من رحيقها وتغني بسعادة وفرح .

كل يوم على هذا الحال حتى حط طائر حسون على غصن شجرة وفتح منقاره إلى أخره وظل يضحك بلا انقطاع :
_ هاهاها .. هاهاها.. هاهاها .. هاهاها..هاها ..
حتى يئست الفراشة أن يتوقف عن الضحك ، فطارت ورفت بالقرب منه وسألته بصوت هامس :
- هل هناك شيء .. ؟
وانقطعت عن الكلام وظلت تنظر إلى نفسها باستغراب .
- أقصد ..
هكذا قالت ولم تكمل كلامها بعد أن تضخمت ضحكات الحسون كفيل ضخم وملأت أذنيها عن أخرهما ولم تعد تسمع شيئا آخر غيرها .
لكن طائر الحسون الصغير أغلق فمه وأطبق على منقاريه قبل أن يقول بجدية تامة :
- أوه مسكينة يا صديقتي ..
كيف يمكنك أن تعيشين في الحياة وتستمتعين بها دون أن تكون بحديقتك زهرة نرجس واحدة ؟.
وتركها وحلق عاليا خلف ديمة صغيرة .
ألتفتت الفراشة حولها ثم طارت بعيدا وتحت عينيها حفرت الدموع حفرة كبيرة بحجم الأسى الذي كانت تشعر به .
وظلت تردد في نفسها ( كيف أعيش في حديقة بلا زهرة نرجس واحدة ؟ ) .
ولم يعد باستطاعتها أن تستمتع برائحة الورود أو باستنشاق العبير أو بارتشاف الرحيق حتى ذبلت وانطفأت ألوانها الزاهية .
بينما الفراشات حولها كن ترقبنها وتتعجبن ، كيف للفراشة المسكينة أن تأسى على غياب زهرة وحيدة عن حديقتها وتنسى كل الورود الجميلة التي تزهر بها الحديقة

بلال نعيم
25-11-2011, 01:19 PM
*550- قصة: ضفدعتان مخدوعتان

*

عاشت ضفدعتان إحداهما في بركة في مدينة سنبل والثانية في بركة في مدينة حنبل. اشتاقت ضفدعة حنبل أن ترى مدينة سنبل، وفي نفس الوقت اشتاقت ضفدعة سنبل أن ترى مدينة حنبل. خرجت كل منهما متجهة إلى المدينة الأخرى، وبعد السير مسافة طويلة رأت كل منهما تلاً يقع في منتصف الطريق، فتسلقتا التل والتقيتا معًا.

إلى أين تذهبين؟

وأنت إلى أين تذهبين؟

أريد أن أرى مدينتك سنبل.

وأنا أريد أن أرى مدينتك حنبل.

لكني مرهقة جدًا، كيف أستطيع أن أكمل هذا الطريق الطويل وأعود مرة ثانية إلى مدينتي؟

وأنا مثلك لي ذات الإحساس.

صورة في موقع الأنبا تكلا: ضفاديع، ضفادع، ضفدعتان

آه لو كنا طوال القامة مثل كثير من الحيوانات لكنا نرى المدينتين ونحن على التل، فلا نحتاج أن نكمل الطريق.

لقد خطرت لي فكرة.

ماذا؟

لتقف كل واحدة منا على قدميها الخلفيتين، وتسند كل منا قدميها الأماميتين على قدمي أختها الأماميتين فنقف مرفوعي الرأس مسنودتين على بعضنا البعض.

فكرة صائبة، هلم ننفذها.*

وقفت ضفدعة سنبل ووجهها نحو المدينة حنبل، والأخرى نحو سنبل، ولم تدركا أن أعينهما فوق الرأس من أعلى، وعندما تقفا ترى كل منهما ما هو خلفها وليس ما هو أمامها.

تطلعت الأولى فرأت مدينتها سنبل وهي تظن أنها ترى حنبل. فصرخت: "إنها تشبه مدينتي تمامًا. إنها صورة طبق الأصل لمدينة سنبل. لماذا أجهدت نفسي وجئت لأرى حنبل وهي تشبه سنبل؟" رأت الضفدعة الثانية أيضًا مدينتها حنبل فظنت أنها سنبل وكررت ما قالته الضفدعة الأولى. عندئذ سلمت كل منهما على الأخرى وعادتا إلى مدينتيهما، كل منهما في غباوة تحسب أنها رأت المدينة الأخرى.

بلال نعيم
25-11-2011, 01:22 PM
*553- قصة: الثعلب صاحب السبعة وسبعين مخًا

*

التقى قنفذ مع ثعلب كان يسير هنا وهناك في عجرفة وكبرياء. حيّاه القنفذ، لكن في ازدراء واستخفاف رد له التحية.

تطلع القنفذ إلى الثعلب المتكبر وقال له: "أراك متهللاً جدًا، ماذا حدث؟"

أجاب الثعلب: "سأجيب على سؤالك إن أجبتني على سؤالي: أصغِ يا أيها القنفذ، كم مخ لك؟"

قال القنفذ: "حتمًا لي مخ واحد، وماذا بالنسبة لك؟"

قال الثعلب في كبرياء: "لي سبعة وسبعون مخًا. لهذا يحترمني الجميع، ويهابونني".

عندئذ قال له القنفذ: إني لن أصدق هذا ما لم تقسم لي في مكان مقدس أن لك سبعة وسبعون مخًا.


St-Takla.org Image: Little Foxes painting - by Chris Coyle

صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة الثعالب الصغار، رسم الفنان كريس كويل

وافق الثعلب قائلاً: "خذني في أي موضع وأنا أقسم لك".

سار الثعلب وراء القنفذ حتى جاء به إلى موضع قال له: "قف في هذا الموضع واقسم". وإذ سار سقط في فخ قد نصبه صياد. صار الثعلب يصرخ: "أنقذني أيها القنفذ. أرجوك أنقذني، فإن الصياد حتمًا سيقتلني!"

قال له القنفذ: "إني عاجز عن أن أنقذك يا صاحب السبعة والسبعين مخًا. فكر كيف تخلص من الفخ! فأنا لا أملك إلى مخًا واحدًا يعجز عن أن يخلصك".

صرخ الثعلب: "إني أرى أن المكان مقدس، ولأني أقسمت كذبًا سقطت في الفخ. إني أستحق العقوبة. والآن إن كنت لا تقدر أن تنقذني فقدم لي نصيحة".

إذ رأى القنفذ أن الثعلب قد رجع عن كبرياء قلبه، وأدرك أنه ليس بصاحب السبعة وسبعين مخًا، قال له:

"استمع إلى نصيحتي أنا الضعيف.

عندما تسمع صوت الصياد قادمًا تظاهر أنك ميت.

نم على ظهرك وارفع أقدامك ولا تتحرك.

وانفخ بطنك، وأخرج رائحة كريهة.

وإن ضربك بالعصا لا تتحرك قط.

فإنه يلقي بك في الطريق فتهرب".

وبالفعل إذ سمع صوت الصياد قادمًا نام على ظهره، ورفع أقدامه، ونفخ بطنه، وأخرج رائحة كريهة، وتظاهر أنه ميت. فتح الصياد الفخ وضرب الثعلب بعصاه، فقال الثعلب في نفسه: "أنت مستحق الضرب يا أيها المتكبر الكذاب، يا صاحب السبعة وسبعين مخًا".

وإذ لم يتحرك الثعلب قط أمسك به الصياد وألقاه في الطريق، فقام الثعلب وهرب وهو يقول لنفسه: "هذا جزاء كبريائي، لن أعود أظن في نفسي أكثر ذكاء من غيري!"

بلال نعيم
03-01-2012, 05:24 AM
http://www.youtube.com/watch?v=Hnd26RM4t0E&feature=youtube_gdata_player


الذئب والخراف السبعة

بلال نعيم
03-01-2012, 05:29 AM
http://www.youtube.com/watch?v=_ro0HdDyJu8&feature=youtube_gdata_player

الحذاء الاحمر

بلال نعيم
24-02-2012, 10:26 AM
*الثعلب المكاريروى أن الأسد مرض مرضا شديدا أقعده عن أداء أعماله الهامه،وحجبه مدة طوية ع مقابلة العامة ..وكعادة الرعية تدفقت الوحوش و السباع،من كافة الأصقاع،لعيادة أبي العباس ملك الغابة الشجاع،وتنافس الجميع في إبداء الوفاء،والإخلاص والولاء ،وتسابقوا للوصول ،لنيل الخطوة والقبول...وكان من بين الزوار جعدة الذئب الخبيث المكار الذي استغل غياب الثعلب المنكي بأبي الفوراس ليحولك له الدسائس فأسر إلى الأسد قائلا:لقد وصل خبر مرضك إلى جميع المجالس فعادتك جميع الوحوش وتغيب عن عيادتك أبو الفوراس ...وقد وصل إلى سمعي أنه يتمنى موتك وزوال ملكك،ومن منطلق إخلاصي وولائي،وحرصي ووفائي،رأيت من الواجب تبصيرك وتحذيرك.وقال الأسد:إذا خضر أبو الفوراس اعلمني..وبعد حين حضر أبو الفوراس إلى الديوان،وسمع بمكر الذئب وما بدر عنه فبيت في نفسه القصاص منه..وتوجه الثعلب إلى الأسد وحياه بكل ثقة وجلد، وأطال التحيه دون أن ترمش له عين أو ترتعش من جسمه خليه...فقال الأسد وقد ازداد غضبه واشتد:كنت أجوب الصحاري و الفيافي و البراري،أبحث لمولاي عن الدواء وقداستشرت من صادفني من الخبراء والأطباء ، فوصفوا لي خرزة في عرقوب أبي جعدة ، فخذها لتداوي بها آلمك وتشفي بها أسقامك...فضرب الأسد بيده الذئب فأد ماها،وفتش عن الخرزة فلم يجد لها من أثر ،وبحث عن النظر...انسل الثعلب هاربا من بطش الأسد واختفى عن الأنظار حتى لايراه أحد،حتى إذا مربه الذئب ودمه يسيل على رجليه ،قال الثعلب ساخرا مسديا النصح إليه:ياصاحب الساق المخصبة بالدماء ،لاتخض في أعراض الغافلين الأبرياء،وإذا قعدت في مجلس السلطان فاحذر زلة اللسان،ولا تفتر على غير بالزور و البهتان ،واعلم أنه((من حفر جبا لأخيه وقع في))

بلال نعيم
24-02-2012, 10:39 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

قصة الفار الطماع

كان فيه فأر شاهد فلاح عنده منزل ومخزن لوضع القمح

فقال الفأر أنا أحب هذا المنزل وهذا المخزن ولكن هناك قطة في المخزن تحرسه

لكن الفأر يحب القمح فكر وجاء إلى المنزل الذي بناه الفلاح وقام بعمل سرداب تحت المخزن
وجلس الفأر تحت السقف يفكر كيف يصل للقمح من غير ما يقع في يد القطة
فوقع على أنفه حبة قمح ٍففرح الفأروقال الأرض فيها شق

إن قمح المخزن يقع من الشق حبة حبة ومر يوم وقال بدلاًمن حبة حبة كل يوم نجعلها اثنين
كل يوم فقرض الفأر خشب سقف المخزن وخرج من الفتحة حبتين حبتين

وثالث يوم فكر الفأر وقال بدل من اثنين نجعلهم ثلاثة والفأر قرض الخشب ونزل ثلاثة

فقال الفأر لماذا لا نجعلهم خمسة وسبعة وتسعة والفأر يقرض والفتحة تكبر

ثم جلس الفأر ليستريح وأغمض عينيه ثم فتحها فوجد أمامه القطة التي نزلت من الفتحة الكبيرة التي صنعها


إن الفأر كان يريد شوال قمح فنزلت له قطة
الطمع نساه وجعله لا يفكر
كان يريد الهرب من القطة فلم يستطع وقال الفأر للقطة قبل أن تأخذه أقول لك ثلاث كلمات
الله يجازي الطماع

المستفاد من القصه

ان الطمع يقل ما جمع

بلال نعيم
24-02-2012, 10:42 AM
البلبل الذى فقد صوته



في يومٍ ما فُوجئ البُلبُلْ الصغيرُ أنّه قد فَقَد صوتَه فَجأةً ، ودونَ أن يَعرِفَ ما الذي حَدَث ، فهَرَبَ منه صوتُه وضاع .
عادَ البلبلُ الصغيرُ حزيناً ، مَهموماً ، يائساً ، وأخذ يَبحثُ عن صوتِه الذي ضاع .
فأخَذ يَبحثُ في البيوت ، والمياه ، والأعشاش ، لكنّه ما وَجَده ، فعادَ مُنكسِراً ، مُتَحطِّماً ، لا يَهتمُّ بخُضرَةِ الأشجار ، ولا جَمالِ السنابِل ، ولا بالأزهار .
وكان حُزنُه يَشتدُّ إذا سَمِع زَقزَقَةَ العصافير وأغاريدَ الطيور المَرِحة .
فيما مضى كان البُلبُلُ الصغيرُ صَديقاً صَميمياً لجدولِ الماءِ الذي يَمُرّ بالحقل ، أمّا الآن فإنّ البلبلَ لا يُلامِسُ مياهَ الجدول ، ولا يَتحدّثُ معه .
وتَمُرّ الفَراشاتُ الجميلة الزاهيةُ الألوان فلا يُلاطِفُها كما كانَ يَفعلُ مِن قَبل ، ولا يَلعبُ معها .
لقد عادَ البلبلُ الصغيرُ حزيناً مُتعَباً ، يَبحثُ عن صوتهِ الدافئ ، دونَ أن يَعثُر عليهِ في أيِّ مكان .
وعن طريقِ الإشارات ، سألَ الكثيرينَ من أصدقائه ، فلم يَهتَدِ أحدٌ منهم إلى شيء ، وظل هكذا حتى عادَ إلى الحقل ، فانطرَحَ في ظِلِّ شجرةِ التُّوتِ الكبيرة .
أخَذَ البلبلُ الحزينُ يَتذكّرُ أيّامَهُ الماضية ، حينَ كانَ صوتُهُ يَنطلِقُ بتَغريدٍ جميل حُلو ، تأنَسُ له الطيورُ والمياه ، والزَوارقُ الورَقيةُ السائرةُ على الماء ، والأعشابُ الراضيةُ المنبسطة ، وتَفرَحُ له الثِمارُ المُعلّقةُ في الأغصان ، أما الآن ، فقد ضاعَ منه فَجأةً كلُّ شيء .
رَفَع البلبلُ الصغيرُ رأسَهُ إلى السماءِ الوسيعةِ الزرقاء ، وأخَذَ يتَطَلّعُ إلى فَوق بتضرُّعٍ وحُزن : يا إلهي ، كيفَ يُمكنُ أن يَحدُثَ هذا بكلِّ هذهِ السُهولة ؟! ساعِدْني يا إلهي ، فمَن لي غَيرُك يُعيدُ لي صَوتيَ الضائع ؟
حينَ كانَ البلبلُ الصغيرُ يَنظُرُ إلى السماء ، أبصَرَ – في نُقطةٍ بَعيدة – حَمامةً صَغيرةً تَحمِلُ فوقَ ظهرِها حَمامةً جَريحة ، وقد بَدَت الحمامةُ الصغيرةُ مُتعَبة ومُنهَكة ، وهي تَنوءُ بهذا الحمل ، لكنّ الحمامةَ الصغيرةَ كانت مع ذلك شُجاعةً وصابرة .
انتَبَه البلبلُ الحزينُ إلى هذا المنظر ، فأخذَ يُتابِعُه ، وقلبُه يَدُقُّ خوفاً على الحمامةِ الصغيرةِ من السُقوط ، مع أنّها كانت تَطيرُ بشَجاعةٍ وإرادةٍ قويّة .
وعندما وَصَلَت الحمامةُ الصغيرة إلى نُقطةٍ قريبةٍ من شجرة التُوت ، بَدأت الحمامةُ الجريحةُ تَميلُ عنها بالتدريج ، فأخَذَ قلبُ البُلبل يَدُقّ ويَدُقّ .
لقد امتلأ قلبُهُ بالرِقَّةِ والخوفِ على هذهِ الحمامةِ الضعيفةِ التي تكادُ تَسقُطُ من الأعالي على الأرض .
ولمّا كادَت الحمامةُ الجريحةُ أن تَهوي كانَ البلبلُ الصغيرُ قد رَكّزَ كلَّ ما في داخِله مِن عواطفِ الرحمةِ والمَحبّةِ وهو يُتابِعُ المنظر .
فلم يَتمالَكِ البلبلُ الصغيرُ نفسَهُ ، فإذا هو يَصيحُ بقوّة : انتَبِهي ، انتَبِهي أيّتها الحمامةُ الصغيرة ، الحمامةُ الجريحةُ تكادُ تَسقُطُ عن ظهرِك .
سَمِعَتِ الحمامةُ صِياحَ البلبل فانتَبَهت ، وأخَذَت تُعَدِّلُ مِن جَناحَيها ، حتّى استعادَتِ الحمامةُ الجريحةُ وضَعَها السابق ، فشكرَتْه مِن قلبها ، ومضَت تَطيرُ وهي تُحَيِّيهِ بمِنقارِها .
توقّفَ البلبل ، وبَدأ يُفكِّر ، لم يُصدِّقْ في البداية ، لم يُصدِّقْ أنّ صوتَهُ قد عادَ إلَيه ، لكنّه تأكّدَ مِن ذلك لمّا حاوَلَ مرةً ثانية ، فانطلَقَ فَرِحاً يُغرِّدُ فوقَ الشجرة ، رافعاً رأسَهُ إلى السماءِ الزَرقاء ، وقد كانَ تَغريدُه هذهِ المرّة أُنشودَة شُكرٍ لله على هذهِ النِعمةِ الكبيرة

بلال نعيم
24-02-2012, 10:45 AM
قصة الرسام والعصفور / للاطفال.

بدأت أيام العطلة الصيفية ، وأخذ الأطفال يلعبون هنا وهناك فرحين سعداء .. كل واحد منهم أخذ يلعب لعبته المفضلة .. أما ماهر فقد عاد لممارسة هوايته في الرسم .. منذ مدة وماهر ينتظر أن يعود لريشته وألوانه .. كان يحب الرسم ويعتبره الهواية الأجمل في هذه الحياة .. نادته أمه من البعيد :
- ماهر تعال يا ماهر ..
ركض نحوها ، وحين وصل ووقف قربها ، وضعت يدها على رأسه بحنان وقالت :
- هاقد عدت إلى هوايتك المضلة .. يحق لك الآن أن ترسم بكل حرية بعد أن أنهيت سنتك الدراسية بكل جد ونشاط ..أخبرني هل رسمت شيئا ؟؟ ..
- نعم يا أمي رسمت بطة جميلة وزورقا يسبح في النهر ..
قالت الأم:
- وأين هي لوحتك ، أريد أن أراها ، ليتك تريني كل شيء ترسمه..

ذهب ماهر إلى الغرفة وأحضر لوحته الصغيرة .. نظرت الأم إليها مدققة وقالت :

- لا شك أنك رسام ماهر مثل اسمك.. لكن كما تعلم الرسم يحتاج إلى الكثير من الصبر والمران ، راقب كل شيء وارسم بكل هدوء .. التعامل مع الألوان ممتع يا حبيبي .. سيفرح والدك عندما يعود بعد أيام من سفره ليجد أمامه عدة لوحات .. السنة الماضية كانت لوحاتك أقل نضوجا .. لكن هاهي لوحتك الأولى لهذا العام تبشر بالكثير .. ارسم كل شيء تراه في الطبيعة .. ليس هناك أجمل من الطبيعة .. والآن سأقدم لك هديتي ...

ضحك ماهر وقال :

- وما هي يا أمي ؟؟..

قالت الأم :

- ماذا ترى هناك على المنضدة ؟؟

نظر ماهر وصاح بفرح :

- علبة ألوان ... كم أنا بحاجة إليها .. شكرا لك يا أمي ..

ركض نحو المنضدة وأخذ علبة الألوان بفرح .. قالت الأم :

- وقد وعد والدك أن يحضر معه الكثير من أدوات الرسم ..

قال ماهر :

- شكرا لكما يا أمي ..

خرج ماهر إلى الحديقة المجاورة ، جلس على أحد المقاعد وأخذ يتلفت قائلا :

- ماذا سأرسم ؟؟ يجب أن أرسم شيئا جميلا .

سمعه عصفور ملون فقال :

- ارسمني يا ماهر .. انظر إلى ريشي ما أجمل ألوانه ..

قال ماهر :

- وهل تستطيع أن تبقى واقفا هكذا على الغصن حتى أنتهي من الرسم .. ؟؟..

أجاب العصفور :

- أجل سأقف .. لكن هل سيكون الرسم جميلا ؟؟..

قال ماهر :

- سنرى ..

وضع ماهر قطعة الورق المقوى على خشبة مربعة كان قد أحضرها معه.. أخرج الأقلام الملونة .. وبدأ يرسم بكل هدوء العصفور الذي وقف ساكنا إلى فترة تحرك بعدها وقال :

- ماهر لقد تعبت ..

كان ماهر مستغرقا برسمه ، فلم يسمعه .. طار العصفور ووقف قرب ماهر قال :

- تعبت يا ماهر .. تعبت ..!!..

ضحك ماهر وقال :


-لا بأس سأتركك لترتاح قليلا ..

زقزق العصفور فرحا ، طار إلى الغصن وعاد ، وقف قريبا من اللوحة وأخذ ينظر ، قال بدهشة :

- هل هذا الرأس رأسي يا ماهر ؟؟..

قال ماهر :

- أكيد ..إنه رأسك الجميل أيها العصفور ..

قال العصفور :

- رسمك رائع يا ماهر .. سأقف على الغصن حتى تكمل الرسم ..

أخذ ماهر يرسم العصفور بهدوء .. وكان العصفور بين الحين والحين يترك الغصن ويأتي لينظر إلى صورته في اللوحة .. وبعد قليل من الوقت انتهى ماهر تماما من رسم العصفور وقال :

- الآن تعال وانظر أيها العصفور ..

وقف العصفور أمام اللوحة ، زقزق سعيدا وقال :

- هل هذه الصورة تشبهني حقا ؟؟ . كم هو جميل رسمك ..

ضحك ماهر وقال :

- رسمي جميل لأنك جميل أيها العصفور الغالي ..

زقزق العصفور بفرح وطار بعيدا ليخبر أصدقاءه الطيور عن تلك الصورة الجميلة التي رسمها ماهر ، بينما حمل ماهر أدواته وعاد مسرورا مليئا بالسعادة إلى البيت ...

بلال نعيم
24-02-2012, 10:47 AM
قصة المطر والشجرة / للاطفال.

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على اشرف المرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

التقت شجرة بخروف يوماً، وكانت الشجرة تتمنى أن تكون مثل المطر، فقال لها الخروف أن ترضى بما هي عليه
فقالت الشجرة عاتبة


لا يا صديقي لا .. ولكن المطر يعطي الكثير ، وأتمنى بصراحة أن أكون مثله .. ليس هناك أجمل من العطاء ، وكما ترى فليس
هناك من يعطي كما يعطي المطر ، هذه حقيقة .. فلماذا لا أكون مثل المطر
قال الخروف


قد لا أفهم كثيرا في مثل هذه الأشياء .. لكن كيف تكونين مثل المطر .. أنا أظن أن المطر مطر
والشجرة شجرة والخروف خروف .. فكيف تكونين مثل مطر
أجابت الشجرة
اسمع يا صديقي ، سأوضح لك ، إن المطر يعطي ويفيد الآخرين كثيرا ، أما نحن ففائدتنا محدودة جدا ، لماذا لا نكون مثل المطر
قال الخروف بحزن مع أنه لم يفهم تماما ما المقصود من كلام الشجرة ، وكان يظن أنها تفهم كل شيء
معك حق يا صديقتي الحكيمة ، كم عطاؤنا قليل أمام عطاء المطر..لكن ماذا نستطيع أن نفعل ، من الصعب أن يصير الواحد
منا مطرا .. مثلا أنا لا أستطيع أن أتخيل نفسي حبات مطر ، ولا أستطيع أن أراك تهطلين مثل المطر
قال الشجرة

كأنك لم تصل إلى معنى ما أريد .. ببساطة يا صديقي الخروف أتمنى أن أعطي كثيرا لأكون مثل المطر
قال الخروف
ربما فهمت .. أقول ربما .. على كل المطر رائع وأنت رائعة ، مثلا أنا أظن أنك أفضل مني بكثير لأنك شجرة ولأنني خروف ، أنت تعطين
أكثر بكثير ، هذه حقيقة ، فهل أستطيع أن أكون شجرة على أقل تقدير قبل أن أكون مطرا
كانت حبات المطر تسمع هذا الحوار الطريف الجميل وتتمايل بفرح، ورأت أن تتدخل فقالت
كل ما تقولينه يا صديقتي الشجرة غير صحيح .. أيضا ما تقوله يا صديقي الخروف غير صحيح .. علينا أن ننظر إلى الحياة بشكل يكون فيه
الكثير من العمق .. كل واحد يقدم حسب استطاعته ، وعطاء كل واحد منا عطاء رائع لأنه يكمل عطاء
الآخر ما الذي يجري لو أن كل شيء تحول إلى مطر

قالت الشجرة
ولكن لماذا لا نعطي أكثر ؟؟ العطاء شيء جميل لماذا أنت أفضل منا في عطائك
أجابت حبات المطر بهدوء
كلنا نتعاون في العطاء .. أنا أعطي ، أنت تعطين ، الخروف يعطي ، كلنا نعطي ونفيد ، ليس هناك أقل وأكثر في عطائنا

كل واحد منا يؤدي وظيفته الرائعة في العطاء ، وكما قيل من يعطي يستحق الحياة ، وما دمنا نعطي فنحن نستحق الحياة
شعر الخروف بالكثير من الفخر وقال
ولكن هل قيمتنا مثل قيمتك أيها المطر
مادمنا لا نستطيع الاستغناء عن عطائك وعطائي وعطاء الشجرة، فالقيمة متساوية ، وأظن أنه لا قيمة لأحد بدون الآخرين
تابع المطر هطوله بسرور ، وكانت الشجرة سعيدة وهي تعانق حبات المطر ، أما الخروف فكان يجري بمرح متجها إلى بيت صاحبه

بلال نعيم
06-05-2012, 11:24 PM
قصة رد الجميل
كان سمير يحب أن يصنع المعروف مع كل الناس ، ولايفرق بين الغريب والقريب في معاملته الانسانية .. فهو يتمتع بذكاء خارق وفطنة . فعندما يحضر الى منزله تجده رغم عمره الذي لا يتجاوز الحادية عشرة .. يستقبلك ، وكأنه يعرفك منذ مدة طويلة .. فيقول أحلى الكلام ويستقبلك أحسن استقبال وكان الفتى يرى في نفسه أن عليه واجبات كثيرة نحو مجتمعه وأهله ، وعليه أن يقدم كل طيب ومفيد . ولن ينسى ذلك الموقف العظيم الذي جعل الجميع ينظرون اليه نظرة إكبار .. ففي يوم رأى سمير كلبا يلهث .. من التعب بجوار المنزل . فلم يرض أن يتركه .. وقدم له الطعام والشراب وظل سمير يفعل هذا يوميا ، حتى شعر بأن الكلب الصغير قد شفيّ ، وبدأ جسمه يكبر ، وتعود اليه الصحة . ثم تركه الى حال سبيله .. فهو سعيد بما قدمه من خدمة إنسانية لهذا الحيوان الذي لم يؤذ أحدا ولا يستطيع أن يتكلم ويشكو سبب نحوله وضعفه . وكان سمير يربي الدجاج في مزرعة أبيه ويهتم به ويشرف على عنايته وإطعامه وكانت تسلية بريئة له
وذات يوم إنطلقت الدجاجات بعيدا عن القفص واذا بصوت هائل مرعب يدوي في أنحاء القرية وقد أفزع الناس. حتى أن سميرا نفسه بدأ يتراجع ويجري الى المنزل ليخبر والده . وتجمعت الأسرة أمام النافذة التي تطل على المزرعة .. وشاهدوا ذئبا كبير الحجم ، وهو يحاول أن يمسك بالدجاجاتو يجري خلفها ، وهي تفر خائفة مفزعة وفجأة .. ظهر ذلك الكلب الذي كان سمير قد أحسن اليه في يوم من الأيام .. و هجم على الذئب وقامت بينهما معركة حامية .. وهرب الذئب ، وظل الكلب الوفي يلاحقه حتى طرده من القريةوأخذ سمير يتذكر ما فعله مع الكلب الصغيروهاهو اليوم يعود ليرد الجميل لهذا الذي صنع معه الجميل ذات يوم ، وعرف سمير أن من كان قد صنع خيرا فإن ذلك لن يضيع .. ونزل سمير الى مزرعته ، وشكر الكلب على صنيعه بأن قدم له قطعة لحم كبيرة ..جائزة له على ما صنعه ثم نظر الى الدجاجات ، فوجدها فرحانة تلعب مع بعضها وكأنها في حفلة عيد جميلة.

قصة صانع المعروف
معروف فلاح يعيش في مزرعته الصغيرة على شاطئ أحدى البحيرات ، تعود على عمله الذي أخذه عن والده ، وهو حرث الأرض وزراعتها وريها..اعتبر هذا العمل خدمة لوطنه الغالي الذي أعطاه الكثير ول يبخل عليه بأي شئ ..وكان معروف يتسلى بمظهر البحيرة التي تعيش فيها مجموعة طيور الأوز والبط ، وكانت أشكالها الجميلة وسباحتها في البحيرة مما تعود أن يراه يوميا وهذه هي تسليته الوحيدة...إنه لا يعرف الكسل ، فهو منذ الفجر يستيقظ نشيطا متفائلا..ولما كان عمله بدنيا فقد ازدادت صحته قوة وصلابة ، وأصبح يضاعف العمل في مزرعته ، فعرف أن زيادة الانتاج دائما تأتي بالعزيمة والايمان.وذات يوم وهو في مزرعته أثناء قيامه بشق الأرض ، إذا بصوت خافت يأتي من خلفه ، فاستدار فإذا هو ثعبان ضخم، فتخوف الفلاح وأراد الفرار ، ولكن الثعبان قال له: قف أيها الفلاح وأسمع حديثي لعلك تشفق عليّ ، وإن لم تقتنع فلا عليك ، أتركني ومصيري
فصعد الفلاح على ربوة وبسرعة حتى جعل البحيرة بينه وبين الثعبان من بعيد ، فقال الثعبان :إنني لم أضر أحدا في هذه القرية وقد عشت فترة طويلة فيها ، وانظر ستجد أبنائي خلف الشجرة ينتظرون قدومي بفارغ الصبر وانظر الى الراعي يريد أن يقضي عليّ بفأسه فخبئني حتى يذهب وسوف لا تندم على عملك ، فنزل معروف وخبأه في مكان لا يراه ذلك الراعي الذي ظل يبحث عنه هنا وهناك وغاب الراعي عن الأنظار وكأنه لم يجد فائدة من البحث عن الثعبان حيث اختفى، ولما أحس الثعبان بالأمان أخذ يلتف على معروف الذي أمنه على نفسه ، وجد معروف نفسه في ورطة كبيرة ، فالثعبان السام يلتف حول عنقه ، وحتى الصراخ لو فكر فيه لن يفيده
فالمكان لا يوجد فيه أحد وخاصة أن خيوط الليل بدأت تظهر في السماء ، وأهالي القرية البعيدون عن كوخه ومزرعته تعودوا أن يناموا مبكرين ، ومن يغيثه من هذا الثعبان الذي يضغط على رقبته ويقضي عليه؟ وهل في الامكان لشخص ما أن يقترب؟المنظر رهيب ، وهل يصدق أحد أن أنسانا ما يسمع كلام الثعبان مثل معروف ويأمنه ويقربه اليه ؟ وهنا قال معروف للثعبان: أمهلني حتى أصلي - وفعلا توضأ وصلى ركعتين وطلب من الله سبحانه وتعالى أن يخلصه من هذا الثعبان المخيف الرهيب بضخامته وسمومه القاتلة وبينما هو كذلك إذا بشجرة قد نبتت وارتفعت أغصانها وصارت لها فروع ، فتدلى غصن تحب أكله الثعابين وتبحث عنه ، فاقترب الغصن الى فم الثعبان ، فأخذ الثعبان يلتهم الغصن وماهي الا دقائق حتى إنهار الثعبان وسقط وكانت الشجرة عبارة عن سم ، فقتل ذلك الثعبان الذي لم يوف بعهده مع من حماه ، وفجأة اختفت الشجرة المسمومة وعلم معروف أن الله قريب من الانسان ، وانه لابد أن يعمل المعروف مع كل الناس ، ومع من يطلب منه ذلك



قصة الطفل المثالي
كان بندر محبوبا في مدرسته عند الجميع من أساتذة وزملاء ، فإذا استمعت الى الحوار بين الأساتذة عن الأذكياء كان بندر ممن ينال قسطا كبيرا من الثناء والمدح
سئل بندر عن سر تفوقه فأجاب :أعيش في منزل يسوده الهدوء والاطمئنان بعيدا عن المشاكل فكل يحترم الاخر ،وطالما هو كذلك فهو يحترم نفسه وأجد دائما والدي يجعل لي وقتا ليسألني ويناقشني عن حياتي الدراسية ويطلع على واجباتي فيجد ما يسره فهو لايبخل بوقته من أجل أبنائه فتعودنا أن نصحو مبكرين بعد ليلة ننام فيها مبكرين وأهم شئ في برنامجنا الصباحي أن ننظف أسناننا حتى إذا أقتربنا من أي شخص لا نزعجه ببقايا تكون في الاسنان ، ثم الوضوء للصلاة. بعد أن نغسل وجوهنا بالماء والصابون ونتناول أنا وأخوتي وجبة إفطار تساعدنا على يوم دراسي ثم نعود لتنظيف أسناننا مرة أخرى ونذهب الى مدارسنا
وإن كان الجميع مقصرين في تحسين خطوطهم فإني أحمد الله على خطي الذي تشهد عليه كل واجباتي..ولا أبخل على نفسي بالراحة ولكن في حدود الوقت المعقول ، فأفعل كل ما يحلو لي من التسلية البريئة
أحضر الى مدرستي وأنا رافع الرأس واضعا أمامي أماني المستقبل منصتا لمدرسي مستوعبا لكل كلمة، وأناقش وأسأل وأكون بذلك راضيا عن نفسي كل الرضا
وإذا حان الوقت المناسب للمذاكرة فيجدني خلف المنضدة المعدة للمذاكرة ، أرتب مذاكرتي من مادة الى أخرى حتى أجد نفسي وقد استوعبت كل المواد ، كم أكون مسرورا بما فعلته في يوم ملئ بالعمل والأمل

قصة تامر والثعبان
كان الفتى تامر ينظر الى بعض الأولاد ، وأحدهم يمسك بقطة من رقبتها ليخنقها ، المسكينة تصيح وتستغيث. وكان الطفل يحكم قبضته حول رقبة القطة ، ويزيد من ضغطه عليها وأحيانا يحملها من ذيلها ويجعلها تتأرجح بين يديه ، والقطة تستنجد ، وكان هذا الطفل يقهقه بأعلى صوته مسرورا بما يفعله .وكان تامر هادئا لا يريد أن يفعل شيئا مضرا بزملائه.فكان اسلوب تعامله معهم أدبيا ، لأنه يرى أن المشاجرة لا تجدى نفعا ، وتقدم تامر الى الطفل..وطلب منه أن يكف عن أذى الحيوان ، وأفهمه أن لهذه القطة فوائد في المنزل ، وفي أي مكان وجدت فيه..فهي عدوة للفئران والحشرات الضارة ، فهي تقضي عليهم ولا تجعل لهم أثرا ، وأن من الواجب أن يترك الانسان الحيوانات وشأنها.لأنها أليفة ، وبالتالي لاتضر..ثم قال له:ماذا تستفيد من تعذيبها بهذا الشكل؟ وهي عاجزة عن المقاومة، وبحاجة الى رعاية ،
وكانت القطة المسكينة تنظر الى تامر لعله يخلصها من اليد القابضة عليها ، وهنا رق الطفل وشكر تامرا على نصيحته الجيدة ، وأعترف بأن هذا فعلا حيوان لا يضر ، وقال لتامر: إنه لا يدري أن عمله هذا ردئ ، حيث أنه لم يسمع من أحد في البيت أو من أصدقائه ما سمعه من تامر ، وعاد تامر الى منزله ،وذات يوم ، قبل أن يأوي الى النوم..تذكر أنه يريد أن يشرب من الثلاجة الموجودة بالمطبخ ، فاتجه اليها ، وبعد أن شرب رأى نورا خافتا من جهة الباب الخارجي للمنزل ، فتذكر أن والده سيتأخر وأن عليه أن يغلق الباب ، وتقدم تامر ليغلق الباب وفجأة !!لاحظ شيئا ما أمام عينه يا الله..إنه ثعبان..وكان طويلا..فصرخ تامر فزعا.واخذ تامر يستغيث
ويحاول أن يجد له مخرجا من هذا المأزق ، ولكن الطريق أمامه مسدودة ، فهو لايدري ماذا يفعل..واضطربت أنفاسه، وكاد يغمى عليه..وبينما هو في فزعه!!نظر حوله فإذا بالقط يمسك بذلك الثعبان بين أنيابه ، وقد قضى عليه ، وقد عرف تامر أن هذا هو القط الذي أنقذه ذات يوم من ذلك الطفل ، وقد أمتلأ جسمه ، وأصبح في صحة جيدة ، ونظر القط الى تامر..وكأنه يقول له:وانني أرد لك الجميل ياتامر :وعاد تامر بعد أن أغلق الباب الى غرفته يفكر..كيف أن فعل الخير يدخر لصاحبه..حتى يوّفى له..فتعلم درسا طيبا..وقرر أن تكون حياته سلسلة من الاعمال الخيرية.

قصة تامر والغزال
كان الفتى الصغير فوق حصانه يطارد غزاله في ذلك الخلاء البعيد . وكانت غزالة جميلة تركض بسرعة حتى لا يكاد يلحق بها الحصان الذي كان يركض خلفها بسرعة . وكان الطريق طويلا ، وكان الفتى لا يعلم أين هو ، فقد ابتعد كثيرا عن الأصدقاء ، والماء أصبح قليلا ، وكذلك الطعام ، والشمس في السماء لمّا تغب. وسرعان ما تغير لون السماء فأرعدت ، وأبرقت ، ونزل المطر ينهمر بشدة ، فضاعت معالم الطريق أمام تامر الذي قال : أين أنا ياترى ؟ وماذا سيكون مصيري في هذه الليلة ؟ وقد كنت أود العودة ، ولكنني أريد أن ألحق بهذه الغزالة مهما كان الأمر فكأنني وقعت في الفخ وعليّ أن أكون بطلا ، ويجب ألاّ أبكي وقد تعلمت ألا أخاف إلا الله ، وصعد الى الجبل ، ووجد صخرة ..فدخل تحتها وبجانبه حصانه ، واحتميا بالصخرة من ذلك المطر المنهمر، وبينما هو في ذلك المأزق الحرج
سمع صوت الذئاب وهي تعوي ، وتقترب منه لتفترسه وتأكلهوكان عليه أن يفكر كيف يترك المكان؟ ويتخلص من الذئاب المتوحشة ويهرب ، ولكنه أسرع وأشعل عود الثقاب في حزمة من الحطب والأغصان الجافة ، وأوقد نارا عالية والذئاب تخاف النار فهربت جميعا ، وابتعدت عن الحصانوفجأة قفز تامر الى صخرة بعيدة وظل مختفيا خلفها ، وماهي الا لحظات حتى رأى من بعيد كلبه الأمين يجري ومعه الحصان واشتد خوف الذئاب فاختفت .وتقدم الكلب الوفي لصديقه الذي ظل يبحث عنه وصعد تامر على ظهر حصانه مرة أخرى وظهر الغزال مرة أخرى فطارده تامر ، وفجأة تعثر الغزال واستطاع تامر أن يمسك به ..بعد رحلة محفوفة بالخطر

بلال نعيم
08-06-2012, 12:25 PM
(1) قصة القارب العجيب

تحدى أحد الملحدين- الذين لا يؤمنون بالله- علماء المسلمين في أحد البلاد، فاختاروا أذكاهم ليرد عليه، وحددوا لذلك موعدا.

وفي الموعد المحدد ترقب الجميع وصول العالم، لكنه تأخر. فقال الملحد للحاضرين: لقد هرب عالمكم وخاف، لأنه علم أني سأنتصر عليه، وأثبت لكم أن الكون ليس له إله !

وأثناء كلامه حضر العالم المسلم واعتذر عن تأخره، ثم قال: وأنا في الطريق إلى هنا، لم أجد قاربا أعبر به النهر، وانتظرت على الشاطئ، وفجأة ظهرت في النهر ألواح من الخشب، وتجمعت مع بعضها بسرعة ونظام حتى أصبحت قاربا، ثم اقترب القارب مني، فركبته وجئت إليكم. فقال الملحد: إن هذا الرجل مجنون، فكيف يتجمح الخشب ويصبح قاربا دون أن يصنعه أحد، وكيف يتحرك بدون وجود من يحركه؟!

فتبسم العالم، وقال: فماذا تقول عن نفسك وأنت تقول: إن هذا الكون العظيم الكبير بلا إله؟!


(2) قصة الدرهم الواحد

يحكى أن امرأة جاءت إلى أحد الفقهاء، فقالت له: لقد مات أخي، وترك ستمائة درهم، ولما قسموا المال لم يعطوني إلا درهما واحدا!
فكر الفقيه لحظات، ثم قال لها: ربما كان لأخيك زوجة وأم وابنتان واثنا عشر أخا. فتعجبت المرأة، وقالت: نعم، هو كذلك.

فقال: إن هذا الدرهم حقك، وهم لم يظلموك: فلزوجته ثمن ما ترك، وهو يساوي (75 درهما)، ولابنتيه الثلثين، وهو يساوى (400 درهم)، ولأمه سدس المبلغ، وهو يساوي (100 درهم)، ويتبقى (25 درهما) توزع على إخوته الاثنى عشر وعلى أخته، ويأخذ الرجل ضعف ما تأخذه المرأة، فلكل أخ درهمان، ويتبقى للأخت- التي هي أنت- درهم واحد.


(3) قصة المال الضائع

يروى أن رجلاً جاء إلى الإمام أبى حنيفة ذات ليلة، وقال له: يا إمام! منذ مدة طويلة دفنت مالاً في مكان ما، ولكني نسيت هذا المكان، فهل تساعدني في حل هذه المشكلة؟

فقال له الإمام: ليس هذا من عمل الفقيه؛ حتى أجد لك حلاً. ثم فكرلحظة وقال له: اذهب، فصل حتى يطلع الصبح، فإنك ستذكر مكان المال إن شاء الله تعالى.

فذهب الرجل، وأخذ يصلي. وفجأة، وبعد وقت قصير، وأثناء الصلاة، تذكر المكان الذي دفن المال فيه، فأسرع وذهب إليه وأحضره.

وفي الصباح جاء الرجل إلى الإمام أبى حنيفة ، وأخبره أنه عثر على المال، وشكره ، ثم سأله: كيف عرفت أني سأتذكر مكان المال ؟! فقال الإمام: لأني علمت أن الشيطان لن يتركك تصلي ، وسيشغلك بتذكر المال عن صلاتك.


(4) قصة المرأة الحكيمة

صعد عمر- رضي الله عنه- يوما المنبر، وخطب في الناس، فطلب منهم ألا يغالوا في مهور النساء، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يزيدوا في مهور النساء عن أربعمائة درهم؟ لذلك أمرهم ألا يزيدوا في صداق المرأة على أربعمائة درهم.

فلما نزل أمير المؤمنين من على المنبر، قالت له امرأة من قريش: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم؟ قال: نعم.

فقالت: أما سمعت قول الله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا} ( القنطار: المال الكثير).

فقال: اللهم غفرانك، كل الناس أفقه من عمر.

ثم رجع فصعد المنبر، وقال: يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا في مهور النساء، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب فليفعل
.



(5) قصة الخليفة الحكيم

كان عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- معروفا بالحكمة والرفق، وفي يوم من الأيام، دخل عليه أحد أبنائه، وقال له:

يا أبت! لماذا تتساهل في بعض الأمور؟! فوالله لو أني مكانك ما خشيت في الحق أحدا.

فقال الخليفة لابنه: لا تعجل يا بني؛ فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في المرة الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه (أي أخاف أن أجبرهم عليه مرة واحدة فيرفضوه) فتكون فتنة.
فانصرف الابن راضيا بعد أن اطمأن ***ن سياسة أبيه، وعلم أن وفق أبيه ليس عن ضعف، ولكنه نتيجة حسن فهمه لدينه.


(6) قصة ورقة التوت

ذات يوم جاء بعض الناس إلى الإمام الشافعي، وطلبوا منه أن يذكر لهم دليلاً على وجود الله عز وجل.

ففكر لحظة، ثم قال لهم: الدليل هو ورقة التوت.

فتعجب الناس من هذه الإجابة، وتساءلوا: كيف تكون ورقة التوت دليلاً على وجود الله؟! فقال الإمام الشافعى: "ورقة التوت طعمها واحد؛ لكن إذا أكلها دود القز أخرج حريرا، وإذا أكلها النحل أخرج عسلاً، وإذا أكلها الظبي أخرج المسك ذا الرائحة الطيبة.. فمن الذي وحد الأصل وعدد المخارج؟! ".

إنه الله- سبحانه وتعالى- خالق الكون العظيم!


(7) قصة العاطس الساهي

كان عبد الله بن المبارك عابدا مجتهدا، وعالما بالقرآن والسنة، يحضر مجلسه كثير من الناس؛ ليتعلموا من علمه الغزير.

وفي يوم من الأيام، كان يسير مع رجل في الطريق، فعطس الرجل، ولكنه لم يحمد الله. فنظر إليه ابن المبارك، ليلفت نظره إلى أن حمد الله بعد العطس سنة على كل مسلم أن يحافظ عليها، ولكن الرجل لم ينتبه.

فأراد ابن المبارك أن يجعله يعمل بهذه السنة دون أن يحرجه، فسأله:
أي شىء يقول العاطس إذا عطس؟

فقال الرجل: الحمد لله!

عندئذ قال له ابن المبارك: يرحمك الله.


(8) قصة الرجل المجادل

في يوم من الأيام، ذهب أحد المجادلين إلى الإمام الشافعي، وقال له:
كيف يكون إبليس مخلوقا من النار، ويعذبه الله بالنار؟!

ففكر الإمام الشافعى قليلاً، ثم أحضر قطعة من الطين الجاف، وقذف بها الرجل، فظهرت على وجهه علامات الألم والغضب. فقال له: هل أوجعتك؟
قال: نعم، أوجعتني

فقال الشافعي: كيف تكون مخلوقا من الطين ويوجعك الطين؟!

فلم يرد الرجل وفهم ما قصده الإمام الشافعي، وأدرك أن الشيطان كذلك: خلقه الله- تعالى- من نار، وسوف يعذبه بالنار.


(9) قصة الشكاك

جاء أحد الموسوسين المتشككين إلى مجلس الفقيه ابن عقيل، فلما جلس، قال للفقيه: إني أنغمس في الماء مرات كثيرة، ومع ذلك أشك: هل تطهرت أم لا، فما رأيك في ذلك؟

فقال ابن عقيل: اذهب، فقد سقطت عنك الصلاة.

فتعجب الرجل وقال له: وكيف ذلك؟

فقال ابن عقيل:

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ ". ومن ينغمس في الماء مراراً - مثلك- ويشك هل اغتسل أم لا، فهو بلا شك مجنون.


(10) قصة الطاعون

خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ذاهبا إلى بلاد الشام، وكان معه بعض الصحابة.

وفي الطريق علم أن مرض الطاعون قد انتشر في الشام، وقتل كثيرا من الناس، فقرر الرجوع، ومنع من معه من دخول الشام.

فقال له الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟

فرد عليه أمير المؤمنين: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!

ثم أضاف قائلاً: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله؛ أرأيت لو أن لك إبلا هبطت واديا له جهتان: إحداهما خصيبة (أي بها زرع وحشائش تصلح لأن ترعى فيها الإبل)، والأخرى جديبة (أي لا زرع فيهما، ولا تصلح لأن ترعى فيها الإبل)، أليس لو رعيت في الخصيبة رعيتها بقدر الله، ولو رعيت في الجديبة رعيتها بقدر الله؟!

بلال نعيم
27-06-2012, 10:34 AM
http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15884.imgcache (http://www.5aa5.com/)


http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15885.imgcache (http://www.5aa5.com/)


http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15886.imgcache (http://www.5aa5.com/)


http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15887.imgcache (http://www.5aa5.com/)


http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15888.imgcache (http://www.5aa5.com/)


http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15889.imgcache (http://www.5aa5.com/)


http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15890.imgcache (http://www.5aa5.com/)


http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15891.imgcache (http://www.5aa5.com/)


http://www.arjwan.com/vb/imgcache/15892.imgcache (http://www.5aa5.com/)

بلال نعيم
22-09-2012, 09:06 AM
هديـــــــــــــــــة الثعــــــــلب




كان الثعلب على علم بموعد عيد ميلاد النمر ، فاشترى لهذه المناسبة ربطتي كرنب هائلتين واستودعهما لدى العنزة وطلب منها أن توصل الهدية مصحوبة برسالة إلى الكاسر الرهيب .
فوافقت العنزة مسرورة .
بما أن النمر حيوان لاحم لا يأكل الخضروات ، فإن حزمتي الكرنب ستكونان من نصيبي لا محالة .' هكذا حدثت العنزة نفسها وهي تحث السير إلى أن وصلت عرين النمر ، فقدمت له الهدية .
قبل النمر الهدية شاكرا ، ثم انفجر ضاحكا بعد أن قرأ الرسالة :
- يا لهذا الثعلب النزق . هل نسي أنني لا آكل الخضر . هما لك أيتها العنزة فكلي الكرنب هنيئا مريئا .
أعجبت العنزة بكرم النمر ، فشكرته وانهمكت في تذوق الخضر إلى أن أنهت الوليمة ، فهمت بمغادرة المكان . لكن – يا للمفاجأة – لقد وجدت الباب موصدا في وجهها وسمعت قهقهات النمر :
- لقد أسر لي الثعلب بأنك هدية عيد ميلادي ، فبماذا سأتغدى في يوم فرحتي إذا ذهبت الآن ؟
وقفز على العنزة فاتحا شدقين واسعين عض بهما العنزة من العنق .
إن الحيلة في ترك الحيل . ومحتال واحد يقابله محتالا ونصفا . وربح صغير قد يخبئ وراءه خسارة فادحة تكون عاقبتها وخيمة .


2 – بائع البرتقال





انتصب بائع برتقال على قارعة الطريق يبيع ثماره ، فمرت بقربه عجوز وسألته إن كانت هذه الثمار المعروضة للبيع حامضة ؟
ظن البائع أن حريفته العجوز لا تأكل البرتقال الحامض ، فرد عليها مسرعا :
- لا . هذا برتقال حلو . كم يلزمك يا سيدتي ؟
- ولا حبة واحدة . أنا أرغب في شراء البرتقال الحامض ، فكنتي حامل وهي تهوى أكل ذاك الصنف من البرتقال .
ها قد خسر البائع الصفقة .
بعد وقت طويل ، اقتربت منه امرأة حامل ، وسألته :
- هل هذا البرتقال حامض يا سيدي ؟
وبما أن المرأة حامل ، فإن الإجابة كانت على طرف لسان التاجر :
- نعم . هو حامض يا سيدتي . كم كيلوغرام تريدين ؟
- ليست لي رغبة في هذا البرتقال ، فحماتي تحبذ البرتقال الحلو وتمقت البرتقال الحامض .
ها هو التاجر يخسر مرة ثانية الصفقة .
إن من يريد خداع الآخرين يخدع نفسه قبلهم .


3 – الجرادة الرمادية والجرادة الخضراء .



في فصل الخريف ، وفي حقل ذرة لم يستو بعد ، كانت تعيش جرادة رمادية .
قريبا من حقل الذرة ، وفوق العشب الأخضر ، كان يوجد مسكن الجرادة الخضراء .
ذات يوم ، استعدت الجرادة الرمادية وقفزت قفزة هائلة ، فغادرت حقل الذرة وحطت فوق العشب الأخضر .
- هاي . ماذا يحدث ؟ ماذا تفعلين أنت هنا ؟
- من هذا الذي يتكلم ؟
والتفتت الجرادة الرمادية حولها تبحث عن مصدر الصوت ، فاكتشفت جرادة خضراء عند مرمى بصرها . جرادة لم تستطع تمييزها بسهولة بين الأعشاب بسبب كسوتها الخضراء .
- أنا الجرادة الرمادية . أسكن في حقل الذرة المجاور . أعذريني إن كنت أقلقت راحتك بهذا الهبوط الصاخب .
كانت الجرادة الرمادية تتكلم وهي منهمكة في تفحص الجرادة الخضراء من كل الجهات : رأس أخضر ، وجسم أخضر ، حتى الجناحان خضراوان كأنهما ورقتان منشورتان ، ورقتان من حجر اليشم الكريم .
تأملت جرادة حقل الذرة جرادة العشب الأخضر ، فأكل الحسد عقلها وقلبها وكرهت نفسها . كرهت هذا اللون الرمادي ، فعادت إلى حقل الذرة تجر أذيال الخيبة .
في الغد ، عادت الجرادة الرمادية خفيفة إلى الأرض الخضراء ، فدعكت جسمها بالحشائش دعكا شديدا حتى اخضر لونها ، فصارت ترقص فرحا وغبطة .
وعند عودتها إلى حقل الذرة ، وبينما كانت تعرض جمالها على أترابها ولعابها الأخضر يسيل من فمها ، انقض عليها فرس النبي من خلف ، فأكلها .
لقد جنى عليها هذا اللون الأخضر الجميل الذي جعلها تتميز على قريناتها في حقل
الذرة الرمادي



4 – الحجة الدامغة .






اصطاد ثعبان دراجا أعرج واستعد لالتهامه ، لكن ثعلبا سرقه منه بحركة سريعة بارعة ، ولم يترك له فرصة لاستعادته .
قال الثعبان :
- أنا من اصطاد هذا الديك البري فمن حقي أن أتمتع بأكله .
رد عليه الثعلب :
- سيكون من نصيبي يا ثعبان . فمنذ شهر ، أوقفته وعضضته من إحدى قائمتيه . أنظر مليا ، أليس هذا الدراج أعرج ؟
أمام هذه الحجة الدامغة ترك الثعبان الدراج للثعلب .
واستعد الثعلب لاتهام الدراج لكن ذئبا انقض على الفريسة وافتكها منه . فلم يستسلم الثعلب بسهولة ، وصار يحاجج الذئب :
- إنه دراجي يا ذئب . أنا من اصطاده ، فهو ملكي ومن حقي التهامه . فلماذا تسطو على رزق غيرك أيها الظالم الغشوم ؟
رد الذئب مبتسما :
- هذا لن يكون أبدا يا ثعلبي العزيز . ولتعلم أنني اصطدت هذا الدراج منذ ستة شهور لكنني لم آكل هذا الطائر البري لأنه كان هزيلا . فربطته في كهف وجعلت أسمنه . ومع حرصي الشديد ، غافلني ابن الدراجة الملعونة وفر بجلده .
أنظر مليا ، ألا ترى ذيله المنتوف يا ثعلب ؟
كان الثعلب يعرف أن ما قاله الذئب كذب في كذب ، وإن مقولته لا أساس لها من الصحة مثلها مثل تأكيداته هو للثعبان . ولكن ما حيلته أمام حجج الذئب الدامغة ، فتخلى له عن الدراج .
في تلك اللحظات ، وصل نمر بغتة . انقض على الدراج وافتكه من بين أنياب الذئب الذي صاح محتجا :
- اترك لي دراجي أيها النمر ، فأنا من اصطاده . إنه رزقي الحلال يا سيد الغابة .
فرد النمر على افتراءات الذئب :
- هذا غير صحيح يا حبيبي لأن هذا الدراج ملكي الخاص . لقد حجزت هذا الطائر منذ سنة . والله لأقطعن اليد التي تمتد نحو ريشة من ريشه .
فارتفع لغط الذئب والثعلب والثعبان :
- هذا كذب بائن يا نمر ، فعمر هذا الدراج أقل من سنة .
هات حجة أخرى إن كنت من الصادقين .
فقال لهم النمر هادئا مطمئنا :
- كلامكم سليم يا أحبابي ، ولكن لتعلموا أنني اصطدت منذ سنة دراجة عرجاء وبلا ذيل ، فاستعطفتني هذه الدجاجة المسكينة وطلبت مني أن أطلق سراحها . ووعدتني بأن تهبني كل فراخها مقابل عفوي وكرمي .
أنظروا أيها العميان ، أليس هذا الدراج أعرج وبلا ذيل ؟ إنه بلا شك واحد من ذرية دراجتي ، فمن العدل إذن أن يكون من نصيبي .

بلال نعيم
07-12-2012, 12:24 AM
العصفورةُ الصغيرة التي تنقلُ الأخبارَ









قالَ شريفٌ لأخيه نور وهما في حديقة منزل
جدّهما (أبو رضوان) يتبادلان سقاية أشجار التفاح فيها:
ـ أتعجَّبُ كيفَ يعرفُ الجدُّ (أبو رضوان) كل ما نفعله داخلَ وخارجَ البيتِ رغم أنه لا يكونُ موجوداً معنا...
قال نور بعد أن تلفّتَ حولَهُ ليتأكدَ أنَّ الجدَّ بعيدٌ:
ـ صحيحٌ. تصوَّرْ يا شريف أنّهُ عرفَ أنني ضيعتُ مصروفي نهارَ الأمسِ, وعرفَ أنني تشاجرتُ مع حسن ابن الجيرانِ...
[/C]http://www.alarabimag.com/youngaraby/Data/2005/1/1/Media_67536.JPG

قال شريف وهو يضغط على أسنانه بحنقٍ:

ـ لا بد وأنَّها تلك العصفورةُ الصغيرةُ الشريرةُ.

عاد نور ليجولَ في الحديقة بعينيه ويسأل أخاه بصوتٍ خفيفٍ:

ـ أتعتقدُ أن العصفورةَ الصغيرةَ موجودةٌ حقاً وتخبر كلّ الآباء والأمهات والأجداد بما يفعله الأولاد?...

رفع شريف كتفيه وابتسمَ ابتسامةً ساخرةً قائلاً:

ـ هيءْ...

http://www.alarabimag.com/youngaraby/Data/2005/1/1/Media_67541.JPG

سأل نور أخاه من جديد:

ـ ماذا تعني بـ (هيءْ) ?...

قال شريف:

ـ أعني أن الأمرَ واضحٌ.. نعم. هناك عصفورةٌ صغيرةٌ يقولُ عنها الأهل إنها جميلةٌ ولطيفةٌ ويعرفُ الأولادُ أنها شريرةٌ تنقلُ الأخباَرَ وخاصةً الضارةَ منها...

قال نور:

ـ أتمنى لو أمسكُ بها...

قال شريف:

ـ تلك أمنيتي أيضاً.

وبينما الولدان في حديثهما ناداهما الجدُّ من الداخل بصوتِهِ المتهدجِ:

ـ شريف... نور...

رد الولدان معاً:

ـ نعم يا جدي.

قال الجد:

ـ الله ينعم عليكما... أريدُ منكما أن تذهبا إلى السوقِ وتبتاعا لي بعضَ الأغراضِ... وهاكما لائحةٌ بها.

وأخرج الجدّ من جيبه مائة ليرة ناولها لشريف قائلاً:

ـ أعتقدُ أن النقودَ كافيةٌ لشراء ما كلفتُكُما به... هيا...

سارع الولدان إلى لبسِ حذاءيهما بعد أن جففا أقدامَهما المبللةَ بالماءِ وأغلقا صنبورَ المياهِ.

وعند البوابةِ لم ينسَ الجدُّ أن يوصيَهما:

ـ بعد أن تبتاعا الأغراضَ, أسرعا عائدين لأن جدتَكما تريدُ تحضيرَ الغداءِ.

ونبههما:

ـ لا تغيبا أكثرَ من ساعةٍ...

ـ حسناً حسناً...

قال الولدانِ معاً بصوتٍ واحدٍ, وأغلقا البوابةَ الحديديةَ الخضراءَ, وراحا يقفزان فرحينِ لأنَّ الجدَّ أمَّنَهما على الدراهمِ لينفقاها.

وحملا اللائحةَ والنقودَ واتجها نحو السوقِ.

ولم يَطُلِ الوقت حتى ابتاعا كلَّ الأغراضِ, فقال شريف:

ـ لقد ابتعنا كلَّ الأغراض خلال نصف ساعةٍ يا نور, ولدينا متسعٌ من الوقتِ ومزيدٌ من النقودِ...

قال نور فرحاً:

ـ حقاً... وبإمكاننا أن نتفرجَ على الألعابِ المعروضةِ في واجهاتِ المحلاتِ, وأن نتناولَ عصيرَ الجزرِ الطازجِ...

فكّر شريف قليلاً ثم قال:

ـ نعم.. نتفرج على واجهاتِ المحلاتِ بما لا يزيد عن خمسِ دقائقَ, ونشربُ عصير الجزر بما تبقى معنا من نقودٍ فالبندورةُ أرخصُ بكثيرٍ مما قدّر الجدُّ, كذلك الخيارُ... ولي كلُّ الثقةِ أنه يسمح لنا بإنفاقِ فَرْقِ الثمنِ.

قال نور:

ـ طبعاً يا شريف خاصة إذا عرف أننا شربنا عصيرَ الجزرِ الطازجِ ولم نأكل البوظةَ أو الأغذيةَ الضارةَ...

وقفَ الولدانِ عندَ بائعِ عصيرِ الجزرِ وشربا كوبين كبيرينِ من العصيرِ ذي اللونِ الزاهي الجميلِ, ثم وقفا أمام واجهة أحد المحلاتِ لخمسِ دقائقَ, وأمامَ محلٍّ آخرَ لسبعِ دقائقَ, وأمامَ ثالثٍ لعشرِ دقائقَ...

وفجأةً, خطرَ ببالِ شريف أن ينظرَ إلى الساعةِ, فقالَ:

ـ انظر يا نور... لقد مضى على خروجِنا ساعةٌ ونصفُ الساعةِ... أسرع... أسرع...

وركضا ليكسبا الوقتَ, ودخلا البيتَ ومعهَما أكياسُ الأغراضِ وقدّماها للجدّ الذي كان منتظراً والذي نظر إلى ساعته ثم إلى وجهيهما المتعبين, ولاحظَ كم كان تنفسُهما سريعاً:

ـ كنتُ أتوقع عودتَكما قبل الآن...

قال شريف:

ـ تعرف يا جدي أن اختيارَ الخيارِ والبندورةِ يستغرقُ وقتاً...

فقال الجدُّ وكأنه عرفَ ما جرى معهما في السوقِ:

ـ ليس دائماً...

ونظر إلى ما تبقى من النقودِ وسألَ:

ـ وهل هذا ما بقي من المائةَ ليرةٍ?..

قالا معاً:

ـ نعم...

ولم يجسرا أن يخبرا الجدَّ عن عصيرِ الجزرِ مع أنَّهما كانا متأكدينِ أن الجدَّ سيسامحُهما.وبعد ساعةٍ كانَ طعامُ الغداءِ جاهزاً. وبعدَ أن غسل الجميعُ أيديهم, قال الجدُّ:

ـ بسم الله.

وكررا مع جدتهما:

ـ بسم الله.

لاحظ الجد أن الصبيين يأكلان - على غير العادة - من غير شهيةٍ إذ لم يأكلا أيةَ قطعةٍ من الخبزِ, وكان الرزُّ في الصحنينِ لا يكفي عصفوراً صغيراً, أما الخضارُ المطبوخةُ فكانت أقلَّ منَ الرزِّ, ولم تمتدّ الأيدي الصغيرةُ إلى الفاكهةِ على الإطلاقِ.

وسرعان ما نهض الولدان حامدينِ اللهَ, وشاكرَيْنِ الجدةَ على طبخِها الطيبِ, وإن كانت تحسُّ ـ لأول مرة ـ أنهما يجاملانِها, وأنهما لم يحبّا كثيراً ما طبختْ. لم يقُلِ الجدُّ شيئاً لكنه فهمَ الحقيقةَ.

وبعد الغداءِ, نادى حفيديه إلى الحديقةِ وطلبَ منهما أن يجلسا على كرسيينِ صغيرينِ قبالته, وسألهما:

ـ ماذا أكلتما اليوم في السوقِ?

قال نور متظاهراً بالبراءةِ:

ـ ماذا أكلنا?

قالَ الجدُّ:

ـ لا تزيدا على ذنبِكما في التأخيرِ ذنباً آخر وهو الكذبُ, لقد ارتكبتما خطأين وأعتقد أنني أعرفُ كلَّ شيء.

توردت وجنتا الصبيين خجلاً, وتابع الجد:

ـ جلتما تتفرجانِ على ما في واجهات الدكاكينِ, وملأتما بطنيكُما بما لذَّ وطابَ...

قال شريف:

ـ كيف عرفتَ هذا يا جدي?

قال الجدّ:

ـ العصفورةُ الصغيرةُ أخبرتني...

وما إن سمعَ الولدان باسمِ العصفورةِ حتى تمنيا من جديد لو أنهما يمسكانِ بها ويتخلصانِ منها, وراحَ الاثنان يبحثانِ في الفضاءِ عنها ويتساءلان أين يمكن أن تكونَ الآن بعد أن أدت ما تعتقدُ أنهُ لصالحِهما.

لكنَّ شريف سأل جده:

ـ جدي..هلِ العصفورةُ الصغيرةُ حقيقيةٌ?

تنهدَ الجدُّ وارتسمتْ على شفتيه ابتسامةٌ واسعةٌ شجعتِ الصبيينِ على طرحِ مزيدٍ من الأسئلةِ, فقال نور:

ـ نحنُ لم نرَها أبداً, ولم تنقلْ إلينا أي خبرٍ في أي يوم من الأيامِ..

سأل الجدُّ:

ـ صحيحٌ...فالعصفورة الصغيرةُ ليستْ حقيقيةً.

هنا سأل الولدان معاً:

ـ فكيف تعرفُ أنتَ, إذن, كلَّ ما نفعل?

قال الجدّ:

ـ كيف أعرفُ? الأمرُ بسيطٌ. أنتما أخبرتماني كلَّ شيءٍ, فقد قرأته في أعينكما ووجهيكما وسمعته في نبرة صوتيكما وقت وصلتما ووقتَ جلستما إلى الغداءِ, فأنتما إذن كنتما تلك العصفورة...

نظر الولدان كلٌ منهما إلى الآخر مستغربين, ثم نظرا إلى جدِّهما الذي تابع:

ـ لم يكن ضميرُكما مرتاحاً فظهرتما بمظهرِ الجبن فلم تتجاسرا أن تنظرا إليّ ملياً. وعرفت ما فعلتما حالاً عندما دخلتما البيت.

أطرق شريف ونور ثم قالا معاً:

ـ نحن نعتذرُ يا جدي... لن نكذب بعد اليوم. ضحك الجدّ قائلاً:

ـ لقد سامحتُكما... سامحتُكما على ما حاولتما أن تخفياهُ عني وإنْ كانَ بسيطاً, فالكذبةُ الصغيرةُ كما الكذبةُ الكبيرةُ.

نهض نور وشريف وقبلا وجنتي جدهما وهما يعدانه قائلينِ إنهما سيكونان صادقين دائماً, لكنهما فوجئا بعصفورةٍ صغيرةٍ تقتربُ من كتفِ جدهما, وتطيرُ قرب أذنه كأنها توشوشه سراً, وعندما سألاه عما أخبرتهُ عادَ فأكدَ لهما أنهما فقط من ينقلُ له الأخبارَ, أما العصفورةُ الصغيرةُ, فلم تزد على قولها: وِتْ وِتْ وِتْ...


غريد الشيخ
مجلة العربي الصغير